الامام المهدي من ولد الحسين (ع)
بعد مناقشة الاحاديث الواردة في ان
المهدي (ع) من ذرية
ومنها ما روي عن ابي هارون العبدي عن ابي
سعيد الخدري رحمه اللّه قال: قلت له: هل شهدت بدرا،
فقال: نعم. فقلت: الا تحدثني بشيء مما سمعته في علي (ع)
وفضلهفقال: بلىاخبرك ان رسول اللّه (ص) مرض مرضة نقه منها فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) تعوده وانا جالس عن
يمين رسول اللّه (ص) فلما رات ما في رسول اللّه (ص)من
الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، فقال لها رسول
اللّه (ص): اما يكفيك يا فاطمة، اما علمت ان اللّه تعالى
اطلع على الارض اطلاعة، فاختار منهااباك فبعثه نبيا، ثم
اطلع ثانية فاختار منها بعلك فانكحته واتخذته وصيا. ثم عدد لها
الرسول ما انعم اللّه به على اهل البيت من الفضل (ذكر ذلك ابو
سعيد) قال: ثم قال:ومنا مهدي الامة الذي يصلي عيسى
خلفه. ثم ضرب على منكب الحسين (ع) فقال: من هذا مهدي
الامة. قال: اخرجه الدارقطني صاحب الجرح والتعديل ((59)).
وروى الكنجي، المتوفى سنة 658 ه، باسناده
عن الاعمش عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: قال رسول اللّه
(ص): لو لم يبق من الدنيا الا يوم لبعث اللّه رجلا اسمه
اسميوخلقه خلقي يكنى ابا عبداللّه يبايع له الناس بين الركن والمقام يرد به اللّه
الدين ويفتح له فتوحا فلا يبقى على ظهر الارض
الا من يقول «لا اله
الا اللّه»، فقام سلمانفقال: يا رسول
اللّه من اي ولدك هو؟ قال: من ولد ابني هذا وضرب بيده على الحسين (ع) ((60)). وروى السلمي عن علي (ع) حديثا طويلا عن
الامام المهدي وما بين يديه من علامات وعن خروجه وصفاته
ومما قال فيه:
انه من ولد فاطمة (ع) من
ولدالحسين(ع)((61)).
ومن احاديث الطائفة الثانية ما رواه
العلامة الحلي، في كشف اليقين، نقلا عن مسند احمد بن حنبل، ان
الرسول (ص) قال للحسين (ع): هذا ابني، امام اخو امام ابو
ائمةتسعة تاسعهم ((62))، ما نقله صدر الائمة ابو المؤيد الموفق بن قائمهم احمد المكي الحنفي المتوفى سنة 568 ه
سنده عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان رضي اللّهعنه قال:
دخلت على النبي
(ص) واذا بالحسين (ع) على فخذه وهو يقبل
عينيه ويلثم فاه
ويقول: انك سيد ابن سيد ابو سادة، انك
امام ابن امام ابو ائمة،
انك حجة ابنحجة ابو حجج تسعة، تاسعهم
قائمهم ((63)). وروى ايضا، في مناقب علي بن ابي طالب (ع) عن الحسين (ع)
قال: دخلت على جدي (ص) فقال: ان اللّه
اختار من صلبك يا
حسين تسعة ائمة تاسعهم قائمهم وكلهم
فيالفضل والمنزلة عند اللّه سواء ((64)).
ونقل صاحب الينابيع عن الموفق بن احمد
ايضا، بسنده عن
وائلة بن الاسقع، عن جابر بن عبداللّه
الانصاري رواية اخرى
مماثلة ((65)).
