البحث الثاني: موقع الامام المهدي (ع)

من الرسالة ومن حديث الائمة الاثنى عشر

 

بين يدي البحث: في نظرية الامامة لكي تاخذ الاحاديث الواردة عن الائمة من اهل البيت (ع) في المهدي المنتظر (ع) موقعها في الاستدلال، لا بد من الحديث بايجاز عن نظرية الامامة لدى الامامية الاثني‏عشرية فنقول: ان الثابت لديهم بصورة قاطعة بادلتهم المفصلة في علم الكلام: ان الائمة الاثنى عشر من اهل البيت (ع) المعروفين تاريخيا، من علي (ع) حتى المهدي (ع)، هم خلفاءالرسول (ص) بالمعنى الكامل لهذه الخلافة لا يكادون يختلفون عنه الا بما استثني من النبوة بمفهومها الذي يعني تاسيسا لرسالة اخرى تنسخ الرسالة السابقة فتبقي‏منها، وتضيف اليها ما شاء اللّه لهذا النبي ضمن مرحلته التاريخية. فان ذلك مما لا مجال لاحد ان يدعيه بعد رسول اللّه محمد (ص) حتى القيامة بحكم قوله تعالى:(وخاتم النبيين) [الاحزاب: 40]، وقوله (ص):

«لا نبي بعدي‏» ((88))، وباجماع المسلمين. لقد ختم اللّه النبوة بمحمد (ص)، واكمل الدين الذي ارتضاه لخلقه برسالته، وذلك هو ما يقتضيه مقامه، بوصفه سيدا لخلق اللّه مبدا ومعادا، فلا ينبغي ان يسبقه سابق، اويلحقه لاحق، ولهذا كان من سبقه من الانبياء تقدمة بين يديه يمهدون له، ويبشرون به، وبرسالته. واذا كانت النسبة بينهم تسمح بان يكون بعضهم مستقلا عن بعض،بحيث ينسخ اللاحق بعض احكام شريعة السابق بحكم تدرج تلك الرسالات كمالا تبعا للمرحلة، فان من ياتون بعد الرسول محمد (ص) لا يمكن ان يكونوا كذلك بحكم‏مكانته وكمال رسالته، لذلك كانوا رغم مكانتهم التي تساوي ان لم تفضل مكانة اولئك الانبياء خلفاء لا انبياء. انهم اوصياء له يمتدون عنه، علما، وهدى، ودعوة.لذلك كانوا بعض قواعد الرسالة. ودعائمها الاساس ورغم ان التاكيد على ذلك رافق الرسالة منذ مولدها قولا وعملا فان الاعلان العام النهائي تم من قبل الرسول (ص)في حجة الوداع في غدير خم، وفي تلك المناسبة نزل قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينا) [المائدة: 3].

وقد نستطيع ان ندرك معنى ذلك حين نلتفت الى ان حاجة الناس الماسة للحجة، او الامام المعصوم، لا تنقطع، وذلك ما يؤكده العقل والنقل ((89)) وملاحظة الواقع،وان كون القرآن تبيانا لكل شي‏ء انما صح بتاصيله لسنة الرسول (ص) في قوله تعالى: (ما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى)[النجم: 3 و4]، وقوله تعالى: (ما آتاكم‏الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [النساء: 58].

ثم بتاصيله لسنة (اولي الامر) بعده بادلتها التالية فادخلهما بذلك ضمن تبيانه والا فمن الثابت انه من دونهما ليس كذلك.

ومع واقع ختم النبوة بمحمد (ص) والتحاقه كما شاء اللّه بالرفيق الاعلى فان ما يبقى هو امتداده، وخلفاؤه ((90)). لذلك كان التعريف العام النهائي بها والذي تاخربحكم تاخر مرحلته، هو ما اكمل اللّه به الدين واتم النعمة كما جاء في الاية المنزلة بعد واقعة غدير خم ((91)).

ان الاوصياء من ائمة اهل البيت (ع) حملة الرسالة وشهودها مع الرسول (ص) وبعده على الحد الذي اشار اليه قوله تعالى:

(افمن كان على بينة من ربه ويتلوه‏شاهدمنه)[هود: 17] . ((92))

ان كونهم في طوله، ويتلونه مقاما بحكم انتسابهم اليه هدى

وعلما لا ينفي ان تكون سنتهم في عرض سنته لانهم منه.

