الزحف
نحو القدس
ذكرت بعض الروايات أن المهدي(ع)يرسل جيشاً لقتال الروم عند أنطاكية ويرسل فيه
بعض أصحابه فيستخرجون تابوت السكينة من غار بأنطاكية وفيه نسخة التوراة
والإنجيل الأصليتين(مخطوطة ابن حماد ص98) ، ويبدو أن إظهار هذه الآية للغربيين
عملٌ لتحييد قواتهم التي تكون مرابطة عند ساحل أنطاكية ، عن المشاركة في معركة
فتح القدس .
وقد ورد أن هذه القوات تنزل هناك على أثر النداء السماوي في شهر رمضان ، وأن
الله تعالى يظهر لهم أهل الكهف آية ، فعن أمير المؤمنين (ع): (وتقبل الروم إلى
ساحل البحر عند كهف الفتية ، فيبعث الله الفتية من كهفهم مع كلبهم، منهم رجل
يقال له مليخا وآخر خملاها، وهما الشاهدان المسلمان للقائم). (البحار:52/275)،
ولعل المعنى أن مليخا وخملاها يأتيان إلى المهدي(ع) ويبايعانه ، أو يسلمان إليه
مواريث تكون مع أهل الكهف .
وعلى هذا ، فإن الإمداد الغيبي هو الذي يجعل الغربيين يتريثون في خوض المعركة
إلى جانب اليهود والسفياني ضد المهدي(ع)، وتكون الآية الأولى ظهور أصحاب الكهف
، والآية الثانية استخراج أصحاب المهدي(ع) تابوت السكينة ونسخاً من التوراة
والإنجيل من غار بأنطاكية ومحاجتهم بها .
ولذا يستبعد أن تقع بينهم وبين المهدي(ع)معركة عند أنطاكية .
كما أن نزول قواتهم على الساحل التركي وليس في تركيا ، قد يشير إلى أن تركيا
تكون خارجة عن نفوذهم ، أو يكون تم تحريرها في تلك الفترة بثورة شعبها ، أو
بجيش المهدي(ع) .
ولكن قوات الروم التي تنزل الرملة على ساحل فلسطين ، والتي تصفها بعض الروايات
بمارقة الروم تشارك على مايبدو في معركة القدس إلى جانب اليهود والسفياني .
كما أن بعض الروايات تذكر أنه(ع)يرسل جيشه إلى الشام لخوض معركة القدس ، مما
يطرح احتمال أنه لايشارك بنفسه في المعركة ، بل يدخل القدس بعد هزيمة أعدائه ،
ولكن أكثر الروايات تذكر أنه يسير بنفسه مع جيشه ، ويعسكر في ( مرج عذراء )
القريب من دمشق .
فعن الإمام الباقر(ع)قال: ( ثم يأتي الكوفة فيطيل المكث بها ما شاء الله أن
يمكث حتى يظهر عليها . ثم يسير حتى يأتي العذراء هو من معه ، وقد التحق به ناس
كثير ، والسفياني يومئذ بوادي الرملة . حتى إذا التقوا وهو يوم الأبدال ، يخرج
أناس كانوا مع السفياني مع شيعة آل محمد(ص) ، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى
السفياني ، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم ، ويخرج كل ناس إلى رايتهم وهو يوم
الأبدال . قال أمير المؤمنين(ع): ويقتل يومئذ السفياني ومن معه حتى لايدرك منهم
مخبر ، والخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب ) . ( البحار:52/224) .
وتدل هذه الرواية على عدة أمور: منها ، الحالة الشعبية العامة المؤيدة للإمام
المهدي(ع)حيث يدخل جيشه سوريا بدون مقاومة مذكورة ويعسكر على بعد ثلاثين كيلو
متراً من دمشق . إلى آخر ما ذكرناه في حركة السفياني .
