اليمن ودورها في عصر الظهور
وردت في ثورة اليمن الإسلامية الممهدة للمهدي(ع)أحاديث متعددة عن أهل البيت(ع)،
منها بضعة أحاديث صحيحة السند ، وهي تؤكد حتمية حدوث هذه الثورة وتصفها بأنها
راية هدى تمهد لظهور المهدي(ع)وتنصره.
بل تصفها عدة روايات بأنها أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق ، وتؤكد على
وجوب نصرتها كراية المشرق الإيرانية وأكثر، وتحدد الأحاديث وقتها بأنه مقارن
لخروج السفياني في رجب ، أي قبل ظهور المهدي(ع) ببضعة شهور ، ويذكر بعضها أن
عاصمتها صنعاء .
أما قائدها المعروف في الروايات باسم (اليماني) فتذكر رواية أن اسمه (حسن أو
حسين) من ذرية زيد بن علي(ع) .
وهذه نماذج من أحاديث حركة اليماني:
عن الإمام الصادق(ع)قال: ( قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني ،
والسفياني ، والصيحة ، وقتل النفس الزكية ، والخسف بالبيداء ) (البحار: 52 /204
).
وعنه(ع)قال: ( خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة ، في شهر واحد ،
في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً ، فيكون البأس من كل وجه ، ويل
لمن ناواهم . وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني ، هي راية حق لأنه
يدعو إلى صاحبكم ، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس ، وإذا خرج
اليماني فانهض إليه فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن
فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم) ( بشارة
الإسلام ص93 عن غيبة النعماني ).
وعن الإمام الرضا(ع)قال لمن زعم أنه هو المهدي: ( قبل هذا الأمر السفياني
واليماني والمرواني وشعيب بن صالح ، فكيف يقول هذا هذا ). (البحار:52/233 ) .
وقال المجلسي(ره): ( أي كيف يقول هذا الذي خرج أني القائم ، يعني محمد بن
إبراهيم ، أو غيره ) . انتهى.
والمراد بالمرواني المذكور في الرواية قد يكون هو الأبقع ، أو يكون أصله
الخراساني فوقع فيه التصحيف من النساخ .
وعن الإمام الصادق(ع)قال: (خروج الثلاثة الخراساني والسفياني واليماني في سنة
واحدة في شهر واحد في يوم واحد وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني يهدي إلى
الحق) ( البحار:52/210) .
وعن هشام بن الحكم أنه لما خرج طالب الحق قيل لأبي عبد الله(ع) (أي الإمام
الصادق): (أترجو أن يكون هذا اليماني؟ فقال: لا . اليماني يتوالى علياً ، وهذا
يبرأ منه) ( البحار:52/75 )
وفيها أيضاً: (اليماني والسفياني كفرسي رهان) ، أي كفرسي السباق يسعى كل منهما
أن يسبق الآخر .
وجاء في بعض الروايات عن المهدي(ع)أنه (يخرج من اليمن من قرية يقال لها كرعة)
(البحار: 52/380) .
وكرعة قرية في منطقة بني خَوْلان باليمن قرب صعدة ، وإن صحت الرواية فلابد أن
يكون المقصود فيها أن اليماني يبدأ أمره من هذه القرية ، كما ورد أن مبدأ أمر
المهدي(ع)من المشرق ، أي مبدأ حركة أنصاره ، لأن الثابت المتواتر في الأحاديث
أن المهدي(ع)يخرج من مكة من المسجد الحرام .
وفي بشارة الإسلام ص187: ( ثم يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين أو حسن ، فيذهب
بخروجه غمر الفتن ، يظهر مباركاً زاكياً ، فيكشف بنوره الظلماء ، ويظهر به الحق
بعد الخفاء ).
وفيما يلي عدة ملاحظات حول ثورة اليماني:
منها ، مايتعلق بدورها ، فمن الطبيعي لثورة ممهدة للمهدي(ع)في اليمن أن يكون
لها دور هام في مساعدة حركته ومساندتها في الحجاز . وعدم ذكر هذا الدور
لليمانيين في الأحاديث الشريفة لاينفيه ، بل قد يكون من أجل المحافظة عليه وعدم
الاضرار به .
وسنذكر في حركة ظهوره(ع)أن القوة البشرية التي تقوم عليها حركته في مكة والحجاز
ويتألف منها جيشه ، تتكون بشكل أساسي من أنصاره الحجازيين واليمانيين .
أما دور اليمانيين الممهدين في العراق ، فقد ذكرت بعض الروايات أن اليماني يدخل
العراق على أثر غزو السفياني له ، وأنه يكون لهم دور مساعد في قتال السفياني ،
لأن الأخبار تشعر بأن الطرف المواجه للسفياني هم أهل المشرق أصحاب الخراساني
وشعيب .
أما في منطقة الخليج فمن الطبيعي أن يكون الدور الأساسي فيها لليمانيين مضافاً
إلى الحجاز ، وإن لم تذكر ذلك الروايات .
بل لعل حكم اليمن والحجاز وبلاد الخليج يكون بعهدة قوات اليمانيين التابعة
للمهدي(ع) .
ومنها ، في السبب في كون راية اليماني أهدى من راية الخراساني ، مع أن راية
الخراساني ورايات أهل المشرق عامة موصوفة بأنها راية هدى ، وبأن قتلاهم شهداء ،
ومع أن عدداً منهم يكونون من وزراء المهدي(ع)وخاصة أصحابه . ومنهم قائد قواتهم
شعيب بن صالح الذي يجعله المهدي(ع)قائد جيشه العام .
ومع أن دور الإيرانيين في التمهيد للمهدي(ع)دور واسع وفعال ، ولهم فضل السبق
والتضحيات حيث يبدأ أمر المهدي(ع)بحركتهم . إلى آخر ما ذكرته الأحاديث الشريفة
وسنذكره في دورهم في عصر الظهور . فما هو السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى
من ثورة الإيرانيين ورايتهم ؟
يحتمل أن يكون السبب في ذلك أن الأسلوب الإداري الذي يستعمله اليماني في قيادته
السياسية وإدارة اليمن أصح وأقرب إلى النمط الإداري الإسلامي في بساطته وحسمه .
بينما لاتخلو دولة الإيرانيين من تعقيد الروتين وشوائبه، فيرجع الفرق بين
التجربتين إلى طبيعة البساطة والقبيلة في المجتمع اليماني ، وطبيعة الوراثة
الحضارية والتركيب في المجتمع الإيراني .
ويحتمل أن تكون ثورة اليماني أهدى بسبب سياسته الحاسمة مع جهازه التنفيذي ،
سواء في اختياره من النوعيات المخلصة المطيعة فقط ومحاسبته الدائمة والشديدة
لهم ، وهي السياسة التي يأمر الإسلام ولي الأمر أن يتبعها مع عماله كما في عهد
أمير المؤمنين(ع)إلى عامله في مصر مالك الأشتر رضي الله عنه، وكما ورد في صفات
المهدي(ع)أنه شديد على العمال رحيم بالمساكين .
بينما لايتبنى الإيرانيون هذه السياسة ، ولايعاقبون المسؤول المقصر أو الخائن
لمصالح المسلمين على ملأ الناس ليكون عبرة لغيره . فهم يخافون أن يؤدي ذلك إلى
تضعيف الدولة الإسلامية التي هي كيان الإسلام .
ويحتمل أن تكون راية اليماني أهدى في طرحها الإسلامي العالمي ، وعدم مراعاتها
للعناوين الثانوية الكثيرة والمفاهيم والمعادلات المعاصرة القائمة ، التي تعتقد
الثورة الإسلامية الإيرانية أنه يجب عليها أن تراعيها .
ولكن المرجح أن يكون السبب الأساسي في أن ثورة اليماني أهدى أنها تحضى بشرف
التوجيه المباشر من الإمام المهدي(ع) ، وتكون جزءاً مباشراً من خطة حركته(ع) ،
وأن اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه .
ويؤيد ذلك أن أحاديث ثورة اليمانيين تركز على مدح شخص اليماني قائد الثورة
وأنه: (يهدي إلى الحق، ويدعو إلى صاحبكم، ولايحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل
ذلك فهو إلى النار) .
أما ثورة الإيرانيين الممهدة فالتركيز في أحاديثها على مدح جمهورها بعنوان
أصحاب الرايات السود وأهل المشرق وقوم من المشرق ، أكثر من مدح قادتها كما
سيأتي في أحاديثها ، ما عدا شعيب بن صالح ، الذي يفهم من أحاديثه أنه متميز عن
بقية قادة الرايات السود ، ويليه في المدح السيد الخراساني ، ثم رجل قم .
ويؤيد ذلك أيضاً أن ثورة اليماني قريبة من حركة ظهوره(ع)بالنسبة إلى ثورة
الإيرانيين الممهدين، حتى لو فرضنا أن اليماني يخرج قبل السفياني أو أنه يماني
آخر يمهد لليماني الموعود .
بينما بداية ثورة الإيرانيين على يد رجل من قم تكون مبكرة حيث يبدأ بها أمر
المهدي(ع)(يكون مبدؤه من المشرق) والمدة بين بدايتها وبين الخراساني وشعيب قد
تكون عشرين أو خمسين سنة ، أو ما شاء الله من الزمان .
ومثل هذه البداية المبكرة إنما تقوم على اجتهاد الفقهاء واجتهاد وكلائهم
السياسيين ولا تتوفر لها ظروف النقاء والنصاعة التي تتوفر لثورة اليماني
الموجهة مباشرة من الإمام المهدي(ع) .
ومنها ، احتمال أن يكون اليماني متعدداً ، ويكون الثاني منهما هو اليماني
الموعود . فقد نصت الروايات المتقدمة على أن ظهور اليماني الموعود مقارن لظهور
السفياني ، أي في سنة ظهور المهدي(ع) .
ولكن توجد رواية أخرى صحيحة السند عن الإمام الصادق(ع)تقول: ( يخرج قبل
السفياني مصري ويماني) (البحار:52/210) .
وعليه فيكون هذا اليماني الأول ممهداً لليماني الموعود ، كما يمهد الرجل من قم
وغيره من أهل المشرق للخراساني وشعيب الموعودين .
أما وقت خروج هذا اليماني الأول ، فقد حددت الرواية الشريفة أنه قبل السفياني
فقط ، وقد يكون قبله بمدة قليلة أو سنين طويلة ، والله العالم .
