من هو المهدي؟ ومتى ولد؟

القدر الذي يشترك في الايمان به اغلب المسلمين، سنة وشيعة، ويشتركون في تخريج الروايات به، في شان الامام المهدي (ع)، هو انه رجل من اهل بيت النبي (ص) وانه‏من ذرية علي وفاطمة (ع)((27)) يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الارض ظلما وجورا فيملاها قسطا وعدلا، وان المسيح ينزل فيصلي خلفه في بيت المقدس ويجاهد معه ((28)) وان اسمه اسم النبي (ص) (محمد) وانه يشبهه خلقا ((29)).

وانه، لدى خروجه، يكون جبرائيل (ع) على مقدمته او عن يمينه وميكائيل (ع) على ساقته او عن يساره ((30)) وان غمامة على راسه تظ‏للّه، وملك ينادي هذا المهدي‏خليفة اللّهفاتبعوه ((31)) وتطلع قبله مع الشمس آية((32)).

ثم اختلفوا، بعد ذلك، في انه من ذرية الحسن او من ذرية الحسين((33)).

واختلفوا في اسم ابيه ايضا، هل هو عبداللّه او الحسن؟ وهل ان كنيته ابو عبداللّه او ابو القاسم؟

اما غير الشيعة الامامية من المسلمين فقد اختلفوا على ثلاثة اقوال، فذهب بعض منهم الى القول بانه من ذرية الامام الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) وان اسم ابيه‏عبداللّه، وانه لم يولد بعد.

وذهب بعض آخر الى التوقف، وبعض ثالث وافق الشيعة وهم اهل الكشف ممن هم من اهل السنة اصلا، وقد اشار الى هذين القسمين الحافظ الفقيه ابو بكر البيهقي‏صاحب السنن المتوفى سنة 480 ه، فقال: «اختلف الناس في امر المهدي فتوقف جماعة واحالوا العلم الى عالمه، واعتقدوا انه واحد من اولاد فاطمة بنت رسول اللّه (ص) يخلقه اللّه متى شاء يبعثه نصرة لدينه‏». وطائفة يقولون: ان المهدي الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة 255 ه، وهو الامام الملقب بالحجة القائم المنتظر محمد بن الحسن العسكري (ع)، وهو مختف‏عن اعين الناس، منتظر خروجه، وسيظهر فيملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، ولا امتناع في طول عمره وامتداد ايامه كعيسى بن مريم والخضر (ع) قال:ووافقهم عليه جماعة من اهل الكشف ((34)) ونقل ذلك الى راي اهل الكشف ابن خلدون في النص الذي ذكرناه في صدر هذا البحث، وسنذكر جماعة من هؤلاء في ماسياتي.

ادلة الطائفة الاولى ومناقشتها: استدلت الطائفة الاولى على قولها بانه من ذرية الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) بثلاث روايات:

الاولى: اخرجها نعيم بن حماد عن الاعمش عن ابي وائل قال:

نظر علي (ع) الى الحسن (ع) فقال: ان ابني هذا سيد كما سماه

رسول اللّه (ص)، وسيخرج من صلبه رجل‏يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملا الارض عدلا

. ((35))

والثانية: رواها تمام في فوائده وابن عساكر عن عبداللّه بن

عمرو بن العاص قال: يخرج رجل من ولد حسن من قبل الشرق

لو استقبل بها الجبال لمهدها واتخذ فيها طرقا ((36)).

والثالثة: اخرجها الترمذي في جامعه وابو داود في سننه عن

ابي اسحاق السبيعي قال: قال علي (ع)، ونظر الى ابنه الحسن

(ع)، فقال: ان ابني هذا سيد سماه رسول اللّه(ص) وسيخرج من

صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في

الخلق يملا الارض عدلا ((37)).

والروايات مناقشة سندا ومعارضة مضمونا؟

اما الاولى، فهي اولا، مروية عن عبداللّه بن بحير الصنعاني

المكنى بابي وائل، وحسبنا في اسقاطها ما نصوا عليه من كونه

قاصا ((38)) من جند معاوية، والقاصون بصورة‏عامة متهمون بعدم الدقة والتزيد بخاصة من كان منهم في عهد معاوية

بالذات، فقد كانوا من جملة من اعتمدهم في تحريف الاحاديث

بما يوافق اغراضه. قال ابن حبان‏عن ابي وائل: يروي العجائب التي كانها معمولة لا يحتج به ((39)).

وثانيا: انها معارضة بروايات صحيحة كما ستراها في الاتي.