معركة الإمام المهدي(ع)مع اليهود
حاصل الحالة السياسية في المنطقة التي تفهم من الروايات قبيل معركة القدس: أن
الروم الغربيين يكونون في حالة تخوف من مواجهة الإمام المهدي (ع)بسبب انتصاراته
المفاجئة ، وانتصارات أصحابه في اليمن والحجاز والعراق ، وربما انتصاره عليهم
في معركة الخليج . وبسبب الموجة الشعبية العارمة له في الشعوب الإسلامية ،
وخاصة مسلمي المنطقة .
ولابد أن الآيات الربانية التي تسبق ظهوره(ع)وترافقه تكون ذات تأثير على الشعوب
الغربية أيضاً وتزيد في ارتباك حكوماتها ، فلاتقوم بأكثر من إرسال قواتها إلى
ساحل أنطاكية وساحل الرملة في فلسطين أو مصر، ويكون دور الغربيين في المعركة
بشكل عام مساندة حلفائهم اليهود والسفياني .
أما وضع اليهود فيكون أكثر قلقاً ورعباً ، لأن المعركة مصيرية بالنسبة إليهم
ولكنهم يفضلون أن لايواجهوا جيش المهدي مباشرة ، بل بواسطة خط دفاعهم(العربي)
بقيادة السفياني ، وهذه قاعدة وسنة آلهية في الحكومات المترفة أنها تفضل أن
يقاتل غيرها نيابة عنها ، وأن تبقى في الخط الثاني أو الثالث ، كما نشاهد في
اليهود عموماً .
أما الحالة الشعبية في المنطقة فتبلغ شدة تأييدها للإمام المهدي(ع)أنها تكاد
تطيح بالسفياني وتضم بلاد الشام إلى دولةالإمام المهدي(ع) ، لولا الإسناد
الخارجي القوي للسفياني وجيشه من الروم واليهود .
ولا يبعد أن يرافق تراجع قوات السفياني أمام زحف جيش المهدي(ع)، أن تكون بلاد
الشام في حالة فراغ أو شبه فراغ سياسي .
وقد أورد ابن حماد في مخطوطته نحو عشرين حديثاً تحت عنوان: (خروج المهدي من مكة
إلى بيت المقدس ) وورد عدد منها في مصادرنا الشيعية أيضاً . منها ص96، عن ابن
وزير الغافقي أنه سمع علياً يقول: (يخرج في اثني عشر ألفاً إن قلوا وخمسة عشر
ألفاً إن كثروا ، يسير الرعب بين يديه ، لايلقاه عدو إلا هزمهم بإذن الله ،
شعارهم أمت أمت ، لايبالون في الله لومة لائم ، فيخرج إليهم سبع رايات من الشام
فيهزمهم ويملك ، فترجع إلى المسلمين محبتهم ونعمتهم وقاصتهم وبزارتهم ، فلا
يكون بعدهم إلا الدجال . قلنا: وما القاصة والبزارة ؟ قال يقبض الأمر حتى يتكلم
الرجل بأشياء لا يخشى شيئاً ) .
وفيها: ( ويسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس ، وتنقل إليه الخزائن ، وتدخل العرب
والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته) .
وفي ص97: (فيقول (أي المهدي) أخرجوا إلي ابن عمي حتى أكمله ، فيخرج إليه فيكلمه
، فيسلم له الأمر ويبايعه: فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمته كلب فيرجع
ليستقيله ، فيقتتل هو وجيش السفياني على سبع رايات ، كل صاحب راية منهم يرجو
الأمر لنفسه ، فيهزمهم المهدي).
وفيها: (فيستقيله البيعة فيقيله ، ثم يعبي جيوشه لقتاله فيهزمه ، ويهزم الله
على يديه الروم) . والسفياني في النسب الظاهر ابن عم الإمام المهدي(ع)، لأن
أمية وهاشم كما هو معروف أخوان .
وإذا صح شئ من هذه الروايات فهي سياسة حكيمة وخلق عظيم من الإمام المهدي(ع)،
يريد بها أن يصرفه عن غيه ، أو يقيم عليه مزيداً من الحجة ، ولكن السفياني
سرعان مايندم على تأثره الموقت بشخصية الإمام المهدي(ع) ، ويُندِّمه أقاربه بنو
كلب ، بل قادة جيشه السبعة الذين يكون السفياني بالحقيقة قيادة اتحادية لهم ،
ومن وراء ذلك أسيادهم الروم واليهود .
