مقدمة

الحمدللّه رب العالمين لا شريك له، والصلاة والسلام على خاتم رسله، وسيد انبيائه محمد واهل بيته الطاهرين وعلى اصحابه المخلصين.

لم تكن فكرة الكتابة في موضوع الامام المهدي المنتظر (ع) على ما له من اهمية بالغة علميا ودينيا واردة لدي حتى بوصفها مشروعا للمستقبل... فانا اعلم مدى مالابس هذا الموضوع من تصورات بسبب الخلاف السياسي والمذهبي بين الفرق الاسلامية من جهة، وبسبب التنظيرات الغنوصية ((1)) الباطنية من جهة اخرى. واعلم‏ايضاما دخل الاحاديث المتصلة به نتيجة لذلك من وضع وتحريف، وما شاب التصورات حوله من غموض وخلط وتشويش...

هذا يضاف الى ما في مفردات تاريخه (ع)، اصلا، بحكم كونه آخر اوصياء الرسول (ص)، من امور غامضة لا بد منها لاتصالها بالظروف الموضوعية وما تحتمه كيفية‏التعامل معها في طرف، وبالارادة والخطة الالهية الخاصة بمستقبل الرسالة، والامة بل البشرية بعامة في طرف آخر.

كل ذلك وغيره يحتاج، في البحث والفرز والمعالجة والتفسير، الى وقت وجهد لا املكهما.

ثم ان بين يدي بحوثا واطاريح حالت ظروف شخصية، ذاتية وموضوعية، دون اتمامها حتى الان... وكان من دعائي ان يفسح اللّه سبحانه لي مدى استطيع به انجازهابالكيفية التي اطمح اليها في المادة والمنهج والاسلوب.

وافرزت الظروف، في السنوات الاخيرة، مناخا كون احوالا نفسية وفكرية ساعدت على ان ينجم مرة اخرى في العراق وخارجه في اوساط العامة من الشيعة على ماتناقله الناس

واشتهر بينهم افراد يدعون الصلة بالامام المهدي المنتظر

(ع) ويتجاوزون ذلك الى التبليغ عنه بما يناقض بعضه ثوابت

الدين، وضرورياته بل والى‏ادعاء بعض منهم انه الامام (ع) عينه.

وتلك هي دعوى البابية والمهدوية نفسها كما عرفنا على

امتداد التاريخ الاسلامي.

انها تبدا بدعوى البابية للامام (ع) فالمهدوية، ثم تنتهي بعدئذ

الى دعوى النبوة بمعناها الاصطلاحي المستقل الذي ينسخ

ويؤسس، بل الى دعوى الربوبية بناء على‏نظرية الوحدة المطلقة (((2)).

وسنتحدث عنهم بربط ما اشتهر عن الجدد بالمعروف عن

القدماء، وتاسيسا على ما هو الثابت من القواعد والتنظيرات

المشتركة لمثل هذه الدعاوى.

ان مقام المهدية، بل النبوة في السلوك العرفاني الصوفي

المغالي، حق لمن بلغ مرحلة الفناء، او درجة الولاية الكبرى كما

يسمونها طبقا لتحديداتهم في الاسفارالاربعة.

وقد ظهر، في تاريخهم، عدد غير قليل ادعى ذلك على القاعدة

والنهج اللذين اشرنا اليهما.

ولا يختلف الغلاة من الشيعة كما يثبت تاريخهم بدءا من ابي

الخطاب، والمغيرة بن سعيد، ومحمد بن فرات، ومحمد بن

بشير، وابي منصور العجلي ونظائرهم في‏السابق، وانتهاء بخر بابي ومغال في اللاحق، عن غلاة الصوفية من حيث القاعدة

والمنطلق الاساس، وما يقوم عليهما من تنظيرات وممارسات..

الا في الاسلوب الذي‏يمليه عليهم التلاؤم مع مفاهيم الاوساط الشيعية في حركتهم داخلها ابتداء، وفي المراحل الاولى.