ومنها ، خبر (كاسر عينه بصنعاء) الذي رواه في البحار:52/ 245 عن عبيد بن زرارة
عن الإمام الصادق(ع)قال: ( ذكر عند أبي عبدالله(ع)السفياني فقال: أنى يخرج ذلك
ولم يخرج كاسر عينه بصنعاء) ، وهو من الأحاديث الملفتة الواردة في مصادر الدرجة
الأولى مثل غيبة النعماني ولعله صحيح السند .
ويحتمل أن يكون هذا الرجل الذي يظهر قبل السفياني يمانياً ممهداً لليماني
الموعود كما ذكرنا ، ويحتمل في تفسير (كاسر عينه) عدة احتمالات أرجحها أنه وصف
رمزي مقصود من الإمام الصادق(ع)لا يتضح معناه إلا في حينه .
أحاديث الملاحم التي وردت حول مصر متعددة . ابتداء من أحاديث بشارة
النبي(ص)للمسلمين بفتحهم مصر، إلى أحاديث غلبة المغاربة على مصر في أحداث ثورة
الفاطميين إلى أحداث عصر ظهور المهدي(ع) .
وتختلط أحداث ظهور المهدي(ع)بأحداث إقامة الدولة الفاطمية في مصادر الملاحم ،
لأن أحاديث المهدي(ع)تتضمن أيضاً دخول الجيش المغربي إلى مصر .
وطريقة تمييزها وجود النص فيها على اتصالها بظهور المهدي(ع)، أو اتصالها بحدث
معلوم أنه من أحداث عصر ظهوره، مثل خروج السفياني وغيره . ومع أخذ هذه الملاحظة
بعين الإعتبار تبقى بأيدينا عدة أحاديث ذكرت أحداثاً في مصر، من المؤكد أنها من
أحداث عصر ظهور المهدي(ع) أو من المرجح أنها منها .
منها ، أحاديث عن (قتل أهل مصر أميرهم) وقد ورد هذا الحديث بعنوان إحدى علامات
ظهور المهدي(ع). (كما في بشارة الإسلام ص 175 ).
ويوجد تعبير آخر كثر تذاكره على ألسنة الناس في عصرنا يقول: (وقتل أهل مصر
ساداتهم ، وغلبة العبيد على بلاد السادات) (بشارة الإسلام ص 176) ، على أساس
أنه ينطبق على قتل أنور السادات ، ولكنه اشتباه لأن السادات في هذه النصوص
بمعنى الرؤساء وليس اسم علم . ولأن أمير مصر الذي يكون قتله علامة لظهور
المهدي(ع)يتبعه كما يذكر الحديث دخول جيش أو أكثر إلى مصر ، وقد يكون هو الجيش
الغربي أو المغربي الذي سنذكره .
بل تذكر بعض الروايات أن قتله يترافق مع قتل أهل الشام حاكمهم ، ففي بشارة
الإسلام ص185 نقلاً عن القول المختصر لابن حجر قال: (السادس عشر: يقتل قبله ملك
الشام وملك مصر ).
ومن القريب أيضا أن يكون لقتل حاكم مصر علاقة بالرواية التي تتحدث عن رجل مصري
صاحب ثورة يخرج قبل السفياني ، ففي البحار:52/210 قال: (يخرج قبل السفياني مصري
ويماني) وهذا المصري قد يكون أمير الأمراء أي قائد الجيش الذي ذكرت بعض
الروايات أنه يتحرك في مصر ويعلن حالة الحرب: (وقام بمصر أمير الأمراء وجهزت
الجيوش) .
وقد يكون هو أيضاً المذكور في رواية أخرى بأنه يدعو لآل محمد(ص) قبل دخول
القوات الغربية الآتي ذكرها: ( ويخرج أهل الغرب إلى مصر ، فإذا دخلوا فتلك
إمارة السفياني ، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد) ( البحار:52/208 ).
وقد يكون الرجل المصري ، وأمير الأمراء ، والذي يدعو لآل محمد(ص) ، ثلاثة أشخاص
لا شخصاً واحداً .
وعلى أي حال ، فإن هذه الأحاديث تدل بمجموعها على قيام تحرك في مصر وحركة
إسلامية ممهدة لظهور المهدي(ع)، أو في الأقل على وجود حالة إسلامية متفاقمة ،
وأنه يحدث في مصر تغيير داخلي يرتبط بوضع خارجي من الحرب والسلم .
ومنها ، حديث غلبة القبط على أطراف مصر ، فعن أمير المؤمنين(ع)أنه قال في
علامات ظهور المهدي(ع):(وغلبة القبط على أطراف مصر) (بشارة الإسلام ص 42) .
وقد يكون ذلك هو المقصود فيما رواه ابن حماد في مخطوطته ص 78 عن أبي ذر(ره)قال:
( ليخرجن من مصر الأمن . قال خارجة قلت لأبي ذر: فلا إمام جامع حين يخرج . قال:
لا ، بل تقطعت أقرانها ).
والحاصل من ذلك أن أقباط مصر يثيرون فتنة فيها ويسيطرون بشكل وآخر على بعض
أطرافها ، فيسبب ذلك ضعفاً في وضع مصر الأمني والإقتصادي .
ومن الطبيعي أن يكون ذلك بتحريك أعداء المسلمين من الخارج حيث لم يعهد لأقباط
مصر في تاريخهم تحرك هام ضد المسلمين إلا بمساعدة خارجية ، كما حدث في حملات
الصليبيين ، وكما هو الحال في عصرنا الحاضر .
أما وقت ذلك فلاتشير له الروايات المذكورة وأمثالها ، ولكن تقول رواية أخرى عن
حذيفة(ره): ( إن مصر أمنت من الخراب حتى تخرب البصرة) . (بشارة الإسلام ص28
نقلاً عن ابن عربي في كتابه محاضرة الأبرار ).
وفيها أيضاً: (وخراب مصر من جفاف النيل) . ولعل خراب البصرة الموعود يقع بعد
دخول قوات السفياني للعراق في سنة ظهور المهدي(ع) .
ومنها ، حديث دخول القوات المغربية إلى مصر ، ويذكر المؤلفون هذه العلامة عادة
في علامات طهور المهدي(ع) . والمقصود بالمغرب فيها وفي الروايات الأخرى مغرب
البلاد الإسلامية، الذي يشمل دولة المغرب والجزائر وليبيا وتونس . والعديد منها
ينطبق بوضوح على دخول قوات المغاربة إلى مصر في الثورة الفاطمية .
لكن في كتاب غيبة الطوسي ص278 الذي هو من أقدم المصادر وأوثقها ، ولكنها تذكر
أهل الغرب وليس أهل المغرب . وكذلك نقلها عنه صاحب بحار الأنوار ، وصاحب بشارة
الإسلام ، وقد اشتبه بعضهم غيرهما فنقلها (المغرب) ، فقد تكون هذه عن قوات
غربية .
وتحدد هذه الرواية وقت دخول أهل الغرب إلى مصر بأنه قبيل خروج السفياني في دمشق
، وهي فقرة من رواية طويلة عن عمار بن ياسر(ره)قال: (إن دولة أهل بيت نبيكم في
آخر الزمان ، ولها إمارات ... ويخرج أهل الغرب إلى مصر ، فإذا دخلوا فتلك أمارة
السفياني) .
وبما أن السفياني يخرج قبل ظهور المهدي(ع)ببضعة أشهر ، فيكون مجئ هذه القوات في
سنة الظهور أو نحوها .
وينبغي أن نشير الى بعض الروايات التي تذكر أن السفياني يقاتل أهل مصر ويدخلها
ويرتكب فيها الجرائم أربعة أشهر ، فالأرجح أنها من المبالغة في أمر السفياني
ولم يرد منها شئ في مصادر الدرجة الأولى .
كما تذكر بعض أحاديث الأبقع الذي يقتله السفياني في دمشق أنه مصري ، أو له
علاقة بمصر ، والله العالم .
ومنها ، حديث أن المهدي(ع)يجعل مصر منبراً. وقد ورد ذلك في رواية عباية الأسدي
عن علي(ع)قال: (سمعت أمير المؤمنين(ع)وهو مشتكي (متكٍ) وأنا قائم عليه قال:
لأبنين بمصر منبراً ، ولأنقضن دمشق حجراً حجراً ، ولأخرجن اليهود والنصارى من
كل كور العرب ، ولأسوقن العرب بعصاي هذه ! قال قلت: كأنك تخبر أنك تحيا بعد ما
تموت؟ فقال: هيهات يا عباية قد ذهبت في غير مذهب. يفعله رجل مني) (
البحار:53/60 ).
وعن علي(ع)في المهدي وأصحابه قال: ( ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره فيخطب الناس
، فتستبشر الأرض بالعدل ، وتعطي السماء قطرها ، والشجر ثمرها ، والأرض نباتها ،
وتتزين لأهلها ، وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الأرض كالأنعام . ويقذف في قلوب
المؤمنين العلم ، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم . فيومئذ تأويل
الآية: يغني الله كلاً من سعته) . (بشارة الإسلام ص 71) .
ويفهم من هاتين الروايتين أنه سيكون لمصر في دولة المهدي العالمية مركز علمي
وإعلامي متميز في العالم ، خاصة بملاحظة تعبير (لأبنين بمصر منبراً) وتعبير (
ثم يسيرون إلى مصر فيصعد منبره) أي يسير المهدي(ع) وأصحابه إلى مصر ، لا لكي
يفتحها أو يثبت أمر حكمه لها ، بل لتستقبله هو وأصحابه أرواحنا فداهم ، ولكي
يصعد منبره الذي يكون اتخذه فيها كما وعد جده أمير المؤمنين(ع)، وليوجه خطابه
من هناك إلى العالم .
وكون مصر منبر علم المهدي(ع)ومنطلق صوته إلى العالم ، لاينافي المستوى العلمي
الذي دلت هذه الرواية وغيرها أن المسلمين يبلغونه في عصره ، لأن أمر العلم يبقى
نسبياً .
ومنها ، أن للمهدي(ع)في هرمي مصر كنوزاً وذخائر من العلوم وغيرها ، وقد ورد
خبرها في مصادر الدرجة الأولى كمافي كتاب كمال الدين للصدوق +ص564 في رواية عن
أحمد بن محمد الشعراني الذي هو من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه ، عن محمد بن
القاسم المصري ، أن ابن أحمد بن طولون شغل ألف عامل في البحث عن باب الهرم سنة
، فوجدوا صخرة مرمر وخلفها بناء لم يقدروا على نقضه ، وأن أسقفاً من الحبشة
قرأها وكان فيها عن لسان أحد الفراعنة قوله: (وبنيت الأهرام والبراني ، وبنيت
الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري) فقال ابن طولون: (هذا شئ ليس لأحد فيه حيلة
إلا القائم من آل محمد(ص)) وردت البلاطة كما كانت مكانها ).