واما الثانية فهي غير مرفوعة، اولا، ومع غض النظر عن الكلام

في عبداللّه بن عمرو بن العاص، المناصر لمعاوية في صفين،

فان راويها ابن لهيعة عبداللّه بن عقبة‏الحضرمي ضعيف كما ذكر الذهبي ((40)) وهو رواها عن ابي قبيل حي بن هاني

المعافري. قال البخاري: فيه نظر. وقال احمد: احاديثه مناكير

. ((41))

وراويها عن ابن لهيعة رشدين بن سعدين مفلح المهري ضعفه

ابو زرعه وغيره، قال حرب: سالت احمد فضعفه، وقال ابن

معين: لا يكتب حديثه ((42)).

وهي، ثانيا، معارضة برواية عن ابي قبيل عن عبداللّه بن عمر

قال: يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلته

الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقا. قال الكنجي‏الشافعي في البيان ص 513. رواه الطبراني وابو نعيم.

واما الرواية الثالثة، فتناقش، اولا، بان السبيعي توفى سنة 129 ه

والامام علي (ع) استشهد سنة 40 ه، فلو حسبنا عمره من سنة

مقتل الامام (ع) لكان 89 عاما فكم يكون‏قد عاش اذا ليمكن له ان يرى الامام (ع) ويسمع منه ويحفظ عنه، ولو اخذنا بقول من

روى ان ولادته كانت في عهد عثمان، ولا بد من ان يكون في

آخرها ان صحت هذه‏الرواية، فان عمره عند عهد الامام (ع) حتى في آخره مما لا يقبل معه ان ينقل عنه شيئا لذلك نص

المنذري على انه حديث منقطع.

ثانيا: ان السبيعي اختلط في آخر عمره، ومن حاول نفي

الاختلاط عنه نص على انه شاخ ونسي ((43)) وقد يكون وضع

اسم الحسن (ع) مكان اسم الحسين (ع) بسبب‏ذلك. ثالثا: ان هذا الحديث عن السبيعي معارض بنقل آخر عن

السبيعي يذكر فيه اسم الحسين (ع) مكان اسم الحسن (ع)

ففي الجمع بين الصحاح السنة عن ابي اسحاق‏السبيعي قال: قال علي (ع) ونظر الى ابنه الحسين (ع): ان ابني هذا سيد كما

سماه رسول اللّه (ص) وسيخرج اللّه من صلبه رجلا باسم نبيكم

يشبهه في الخلق ولا يشبهه في‏الخلق يملا الارض عدلا . روى ذلك عن ابي اسحاق صاحب مشكاة المصابيح ((44))

. ((45))

رابعا: من الممكن ان تكون هذه الروايات من وضع دعاة محمد

بن عبداللّه بن الحسن المثنى المكنى بابي عبداللّه والذي لقب

نفسه او لقبوه بذي النفس الزكية ((46))،فقد كان يتغيب

ويستخفي، ويدعي المهدوية، وقد اعلن شاعر من اتباعه ذلك

فقال:

ان الذي يروي الرواة لبين

اذا ما ابن عبداللّه فيهم تجردا ((47))

وتدل اقواله ومواقفه مع الامام الصادق جعفر بن محمد (ع)

وقتله لاسماعيل بن عبداللّه بن جعفر، وكان شيخا في

التسعين، حين ابيا مبايعته ((48)) على انه قليل الورع

لايستبعد عليه الادعاء والوضع، وقد ثار محمد هذا في المدينة

المنورة ولم يجاوزها حتى قتل في عهد ابي جعفر المنصور

سنة 145 ((49)).

وربما كان دعاته ايضا وراء اضافة «اسم ابيه اسم ابي او كنيته ابو

عبداللّه».

وربما شاركهم في هذه خاصة دعاة ابي عبداللّه محمد بن

عبداللّه المنصور الملقب بالمهدي، وهو ثالث الخلفاء

العباسيين، فقد ادعيت له المهدوية ايضا ووضعت لصالح‏دعواه كما هو في الحسني احاديث تجعل المهدي من ذرية

العباس كالذي اخرجه نعيم بن حماد عن كعب قال: المهدي

من ولد العباس ((50)).

وكالذي رواه الدارقطني في الافراد وابن عساكر في تاريخه عن

عثمان بن عفان قال: سمعت النبي (ص) يقول: المهدي من

ولد العباس عمي ((51)).

وقد نصوا على ضعفهما وسقوط قيمتهما ((52)) واعرضوا

عمليا عن اعتبارهما.