انهم يتحدثون للناس في البداية عما للرسول (ص) والائمة من

اهل بيته (ع) من رتبة روحية سماوية متقدمة مبدا ومعادا.. ثم

يبنون على ذلك: القول بالامام الكوني((3))الذي يعني الاسم

الظاهر، او العالم ككل ومع ان من يقول بذلك غيرهم... يرى ان

الاسم غير المسمى، وانه لا يخرج بما هو في ذاته عن كونه

ممكنا مركبا ذا وجودعرضي فهو فقير بالذات لا استقلال له عن

واجب الوجود سبحانه ((4)). فان هؤلاء يرون انه عينه تعالى،

وهو ما تبرا منه الائمة (ع) انفسهم من دون استثناء ولعنوا

القائلين‏به بل والمتوقفين عن لعنهم، ودعوا عليهم باذى والحاح.

وامتد الغلاة وهذا هو المهم من القول بالامام الكوني

المطلق الى القول بتشخصه في المقيد، فهو يتمثل عبر

التاريخ بهذا الفرد، او ذاك.. فيكون هذا التشخص عين‏الامام.. الذي هو عين اللّه.

وهو قريب، في الصورة، من نظرية المثل والممثول في الفكر

الامامي الاسماعيلي مع فارق اقتصار هؤلاء على السلالة

الاسماعيلية. وان ذكر بعضهم ايمانهم بالولادة الروحانية التي

اضافوا بها من ليس من السلالة اصلا اليها، علاوة على فارق آخر

هو ان من له مثلا من الممثولات انما يبدا من العقل الاول لا

من الذات الالهية المتعالية‏عن الصفة، فهم بهذا اقل غلوا. وبذلك، جعل هؤلاء، مقام النبي والامام نوعيا لا شخصيا.

فليس الامام المنتظر (ع) عندهم، اذن، شخص محدد كانسان

ذاتا، ونسبا، وموقعا، وتاريخا، وغيبة، وظهورا.... كما وردت به

الاحاديث المتواترة عن الرسول (ص) والائمة‏الاثني عشر من اهل بيته (ع) وعن الصحابة والتابعين... بل هو اي شخص من

اهل السلوك او العارفين، بلغ بزعمهم درجة الولاية الكبرى.

ولذلك يجب التنبيه الى انه لا يجوز ان تؤخذ دعوى الصلة

بالامام المهدي المنتظر (ع) لدى هؤلاء على مفهومها الظاهر

وان ادعوه خداعا للعوام بل في الاطار الذي‏ذكرناه على انهم، طبقا لنظرية الوحدة المطلقة، لا يرون كل ما ذكر من

الاشخاص المعينين من الرسل والائمة (ع) الا اسماء لا تحمل

معنى، انها وهم، وباللغة الهندوسية‏صاحبة هذه النظرية اصلا: (مايا).. وانما قصدوا باستعمالها ما اشرنا اليه من الانسجام مع

المفاهيم الموروثة والمقدسة والمفهومة عند الناس ابتداء

وافتضاض قلوب‏المتدينين الملتزمين منهم وعقولهم، ريثما يمكن تلقيحها برائهم وتفسيراتهم الباطنية.... والا فان دعوى

البابية للامام (ع) بل دعوى المهدوية حتى لو صحتا

لاتسمحان لهم كما هو واضح بحكم كون الامام (ع) وصيا

للرسول (ص) وامتدادا له في الدين والدعوة: ان ياتوا بما هو

على مستوى المناقضة مع موقع الامام (ع) نفسه‏ومع ثوابت الرسالة، وضرورياتها. بل مع البديهيات والضروريات العقلية

احيانا، وهؤلاء كما هو ثابت بالتواتر كما ستقراه في الجزء

الثاني من هذا الكتاب ان شاء اللّه قد جاءوا بذلك وفي جانبي

الاصول، والفروع معا وبما لا يقبل بعضه الاعتذار والتاويل...

كان اول مدع لذلك، في عصر الغيبة الصغرى، بين سنتي 260

و328 ه، وبهذا المسلك والاسلوب، الحسين بن منصور الحلاج

الذي قتل سنة 309 ه والذي ادعى البابية‏ثم المهدية والنبوة، ثم انتهى الى دعوى الربوبية، ويبدو لنا ان من تقدمه ومن تاخر

عنه في الجراة على دعوى البابية كان على مثل رايه اصلا

كالشريعي والهلالي،والبلالي، والنمري، والشلمغاني الذين

صدر التوقيع من الامام المهدي (ع) بلعنهم ودمغهم بالكفر

والالحاد.