وفي هذه الرواية نقاط ضعف قد تكون من إضافة بعض الرواة ، ولكن فيها نقاط قوة
تستوجب الإلتفات . والله العالم .
ومنها ، حديث (أخنس مصر) الذي رواه صاحب كنز العمال في البرهان ص 200 نقلاً عن
تاريخ ابن عساكر عن النبي(ص)قال: (سيكون بمصر رجل من قريش أخنس) وفي فيض القدير
للمناوي:2/131من بني أمية (يلي سلطاناً ثم يغلب عليه أو ينزع منه ، فيفر إلى
الروم ، فيأتي بهم إلى الإسكندرية فيقاتل أهل الإسلام بها ، وذلك أول الملاحم )
، فقد يكون المقصود بالملاحم ملاحم ظهور المهدي(ع) ، وببني أمية خطهم ، والله
العالم.
الأحاديث الواردة حول أحداث العراق وأوضاعه في عصر الظهور كثيرة ، يظهر منها أن
العراق يكون ساحة صراع لاتهدأ بين قوى متعددة ، وأنه تمر عليه أربعة عهود أو
فترات:
الفترة الأولى: فترة تسلط الجبابرة على العراق مدة طويلة قبل ظهور المهدي (ع) ،
وشمول أهله قتل ذريع وخوف لا يقر لهم معه قرار .
الفترة الثانية: صراع النفوذ فيه بين اتجاه أتباع أهل البيت(ع)، والإتجاه
المؤيد للسفياني حاكم بلاد الشام .
الفترة الثالثة: احتلال السفياني العراق وتنكيله بأهله ، ثم دخول جيش الإمام
المهدي(ع) ، وهزيمته جيش السفياني وطرده من العراق .
الفترة الرابعة: دخول الإمام المهدي(ع)العراق وتطهيره من مؤيدي السفياني وفئات
الخوارج ، واتخاذه مقراً له(ع)وعاصمةً لدولته .
وقد وردت روايات عن أحداث فيه خلال هذه المراحل الأربع مثل: خروج الشيصباني
المعادي للإمام المهدي(ع)قبل السفياني، وشهادة نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين
من الصالحين ، وخروج عوف السلمي من الجزيرة أو تكريت، ومنع أهل العراق من الحج
ثلاث سنين ، وخسف البصرة وخرابها قبيل ظهور المهدي(ع) ، وخسف في بغداد والحلة .
ودخول قوات مغربية أو غربية إلى العراق . وخروج أحد الصالحين في مجموعة قليلة
لمقاومة جيش السفياني. وخروج عدة فئات من الخوارج على المهدي(ع) من الشيعة
والسنة . وآخر فئة منهم خوارج (رميلة الدسكرة) الواقعة قرب شهربان في محافظة
ديالى .
وفيما يلي عرض لأهم أحاديث هذه الفترات :
وأبرز ما في أحاديثها شدة البلاء على أهل العراق من حكامه الجبابرة ، واختلاف
هؤلاء الحكام مع أصحاب الرايات السود الإيرانيين .
فعن جابر بن عبد الله الأنصاري(ع)قال: ( يوشك أهل العراق أن لايجبى إليهم قفيز
ولادرهم . قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك) (البحار:51/92 ).
والقفيز كيل للغلات ، والمعنى أنه لا يكاد يصل إليهم مواد تموينية أو مساعدات
مالية ، بسبب الإيرانيين وحربهم معهم .
وقد تكون هذه الأزمة هي الجوع والخوف الموعود الذي وردت فيه رواية عن جابر
الجعفي قال: (سألت أبا جعفر محمد بن علي(ع)(أي الإمام الباقر) عن قول الله
تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئٍْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ، فقال: يا جابر
ذلك خاص وعام. فأما الخاص من الجوع فبالكوفة يخص الله به أعداء آل محمد فيهلكهم
. وأما العالم فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم قط. أما الجوع فقبل قيام
القائم. وأما الخوف فبعد قيام القائم). البحار:52/229 .
ولا أجد وجهاً لأن يكون الجوع خاصاً بأعداء أهل البيت(ع)إلا أن يكون أزمة
اقتصادية تعاني منها حكومة الجبابرة في العراق .
وهذا الخوف المذكور في بلاد الشام بعد ظهور المهدي(ع)،لاينفي وجوده قبل ظهوره ،
وقد نصت الرواية التالية على أنه يكون شديداً في العراق قبل الظهور ، فعن
الإمام الباقر(ع)قال: (يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر لهم في
السماء ، وحمرة تجلل السماء ، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة، ودماء تسفك بها
، وخراب دورها ، وفناء يقع في أهلها . وشمول أهل العراق خوف لا يكون معه قرار)
(البحار:52/221) ، وليس من الضروري أن تكون هذه العلامات متسلسلة حسب ما وردت
في الرواية ، بل قد يكون الخوف والخسف قبل الآيات السماوية .
والظاهر أن نار السماء وحمرتها آية ربانية وليست نار انفجارات مثلاً .
وتذكر الرواية التالية عن أمير المؤمنين(ع)عدة أحداث في العراق في مرحلة حكم
الجبابرة قبل السفياني وظهور المهدي(ع).
فعن أنس بن مالك قال: ( لما رجع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) من قتال أهل
النهروان نزل براثا وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه الحباب فلما سمع الراهب
الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين فاستفظع
ذلك ونزل مبادراً فقال: من هذا ، ومن رئيس هذا العسكر؟ فقيل له: هذا أمير
المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان . فجاء الحباب مبادراً يتخطى الناس حتى
وقف على أمير المؤمنين فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقاً حقاً . فقال
له: وما علمك بأني أمير المؤمنين حقاً حقاً ؟ قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا
وأحبارنا . فقال له: يا حباب ! فقال الراهب: وما علمك باسمي؟! فقال: أعلمني
بذلك حبيبي رسول الله(ص) ، فقال له الحباب: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا
الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأنك علي بن أبي طالب وصيه . فقال له أمير
المؤمنين(ع) وأين تأوي ؟ فقال: أكون في قلاية لي هاهنا . فقال له أمير
المؤمنين(ع): بعد يومك هذا لا تسكن فيها ، ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمه باسم
بانيه (فبناه رجل اسمه براثا فسمي المسجد ببراثا باسم الباني له) ثم قال: ومن
أين تشرب يا حباب؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا . قال: فلم لا تحفر
عيناً أو بئراً ؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئراً وجدناها مالحة
غير عذبة . فقال له أمير المؤمنين(ع): إحفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة
لم يستطيعوا قلعها ، فقلعها أمير المؤمنين(ع)فانقلعت عن عين أحلى من الشهد ،
وألذ من الزبد . فقال له: يا حباب يكون شربك من هذه العين . أما إنه يا حباب
ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها ، ويعظم البلاء ، حتى أنه
ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام ، فإذا عظم بلاؤهم شدوا على مسجدك
بفطوة ثم- وابنه بنين ثم وابنه لايهدمه إلا كافر ثم بيتاً- فإذا فعلوا ذلك
منعوا الحج ثلاث سنين ، واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلاً من أهل السفح لا
يدخل بلداً إلا أهلكه وأهلك أهله ، ثم ليعد عليهم مرة أخرى ، ثم يأخذهم القحط
والغلا ثلاث سنين حتى يبلغ بهم الجهد ، ثم يعود عليهم، ثم يدخل البصرة فلا يدع
فيها قائمة إلا سخطها وأهلكها وأسخط أهلها . وذلك إذا عمرت الخربة وبني فيها
مسجد جامع ، فعند ذلك هلاك البصرة ، ثم يدخل مدينة بناها الحجاج يقال لها واسط
، فيفعل مثل ذلك ، ويتوجه نحو بغداد فيدخلها عفواً ، ثم يلتجئ الناس إلى الكوفة
. ولا يكون بلد من الكوفة تشوش الأمر له . ثم يحرج هو والذي أدخله بغداد نحو
قبري لينبشه فيتلقاهما السفياني فيهزمهما ثم يقتلهما ، ويوجه جيشاً نحو الكوفة
فيستعبد بعض أهلها . ويجئ رجل من أهل الكوفة فيلجؤهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن
. ويدخل جيش السفياني إلى الكوفة فلا يدعون أحداً إلا قتلوه ، وإن الرجل منهم
ليمر بالدرة المطروحة العظيمة فلا يتعرض لها ، ويرى الصبي الصغير فيلحقه فيقتله
.
فعند ذلك يا حباب يتوقع بعدها هيهات هيهات وأمور عظام، وفتن كقطع الليل المظلم.
فاحفظ عني ما أقول لك يا حباب). (البحار:52/217) .
والتشويش في نص الرواية ظاهر ، وقد قال المجلسي(ره) بعد نقلها: (إعلم أن النسخة
كانت سقيمة فأوردت الخبر كما وجدته) .
وأمر سندها ومتنها قابل للمناقشة ، ولكن مهما يكن أمر صحتها فهي تتضمن أموراً
عما يعانيه أهل العراق من حكم الجبابرة وبطشهم وردت في روايات أخرى بعضها صحيح
، وقد يكون الأحداث المذكورة فيها من هدم مسجد براثا ، وتفاقم الفساد في بغداد
، وتسلط قادة عسكريين عليها من جبال كردستان أو إيران وغيرها.. قد مرت وحدثت في
القرون السابقة، ولكن الأحداث المتعلقة بالسفياني لم تحدث .
قال الشيخ المفيد+: (قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع)،
وحوادث تكون أمام قيامه ، وآيات ودلالات: فمنها خروج السفياني ، وقتل الحسني ،
واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي ، وكسوف الشمس في النصف من رمضان ، وخسوف
القمر في آخره على خلاف العادات ، وخسف بالبيداء ، وخسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق
، وركود الشمس من عند الزوال إلى أوسط أوقات العصر ، وطلوعها من المغرب ، وقتل
نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين ، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام
، وهدم حائط مسجد الكوفة ، وإقبال رايات سود من قبل خراسان ، وخروج اليماني ،
وظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات ، ونزول الترك الجزيرة ، ونزول الروم الرملة
، وطلوع نجم بالمشرق يضئ كما يضئ القمر ، ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه ،
وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها، ونار تظهر بالمشرق طويلاً وتبقى في
الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد ، وخروجها عن
سلطان العجم ، وقتل أهل مصر أميرهم ، وخراب الشام ، واختلاف ثلاث رايات فيه .
ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر ، ورايات كندة إلى خراسان ، وورود خيل من قبل
الغرب حتى تربط بفناء الحيرة، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها ، وبثق في
الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة ، وخروج ستين كذاباً كلهم يدعي النبوة ،
وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدعي الإمامة لنفسه ، وإحراق رجل عظيم
القدر من بني العباس بين جلولاء وخانقين ، وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة
السلام ، وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار ، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها ،
وخوف يشمل أهل العراق وبغداد ، وموت ذريع فيه ونقص من الأموال والأنفس والثمرات
، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات ، وقلة ريع
لما يزرعه الناس ، واختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم ، وخروج
العبيد عن طاعات ساداتهم وقتلهم مواليهم ، ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا
قردة وخنازير ، وغلبة العبيد على بلاد السادات ، ونداء من السماء حتى يسمعه أهل
الأرض، كل أهل لغة بلغتهم ، ووجه وصدر يظهران للناس في عين الشمس ، وأموات
ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ويتزاورون .
ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة ، تتصل فتحيا بها الأرض بعد موتها ، وتعرف
بركاتها ، ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي(ع) ، فيعرفون
عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته ، كما جاءت بذلك الأخبار .
وجملة من هذه الأحداث محتومة ، ومنها مشروطة . والله أعلم بما يكون ، وإنما
ذكرناها على حسب ما ثبت في الأصول ، وتضمنها الأثر المنقول . وبالله نستعين .
(الإرشاد للمفيد ص 336 والبحار:52/219-221 )
وما ذكره المفيد+تعدادٌ مجملٌ لعلامات الظهور البعيدة والقريبة ، ولايقصد أنها
متسلسلة حسب ما عددها ، فمنها علامات قريبة لايفصلها عن ظهوره(ع)أكثر من
أسبوعين ، مثل قتل النفس الزكية بين الركن والمقام . بل هو في الحقيقة جزء من
حركة الظهور لأنه رسول المهدي(ع) .
ومنها ما يفصله عن ظهور المهدي(ع)قرون عديدة مثل اختلاف بني العباس فيما بينهم
، وظهور المغربي في مصر وتملكه الشامات في حركة الفاطميين .
وقصده(ره)بالمحتوم والمشروط من هذه العلامات أن منها حتمي الوقوع على كل حال ،
كما ورد في عدة علامات النص على حتميتها ، مثل السفياني واليماني وقتل النفس
الزكية والنداء السماوي والخسف بجيش السفياني وغيرها . ومنها مشروط بأحداث أخرى
في علم الله سبحانه ومقاديره ، والله الأمر من قبل ومن بعد فيها وفي غيرها .
ويبدو أن المقصود بالحسني النفس الزكية في مكة ، أو الغلام الذي يقتله جيش
السفياني في المدينة قرب ظهور المهدي(ع) ، وإن كان يحتمل أنه سيد حسني صاحب
حركة الإسلامية في العراق ، فقد ورد في بعض الروايات (وتحرك الحسني) .
أما ( قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين) فيحتمل بعضهم أن ينطبق
على الشهيد الصدر+والذين استشهدوا معه حيث كان عددهم نحو سبعين رضوان الله
عليهم . وظهر الكوفة هو النجف ، وتسمى أيضاً نجف الكوفة ، ونجفة الكوفة أي
مرتفعها وجبلها .
وقد وردت روايات في خيل المغرب التي تنزل في فناء الحيرة ، أي تستقر قرب الكوفة
، وأن هذا الحدث يكون في أيام السفياني أو قربه . ولكن الملفت في نص
المفيد(ره)قوله: (وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة) ، فيحتمل أن
تكون هذه القوات غربية تدخل العراق لمعاونة السفياني، أو تكون قبل السفياني .
والمقصود برايات المشرق: الرايات السود الخراسانية التي تدخل مع قوات اليماني
لمواجهة السفياني عندما يغزو العراق .
أما بثق الفرات وفيضانه في الكوفة ، فقد ورد في الأحاديث أنه يكون في سنة
الظهور ، فعن الإمام الصادق(ع)قال: (عام- أو سنة- الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل
أزفة الكوفة) ( البحار:52/217) .
وشهادة الشيخ المفيد بأن هذه العلامات والأحداث ثبتت في الأصول الحديثية ، تعطي
رواياتها قيمة كبيرة لدقته وجلالة قدره ، ولأنه أقرب إلى المصادر والتابعين
والأئمة(ع) فقد توفي(ره)سنة 413 هجرية .
كما تتحدث روايات أخرى عن العراق في فترة ما قبل السفياني:
منها ، ما روي عن الإمام الصادق(ع)التي تقول: ( ثم يقع التدابر والاختلاف بين
أمراء العرب والعجم ، فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الأمر إلى رجل من ولد أبي
سفيان) ( الزام الناصب: 2/160 ).
ومنها ، رواية (تحرك الحسني) الذي توجد قرائن على أنه يكون في العراق ، والذي
قد يكون قتله بعد حكمه .
ومنها ، ما يفهم منها استمرار حكم الجبابرة في العراق إلى ظهور المهدي (ع) ،
فعن الإمام الصادق(ع)قال: (إذا هدم حائط مسجد الكوفة مؤخره مما يلي دار عبد
الله بن مسعود فعند ذلك زوال ملك القوم (بني فلان) وعند زواله خروج القائم(ع))
( الإرشاد للمفيد ص360 ) وفي رواية غيبة الطوسي ص271 ( أما إن هادمه لايبنيه)
يعني أن هادمه يقتل أو يذهب قبل أن يعيد بناءه .
كما تشير بعض روايات غزو السفياني للعراق إلى أنه يقاتل حكومة عدوة للاسلام
والإمام المهدي(ع)، كما ورد في رواية البحار:52/273: ( وأمير الناس يومئذ جبار
عنيد يقال له الكاهن الساحر ) .
ورد ذكر الحسني في عدة أحاديث تشير إلى أنه يقوم بحركة ثم يقتل ، ولكنها لاتنص
على أنه في العراق ، فبعضها يذكر حسني المدينة ، وحسني مكة ، وحسني العراق ،
والحسيني الخراساني الذي تسميه روايات مصادر السنة (الحسني) والذي يدخل العراق
بجيشه في سنة الظهور ، فيحتمل أن يكون تحركه هو المقصود في روايات تحرك الحسني
في العراق ويحتمل أن يكون حسني قبله .
أما الشيصباني فقد ورد فيه حديث في غيبة النعماني عن جابر بن يزيد الجعفي قال:
( سألت أبا جعفر (الإمام الباقر(ع))عن السفياني فقال: (وأنى لكم بالسفياني حتى
يخرج قبله الشيصباني يخرج بأرض كوفان ، ينبع كما ينبع الماء فيقتل وفدكم ،
فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم(ع)). (البحار:52/250)
وقد تضمن عدة نقاط عن شخصيته:
منها، وصفه بالشيصباني نسبة إلى الشيصبان وهو وصف يعبر به الأئمة(ع) عن
الطواغيت والأشرار ، لأنه بالأصل اسم للشيطان ، كما في شرح القاموس.
ومنها، أنه يخرج قبل السفياني ، ويظهر أنه لايكون بينه وبينه مدة طويلة ، أو
يكون السفياني بعده مباشرة ، بدليل قوله(ع): (فتوقعوا بعد ذلك السفياني) .
ومنها ، أنه يخرج في العراق الذي هو أرض كوفان ، ويحتمل أن يكون في مدينة
الكوفة . ويكون خروجه أي ثورته أو حكمه فجأة بنحو غير متوقع (ينبع كما ينبع
الماء) وأنه يكون طاغية سفاكاً يقتل المؤمنين .
والظاهر أن معنى (يقتل وفدكم) أي وجهاء المؤمنين الذي يتقدمون الوفد عادة ، حيث
يقال وفد القبيلة ووفد المدينة بمعنى وجهائها ورهطها .
ويحتمل أن ينطبق على صدام كما يرى بعضهم لأنه مستجمع للصفات المذكورة . فإن ظهر
بعده السفياني في الشام يكون هو شيصباني العراق الموعود .
أما عوف السلمي فقد ورد فيه رواية في غيبة الطوسي ، عن حذلم بن بشير عن الإمام
زين العابدين(ع)قال: (قلت لعلي بن الحسن(ع)صف لي خروج المهدي وعرفني دلائله
وعلاماته فقال: يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له عوف السلمي بأرض الجزيرة،
ويكون مأواه تكريت وقتله بمسجد دمشق . ثم يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند ،
ثم يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس ، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان ،
فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ، ثم يخرج بعد ذلك) ( البحار:52/213) .
وما يتعلق بشعيب من هذا الحديث وأنه من سمرقند مخالف لما هو مشهور في مصادرنا
الشيعية من أنه من أهل الري ، إلا أن يفسر بأن أصله من أهل سمرقند . وكذلك أمر
خروجه قبل السفياني كما ذكرنا في محله .
ويبدو أن عوفاً السلمي هذا يخرج على الحكومة السورية وليس العراقية ، وأنه إن
صحت روايته يكون قبل السفياني بمدة غير طويلة .
أما الجزيرة التي هي مركز حركته فهي اسم لمنطقة عند الحدود العراقية السورية ،
وهو المعنى المفهوم للجزيرة عندما تطلق بدون إضافة كما نلاحظ في كتب التاريخ
والحديث ، وتسمى أيضاً جزيرة ربيعة أو ديار بكر ، ولا يفهم منها جزيرة العرب
إلا بالإضافة .
والظاهر أن معنى مأواه تكريت أنها تكون ملجأه قبل حركته أو بعد فشل حركته
وفراره . وهي المدينة المعروفة في العراق .
ويؤيد ذلك أنها قريبة من مركز حركته الجزيرة فيكون ما ورد في بعض النسخ بدلها
(ومأواه بكريت أو بكويت) مصحفاً عن تكريت . ويؤيد ذلك أن الموجود في البحار
وغيبة الطوسي( تكريت) فقط .