ان وضع هذه الاحاديث التي تنسب المهدي (ع) الى الحسن

السبط (ع) او الى العباس (رض)، ثم تحريف الحديث النبوي

الاخر بعد قوله (ص) (واسمه اسمي) باضافة‏واسم ابيه اسم ابي او وكنيته ابو عبداللّه، لا يستبعد على من يجزؤ على ادعاء

المهدوية، فهذا الوضع وهذا التحريف من شانيهما ان يقربا

تطبيق الرواية على كل منهمالدى العامة من الناس من جهات:

1 من خلال الجد البعيد 2 من خلال الاب 3 من خلال

الكنية.

والدليل على ذلك ما ذكرناه من ضعف اسانيد نسبته للحسن

(ع) ونسبته للعباس ومعارضتهما باحاديث صحيحة متواترة

عن الرسول (ص) واهل البيت (ع). كماسياتي.

اما تحريف الحديث الاخر، بادخال الزيادة التي اشرنا اليها فيه،

فيدل عليه ان الاحاديث التي رواها الترمذي في جامعه وابو

داود في سننه والنسائي في سننه واحمد في‏مسنده والبيهقي في سننه والطبراني في معجمه وابو عمرو المقرى في سننه

والحافظ ابو نعيم خالية من هذه الزيادة، وقد رويت عن عبداللّه

بن مسعود وعبداللّه بن عمروابي هريرة بطرق كثيرة كالذي

روي عن عبداللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (ص): «لا

تنقضي الايام ولا يذهب الدهر حتى يملك رجل من اهل بيتي

اسمه يواط‏ى‏ءاسمي‏»وفي صيغة اخرى عن عبداللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه

(ص): «لا تقوم الساعة حتى يلي الارض رجل من اهل بيتي

اسمه اسمي‏». وقد اورد الحديث الاول الامام احمد بن حنبل في مسنده في

عدة مواضع 199: 5 رقم 3572/3573 وفي 6: 74 رقم 4098

و6 : 139 رقم 4279.

وقال الشيخ احمد شاكر في تعليقه على المسند عقب كل

رواية: اسناده صحيح.

واخرج الحديث الثاني الحافظ ابو بكر البيهقي واخرجه الترمذي

في سننه بطريقين احدهما عن ابي هريرة 6: 486 بلفظ يلي

رجل من اهل بيتي.

وقال: حسن صحيح ((53)).

وكالذي روى عن عبداللّه بن مسعود ايضا قال: قال رسول اللّه

(ص): «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من اهل بيتي (وفي

الترمذي حتى يملك العرب رجل) يواط‏ى‏ءاسمه اسمي يملاالارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما».

وقد اخرجه الطبراني في معجمه الصغير 2/148 وابو داود في

سننه والترمذي في جامعه، وقال: حديث حسن صحيح.

ويؤيد ذلك ان الحافظ ابا نعيم الاصفهاني قد احصى، كما نقل

ذلك الحافظ محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي

الشافعي رحمه اللّه، طرق الحديث عن الجم الغفيرفي مناقب

المهدي (ع) كلها عن عاصم بن ابي النجود عن عبداللّه عن

النبي (ص) ذكر منها الكنجي 33 طريقا الاكثر الغالب منها له

طرق شتى. ورواه غير عاصم عن زرايضا وهو عمر بن مرة.

وكل هذه الطرق روت ان الرسول (ص) قال في الحديث:

«اسمه اسمي‏» من دون زيادة الا ما كان من عبيداللّه بن موسى عن زائدة عن عاصم فانه اضيف فيه «واسم‏ابيه اسم ابي‏».وبمقارنة (34) طريقا خالية من هذه الزيادة الى طريق واحد

يثبتها يتضح لنا سقوط هذا الطريق من الاعتبار مقابلها من

دون شك ((54)) مع ما قدمناه من دواع منطقية‏للاتهام في وضع هذه الزيادة ووضع (وكنيته ابو عبداللّه) كذلك بالدليل

نفسه، وان وردت منفردة عن تلك في بعض الاخبار.

قالوا: وربما كانت له كنية اخرى عدا الكنية التي عرف بها، وهي

«ابو القاسم‏»، والتي وردت في الحديث عن عبداللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (ص): «يخرج في‏آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملا الارض عدلا كما ملئت

جورا» ((55)) قول اخرجه سبط ابن الجوزي عن عبد العزيز بن

محمود بن البزاز((56)).

وفي الشفاء للقاضي عياض رحمه اللّه: ان كنيته ابو القاسم وانه

جمع له بين كنية النبي (ص) واسمه.

وجمع بعضهم له بين الكنيتين، قال سبط ابن الجوزي: وكنيته

«ابو عبداللّه وابو القاسم‏» ((57)) وبذلك نغنى عن التوجيه المتكلف الذي حاوله بعضهم في توجيه‏«واسم ابيه اسم ابي‏»كمحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول والكنجي في

البيان ونقله الشيخ المجلسي في البحار.