قال الشيخ الطوسي، رحمه اللّه، المتوفى سنة 460 ه، وهو ينبه

الى قواعد هؤلاء واساليبهم وما ينتهون اليه في ما نقله لنا عن

هارون بن موسى قال: «ان كل هؤلاءالمدعين (يعني: مدعي

البابية) انما يكون كذبهم اولا على الامام (ع) وانهم وكلاؤه

فيدعون بذلك الضعفة الى موالاتهم ثم يترقى بهم الامر الى

قول الحلاجية‏». وحين نقلت ام كلثوم، ابنة الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان

العمري، رحمه اللّه (النائب الثاني للامام المهدي (ع) في الغيبة

الصغرى)، الى الشيخ ابي القاسم الحسين بن‏روح رحمه اللّه (النائب الثالث)، ما عرفته على اثر زيارة ام ابي جعفر بن بسطام

لها من ان ابن ابي العزاقر الشلمغاني (الذي ادعى البابية آنذاك

فصدر التوقيع بلعنه) قال‏لال بسطام وقد استكتمهم اياه على انه من الاسرار: بان الرسول (ص) قد حل ((5)) في ابي جعفر

محمد بن عثمان العمري وان عليا (ع) حل في الحسين بن

روح وان‏الزهراء قد حلت في ام كلثوم... قال لها الشيخ ابن روح رضوان اللّه عليه:

«يا بنية، اياك ان تمضي الى هذه المراة بعد ما جرى منها، ولا

تقبلي لها رقعة ان كاتبتك، ولا رسولا ان انفذته اليك، ولا

تلقيها بعد قولها...

فهذا كفر بااللّه والحاد، قد احكمه هذا الرجل الملعون ليجعله

طريقا الى ان يقول لهم: ان اللّه قد اتحد به، وحل فيه كما يقول

النصارى في المسيح (ع) ويعدو الى قول الحلاج‏لعنه اللّه». ويؤكد تاريخ اصحاب هذه الدعاوى، بعدئذ، انها لم تصدر الا من

هذه الاوساط وعلى اساس القاعدة نفسها والمسار والاسلوب

نفسيهما.

كتب الشيخ المحدث علي بن حسام الحنفي، المعروف

بالمتقي الهندي، صاحب كتاب كنز العمال، المتوفى قبل 960

ه، في كتابه «البرهان في علامات امام آخرالزمان‏» ردا على محمد بن يوسف الجونبوري، المتوفى سنة 910 ه، الذي ادعى

المهدوية في الهند فاغوى وضلل خلقا كثيرا... فقال في

مقدمته: «ومعلوم عند اهل‏الحق ان كثيرامن المشايخ (يعني مشايخ غلاة الصوفية) صدرت منهم دعوى المهدوية‏»، واعتذر عنهم باشارة بليغة مؤدبة: بانها من لوازم احوالهم.

ولكن الحال وهذا المهم لا يعبر عن الحقيقة والواقع، لذلك

قال رحمه اللّه: «وصفتهم كانت مخالفة لما ورد في شان

المهدي (ع) من الاحاديث النبوية، وآثار الصحابة‏والتابعين‏».والحق ان الامر كما يقول بشهادة الواقع التاريخي. فان قائمة

من ادعى ذلك منهم طويلة في القديم والحديث، وقد ذكرنا

عددا كبيرا ممن انشا منهم، على اساس هذه‏الدعوى، طوائف في الجزء الثاني من هذا الكتاب، ويكفينا ان نشير هنا الى امثلة

قريبة، كمدعي البابية اولا ثم المهدية والنبوة ثانيا وثالثا: علي

بن محمد رضا الشيرازي‏المعروف ب«الباب‏»، والذي اعدمبفتاوى الفقهاء بعد محاكمته في سنة 1263 ه، وعنه امتدت

بعدئذ طائفة البهائية التي استقلت في تعاليمها عن الاسلام

جملة.

فقد اجاب هذا الباب، حين سئل لدى محاكمته عما شاع من

دعواه المهدوية، وما اذا كان يقصد المهدي النوعي ام الشخصي

قائلا: «بل انا عين ذلك المهدي‏الشخصي! انا الرجل الذي تنتظرونه منذ الف عام‏». ولم يبال بان يجرؤ فيدعي، رغم ما كشفه منطقه وكتاباته من

جهل فاضح، ان مقامه يتقدم مقام النبي محمد (ص) فمقامه

النقطة ومقام محمد الالف!