وتشير الرواية إلى أنه بعد ذلك يقتل في مسجد دمشق أي يغتال فيه ، أو يقبض عليه
ويقتل عنده . وعلى هذا يكون خروجه من أحداث بلاد الشام ، وله صلة بأحداث العراق
.
الفترة الثالثة: غزو السفياني ، وخراب البصرة
وتصف أحاديثها غزو السفياني العراق واحتلاله ، وتنكيله بأهله ، خاصة بشيعة
المهدي وأهل البيت(ع) ، وقد تعرضنا لها في حركة السفياني . ويفهم من مجموعها أن
السلطة في العراق تكون ضعيفة إلى حد لاتستطيع أن ترد حملة السفياني لاعسكرياً
ولاشعبياً ، ثم لاتستطيع أن تمنع دخول القوات اليمانية والإيرانية التي تدخل
العراق لمواجهة قوات السفياني .
ومن المحتمل أن يكون دخول الجيش السفياني إلى العراق بطلب من حكومته الضعيفة ،
وأن تكون الروايات عن قتال يخوضه جيش السفياني في الدجيل وبغداد وغيرها تتحدث
عن قتاله مع فئات ثائرة عليه .
كما يفهم من الرويات أن القوات اليمانية والإيرانية يكون لها تأييد شعبي من
العراقيين، وأنهم يستبشرون بها ويساعدونها في تعقب قوات السفياني .
أما خراب البصرة فرواياته ثلاثة أنواع: خرابها بالغرق. وخرابها بثورة الزنج.
و(خرابها) بوقوع خسف وتدمير فيها .
وأكثر كلمات أمير المؤمنين(ع)الواردة في نهج البلاغة وغيره تقصد الخرابين
الأولين اللذين وقعا في زمن العباسيين كما ذكر عامة المؤرخين .
قال(ع)في الخطبة رقم13: ( كنتم جند المرأة ، وأتباع البهيمة ، رغا فأجبتم ،
وعقر فهربتم . أخلاقكم دقاق ، وعهدكم شقاق ، ودينكم نفاق ، وماؤكم زعاق .
المقيم بينكم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه . كأني بمسجدكم
كجؤجؤ سفينة ، وقد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها ، وغرق من في
ضمنها) .
قال ابن أبي الحديد: ( فأما إخباره(ع)أن البصرة تغرق ما عدا المسجد الجامع بها
، فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أن البصرة تهلك بالماء الأسود ينفجر
من أرضها ، فتغرق ويبقى مسجدها .
والصحيح أن المخبر به قد وقع . فإن البصرة غرقت مرتين ، مرة في أيام القائم
بأمر الله ، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ
الطائر ، حسب ما أخبر به أمير المؤمنين(ع)جاءها الماء من بحر فارس من جهة
الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس ، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام ، وخربت
دورها وغرق كل ما في ضمنها ، وهلك كثير من أهلها ، وأحد هذين الغرقين معروفة
عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم ). انتهى.
وأما خرابها بسبب ثورة الزنج التي وقعت في زمن العباسيين في منتصف القرن الرابع
، فقد أخبر به أمير المؤمنين(ع)أكثر من مرة ، من قبيل الخطبة 128 التي قال
فيها: (يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب، ولا
قعقعة لجم، ولاحمحمة خيل، يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام).
قال الشريف الرضي(ره): ( يومئ بذلك إلى صاحب الزنج) . ثم قال(ع):(ويل لسكككم
العامرة ، والدور المزخرفة، التي لها أجنحة كأجنحة النسور . وخراطيم كخراطيم
الفيلة ، من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ، ولا يفقد غائبهم ) .
وثورة الزنج بدأت في القرن الثالث بقيادة القرمطي الذي ادعى أنه علوي ، وهي
مدونة في مصادر التاريخ ، وقد انطبقت عليها الأوصاف التي وصفها بها أمير
المؤمنين(ع)بشكل دقيق، وكانت ردة فعل للظلم والترف واضطهاد العبيد ، وكان عامة
جيشها من الزنوج العبيد الحفاة الذين لا خيل لهم .
وأما (خرابها) الذي هو من علامات ظهور المهدي(ع)، فقد وردت فيه روايات تذكر أن
البصرة من المؤتفكات المذكورة في القرآن الكريم أي المدن المنقلبات بأهلها
بالخسف والعقاب الإلهي ، وأن البصرة ائتفكت ثلاث مرات وبقيت الرابعة .
ففي شرح النهج لابن ميثم البحراني قال: (لما فرغ أميرالمؤمنين(ع)من أمر الحرب
لأهل الجمل(من أمر أهل الجمل)أمر منادياً أن ينادي في أهل البصرة أن الصلاة
جامعة لثلاثة أيام (من غد إن شاء الله) ولا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو عذر ،
فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً . فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج(ع) فصلى
بالناس الغداة في المسجد الجامع ، فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط
القبلة عن يمين المصلي فخطب الناس ، فحمد الله وأنثى عليه بما هو أهله ، وصلى
على النبي(ص) واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، ثم قال: يا أهل
البصرة، يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثاً وعلى الله تمام الرابعة !
يا جند المرأة وأعوان البهيمة ، رغا فأجبتم ، وعقر فهربتم، أخلاقكم دقاق،
ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق، بلادكم أنتن بلاد الله تربة ، وأبعدها من السماء،
بها تسعة أعشار الشر . المحتبس فيها يذنبه ، والخارج منها بعفو الله .
كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه
جؤجؤ طير في لجة بحر .
فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك؟ قال: يا أبا
بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان ، وإن بينك وبينه لقروناً ، ولكن ليبلغ الشاهد منكم
الغائب عنكم ، لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دوراً
وآجامها قصوراً ، فالهرب الهرب فإنه لا بصرة لكم يومئذ . ثم التفت عن يمينه
فقال: كم بينكم وبين الأبلة ؟ فقال له المنذرين الجارود: فداك أبي وأمي ، أربعة
فراسخ . قال له: صدقت ، فوالذي بعث محمد(ص)وأكرمه بالنبوة ، وخصه بالرسالة ،
وعجل بروحه إلى الجنة ، لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال: يا علي هل علمت أن
بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الأبلة أربعة فراسخ ، وسيكون بالتي تسمى أبلة
موضع أصحاب العشور ، يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألف شهيد ، هم يومئذ
بمنزلة شهداء بدر .
فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم ، فذاك أبي وأمي ؟ قال: يقتلهم
إخوان وهم جيل كأنهم الشياطين، سود ألوانهم ، منتنة أرواحهم ، شديد كلبهم، قليل
سلبهم طوبى لمن قتلوه . ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين
من أهل ذلك الزمان ، مجهولون في الأرض ، معروفون في السماء ، تبكي عليهم السماء
وسكانها ، والأرض وسكانها - ثم هملت عيناه بالبكاء ثم قال: ويحك يا بصرة من جيش
لارهج له ولاحس . فقال له المنذر: وما الذي يصيبهم من قبل(قبل)الغرق مما ذكرت؟
فقال: هما بابان: فالويح باب الرحمة ، والويل باب عذاب .
يا بن الجارود ، نعم: ثارات عظيمة . منها عصبة يقتل بعضهم بعضاً . ومنها فتنة
يكون فيها إخراب منازل وخراب ديار وانتهاب أموال وسباء نساء يذبحن ذبحاً، يا
ويل أمرهن حديث عجيب . ومنها أن يستحل الدجال الأكبر الأعور الممسوح العين
اليمنى والأخرى ممزوجة لكأنها في الحمرة علقة ، ناتئ الحدقة كهيئة حبة العنب
الطافية على الماء ، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالأبلة من الشهداء ، أنا
جيلهم في صدورهم ، يقتل من يقتل ، ويهرب من يهرب . ثم رجف ، ثم قذف ، ثم خسف ثم
مسخ . ثم الجوع الأغبر ، ثم الموت الأحمر وهو الغرق .
يا منذر: إن للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في زبر الأول ، لا يعلمها إلا
العلماء . منها الخريبة ، ومنها تدمر ، ومنها المؤتفكة .
إلى أن قال: يا أهل البصرة ، إن الله لم يجعل لأحد من أمصار المسلمين خطة شرف
ولاكرم إلا وقد جعل فيكم أفضل من ذلك ، وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم . أنتم
أقوم الناس قبلة ، قبلتكم على المقام حيث يقوم الإمام بمكة ، وقارؤكم أقرأ
الناس، وزاهدكم أزهد الناس، وعابدكم أعبد الناس، وتاجركم أتجر الناس وأصدقهم في
تجارته ، ومتصدقكم أكرم الناس صدقة ، وغنيكم أشد الناس بذلاً وتواضعاً ،
وشريفكم أكرم الناس خلقاً ، وأنتم أكثر الناس جواراً ، وأقلهم تكلفاً لما لا
يعنيه ، وأحرصهم على الصلاة في جماعة ، ثمرتكم أكثر الثمار ، وأموالكم أكثر
الأموال ، وصغاركم أكيس الأولاد ، ونساؤكم أمنع الناس وأحسنهن تبعلاً ، سخر لكم
الماء يغدو عليكم ويروح صلاحاً لمعاشكم ، والبحر سبباً لكثرة أموالكم ، فلو
صبرتم واستقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلاً وظلاً ظليلاً، غير أن حكم الله ماض،
وقضاءه نافذ، لامعقب لحكمه، وهو سريع الحساب، يقول الله: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ
إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا
عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً . إلى أن قال: إن
رسول الله(ص)قال لي يوماً ، وليس معه غيري: إن جبرئيل الروح الأمين حملني على
منكبه الأيمن حتى أراني الأرض ومن عليها ، وأعطاني أقاليدها ، وعلمني ما فيها
وما قد كان على ظهرها ، وما يكون إلى يوم القيامة ، ولم يكبر ذلك على كما لم
يكبر على أبي آدم ، علمه الأسماء كلها ولم تعلمها الملائكة المقربون . وإني
رأيت على شاطئ البحر قرية (بلدة) تسمى البصرة ، فإذا هي أبعد الأرض من السماء
وأقربها من الماء ، وأنها لأسرع الأرض خراباً ، وأخشنها تراباً ، وأشدها عذاباً
. ولقد خسف بها في القرون الخالية مراراً ، وليأتين عليها زمان وإن لكم يا أهل
البصرة وما حولكم من القرى من الماء ليوماً عظيما بلاؤه . وإني لأعلم موضع
منفجره من قريتكم هذه . ثم أمور قبل ذلك تدهمكم ، عظيمة أخفيت عنكم وعلمناها ،
فمن خرج عنها عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له. ومن بقي فيها غير مرابط
فبذنبه ، وما الله بظلام للعبيد) (البحار:60/224-226)
وقد أضفنا لها فقرة من نهج السعاة في مستدرك نهج البلاغة ص325 ، وقد روى فقرة
منها عن عيون الأخبار لابن قتيبة عن الحسن البصري ، وفيها: (غير أني سمعت رسول
الله(ص)يقول: تفتح أرض يقال لها البصرة أقوم الأرضين قبلة ، قارؤها أقرأ الناس
، وعابدها أعبد الناس ، وعالمها أعلم الناس ، ومتصدقها أعظم الناس صدقة ،
وتاجرها أعظم الناس تجارة . منها إلى قرية يقال لها الأبلة أربعة فراسخ ،
يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا ، الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر)
.