فانه لا بد لهذا الشاهد الذي يتلوه منه لكي يكون حجة وتكون

شهادته شاملة بعد خاتم الانبياء تتناول ابعاد الرسالة،

وعمقها، وليواجه فيها كل المجتمعات، وكل‏الحوادث في جميع الازمنة والظروف، من ان يكون محيطا بالرسالة موصولا

بالعلم اللدني مضافا للعلم الموروث، لان ذلك هو معنى

الخلافة الكاملة كما تثبته جميع‏ادلتها النظرية. بل هو ما صرح به الائمة من اهل البيت (ع) فقد شبهوا انفسهم بالخضر وذي

((93)) وهما ليسا نبيين لكنهما يتلقيان علما سماويا القرنين

عن اللّه بنص‏القرآن الكريم. ولا بد لهذا الشاهد التالي، ايضا، من ان يكون معصوما، لان

التمثيل الكامل لا يتم من دون ذلك عمليا، ولان العصمة من

آثار المعرفة الشاملة الموصولة وآثار الحضورالذي يلازمها، وهو

يعني الشعور العميق الدائم بمعنى (وهو معكم اينما كنتم)

[الحديد: 4]، وهما لا ينفصلان عن سمو الذات من حيث مقامها

مبدا ومعادا، واختيارالعالم لما علمه يقينا، وانصراف هواه اليه

ليس جبرا كما هو واضح.

وهو اشكال يثار كثيرا عند الحديث عن العصمة لدى الانبياء

والاوصياء.

وفي الايات الكريمة التي تشير الى اصطفاء البيوت النبوية نسبيا

ثم اصطفاء من يضطلع بالرسالة والامامة من داخل هذه البيوت

((94)) وفي ا يدل عليه حديث الكساءونزول آية

التطهير((95)) وآية المباهلة وغير ذلك مما يتصل باهل بيت

النبي (ع) بالمعنى الاخص ما هو كاف في البرهنة على ذلك،

وبذلك نستطيع ان ندرك معنى‏ان تحصر الولاية باللّه ورسوله وبشخص عطف عليهما وعين بالفعل والحالة والنص في قوله

تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون

الصلاة ويؤتون‏الزكاة وهم راكعون) [المائدة: 55] ((96)). وندرك ايضا معنى ان يامر اللّه تعالى بطاعة «اولي الامر» بصورة

مطلقة معطوفين على اللّه ورسوله في قوله تعالى: (اطيعوا اللّه

واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)[النساء: 51]. وما كان ذلك

ليكون لولا العصمة، لان فيه مناقضة واضحة للعقيدة،

والتشريع، ان الامر باطاعة «اولي الامر» مطلقا اذا لم يكونوا

معصومين يعني‏حمل الاسلام لنقيضه على عمد. وتبدو محاولة بعض المفسرين لتصحيح ذلك بالقول: ان

اطلاق الامر في الاية مقيد بما هو المعلوم من خارجها من انه لا

طاعة لمخلوق في معصية الخالق: اتهام لبلاغة‏القرآن، واحكام آياته وممن راى عدم امكان الاخذ باطلاق الامر بالطاعة في

الاية وراى ان المقصود امراء الحق الزمخشري ((97))، وممن

راى دلالتها على عصمة‏«اولي الامر»، وحاول ابعادها عن الائمة من اهل البيت (ع) وتطبيقها على اهل الاجماع الفخر الرازي

((98)). وقد ناقشه بقوة واصالة وبين وجوه الخطا والمغالطة

في‏كلامه استاذنا الحجة السيد محمد تقي الحكيم حفظه اللّه بما لم يبق معه مجال للنظر الى ما اثاره من اشكال ورآه من

تطبيق آخر للاية ((99)). ومما يؤيد القول بان‏المقصود بها الائمة من اهل البيت (ع) دون غيرهم قول الرسول (ص)

المتواتر: «من كنت مولاه فعلي مولاه‏» ((100)) وقوله (ص) المتفق على صحته: «علي مني‏بمنزلة هارون من موسى‏»((101)) وقوله (ص): «انا مدينة العلم وعلي ((102)) وقوله الذي قدمنا الحديث عنه، وهو متفق على بابها»

صحته في ان «الائمة من‏بعده اثنا عشر» ((103)) وحديث الثقلين الصحيح والمتواتر معا، وقد اشرنا الى ذلك في البحث

الاول ففيه جعل الرسول (ص) التمسك بالقرآن واهل البيت

(ع) عاصمامن الضلالة، وهو ما لا يتصور بحال من دون ان

يكونوا معصومين وفي قوله في الحديث نفسه «فانهما لن

يفترقا» (يعني الكتاب واهل البيت) حتى يردا علي

الحوض:اشارة واضحة لهذه العصمة علميا، وتؤكد احاديث

اخرى كثيرة هذا المعنى نفسه.

ويتطابق الدليل النظري الذي اشرنا اليه، وهو متسق دلالة في

الايات والروايات، مع الواقع التاريخي لهؤلاء الائمة الاثنى عشر

من اهل البيت (ع): دعوى وخلقا وعلما،وعملا، وآثارا، ويتطابق

عددا كذلك ((104)) بحيث لا مجال للمقارنة لان ترى في

هذه النصوص عدا نظرية الامامة بالمعنى الذي ذكرناه ولا

مجال لان ترى لها مصداقا غيرهم.