وزعم ان هذيانه الهزيل، اسلوبا ولغة ومضمونا، في كتابه

«البيان‏» يفوق القرآن، وان كل كلمة منه كما خيل له معجزة... واشباه ذلك.

والغى اتباعه، في مؤتمر «بيداء بديشت الشريعة‏»، الاسلامية وخطبت قرة العين (زارين تاج) التي يسمونها الطاهرة مطالبة

بالاباحة.

اما مدعي المهدوية في الهند الميرزا غلام احمد بن مرتضى

القادياني، المتوفى سنة 1908م، الذي انشا طائفة لا تزال قائمة

حتى الان.. فقد ادعى انه عين المسيح‏الموعود، وانه كل الانبياء، وانه راى نفسه ذات مرة الخالق نفسه سبحانه وقام

بعملية الخلق كاملة!

ولا تعليل لذلك وامثاله، من جراة وتقحم في القول والفعل،

بغير ما اشرنا اليه من مسالكهم وما تؤدي اليه بطبيعتها من

هلوسات، طبقا للمتوقع من رؤى الواصلين لهامنهم

ومقاماتهم، او الخلق بالخيال لما تصوروه طبقا لما تحدث عنه

ابن عربي والا على اساس القول بالوحدة المطلقة، لا كحالة

شهود آنية ضمن حالة استغراق في النظرالى اللّه تعالى ليعتذر

عنها: بالحال، والمحو، والسكر، والغياب، والشطح، والنظر

بالعين اليمنى وما اشبه مما ذكروه في الاعتذار عن بعض اهل

((6)) بل بوصفه‏قاعدة ثابتة تمثل في نظرهم الحقيقة السلوك المطلقة، ولذلك اسقطوا على اساسها التكليف بنفي المكلف

موضوعا، وقالوا ما شاءوا، واسسوا طوائف استقلت عن الاسلام

جملة...لكن القول بنظرية الوحدة لا يعلل الا الجراة واللاابالية،

اما ما يرون ويسمعون وياتون به فله اسباب اخرى سنتحدث

عنها في فصول الجزء الثاني من هذا الكتاب‏بالتفصيل ابتداء من الاسس...

ولا يكتفي الغنوصيون والباطنيون، من اصحاب الطرق الضالة

جميعها، وفي جميع الامم (كالبراهمة، والبوذيين، واليهود،

والنصارى، والمسلمين)، ومنهم مدعو البابية‏والمهدوية، على ما عرف من تاريخهم، بالدعوة النظرية المجردة، او برسم

مناهج سلوكية خاصة من شانها ان تهيى النفوس والاذهان

لقبول آرائهم والايمان بمقاماتهم، بل‏يتوسلون لاثبات خصوصيتهم بالامكانات والقوى الروحية التي هي امكانات

ذاتية لدى كل انسان تتجلى وتقوى حتى تبرز بالفعل بما

يتوسلون به الى صقل انفسهم‏وتقوية اراداتهم: من الرياضات الخاصة المعروفة لديهم جميعهم كالعزلة، والصمت، والصوم

المتواصل بصورها اللامشروعة وترك اللحوم والسهر وايثار

الجلوس في‏الظلمة او قلة الضوء، واشباه ذلك. وقد تحصل ايضا بتلبس كائن روحي من عالم آخر بالاسباب

السابقة نفسها، وبفتح ذواتهم المطلسمة اصلا عناية من اللّه

تعالى للصلة بها من قبل هذه الكائنات اختيارا،واستدعائها

تلباثيا كما هو المعروف في تحضير الارواح، وعند حصولها

بهذه الصورة او تلك يكون ما هو شائع في اوساطهم وفي

غيرها من الكشف النسبي والرؤية‏عن بعد وقراءة الافكار، وخلع البدن اراديا... وغير ذلك مما اثبتت الدراسات التاريخية

والباراسايكولوجية المعاصرة انتشارها لدى كل الامم دونما

فرق بين ملتزم‏ومتحلل ومؤمن وكافر ((7)). بل يتوسل اصحاب هذه المسالك، كما اشرنا في الهامش الاول