لكن لو صحت هذه الصيغة للخطبة الشريفة فلا تدل على أن هذا الخراب متصل بالظهور
لأن بعض صيغها تذكر أنه يكون في الرجعة .
ويظهر من مصادر التاريخ أن خطبة أمير المؤمنين(ع)في البصرة وحديثه فيها عن
الملاحم قطعية ومشهورة ، ولكن رواياتها المتعددة تختلف في الطول والقصر وبعض
المضامين .
وتنفرد الروايتان اللتان ذكرناهما بأن خرابها يكون بالغرق بعد الخسف ، وهو ما
لم يحدث في غرقها في المرتين أو في ثورة الزنج .
وتنفردان أيضاً بذكر شهداء البصرة السبعين ألفاً أو الأربعين ألفاً ، وأنهم في
درجة شهداء بدر ، وأن أمير المؤمنين(ع)بكى عليهم ، وفي رواية أن النبي (ص)بكى
عليهم .
وتحدد الرواية الأولى مكان شهادتهم بين البصرة والأبلة ، التي هي اليوم حي من
البصرة تقع قربه محطة القطار ، بينما تذكر رواية ابن قتيبة أن مكان شهادتهم عند
مسجدها الجامع الذي يظهر أن المقصود بمسجد البصرة .
ولابد أن تكون حادثة استشهادهم قبل ظهور المهدي(ع) ، لأنه لاجبابرة ولامستكبرون
بعد ظهوره(ع)ليكون هؤلاء الشهداء مستضعفين عندهم كما وصفتهم الرواية .
كما لا تحدد الرواية بوضوح من يقتلهم ، ولعل كلمة (إخوان) مصحفة عن كلمة أخرى ،
والدجال المذكور أنه يكون بعدهم وأتباعه السبعون ألفاً من النصارى أصحاب
الأناجيل ، لايبعد أن يكون غير الدجال الموعود ، لأنه يظهر بعد المهدي(ع) .
على أن رواية ابن قتيبة تقتصر على ذكر شهداء الأبلة فقط ولاتذكر هذا الدجال ،
ولم يذكر ابن ميثم(ره)المصدر الذي أخذ منه الرواية .
وجاء في تفسير نور الثقلين في قوله تعالى:(وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ
وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ) (الحاقة: 9 ) ، أن المؤتفكات هي البصرة .
وفي تفسير قوله تعالى:(وَالْمُؤْتَفِكَةَأَهْوَى)(النجم:53) ، عن الإمام
الصادق(ع)قال: ( هم أهل البصرة ، وهي المؤتفكة) .
وفي تفسير قوله تعالى: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ
بِالْخَاطِئَةِ) (الحاقة:9) ، عن الإمام الصادق(ع): ( أولئك قوم لوط ، ائتفكت
عليهم: انقلبت عليهم) .
وفيه نقلاً عن ( كتاب من لايحضره الفقيه: (عن جويرية بن مسهر العبدي قال: (
أقبلنا مع أمير المؤمنين(ع)من قتل الخوارج حتى إذ قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة
العصر، فنزل أمير المؤمنين(ع)ونزل الناس، فقال علي(ع): أيها الناس إن هذه الأرض
ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرات (وفي خبر آخر مرتين) وهي تتوقع الثالثة ،
وهي إحدى المؤتفكات) . انتهى.
هذا ، لكن بعد التأمل في روايات أحداث البصرة وخرابها قبل ظهور المهدي (ع)، نرى
أنه يمكن المناقشة في ارتباطها بعلامات الظهور واتصالها بحدثه ، ما عدا بعضها
مثل رواية المفيد(ره)في الإرشاد ص361 عن الإمام الصادق(ع) يقول: (يزجر الناس
قبل قيام القائم(ع)عن معاصيهم بنار تظهر في السماء ، وحمرة تجلل السماء ، وخسف
ببغداد ، وخسف ببلدة البصرة ، ودماء تسفك بها ، وخراب دورها ، وفناء يقع في
أهلها ، وشمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار ).
وقد أوردنا هذا الحديث في معجم أحايث الإمام المهدي(ع)برقم:1047، وأورده في
إعلام الورى ص429 كما في الإرشاد بتفاوت يسير ، وفي سنده (الحسن بن يزيد بدل
الحسين بن سعيد ) . وفي إثبات الهداة :3/733 عن إعلام الورى ، وفي سنده (
الحسين بن يزيد ) بدل (الحسين بن سعيد) ، وفي: ص742عن الإرشاد ، وفي سنده (
منذر الخوزي بدل منذر الجوزي ) ، وفيه: ( وخسف بمنارة البصرة) . وهذا يعطينا
احتمال أن يكون الخسف محدوداً بمكان أو منطقة منها . والله العالم .
الفترة الرابعة: فتح العراق على يد الإمام المهدي(ع)
وأحاديثه كثيرة جداً في مصادر الجميع ، عن دخول المهدي(ع)إلى العراق، وتحريره
من بقايا قوات السفياني ، ومن مجموعات الخوارج المتعددة ، واتخاذه قاعدة دولته
وعاصمتها .
ولم أجد تحديداً دقيقاً لوقت دخوله(ع)إلى العراق ، ولكن يأتي في حركة
ظهوره(ع)أنه يكون بعد بضعة شهور من الظهور المقدس ، وبعد تحرير الحجاز ، وربما
معركة الأهواز أو بيضاء إصطخر التي يهزم فيها قوات السفياني هزيمة ساحقة .
وتصف بعض الروايات دخوله الى العراق جواً بسرب من الطائرات كما في الحديث
التالي عن الإمام الباقر(ع)في تفسير قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لاتَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ) ، قال: ينزل القائم يوم
الرجفة بسبع قباب من نور لايعلم في أيها هو ، حتى ينزل ظهر الكوفة ) .
وهذه الرواية بالإضافة إلى ما فيها من جانب إعجازي تدل على أن الوضع الأمني
يستوجب من الإمام المهدي(ع)هذا الإحتياط ، فبالإضافة إلى معاداة الوضع العالمي
له ، لا يكون قد أتم تطهير الساحة الداخلية في العراق .
وتعبير (ينزل) وبعده (حتى ينزل ظهر الكوفة) يفهم منه أنه لاينزل الكوفة أو
النجف رأساً ، فقد ينزل في العاصمة أولاً ، أو في قاعدة عسكرية ، أو في كربلاء
، كما تذكر بعض الروايات .
وتذكر الأحاديث عدداً كبيراً من أعماله(ع)في العراق ومعجزاته . وسوف نستعرضها
في حركة ظهوره ، ونذكر منها هنا مايتعلق بالوضع العام في العراق ، وأهم ذلك
تصفيته(ع)لوضعه الداخلي والقضاء على القوى المضادة الكثيرة ، حيث تذكر الأحاديث
أنه يدخل الكوفة - أي العراق- وفيه ثلاث اتجاهات متضاربة، يبدو أنها الاتجاه
المؤيد له(ع)، والاتجاه المؤيد للسفياني والثالث اتجاه الخوارج .
فعن عمرو بن شمر عن الإمام الباقر(ع)قال ذكر المهدي(ع)فقال: ( يدخل الكوفة وبها
ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له . ويدخل حتى يأتي المنبر فلا يدري الناس ما يقول
من البكاء ! ) . (الإرشاد للمفيد ص362 ).
والكوفة في هذا الحديث وأمثاله تعبير عن العراق ، ووجود ثلاث رايات فيه لابد أن
يكون منها أنصاره الخراسانيون واليمانيون ، كما يدل الحديث التالي المستفيض في
مصادر الشيعة والسنة عن أمير المؤمنين وعن الإمام الباقر(ع)قال: ( تنزل الرايات
السود التي تخرج من خراسان (إلى) الكوفة ، فإذا ظهر المهدي بعثت له بالبيعة) (
البحار:52/217 ) .
ويظهر أن الحركات المضادة له(ع)تكون كثيرة سواء من جماعات الخوارج ، أو جماعات
السفياني وغيرهم ، وأنه(ع)يستعمل سياسة الشدة والقتل لمن يقف في وجهه ، تنفيذاً
للعهد المعهود إليه من جده رسول الله (ص) . فعن الإمام الباقر(ع)قال: ( إن رسول
الله(ص)سار في أمته باللين ، كان يتألف الناس ، والقائم يسير بالقتل ، بذلك أمر
في الكتاب الذي معه ، أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً . ويلٌ لمن ناواه) .
(البحار:52/353) .
والكتاب الذي معه هو العهد المعهود إليه من رسول الله بإملائه(ص)وخط علي(ع)وفيه
كما ورد: ( أقتل ، ثم أقتل ، ولا تستتيبن أحداً) !
وعن الباقر(ع)قال: (يقوم القائم بأمر جديد ، وقضاء جديد، على العرب شديد. ليس
شأنه إلا السيف ولايستتيب أحداً ، ولا تأخذه في الله لومة لائم).(البحار:52
/354 ) .
والأمر الجديد هو الإسلام الذي يكون قد دثره الجبابرة وابتعد عنه المسلمون ،
فيحييه المهدي(ع)ويحيي القرآن ، فيكون ذلك شديداً على العرب الذين يطيعون
حكامهم المعادين له ويحاربونه(ع) .
فعن الإمام الصادق(ع)قال: ( إن القائم يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله (ص) ،
لأن رسول الله أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة الخشبة المنحوتة ، وأن القائم
يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلونه عليه) . (البحار:52/363) .