وفي رواية الملاحم والفتن عن أمير المؤمنين(ع)في وصف هذه المعركة قال: ( فيغضب
الله على السفياني ، ويغضب خلق الله لغضب الله تعالى ، فترشقهم الطير بأجنحتها
، والجبال بصخورها ، والملائكة بأصواتها ! ولا تكون ساعة حتى يهلك الله أصحاب
السفياني كلهم ، ولايبقى على الأرض غيره وحده فيأخذه المهدي فيذبحه تحت الشجرة
التي أغصانها مدلاة على بحيرة طبرية) .
وتذكر بعض روايات هذه المعركة نوعاً آخر من الإمداد الغيبي للمسلمين فيها ،
مضافاً إلى ما ذكرته الرواية المتقدمة: ( أنه يسمع يومئذ صوت من السماء منادياً
ينادي: ألا إن أولياء الله فلان ، يعني المهدي ، فتكون الدبرة على أصحاب
السفياني ، فيقتلون حتى لايبقى منهم إلا الشريد) . (ابن حماد ص 97 ) .
والظاهر أن الأحاديث الواردة في مصادر الفريقين عن قتال المسلمين لليهود في آخر
الزمان تقصد هذه المعركة ، بدليل تشابه مضامينها وتعابيرها ، والروايات الواردة
في تفسير قوله تعالى: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ
شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً . بالإمام
المهدي(ع)وأصحابه .
ومن أشهر أحاديثها في مصادر السنة ، الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن
النبي(ص)قال: ( لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى
يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر والشجر يامسلم هذا يهودي خلفي
فتعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) . (التاج الجامع للأصول:5/356
وأحمد:2/417) ، ويشبهه ما رواه مسلم والترمذي في كتاب الفتن، والبخاري في كتاب
المناقب: ( يقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ) .
كما ورد في أحاديث المهدي(ع)من طرق الفريقين روايات عديدة عن استخراجه(ع)تابوت
السكينة ، وأسفاراً من التوراة ومحاجة اليهود بها. ويبدو أن ذلك يكون بعد
انتصاره عليهم ودخوله القدس .
ولم أجد في الروايات تحديداً لعدد القوات التي تشترك في هذه المعركة سواء قوات
المسلمين مع المهدي(ع)أو لعدد قوات السفياني واليهود والروم. وقد ورد في بعضها
أن عدد قوات السفياني التي تنزل عند بحيرة طبرية يكون مئة وسبعين ألفاً . ولكن
توجد عدة مؤشرات تدل على أن عدد قوات الجانبين تكون كبيرة جداً ، منها ، ما في
الرواية المتقدمة عن الإمام الباقر(ع): ( وقد ألحق به ناس كثير ). ومنها ، سعة
جبهة المعركة التي تمتد من طبرية إلى القدس في أكثر الروايات ، وبعضها تذكر مرج
عكا وصور ودمشق أيضاً .
أما ما ورد في بعض الروايات من أن جيش المهدي(ع)يكون بضعة عشر ألفاً فهو جيشه
الذي يخرج به من مكة الى المدينة ، وربما اشتبه بعض الرواة بينه وبين جيشه الذي
يتوجه به من العراق إلى القدس ، ويكون قائده شعيب بن صالح قائد قوات الإيرانيين
، فهذا الجيش قد يزيد عدده على المليون جندي ، لأنه يكون فيه قوات الإيرانيين
واليمانيين والعراقيين وغيرهم من بلاد المسلمين ، ثم ينضم إليه أعداد من بلاد
الشام ، وربما من غيرها .
ومع أن ابن حماد أورد روايات البضعة عشر ألفاً في عدد جيش المهدي (ع)في زحفه
نحو القدس ص95 وما بعدها ، إلا أنه أورد رواية في ص106 تذكر أن حرسه(ع)عندما
يدخل القدس يكون اثني عشر ألفاً: ( ينزل رجل من بني هاشم بيت المقدس يكون حرسه
اثنا عشر ألفاً ) .