من هذه المقدمة، بالسحر والشعوذة والاستحضار والاستخدام

والتسخير لاحداث ما يسمى بالظواهرالخارقة.. وهي ايضا مما

اثبتت الدراسات التاريخية والبارسايكولوجية الحديثة شيوعها

عند جميع الامم كذلك، من دون فرق بين الملتزم والمتحلل

من افرادها.... بماانها آثار وضعية لاعمال معينة... وبذلك نفت

خصوصيتها، ودلالتها على سمو الذات، او الطاعة اللّه والقرب

منه... وهو ما يحاول هؤلاء الادعياء: الايهام به... بل هي

على‏العكس تماما، لحرمتها شرعا، وسيلة وغاية... ومن اخطر ما عرف من وسائل هؤلاء ان يوجهوا الارواح السفلية

المسخرة لهم بما توسلوا به من الخلوة والاوراد المعروفة،

كامثال ما يذكره البوني في منبع اصول‏الحكمة، الى ان تتلبس الموصولين بهم وتناجيهم ليوهموهم انهم اصبحوا بذلك على

صلة بالامام الكوني او بااللّه او بالملائكة لا فرق.

وحين يرى هؤلاء البؤساء، واغلبهم ساذجون او جهلة، على الاقل

بهذه العوالم، انهم اصبحوا يسمعون ما لا يسمعه غيرهم، ويرون

ما لا يراه سواهم، وحين يخبرون‏بنبافيتحقق، او يرون حدثا بعيدا مكانيا فيتاكد، او يقرا لهم طوية انسان فتبرز بعدئذ، او

يستحوذ عليهم وينطق بالسنتهم او يتصرف بهم ويوجههم

وامثال هذه الظواهرالمعروفة لدى المروجين قدماء ومحدثين

من دون خصوصية دين او التزام، يزدادون اعتقادا بانهم

اصبحوا مقربين، وموصولين بالفعل.. وعندها تتاكد تنظيرات

مدعي‏البابية والمهدوية وتوجيهاته وبشاراته عندهم ويصبحون بالايحاء الدائم والمناجاة المستمرة رهن اشارته وقيد امره

ونهيه حتى في ما جاوز حدود اللّه، وخالف‏سبيله، وخرج على منطق العقل، وميزان الاخلاق العامة..

وقد يشتد هذا التلبس الشيطاني على بعضهم احيانا فتربد

وجوههم، وتتغير سحناتهم، ويصابون بالك‏آبة ويلزمون البيوت ويتركون الطعام اياما او اسابيع، وقد تختلج‏بعض جوارحهم او يثغون كالشاة او يرغون كالبقرة ((8)) ولكنهم وهذا موضع

العجب لا يرون في ذلك باسا... فهم كما يعتقدون على

صلة بالامام... بل هم يرون‏انفسهم في نعمة رغم ما انزله بهم من اذى، واصارهم اليه من منكر..

اذ لا ينبغي في نظرهم لاحد ان يحد الامام او يضع تصرفاته

في نطاق المعقول واللامعقول، والجائز واللاجائز... وما ذلك الا

لجهلهم باللّه وصفاته اولا، وبالامام (ع)بوصفه حجة للّه ثانيا،

وبمعنى الحد واللاحد ثالثا... ولعدم معرفتهم ايضا الفرق بين

المامة الملك، والمامة الشيطان...

ان ما اشرت اليه واقع قائم لدى اصحاب هذه الدعاوى،

بشواهده، وليس خيالا.

ان الارواح او الموجودات اللامادية لا يمكن التحقق من هويتها،

ومعرفة انتمائها لنثق بها، او نحذر منها، وان طبيعة ما اعط‏ى اللّه من الاختيار في عالم الجن والانس‏يسمح لها بالادعاء والاغواء، ولم يضمن اللّه لنا العصمة منها ابتلاء الا بالعقل، بوصفه

حجة ذاتية باطنة وبالدين بوصفه حجة موضوعية ظاهرة،

ولذلك فان المعيار الذي‏يجب ان يظل ماثلا دائما امام من يبتلى بالصلة بها اذا لم يمكنه طردها هو تطابق مفاهيمها

وصورة تعاملها، وما تعطيه من تعاليم ومعلومات.. مع منطق

العقل، والدين،وما يعطيانه من قيم وموازين بمعنى ان لا

يعط‏ي لما استقلت به قيمة وان لا يعير «لادعاءاتها بالا». لقد ذكر القرآن الكريم، في عدد من آياته التي يمكن الرجوع

اليها، في مادة جن وشيطان وقرين، من المعجم المفهرس

لالفاظ القرآن الكريم، ما يوجب الاحتياط والحذرمن الانسياق

وراء ما توحيه كائنات هذا العالم الخفي من الجن والشياطين

خوفا من السقوط في الهاوية التي يتردى بها امثال هؤلاء.

