البحث الاول: لماذا لا يكون المهدي (ع)

رجلا آخر؟

ولكن لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر سيولد في المستقبل؟ وكيف نتقبل غيبته طوال هذه القرون الكثيرة التي تجاوز العمر الطبيعي للانسان بصورة غير مقبولة‏علميا وواقعيا؟

وما وجه الحكمة فيها؟ وهل له ما بين الغيبة الى الظهور دور بالنسبة الى اهل الارض..؟

وكيف يمكن ان نتصور انتصاره على عالم اليوم بامكاناته العلمية والصناعية وخزينه من الاسلحة الحربية المتطورة؟

والجواب على التساؤل الاول اعني لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر سيولد في المستقبل؟ هو:

ان الامر كما شاء اللّه لا كما يشاء خلقه و (اللّه اعلم حيث يجعل رسالته) [الانعام: 104].

ولذلك فان تشخيص المهدي المنتظر (ع) بالامام الثاني عشر بالذات انما رجعنا فيه الى ما اثبتته الاحاديث المتواترة عن الرسول (ص) والاوصياء المعصومين من اهل‏بيته (ع)، على اننا يمكن ان نرى ان الاساس في ذلك هو موقع الامام المهدي (ع) ليس بوصفه اماما، وخليفة بالمعنى الاخص للرسول (ص) فقط، بل بوصفه آخر هؤلاءالخلفاء الاوصياء، ولذلك فهو بحكم ذلك صاحب الزمان من اول عهد امامته حتى قيام الساعة، اي ان هذا الزمان هو زمان امامته ومسؤوليته بما انه آخر اوصياءالرسول (ص)، ولذلك فان كونه المهدي المنتظر يصبح مفروضا.

يتضح ذلك اكثر حين نضع امامنا المقدمات المسلمة الاتية معطوفا بعضها على بعض.

وهي: «ان الثابت، في المنقول من الروايات عن الائمة من اهل البيت(ع)، عدم جواز خلو الارض من حجة للّه ظاهرا مشهورا او غائبا مستورا» ((288)).

وذلك يلتقي وما يحكم به العقل ايضا بحكم «قاعدة اللطف‏»، ويعنون بها رحمة اللّه بخلقه لما يعلم من حاجتهم بوصفهم مكلفين للمعرفة والحجة. ومن امثلة ذلك‏بالنسبة لنا ان اللّه سبحانه شاء ان تكون الرسالة الاسلامية خالدة وشاملة، تحقيقا لما يفرضه التوحيد من وحدة الطاعة او العبادة، ولكن ذلك غير قائم بصورته الواقعية‏ بحكم الاختلاف الموجود بين المذاهب، واختلاف الاجتهادات داخل المذهب الواحد، ولا يمكن ان يحسم هذا الاختلاف الا امام معصوم او خليفة بالمعنى الاخص، ومع‏واقع ختم النبوة بالرسول محمد (ص) فلا نبي بعده وانتقاله الى الدار الاخرة وتحديد الائمة الاوصياء (باثني عشر) وانتقال احد عشر منهم الى الدار الاخرة كذلك.

فلم‏يبق اذا الا ان يكون هو الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن) (ع).

ومع غض النظر عن ذلك، فاننا لا يمكن ان نتصور المهدي المنتظر (ع) بصفاته، ومقامه العظيم، ودوره الكبير كما صورته الاحاديث الصحيحة المتواترة ((289)) من‏دون مستوى الخلافة بالمعنى الاخص. ولا يمكن ان نتصور ايضا وجود هذا المستوى وراء العدد المحدد (باثني عشر) طبقا لما دلت عليه النصوص الصحيحة، واذا فلم يبق‏الا ان يكون المهدي المنتظر (ع) الذي بشرت به الاحاديث هو نفس الامام الثاني عشر الذي غاب غيبته الصغرى النسبية من سنة 260 الى سنة 329 ه، ثم غاب بعدهاالغيبة الكبرى التي لا تزال قائمة حتى الان. وربما كان وراء ظروف الغيبة الصغرى التي تحدثنا عنها غرض آخر هو التمهيد لتقبل الغيبة الكبرى فان صورتهما واحدة‏باستثناء وجود النواب الاربعة المعروفين، وما يعطيه هذا الوجود من الحضور النفسي والعلمي للامام لدى المؤمنين بحكم امكان الرجوع اليه لدى الحاجة، وتلقي الاجابة‏بخطه كما ذكر في البحثين: الاول والثاني من هذا الفصل.

اما الغيبة الكبرى فانها تعني غلق هذه الصورة للصلة به من جهة الناس لا من جهته (ع).

وفرق آخر هو ان تلك الغيبة كانت ضمن العمر الطبيعي للانسان، وكانت وهي نسبية مفهومة ومتعقلة من حيث حكمتها دافعا وغاية بخلاف الغيبة الكبرى.