ورواية ثانية ص107 تقول: ( حرسه ستة وثلاثون ألفاً ، على كل طريق لبيت المقدس
اثنا عشر ألفاً ) . وهذا يدل على ضخامة جيشه (ع) .
كما أورد ص110، رواية عن بناء المهدي(ع)للقدس تقول: ( ينزل خليفة من بني هاشم
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، يبني بيت المقدس بناء لم يُـبْنَ مثله ) .
ومن الطبيعي أن يكون لانتصار الإمام المهدي(ع)المفاجئ والكاسح ودخوله القدس
الشريفة وقع الصاعقة على الغربيين ، وأن يجن جنونهم لهزيمة حلفائهم اليهود
وانهيار كيانهم .
وبمقتضى الحسابات السياسية ، وما نعرفه من عنفوانهم الحالي ، لابد أن يشنوا
حملة عسكرية بحرية وجوية على الإمام المهدي(ع)وجيشه ، وأن يستعملوا كل ما
يسنطيعون من أسلحة فتاكة .
ولكن يفهم من الأحاديث الشريفة أن عدة عوامل مهدئة تكون موجودة ، ولعل من أهمها
نزول المسيح(ع)في القدس ، ثم حالة الرعب التي تتعمق في الغربيين من مواجهة
الإمام المهدي(ع) .
ويضاف إلى ذلك وسائل الإمداد الغيبي التي يملكها الإمام المهدي(ع) ويستعمل
بعضها في حركة ظهوره ، والتي تستحق استعراضها في فضل خاص ، وإن كان تأثيرها
يكاد ينحصر بالشعوب الغربية ، ويكون على حكوماتها ضعيفاً أو معدوماً . وقد يضاف
إلى ذلك امتلاك المهدي(ع) أسلحة متطورة تكافي أسلحة الغربيين ، أو تتفوق عليها
.
أجمع المسلمون على أن روح الله عيسى المسيح على نبينا وآله وعليه السلام ينزل
من السماء إلى الأرض في آخر الزمان ، وبذلك فسر أكثر المفسرين قوله تعالى:
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً . (النساء:159)، وقد نقله
صاحب مجمع البيان عن ابن عباس وأبي مالك وقتادة وابن زيد والبلخي ، وقال:
واختاره الطبري .
وروى تفسيرها بذلك في البحار:14/530 ، عن الإمام الباقر(ع)قال: ( ينزل قبل يوم
القيامة إلى الدنيا ، فلايبقى أهله ملة يهودي ولا نصراني إلا آمن به قبل موته
ويصلي خلف المهدي ) .
وأحاديث نزوله في مصادر الفريقين كثيرة منها الحديث المشهور عن النبي (ص)قال: (
كيف بكم (أنتم) إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم ). (البحار:52/383
ورواه البخاري:2/256، وروى غيره في باب: (نزول عيسى(ع) ).
وأورد ابن حماد في مخطوطته من ص159 إلى ص162نحو ثلاثين حديثاً تحت عنوان: (
نزول عيسى بن مريم (ص) وسيرته ) وتحت عنوان: (قدر بقاء عيسى بن مريم(ع)بعد
نزوله) .
منها ، ص162الحديث المروي في الصحاح وفي البحار عن النبي(ص)قال: ( والذي نفسي
بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً ، ويكسر الصليب
، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزيرة ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) وفيها: ( إن
الأنبياء إخوة لعلات ، دينهم واحد وأمهاتهم شتى . أولاهم بي عيسى بن مريم ، ليس
بيني وبينه رسول ، وإنه لنازل فيكم فاعرفوه ، رجل مربوع الخلق ، إلى البياض
والحمرة . يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية. ولايقبل غير الإسلام، وتكون
الدعوة واحدة لله رب العالمين) .
وقد ورد في عدد من روايات ابن حماد نزوله(ع)في القدس، وفي بعضها عند القنطرة
البيضاء على باب دمشق ، وفي بعضها عند المنارة التي عند باب دمشق الشرقي . وفي
بعضها باب لد بفلسطين .