فقال تعالى: (قل اندعو من دون اللّه ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد

على اعقابنا بعد اذ هدانا اللّه كالذي استهوته الشياطين في

الارض حيران) [الانعام: 71].

وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس

والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك

ما فعلوه فذرهم وما يفترون، ولتصغى اليه‏افئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة، وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) [الانعام:

112 و113].

وقال تعالى: (وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم)

[الانعام: 121].

وقال تعالى: (انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون اللّه

ويحسبون انهم مهتدون) [الاعراف: 30].

وقال سبحانه ردا على من يزعم من هؤلاء انه انما كان يطيع

الملائكة.. (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة اهؤلاء اياكم

كانوا يعبدون، قالوا سبحانك انت ولينا من‏دونهم بل كانوا يعبدون الجن اكثرهم بهم مؤمنون) [سبا: 40 و41].

ورد الرسول (ص) والائمة، من اهل البيت (ع)، على من زعم

من الغلاة.. انه راى وسمع وتجلى له كما ستقرا ذلك في ما

ادعاه بعض الغلاة في الفصل الخاص بهم من الجزءالثاني

قائلين... انه شيطانك انه المذهب، او المتكون.....

وجاءت احاديث كثيرة تقول: ان على يمين كل انسان ملك

يوحي له بالطاعة وعلى يساره شيطان يامره بالمعصية.

وفي ذلك، وفي التجارب التي يقدمها التاريخ ما فيه من بلاغ

وحجة، وقد كتب الباراسايكولوجيون والروحيون المعاصرون

تحت عنوان: مس او استحواذ او تلبس، اوضربة الشيطان،

حوادث ماساوية كثيرة جدا تتصل بذلك، سنتحدث عن بعضها

في الجزء الثاني ايضا من هذا الكتاب.

على انه من الممكن، بل من الواقع قطعا، ان يكون بعض هؤلاء

الادعياء وبعض اتباعهم مريضا مصابا بالبرانويا او الذهان

والهلوسة (بصرية او سمعية او شمية اوذوقية).

فان بين هؤلاء المرضى كما يقول اطباء الامراض النفسية

والعقلية من لا يشعر بانه مريض، بل يتخيل نفسه قديسا ووليا

موصولا ونبيا وما اشبه، ويمشي بوقار،ويجلس بصمت واطراق

وبشي‏ء من الغياب. وقد يرى ان الناس حمقى ومجانين وانهم لجهلهم لا يعرفون قدره ولا قيمة افكاره، بل ان بعض هؤلاء

كما يقول الاطباء من‏يتمتع بهيمنة ومنطق، وقدرة على الاقناع في جوانب معينة وقد يملك قابلية على الاستبصار... الا

انه يبدو خارج الموازين العقلية والشرعية، ويبدو مخلطا

بصورة‏بائسة في جوانب اخرى.... وهناك شواهد كثيرة على ان بعض هؤلاء الادعياء وبعض اتباعهم من هذا الصنف قطعا، وانهم

لذلك رغم اذاهم يستحقون العطف بحكم‏حالهم المرضية، وانهم اذا لم يعوا ما يقولون او يفعلون غير مسؤولين.

وذلك احد الاسباب التي جعلت بعض المؤمنين يرفض

الانسياق مع حملة التشهير ببعضهم، لانها تخلط الحق

بالباطل، وتجمع البري‏ء والمذنب رغم ما ناله من ذلك آلدى الناس من اذى.