وروى شيخ الاسلام ابراهيم بن محمد
الجويني الشافعي،
المتوفى سنة 720 ه، بسنده عن الامام علي
بن موسى الرضا
(ع) عن آبائه عن رسول اللّه (ص) قال في
حديثطويل منه: «والحسن والحسين اماما امتي بعد ابيهما وسيدا شباب اهل
الجنة وامهما سيدة نساء العالمين،
وابوهما سيد الوصيين ومن
ولد الحسين (ع) تسعة ائمةتاسعهم القائم
من ولدي طاعتهم طاعتي» ((66)). وبسنده عن سليم بن قيس بن علي (ع) قال: ان عليا
(ع) قام
في احد المواقف في المهاجرين والانصار
فقال: انشدكم اللّه
اتعلمون ان رسول اللّه (ص) قام خطيبا لم
يخطببعد ذلك فقال: ايها الناس اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي اهل
بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا فان اللطيف
الخبير اخبرني وعهد
الي انهما لن يفترقا حتى يرداعلي الحوض
((67)) ثم ذكر رجلا
سماه قام شبه مغضب فقال: يا رسول اللّه
اكل اهل بيتك فقال:
لا. ولكن اوصيائي اولهم اخي ووزيري
ووارثي وخليفتي في
امتي ووليكل مؤمن بعدي ثم ابني الحسن ثم
ابني الحسين ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد حتى يردوا علي
الحوض. هم شهداء اللّه في ارضه، وحجته
على خلقه،
وخزائنعلمه ومعادن كلمته من اطاعهم اطاع
اللّه ومن عصاهم عصى اللّه. وروى القندوزي الحنفي عن مجاهد عن ابن
عباس حديثا مماثلا ((68)).
الطائفة الثالثة: روى الامام مسلم في
صحيحه (في كتاب
الامارة) بسندين عن عامر بن سعد عن جابر
بن سمرة قال:
سمعت رسول اللّه (ص) يوم جمعة، عشية
رجمالاسلمي، يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة او يكون عليكم اثنا عشر
خليفة كلهم من قريش ((69)).
وروى الامام البخاري في صحيحه في (كتاب
الاحكام) بسنده
عن جابر بن سمرة: يكون اثنا عشر اميرا.
فقال كلمة لم اسمعها
فقال ابي: انه قال: كلهم من قريش ((70)).
ورواه الترمذي بسندين مع اضافة (من بعدي)
بعد كلمة يكون
((71)). وروى الحاكم في المستدرك بسنده
عن مسروق قال:
كنا جلوسا ليلة عند عبداللّه يقرئنا
القرآنفساله رجل فقال: يا ابا عبد الرحمن هل سالتم رسول اللّه (ص) كم يملك الامة
من
خليفة؟ فقال عبداللّه: ما سالني عن هذا
احد منذ قدمت العراق
قبلك قال: سالناه فقال:اثنا عشر عدة
نقباء بني اسرائيل
، والحديث رواه كل اصحاب الصحاح والسنن
((72))
والمسانيد والمعاجم الحديثية ولم يختلفوا
في صحته. وقد
اظهرت محاولاتتطبيقه على الخلفاء الذين
حكموا الامة وقادوها سياسيا كالخلفاء الاربعة ثم الحسن ثم خلفاء بني امية
وبني العباس عجزا واضحا من حيث العدد ومن
حيث الصفة
ومنحيث الاثر بالنسبة للدين والامة.
واذا امكن لدى اصحاب هذه المحاولات ادخال الخلفاء الاربعة ثم الحسن فمن هم
الاخرون؟ ان السير حسب التسلسل التاريخي
لا ياتيالاشكال فيه من انتهاء هذا العدد قبل انتهاء الخلفاء الامويين فقط بل
سيدخل من لا يمكن ان يكون من حيث الصفة
والاثر بالنسبة
للدين والامة مقصودا اجماعا فانتشبيههم
بنقباء بني اسرائيل ليس لبيان العدد، فقد ذكر في الحديث: وانما هو اشارة الى
جنبة علم وهدى سماوي يكونون فيه امتدادا
للرسول (ص)
فان نقباء بني اسرائيللهم مثل هذه الصفة
كما يفهم من قوله تعالى: (ولقد اخذنا ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر
نقيبا) [المائدة: 12].
ومما يؤكد ان هذه الاشارة هي المقصودة من
قبل النبي (ص)
ما بينه في الروايات الاخرى من الاثر
الواقعي لوجود هؤلاء
الخلفاء في حياة الدين والامة، ففي رواية
اوردهامسلم في
صحيحه قال (ص): «لا يزال هذا الدين
عزيزا»، وفي اخرى: «لا
يزال الاسلام عزيزا»، وفي رواية ثالثة:
«لا يزال الدين قائما» وفي
خامسة وسادسة:«لا يزال امر الناس ماضيا»
((73)). وبالربط
بين ما تشير اليه هذه الروايات وبين واقع
الخلفاء السياسيين
امويين وعباسيين على المستوى الشخصي او
الامرالمتصل
بالسياسة العامة للدولة، من حيث علاقتها
بالقيم والاحكام
الاسلامية، يبدو لنا بوضوح ان لا مجال
لانطباق هذه الاوصاف
عليهم.