وقد رأينا كيف يتأول الحكام وعلماء السوء التابعين لهم آيات القرآن في معاداة
الإسلام وعلمائه .
وتذكر بعض الأحاديث أن بطش الإمام المهدي(ع)يشمل المنافقين المتسترين الذين قد
يكون بعضهم من حاشيته فيعرفهم بالنور الذي جعله الله تعالى في قلبه ، فعن
الإمام الصادق(ع)قال: (بينا الرجل على رأس القائم ، يأمره وينهاه ، إذ قال:
أديروه ، فيديرونه إلى قدامه ، فيأمر بضرب عنقه ! فلايبقى في الخافقين شئ إلا
خافه) . (البحار:52/355) .
وتذكر بعض الأحاديث أن الأمر يصل أحياناً إلى إبادة فئة بكاملها ! فعن الإمام
الباقر(ع)قال: (إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس
يدعون البترية عليهم السلاح ، فيقولون له: إرجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني
فاطمة ، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم . ثم يدخل الكوفة فيقتل كل منافق
مرتاب ، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عز وعلا). ( البحار:52/338) .
وتذكر الرواية التالية أنه يقتل سبعين رجلاً هم أصل الفتنة والإختلاف داخل
الشيعة ، ويبدو أنهم من علماء السوء المضلين ، فعن مالك بن ضمرة قال أمير
المؤمنين(ع): (يامالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا ؟ وشبك أصابعه
وأدخل بعضها في بعض . فقلت يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير . قال: الخير
كله عند ذلك ، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلاً يكذبون على الله
ورسوله فيقتلهم ، ثم يجمعهم الله على أمر واحد). (البحار: 52 /115) .
كما تدل الرواية التالية على بقاء أنصار للسفياني في العراق رغم آية الخسف التي
ظهرت في جيشه بالحجاز ، ورغم هزيمته في العراق ، فعن الإمام زين
العابدين(ع)قال: (ثم يسير حتى ينتهي إلى القادسية، وقد اجتمع الناس بالكوفة
وبايعوا السفياني). (البحار: 52/387) .
وعن الإمام الصادق(ع)قال: (ثم يتوجه إلى الكوفة فينزل بها ، ويبهرج دماء سبعين
قبيلة من قبائل العرب) (غيبة الطوسي ص284) ، أي يهدر دماء من التحق من هذه
القبائل بأعدائه والخوارج عليه .
وعن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق(ع)أن قال له: (وإنه أول قائم يقوم منا أهل
البيت يحدثكم بحديث لاتتحملونه ، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة فتقاتلونه
فيقاتلكم فيقتلكم ، وهي آخر خارجة تكون). (البحار:52/375 ).
وعن الإمام الباقر(ع)قال: (بينا صاحب هذا الأمر قد حكم ببعض الأحكام وتكلم ببعض
السنة ، إذ خرجت خارجة من المسجد يريدون الخروج عليه ، فيقول لأصحابه: إنطلقوا
، فيلحقونهم بالتمارين فيأتون بهم أسرى ، فيأمر بهم فيذبحون . وهي آخر خارجة
تخرج على قائم آل محمد (ص)) (البحار ج 52 ص 345 ، والتمَّارين محلة بالكوفة .
ويجمع بين الروايتين بأن خوارج رميلة الدسكرة يكونون آخر خارجة مسلحة ، وخارجة
مسجد الكوفة يكونون آخر فئة تحاول الخروج(ع) .
وتدل الروايات الشريفة على أن خوارج رميلة الدسكرة يكونون أخطر فئات الخوارج
على المهدي(ع) ، وأن قائدهم يكون فرعوناً وشيطاناً .
فعن أبي بصير(ره)قال: ( ثم لا يلبث إلا قليلاً حتى تخرج عليه مارقة الموالي
برميلة الدسكرة ، عشرة آلاف ، شعارهم يا عثمان يا عثمان . فيدعو رجلاً من
الموالي فيقلده سيفه فيخرج إليهم فيقتلهم حتى لايبقى منهم أحد).
(البحار:52/333) .
وقد حددت الرواية المتقدمة رميلة الدسكرة بأنها دسكرة الملك ، وهي كما في معجم
البلدان قرية قرب شهرابان من قرى بعقوبة في محافظة ديالى .
وقد تكون تسميتهم (مارقة الموالي) لأنهم من غير العرب ، أو لأن قائدهم من
الموالي ، أي غير العرب .
وتذكر بعض الروايات نوعاً آخر من عمليات التصفية الكبيرة هذه ، وأنه (ع)يدعو
اثني عشر ألف رجل من جيشه من العجم والعرب فيلبسهم زياً خاصاً موحداً ، ويأمرهم
أن يدخلوا مدينة فيقتلوا كل من لم يكن لابساً مثلهم فيفعلون . (البحار: 52/
377) .
ولا بد أن تكون تلك المحلة كلها من الكافرين أو المنافقين المعادين له (ع)حتى
يأمر بقتل رجالها ، أو يكون قد أخبر المؤمنين من أهلها أن لا يخرجوا من بيوتهم
في وقت الهجوم . أو يكون أرسل إليهم ألبسة من نفس الزي الذي ألبسه لجنوده مثلاً
.
ولا بد أن تثير هذه التصفيات موجة رعب في داخل العراق وفي العالم ، وموجة تشكيك
أيضاً .
وقد ورد في بعض الروايات أن بعض الناس يقولون عندما يرون كثرة تقتيله وسفكه
دماء أعدائه: (ليس هذا من ولد فاطمة ، ولو كان من ولد فاطمة لرحم) . بل تقدم أن
بعض أصحابه الخاصين(ع)لايتحمل بعض أحكامه ، وقد ورد أن بعضهم يدخلهم الشك
والريب من كثرة ما يرون من قتله لمناوئيه فيفقد أحدهم أعصابه ويعترض على
المهدي(ع)،فعن الإمام الصادق (ع)قال: ( يقبل القائم حتى يبلغ السوق ، فيقول له
رجل من ولد أبيه: إنك لتجفل الناس إجفال النعم ، فبعهد من رسول الله(ص)أو بماذا
؟ قال وليس في الناس رجل أشد منه بأسا ، فيقوم إليه رجل من الموالي فيقول له:
لتسكتن أو لأضربن عنقك . فعند ذلك يخرج القائم(ع)عهداً من رسول الله(ص)).(
البحار:52/387) .
ومعنى من ولد أبيه أنه علوي النسب . وإجفال النعم أي تخويف الغنم . ومعنى (حتى
يبلغ السوق) يبلغ مكاناً هو سوق المدينة ، أو إسمه السوق .
وقد ورد في رواية أخرى أن هذا الرجل الذي يأمر السيد المعترض بالسكوت هو(المولى
الذي يتولى البيعة) ، أي المسؤول عن أخذ البيعة من الناس للإمام المهدي(ع).
فعن الإمام الباقر(ع)قال:( حتى إذا بلغ الثعلبية قام إليه رجل من صلب أبيه وهو
من أشد الناس ببدنه وأشجعهم بقلبه ما خلا صاحب هذا الأمر ، فيقول: يا هذا ما
تصنع ؟ فوالله إنك لتجفل الناس إجفال النعم ، أفبعهد من رسول الله(ص)أم بماذا ؟
فيقول المولى الذي ولي البيعة: والله لتسكتن أو لأضربن الذي فيه عيناك . فيقول
له القائم: أسكت يا فلان . إي والله ، إن معي عهدا من رسول الله(ص). هات يا
فلان العيبة أو الزنفيلجة، فيأتيه بها فيقرؤه العهد من رسول الله(ص)فيقول:
جعلني الله فداك، أعطني رأسك أقبله ، فيعطيه رأسه فيقبل بين عينيه ، ثم يقول:
جعلني الله فداك جدد لنا بيعة ، فيجدد لهم بيعة). (البحار:52/343) ، والعيبة
والزنفيلجة بمعنى الصندوق الصغير . والثعلبية مكان بالعراق من جهة الحجاز .
وبهذا العرض المجمل لمن يقتلهم المهدي(ع)في العراق ، يظهر أنهم فئات متعددة من
الشيعة والسنة ، من مؤيدي السفياني ومعارضيه ، من علماء السوء والمجموعات
والأحزاب وعامة الناس .
ومن الطبيعي أن يكون فيهم فئات عميلة للروم وغيرهم أيضاً .
ولكن بعد ذلك ، يتنفس العراق الصعداء في ظل سلطة الإمام المهدي(ع)، ويدخل حياة
جديدة في مركزه العالمي بوصفه عاصمة الإمام(ع)ومحط أنظار المسلمين ومقصد وفودهم
. وتصبح الكوفة والسهلة والحيرة والنجف وكربلاء محلات لمدينة واحدة يتردد ذكرها
على ألسنة شعوب العالم وفي قلوبهم ، ويقصدها القاصدون من أقاصي المعمورة ليلة
الجمعة ، ويبكرون لأداء صلاة الجمعة خلف المهدي(ع) ، في مسجده العالمي ذي الألف
باب فلا يكاد الواحد أن يحصل على موضع صلاة بين عشرات الملايين القاصدة .
فعن الإمام الصادق(ع)قال: ( دار ملكه الكوفة ، ومجلس حكمه جامعها ، وبيت ماله
ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة . وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين .
والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها ( وفي رواية أو يجئ إليها ، وفي
رواية أخرى أو يحن إليها وهو الصحيح) ولتصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلاً ،
ولتجاورن قصورها قصور كربلاء ، وليصيرن الله كربلاء ، معقلاً ومقاماً تختلف
إليه الملائكة والمؤمنون ، وليكونن لها شأن من الشأن) (البحار:53 /11).
و (مجلس حكمه) أي مجلسه للمراجعات والحكم بين الناس ، في مسجد الكوفة الفعلي ،
أو في مسجد الجمعة الكبير الذي يبنيه .
و(موضع خلواته الذكوات البيض) أي موضع اعتكافه للعبادة الربوات البيضاء قرب
النجف وتسمى النجف الغري والغريين .
وأربعة وخمسين ميلاً: أي تصير مساحة الكوفة أو طولها نحو مئة كيلومتر.