لكنه يرى مع ذلك ان مكان المرضى، اذا كانت امراضهم

سارية كهؤلاء: الابعاد والعزل كالمصاب بالايدز والجذام

والكوليرا.. حماية لعباد اللّه والضعفاء من خلقه على‏ان البعض الاخر من هؤلاء المدعين ليس كذلك قطعا والادعياء الجدد

بناء على ما اشتهر عنهم من قواعد واقوال وممارسات، واساليب

ووسائل لا يختلفون عن‏اسلافهم الماضين الذين حدثنا التاريخ عنهم بشي‏ء، وهو ما نرجو مخلصين ان يتنبه اليه بالمقارنة مع ما قدمناه بعض من يحسن الظن بهم، فنحن

نؤمن بان في‏المتصلين بهؤلاء من لا يطلب الا اللّه ولا يريد الا القرب منه ومرضاته اصلا.. الا انه صار دون ان يريد بما اشرنا

اليه من وسائلهم هذه وغيرها في حال هو اشبه

بحال‏الامبراطور الذي اوهمه النساجان الماكران بانه يرتدي الثياب التي نسجاها له رغم انه يرى نفسه ويراه الناس عاريا...

فهم لا يعدون ان يكونوا مخدوعين وباستهواء وهو ما

يجعلني ارى ان ما ساورده في هذا الكتاب، من هذه الجهة، لهم

لا عليهم.

وبوصول النزر، مما ذكرناه، عما اشتهر عن هؤلاء، من خلال

اسئلة المؤمنين، صدرت عن بعض كبار المراجع فتاوى

منشورة واخرى شفوية بتكذيب هؤلاء الادعياء جملة‏وتضليلهم، واسقاط عدالة المنضوين اليهم والمؤمنين بهم اذا كانوا

يعلمون بما صدر عنهم من مخالفات وعلى غير شبهة ((9)).

ولا شك في ان لهذه الفتاوى اثرها في تحذير المؤمنين

الملتزمين بالشرع الواثقين بمراجعه الاعلام حفظهم اللّه

وابعادهم بذلك عنهم، وتضييق دائرة حركتهم في‏اوساطهم... لكنها قليلة الاثر لدى آخرين من المؤمنين ممن لا يقنع الا

بالتعرف المباشر وتكوين الراي في مسائل كهذه.

اما بالنسبة للموصولين بهؤلاء، فمن الصعب ان يصغي اليها احد

منهم، فضلا عن التاثر بها.

فمن ياخذ بتصوره عن الامام مباشرة، او بوساطة هؤلاء الادعياء،

او بوساطة ما اصحبوهم اياها من الشياطين لا يرجع الى الفقهاء

بشي‏ء اصلا. ومن المعروف، في تاريخ ادعياء البابية والمهدوية ومن يمتون

اليهم في المسلك اصلا، انهم يصورون الفقهاء لاتباعهم على

انهم اصحاب نفوس، وعناوين، وكبر وانهم‏اهل رسوم وفكر لا يدركون الحقائق ولا يانسون بالصلة، وانهم اعداء الامام (ع)

وهذا هو موقفهم مع كل من يابى ان يصغي اليهم والى

شياطينهم او يقيم لها ولهم‏وزنا. ثم ان من لا يبالي بان يكون على مستوى المناقضة مع نصوص

القرآن الكريم (الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه، ولا من

خلفه) ومع ثوابت سنة المعصومين (ع)؟ كيف‏يمكن ان يتاثر بفتوى؟

لذلك كان من رايي ان يكون التصدي لهؤلاء على الصعيد

الفكري والفلسفي، بدراسة مفصلة لتاريخ هؤلاء الادعياء بدءا من

اول ناجم منهم في التاريخ الاسلامي وبيان‏اسسهم الفلسفية ومنطلقاتهم واساليبهم ووسائلهم والشواهد عليها من اقوالهم

وافعالهم وما قاله كبار العلماء والعارفون فيهم، رجاء ان ينتبه

بعض من غرر بهم هؤلاء، اومن يمكن ان يغرروا بهم في

المستقبل... وهي مهمة صعبة نسبيا...