ومن البين ان هذه الاوصاف تشبث ان خلافة
هؤلاء الخلفاء
الاثنى عشر خلافة هدى وعلم قبل كل شيء،
وان كان لا ينافيها ان تجمع اليها الخلافة السياسية بل ذلك هوالمفروض
استحقاقا، لكن امامتهم لا تتوقف عليها الا
بمقدار فقدانهم فيها
وسيلة في التنفيذ والايصال. بدليل رجوع
الامة الى هؤلاء الائمة
وافادتها منهم بما جعل الدينقائما كما
مر في الروايات. ان عزة الدين ومضي امر الامة بهؤلاء الائمة يتصل من دون
شك بجانب الهدى والعلم والقدوة الممثلة
لهما نظريا وعمليا
بوصفهم امتدادا للرسول (ص)
كامتدادالنقباء الاثنى عشر عن
موسى (ع) واين خلفاء بني امية وبني
العباس من ذلك؟.
ثم ان الرسول (ص) حدد هؤلاء بهذا العدد
(اثني عشر) لما بينه
وبين الساعة كما هو مفاد رواية صحيح
مسلم: «ان هذا الامر لا
ينقضي»، وهو يعني بقاء امامتهم كل
هذهالمدة مهما طالت لانهبقاء الرسالة من خلال شاهدها التالي. وذلك ما لا يتطابق
مع
واقع الخلفاء السياسيين الذين جاءوا بعد
الرسول (ص) من
امويين وعباسييننظرياوواقعيا فهم لا
اكثر من حكام زمنيين تتحدد امامتهم الواقعية بمدة حكمهم، فضلا عن عدم تطابق
العدد والصفة.
ولا شك في ان الانتقاء بالصورة التي قام
بها بعض الاعلام ليقدم
بها مصداقا واقعيا للحديث محاولة بائسة
تكشف عن عجز وان
التحكم فيها واضح لدرجة يعجب المرءكيف
يمكن ان تطرح
من قبل اولئك العلماء ((74)).
ولعل خير تفسير لها ما رآه استاذنا
الحكيم في قوله: «ولعل
حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه
الاحاديث وملاءمتها
للواقع التاريخي كان منشاها عدم تمكنهم
منتكذيبها، ومن هنا تضاربت الاقوال في توجيهها وبيان المراد منها» ((75)).
لقد ادخل بعض العلماء الذين حاولوا تطبيق
الحديث بالصورة
التي ذكرناها سابقا الامام عليا والحسن
والمهدي (ع) ولكن
من هم الاخرون؟
ان الدليل النظري الذي تتسق شواهده
ويتطابق مع الواقع
التاريخي قائم بوضوح، يتمثل في خط يتبناه
بعض الامة، فاذا ما
التفتنا الى ما اشرنا اليه من التشبيه
بنقباء بنياسرائيل من جهة والى ما ذكر من آثار واقعية لامامتهم بالنسبة للدين
والامة
والى امتداد هذه الامامة الى قيام
الساعة، وربطنا ذلك بحديث
الثقلين ((76)) الذي يقولفيه الرسول
(ص): «اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه واهل بيتي ((77)) وانهما لن يفترقا حتى
يردا علي الحوض» ((78))، وبحديث سفينة
نوح الذي يقول فيه الرسول(ص): «مثلاهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف
عنها غرق ((79))، وانما مثل اهل بيتي فيكم مثل
باب حطة بني اسرائيل من دخله غفر له»
((80))،وحديث «اهل بيتي امان لامتي من الاختلاف» ((81)). واذا عرفنا انه لا يوجد في
التاريخ الاسلامي لدى اي فئة من الامة واقعيا خلفاء وائمة
في الهدى والعلم تنطبقعليهم هذه الصفات
وبهذا العدد الا الائمة الاثنى عشر من اهل البيت (ع) من الامام علي (ع) الى
الامام المهدي (ع) فانه لا يبقى امامنا
مجال لرؤية اي مصداق
آخر سواهمللائمة في هذا الحديث او يبقى
الحديث من دون مصداق وذلك ما لا يمكن ان يكون.