وعن الإمام الصادق(ع)قال: ( يبني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، وتتصل بيوت
الكوفة بنهري كربلاء والحيرة ، حتى يخرج الرجل على بغلة سفواء يريد الجمعة
فلايدركها). (الغيبة للطوسي ص280) ، والسفواء الخفيفة السريعة ، أي يركب وسيلة
خفيفة سريعة فلا يدرك صلاة الجمعة ، لأنه لايجد موقفاً فارغاً ومحلاً للصلاة .
والأحاديث عن التطور المعنوي والمادي في العراق مركز عاصمته(ع)كثيرة لايتسع لها
المجال .
وبتصفية المهدي(ع)العراق وضمه إلى دولته وجعله عاصمتها ، تكون دولته قد شملت
اليمن والحجاز وإيران والعراق ، ومعها بلاد الخليج . وبذلك يتفرغ لأعدائه
الخارجيين ، فيبدأ أولاً بالترك فيرسل لهم جيشاً فيهزمهم .
ثم يتوجه بنفسه على رأس جيشه إلى الشام حتى ينزل(مرج عذراء) قرب دمشق استعداداً
لخوض المعركة مع السفياني واليهود والروم ، معركة فتح القدس الكبرى ، كما سيأتي
في أحداث حركة ظهوره(ع) .
تدل أحادث متعددة على وقوع حرب عالمية قرب ظهور المهدي(ع). ومن المستبعد
انطباقها على الحربين العالميتين الأولى والثانية القريبتين من عصرنا ، لأن
أوصافها المذكورة تختلف عن أوصافهما ، فهي تنص على ظهوره(ع)بعدها أو أثناءها ،
بل يظهر من بعض أحاديثها أنها تقع في سنة ظهوره ، أو بعد بداية حركته المقدسة .
وهذه نماذج من أحاديثها:
عن أمير المؤمنين(ع)قال: ( بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض . وجراد في حينه
وجراد في غير حينه كألوان الدم . فأما الموت الأحمر فالسيف . وأما الموت الأبيض
فالطاعون) . (الإرشاد للمفيد ص 405 والغيبة للطوسي277 ).
وتدل عبارة(بين يدي القائم) على أن هذه الحرب والموت الأحمر تكون قريبة جداً من
ظهور المهدي(ع). ولا يعين الحديث مكان وقوعها .
وعن الإمام الباقر(ع)قال: ( لايقوم القائم إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء
يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك ، ثم سيف قاطع بين العرب ، واختلاف بين الناس،
وتشتت في دينهم ، وتغير في حالهم ، حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء من
عِظَم ما يرى من تكالب الناس وأكلهم بعضهم بعضاً). ( كمال الدين للصدوق ص 434
).
وهو يدل على وقوع الطاعون قبل الخوف الشديد الذي قد يكون الحرب العامة . ولكن
يصعب استفادة التسلسل في أحداثه حتى لو فرضنا أن الراوي لم يقدم ويؤخر فيها ،
لأن جملة (سيف قاطع بين العرب) المعطوفة بـ (ثم) يصح عطفها على جملة (وطاعون
قبل ذلك) المعترضة، فيكون اختلاف العرب هذا بعد الطاعون، ويصح عطفها على جملة
(وبلاء يصيب الناس) فيكون قبل الطاعون . مضافا إلى الاجمال في هذه الحوادث .
نعم يفهم منه وجود فترة شديدة على العرب والناس أمنياً وسياسياً واقتصادياً ،
وقد تكون هي سنة الجوع الموعود في الرواية التالية عن الإمام الصادق(ع)قال:
(لابد أن يكون قدام القائم سنة يجوع فيها الناس ويصيبهم خوف شديد من القتل)
(البحار:52/229) .
ويدل الحديث التالي على أن هذه الشدة والحرب ، أو حالة الحرب ، تستمر حتى يكون
النداء السماوي في شهر رمضان قرب ظهور المهدي(ع)،
فعن الإمام الباقر(ع)قال: ( يختلف أهل الشرق وأهل الغرب ، نعم وأهل القبلة .
ويلقى الناس جهداً شديداً مما يمر بهم من الخوف . فلايزالون بتلك الحال حتى
ينادي مناد من السماء . فإذا نادى فالنفر النفر ) ( البحار:52/235) .
وهو يدل أيضاً على أن خسائرها تقع أساساً على الأمم غير الإسلامية ، فعبارة:
(يختلف أهل الشرق وأهل الغرب ، نعم وأهل القبلة) عبارة دقيقة تشعر بأن اختلاف
أهل القبلة أي المسلمين ثانوي بالنسبة إلى اختلاف الغربين والشرقيين ، وكأنه
ناتج عنه وتابع له .
وهذا هو الأمر الطبيعي في الحرب العالمية المتوقعة حيث ستكون أهدافها عواصم
الدول الكبرى وقواعدها العسكرية ولا تصل إلى المسلمين إلا بشكل غير أساسي ، وقد
صرحت بذلك بعض الأحاديث فعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (الإمام
الصادق(ع))يقول: (لايكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس ، فقلنا: إذا ذهب ثلثا
الناس فمن يبقى؟ قال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي) (البحار:52/ 113)
ولعل أكثر النصوص تحديداً لوقت هذه الحرب وسببها الخطبة المروية عن أمير
المؤمنين(ع)التي يذكر فيها عدداً من علامات ظهور المهدي(ع) وأحداث حركته ، وقد
ورد فيها فقرتان تتعلقان بالحرب العالمية . قال(ع):
( ألا أيها الناس ، سلوني قبل أن تشغر برجلها فتنة شرقية ، تطأ في خطامها بعد
موت وحياة ، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الأرض ، رافعة ذيلها تدعو ياويلها،
بذحلة أو مثلها . ويخرج رجل من أهل نجران (راهب من أهل نجران) يستجيب الإمام
فيكون أول النصارى إجابة ، ويهدم صومعته ويدق صليبها ، ويخرج بالموالي وضعفاء
الناس والخيل ، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى ، فيكون مجمع الناس جميعاً من
الأرض كلها بالفاروق(وهي محجة أمير المؤمنين(ع)بين البرس والفرات)، فيقتل يومئذ
ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف (ألف) من اليهود والنصارى ، يقتل بعضهم بعضاً
، فيومئذ تأويل هذه الآية: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى
جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ . بالسيف ) (البحار:53 /82 و 84).
وقوله(ع): (قبل أن تشعر برجلها فتنة شرقية) يدل على أن بداية هذه الحرب من
الشرق ، أو من نزاع في منطقة الشرق .
وقوله: (أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الأرض) يدل على أن مركز تدميرها هو
البلاد الغربية ، وحطبها الكثير القابل للإشتعال ، أي قواعدها العسكرية
وعواصمها ومراكزها الهامة .
ويبدوأن معنى قوله(ع):(فيكون مجمع الناس جميعاً من الأرض كلها بالفاروق) أن
الناس يأتون يومئذ من أنحاء الأرض للإلتحاق بالمهدي(ع)، ويكون مقره في العراق
بين الكوفة والحلة ، كما يأتيه ذلك الراهب النجراني في وفد من المستضعفين .
ويظهر أن عبارة (وهي محجة أمير المؤمنين وهي ما بين البرس والفرات) حاشية من
الراوي أو الناسخ ، دخلت في الأصل .
ولعل معنى المحجة أنها مكان اجتماع قوافل الحج في زمن أمير المؤمنين (ع)، أو
أنها كانت مكاناً تجتمع فيها رايات الوفود إلى معسكره أو زيارته .
(فيقتل يومئذ ما بين المشرق والمغرب ثلاثة آلاف ألف) أي ثلاثة ملايين ، وقد
وضعنا كلمة (ألف) بين قوسين لأنها وردت في رواية أخرى في البحار:52 /274 ،
ولعلها سقطت من هذه الرواية .
ولايعني ذلك أن مجموع قتلى الحرب العالمية هو ثلاثة ملايين فقط ، بل قد يكون
قتلى ذلك اليوم أو تلك الفترة ، وتكون مرحلة من مراحل الحرب العالمية ، وآخر
مراحلها . فقد تقدم أن مجموع خسائرها مع الطاعون الذي يكون قبلها أو بعدها يبلغ
ثلثي سكان العالم ، وفي رواية خمسة أسباعهم، كما عن الإمام الصادق(ع): ( قدام
القائم موتان موت أحمر وموت أبيض ، حتى يذهب من كل سبعة خمسة)(البحار:52/207) ،
وفي بعضها تسعة أعشار الناس .
وقد يكون اختلاف الروايات بسبب تفاوت المناطق أو غيره من الأسباب . وعلى كل حال
فخسائر هذه الحرب تكون من المسلمين قليلة .
وخلاصة القول: أن الأحاديث الشريفة تدل على أنه يوجد خوف عالمي شامل من القتل
قبيل ظهوره(ع)، في سنة ظهوره مثلاً ، وخسائر فادحة جداً في الأرواح ، وبشكل
أساسي في غير المسلمين .
وهو أمر يصح تفسيره بالحرب العامة ووسائلها التدميرية الحديثة المخيفة لجميع
أطرافها وجميع الشعوب . إذ لو كانت حرباً تقليدية لما كان خوفها بهذا الشمول
الذي تصفه الروايات ، ولكان منها طرف على الأقل أو مناطق لا يشملها خوف القتل .
ولكن توجد روايات وقرائن ترجح تفسيرها بموجة من الحروب الإقليمية خاصة التعبير
الوارد عن الإمام الباقر(ع)عن سنة الظهور: (وتكثر الحروب في الأرض) ، حيث ينص
على أنها حروب متعددة في تلك السنة. وعليه يكون الجمع بينها وبين روايات
الإختلاف والحرب بين أهل الشرق والغرب ، أن ذلك يأخذ شكل حروب إقليمية بينهم
ويتركز دمارها على غربي الأرض .
أما وقتها ، فيفهم من الأحاديث أنه قريب جداً من ظهوره(ع)، في سنة ظهوره مثلاً
، وإذا أردنا أن نجمع بين أحاديث هذه الحرب وصفاتها ، فالمرجح أنها تكون على
مراحل حيث تبدأ قبيل بداية حركة ظهوره(ع) ثم تكون بقية مراحلها بعد حركة ظهوره
، ويكون فتحه للحجاز في أثنائها ، ثم تنتهي بعد فتحه العراق .
أما إذا فسرنا أحاديثها بحرب نووية شاملة ، وأخذنا بما تكتبه الصحف عن الحرب
النووية العالمية فإن مدتها تكون قصيرة جداً ، لا تزيد عن شهر واحد كما يذكرون
. والله العالم .