وجاءت ذكرى مولد الامام المهدي المنتظر ثاني عشر ائمة اهل

البيت (ع)، في شهر شعبان من سنة 1417 ه 1997م، فالقيت

في حفل اقيم بالمناسبة كلمة تحدثت فيهابايجاز عن الامام

(ع). وكان مما ذكرته بعد تواتر الاحاديث فيه لدى المسلمين

من اهل السنة والشيعة من دلائل الاثبات:

ظهور دعوات البابية والمهدوية على امتداد التاريخ الاسلامي

في الوسط السياسي، والصوفي المغالي وان ذلك ما كان

ليكون لو لم يوجد للمهدي المنتظر (ع) اساس‏ثابت ومتواتر لدى الامة تتوارثه جيلا بعد آخر حتى ينتهي الى الرسول (ص)

والائمة الطاهرين من اهل بيته (ع).. وانطلقت من ذلك لابين

ما تصدى به العلماء لهؤلاءالادعياء بدءا من الاول منهم..

وكان مما ذكرته، عدا ما مر مضمونه:

اولا: عدم تطابق تاريخ هؤلاء الادعياء مع ما اخبر به الرسول

(ص) والائمة من اهل بيته (ع) وما جاء عن بعض الصحابة

والتابعين (رض) من تحديد لهوية الامام (ع)اسماونسبا،

وصفات وموقعا، وزمانا وخفاء ولادة وغيبة وظهورا.

ثانيا: لم تسبق اي واحد منهم، او ترافقه، او تتاخر عنه العلامات

والايات التي تتصل بالامام المنتظر (ع) في هذه الازمنة الثلاثة

المتصلة به كما جاء في هذه‏الاحاديث. ثالثا: عدم تطابق علم اي واحد منهم وخلقه وسلوكه على

المستوى العام والخاص مع ما هو معروف عن ائمة اهل البيت

(ع) وبروز نزعة الادعاء والتامر عليهم، وكثرة‏الشطط والتناقض عندهم.

رابعا: لم يتحقق على يد اي واحد منهم ما يفترض تحقيقه لدى

ظهور الامام (ع) على مستوى العالم فضلا عن الامة، ومنها ان

يملا الارض قسطا وعدلا وان يوحد العالم‏ويجعل الاسلام كما انزل محوره وميزانه..

بل على العكس فان كل واحد من هؤلاء ترك جرحا جديدا

وسبيل فرقة مضافا. بل ان بعضهم ارتكب، من المظالم، ما

استغاثت الامة منه باللّه واستشفعت اليه بالامام‏وآبائه (ع) ليخلصهم من شروره.

خامسا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) ثاني عشر الائمة من

اوصياء النبي (ص) قال في التوقيع الصادر لنائبه الرابع علي بن

محمد السمري، المتوفى سنة 328، بعد ان‏اخبره بالغيبة الكبرى «وسياتي لشيعتي من يدعي المشاهدة فمن ادعى

المشاهدة قبل الصيحة والسفياني فهو كذاب مفتر».

ولا شك في ان الدافع لمثل هذا التحذير ما اعلمه اللّه به من

ظهور هؤلاء الادعياء وخداعهم للمؤمنين باسمه (ع)، فاراد ان

ينبههم الى عدم قبول ذلك منهم، والا فان اهل‏العلم والايمان اجل واخشى للّه من ان يفعلوا شيئا من ذلك. سادسا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) امر، في التوقيع الذي

رواه محمد بن يعقوب الكليني رحمه اللّه عن اسحاق بن

يعقوب عن محمد بن عثمان العمري، ان يرجع في‏معرفة الاحكام الشرعية الى رواة حديثهم (ع) ولو كان هناك طريق

آخر للصلة المباشرة في الغيبة لنبه اليه فقال (ع): «واما

الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة‏حديثنا فانهم حجتي عليكم، وانا حجة اللّه».

سابعا: ان خروج هؤلاء الادعياء المدعين للمهدية والنبوة نفسه

هو احدى العلامات التي تسبق ظهور الامام (ع)، فقد ورد في

حديث عن رسول اللّه (ص) رواه الشيخ المفيدفي الارشاد قال

فيه: «لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي (ع) من ولدي ولا

يخرج المهدي (ع) حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: انا

نبي‏». ثامنا: يكفي في تكذيبهم القاطع مع غض النظر عن كل ما

قدمناه مناقضة ما صدر عنهم لكتاب اللّه (الذي لا ياتيه

الباطل من بين يديه ولا من خلفه) ولثوابت السنة‏الشريفة فهما لا يفترقان حتى القيامة، كما جاء في حديث الثقلين.