ان الحديث يحمل بنفسه شاهدا مضافا على
صدقه وصحة
صدوره عن الرسول (ص) عدا الحكم بصحة
اسناده من قبل
جميع علماء الحديث وانه من شواهد النبوة
لانه كانماثورا في بعض الصحاح والمسانيد ((82))، قبل ان يكتمل عدد الائمة
الاثني عشر من اهل البيت فلا يحتمل ان
يكون من
الموضوعات كما يتصور بعضهم مخطئا
بعداكتمال العدد
المذكور ((83)).
ان بعض المحدثين والحفاظ، من اهل السنة،
ذكروا روايات
تتسق في دلالتها مع ما ذكرناه من كون
هؤلاء الخلفاء هم
الائمة من اهل البيت (ع) قدمنا منها بعضا
ونقدم هنابعضا آخر،
ومن هؤلاء الحافظ ابو نعيم المتوفى سنة
430 ه.
فقد روى بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول
اللّه (ص): «من
سره ان يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة
عدن غرسها
ربي فليوال عليا من بعدي وليوال
وليهوليقتد بالائمة من بعدي فانهم عترتي خلقوا من طينتي رزقوا فهما وعلما، وويل
للمكذبين بفضلهم من امتي القاطعين فيهم
صلتي لا انالهم
اللّه شفاعتي» ((84)). وروى ابو المؤيد
الموفق بن احمد الخوارزمي الحنفي، المتوفى
سنة 568 ه، بسنده عن علي (ع) عن رسول
اللّه (ص) قال:
«الائمة من بعدي اثنا عشر اولهم انت يا
عليوآخرهم القائم الذي يفتح اللّه على يديه مشارق الارض ومغاربها» ((85)).
وروى شيخ الاسلام المحدث ابراهيم بن محمد
الجويني
الشافعي المتوفى سنة 720 ه عن سعيد بن
جبير عن ابن
عباس: ان رسول اللّه (ص) قال: «ان خلفائي
واوصيائيوحجج اللّه على الخلق من بعدي اثنا عشر اولهم علي (ع) وآخرهم
المهدي (ع)» ((86)).
وروى ايضا عن عباية بن ربعي عن ابن عباس:
ان الرسول (ص)
قال: «انا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين
وان اوصيائي بعدي
اثنا عشر اولهم علي (ع) وآخرهمالمهدي
(ع)» ((87)). وبذلك يكون المهدي ليس فقط من ذرية الحسين (ع) لا من
ذرية الحسن (ع) بل يتشخص بالامام محمد بن
الحسن
العسكري (ع) الثاني عشر بين ائمة اهل
البيت،وذلك لا ينفي
الروايات التي جعلت اباه عبداللّه فقط،
بل ينفي ما اثير من
شكوك حول ولادته، ثم ينفي اقتطاعه عن
سلسلة الاوصياء من
آبائه، فالمهدي الذي اثبتتروايات
المسلمين له من المكانة ما يجعل المسيح ياتم به ويصلي خلفه وما يكون بها جبرائيل
عن
يمينه وميكائيل عن شماله هو ابن الاوصياء
الاحد عشر الذين
همامتداد لرسول اللّه (ص) في العصمة
العلمية والعملية التالين له في المكانة، وبذلك فان منزلته وصفاته وخصائصه
ليست مفصولة عن خصائص آبائه وصفاتهم.
ان كثيرا من الامة انما ترفض امامة
الائمة (ع) بالصورة التي
يثبتها لهم الامامية بحكم الادلة بدعوى
ان ما يعطى لهم من خصائص وصفات تكاد تكون نبوة جديدة،ولكن هذا يبطله
انهم في طول الرسول (ص) وبعده امتداد له
وهداة وشهود
لرسالته وان النبوة التي ختمها اللّه
بمحمد (ص) انما هي النبوة
بالمعنى الاصطلاحي تلك التيتؤسس دينا وتنسخ بدليل اثبات هذه الخصائص للامام المهدي (ع) اجماعا دون اشكال.