كما أورد في بعضها أنه يصلي خلف المهدي(ع)، وأنه يحج إلى بيت الله الحرام كل
عام ، وأن المسلمين يقاتلون معه اليهود والروم والدجال . وأنه يبقى في الأرض
أربعين سنة ، ثم يتوفاه الله تعالى ويدفنه المسلمون .
وورد في رواية عن أهل البيت(ع)أن الإمام المهدي(ع)يقيم مراسم دفنه على أعين
الناس ، حتى لا يقول فيه النصارى ما قالوه ، وأنه يكفنه بثوب من نسج أمه
الصديقة مريم÷ويدفنه في القدس في قبرها .
والمرجح عندي في أمر نزوله(ع)أن قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ
عَلَيْهِمْ شَهِيداً. (النساء: 159) يدل على أن الشعوب المسيحية واليهود جميعاً
يؤمنون به ، وأن الحكمة من رفعة إلى السماء وتمديد عمره أن الله تعالى ادخره
ليؤدي دوره العظيم في هداية أتباعه وعباده ، في مرحلة حساسة من التاريخ يظهر
فيها المهدي(ع)ويكون النصارى أكبر قوة في العالم ، ويكونون أكبر عائق أمام وصول
نور الإسلام إلى شعوبهم العالم ، وإقامة دولته وحضارته الإلهية .
لذا فإن من الطبيعي أن تعم العالم المسيحي تظاهرات شعبية ، وفرحة عارمة ،
ويعتبرون نزوله لهم في مقابل ظهور المهدي(ع) في المسلمين .
ومن الطبيعي أن يزور المسيح (ع) بلادهم المختلفة ، ويظهر الله تعالى على يديه
الآيات والمعجزات ، ويعمل لهدايتهم إلى الإسلام بالتدريج والنفس الطويل، وأن
تكون أول الثمرات السياسية لنزوله تخفيف حالة العداء في الحكومات الغربية
للإسلام والمسلمين وعقد اتفاقية الهدنة بينهم وبين الإمام المهدي(ع)التي تذكرها
الروايات .
وقد تكون صلاته خلف المهدي(ع)على أثر نقض الغربيين معاهدة الهدنة والصلح مع
المهدي(ع)وغزوهم المنطقة بجيش جرار كما تذكر الروايات، فيتخذ المسيح(ع)موقفه
الصريح إلى جانب المسلمين ، ويأتم بإمامهم .
أما كسر الصليب وقتل الخنزير فلا يبعد أن يكون بعد غزو الغربيين للمنطقة
وهزيمتهم في معركتهم الكبرى مع المهدي(ع) .
كما ينبغي أن ندخل في الحساب التيار الشعبي الغربي المؤيد للمسيح(ع) والذي يكون
له تأثير ما على الحكومات قبل معركتهم الكبرى مع المهدي ، وتأثير حاسم بعدها .
وأما حركة الدجال ، فالمرجح عندي من أحاديثها أنها تكون بعد مدة غير قصيرة من
قيام الدولة العالمية على يد المهدي(ع)وعموم الرفاهية لشعوب الأرض ، وتطور
العلوم تطوراً هائلاً ، وأنها حركة يهودية إباحية أشبه بحركة الهيپز الغربية
الناتجة عن الترف والبطر . غاية الأمر أن حركة الأعور الدجال تكون متطورة ذات
أبعاد عقيدية وسياسية واسعة ، حيث يستعمل الدجال وسائل العلوم في ادعاءاته
وشعوذاته ، ويتبعه اليهود الذين هم في الحقيقة وراء حركته، ويستغلون المراهقين
والمراهقات ، وتكون فتنته شديدة على المسلمين .
وينبغي التثبت والتحقيق في الروايات التي تذكر أن المسيح(ع)هو الذي يقتل الدجال
، لأن ذلك من عقائد المسيحيين المذكورة في أناجيلهم ، ولأن المجمع عليه عند
المسلمين أن حاكم الدولة العالمية يكون الإمام المهدي (ع)ويكون المسيح(ع)معيناً
له ومؤيداً .