وفي ضوء ذلك وهو ما اردناه من الحديث الموجز عن نظرية

الامامة لدى الامامية الاثنى عشرية نخلص الى امرين هامين

جدا بالنسبة الى هذا البحث:

اولهما: ان قضية الامام المهدي (ع)، بحكم كونه احد الائمة

الاثنى عشر، تتصل بالايمان بالرسالة، بوصفها جزءا اصيلا منها،

وليس فقط من جهة صحة الاخبار وتواترهاعنه، ولذلك

فالحديث عنه وبلورة ما يساعد على فهم ما يتصل به تاريخيا

من بعض الجهات الغامضة، كاخفاء ولادته الا عن الخاصة

وغيبته الصغرى والكبرى وسرهمامن الاهمية بحيث يساوي اية

مسالة عقائدية اساس.

ثانيهما: ان احاديث الائمة من اهل البيت (ع)، طبقا لنظرية

الامامة، لها نفس القيمة التي تعط‏ى للاحاديث النبوية بحكم كونهم امتدادا له في العصمة العلمية‏والعملية. وبهذه الاحاديث، سيجد المسلم مدى اوسع من قواعد الرؤية

للرسالة اصولا وفروعا بصورة لا محل فيها للتناقض ولا

للاجتهادات المتعارضة.

ان كل المسائل الواقعة والمفترضة لا تعدم الاجابة بصورة

مباشرة او غير مباشرة ضمن هذا التراث الواسع للرسول (ص)

ولاوصيائه الاثنى عشر، وبما يحقق الانسجام‏الفعلي والكامل بين قواعد العقيدة وما يتصل بها من مفاهيم مختلفة وبين

بناها التشريعية واحكامها.

ومن بين المسائل التي سنفيد كثيرا من هذه الاحاديث فيها:

قضية الامام المهدي (ع)، فقد كانت من دون شك بحاجة

لجلاء بعض الجوانب الغامضة فيها قليلا او كثيرا في‏تراث غيرهم.

اما في التراث الوارد عنهم (ع) سواء ما رووه عن الرسول (ص)

او ما تحدثوا به وان كان هذا من ذاك فقد وضحت تلك

المسائل جميعا.

ان الامام المهدي (ع)، في هذه الاحاديث المروية عن احد عشر

اماما مضافا الى الرسول (ص) عن طريقهم والى الزهراء (عليها

السلام)، معروف تماما اسما وشخصا،ووالدا، ووالدة، وتاريخا،

وظروف ولادة، وقد حتمت التقية اخفاءها الا عن الخاصة،

ومعروف ايضا صفة وغيبة ونوابا ودورا وآثارا.

وهي من الكثرة بحيث لا يمكن استيعابها في هذه الرسالة، ولا

يمكن ايراد حتى ما يكفي منها في كل موضوع الا على سبيل

الاشارة فقط، فقد اعط‏ى الائمة (ع) من علي(ع) الى الحسن العسكري (ع) لقضية الامام المهدي (ع) كما ينبغي موقعا

مركزيا في احاديثهم بحكم ما يحيطها من ملابسات وشبه،

وشؤون غيبية ليس سهلا ان‏تستوعب حتى من قبل المؤمنين لولاهم (ع).

ويكفي ان تطلع على ما كتبه الشيخ الصدوق رحمه اللّه،

المتوفى 383 ه، في كمال الدين وتمام النعمة، والشيخ

الطوسي المتوفى 460 ه، في الغيبة، والشيخ النعماني‏المعروف بابن ابي زينب تلميذ الكليني وكاتبه وقد الفه قبل سنة 336 ه،

والفصول العشرة للشيخ المفيد المتوفى 413 ه، وكتاب

البرهان لابي الفتح الكراجكي المتوفى‏سنة 441 ه، وكتاب الحجة للسيد هاشم البحراني المتوفى 1107، وكشف الاستار

للشيخ الميرزا حسين النوري وكتاب البرهان للسيد محسن

الامين، ومن الكتب‏الحديثة التي عنيت بجمع الاحاديث الواردة فيه (ع) منتخب الاثر للشيخ لطف اللّه الصافي. قلت

يكفي ان تطلع على هذه الكتب او بعضها او على هذا المرجع

الاخير فقط‏لترى ان ما اشرت اليه ليس من المبالغة في شي‏ء.لقد ذكرت اني قمت بعملية جمع ما اشار اليه الشيخ الصافي

في كتابه من اعداد للاحاديث التي اوردها او اشار اليها في

ابواب الفصل الاول والفصل الثاني واربعة ابواب‏من الفصل الثالث فكانت (5303) احاديث، وهو رقم كبير مهما اسقطنا

منه اخذا للتداخل في الابواب التي ذكرها، وللتكرار في

الحساب. ولذلك فليس امامي الا ان‏اختار مما ورد عن كل امام من الائمة في ما يتصل بالمسائل التي اشرت اليها امثلة من

هذه الاحاديث في كل موضوع من الموضوعات السابقة،

وحسب اهميتها في‏الاستشهاد على القضية.