وقد وردت الروايات عن أهل البيت(ع)بأن الذي يقتل الدجال هم المسلمون بقيادة
الإمام المهدي(ع) .
اتفاقية الهدنة بين الإمام المهدي(ع)والغربيين
وأحاديث هذه الهدنة كثيرة ، تدل على أنها اتفاقية صلح وعدم اعتداء وتعايش سلمي
.
ويبدو أن غرض الإمام المهدي(ع)منها أن يفتح المجال لعمله وعمل المسيح(ع)أن يأخذ
مجراه الطبيعي في هداية الشعوب الغربية وتحقيق التحول العقائدي والسياسي فيها ،
لتكتشف زيف حكوماتها وحضارتها .
ونلاحظ في روايات هذه الهدنة الشبه الكبير بينها وبين صلح الحديبية الذي عقده
النبي(ص)مع قريش على عدم الحرب لمدة عشر سنين وسماه الله تعالى الفتح المبين ،
حيث مالبث جبابرة قريش أن نقضوا عهدهم مع المسلمين وكشفوا عن نواياهم ، فكان
ذلك دافعاً للناس أن يدخلوا في الإسلام ، ومبرراً للقضاء على قوة المشركين
وكفرهم .
وكذلك لايلبث الرؤساء الغربيون أن ينقضوا عهدهم مع المسلمين ويكشفوا عن طغيانهم
، ويغزوا المنطقة بنحو مليون جندي كما تذكر الروايات ، فتكون المعركة الكبرى
معهم ، التي يظهر من وصف الروايات لها أنها أعظم من معركة فتح القدس .
ففي الحديث النبووي الذي رواه الجميع قال النبي(ص): ( بينكم وبين الروم أربع
هدن ، الرابعة على يد رجل من آل هرقل ، تدوم سنين( سنتين ) فقال له رجل من عبد
القيس يقال له السؤدد بن غيلان: من إمام الناس يومئذ؟ فقال: المهدي من ولدي)
البحار:51/80 )
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ( قال رسول الله(ص): (يكون بينكم وبين
بني الأصفر هدنة ، فيغدرون بكم في حمل امرأة ، يأتون في ثمانين غاية في البر
والبحر ، كل غاية اثنا عشر ألفاً ، فينزلون بين يافا وعكا ، فيحرق صاحب مملكتهم
سفنهم ، يقول لأصحابه قاتلوا عن بلادكم ، فيلتحم القتال ، ويمد الأجناد بعضهم
بعضاً ، حتى يمدكم من بحضر موت اليمن ، فيومئذ يطعن فيهم الرحمان برمحه ، ويضرب
فيهم بسيفه ، ويرمي فيهم بنبله ، ويكون منه فيهم الذبح الأعظم) (مخطوطة ابن
حماد ص141) .
ومعنى: (يطعن فيهم الرحمان برمحه.. الخ . ) أنه تبارك وتعالى يمد المسلمين
بملائكته وإمداده الغيبي عليهم .
وفي ص142: ( ترسي الروم فيما بين صور إلى عكا ، فهي الملاحم).
وفي ص115: ( ( إن ) لله ذبحين في النصارى ، مضى أحدهما وبقي الآخر) .
وفي ص124: ( ثم يسلط الله على الروم ريحاً وطيراً تضرب وجوههم بأجنحتها فتفقأ
أعينهم ، وتتصدع بهم الأرض فيتلجلجوا في مهوى بعد صواعق ورواجف تصيبهم ، ويؤيد
الله الصابرين ويوجب لهم الأجر كما أوجب لأصحاب محمد (ص) وتملأ قلوبهم وصدورهم
شجاعة وجرأة ) .
ويبدو أن هدفهم من إنزال قواتهم البحرية بين يافا وعكا، أو بين صور وعكا، كمافي
هاتين الروايتين هو استرجاع فلسطين مجدداً وإعطاؤها لليهود، وأن تكون القدس
هدفاً عسكرياً مبرراً لحملتهم .
وقد ورد في الرواية التالية أن إنزال قواتهم يشمل طول الساحل من عريش مصر إلى
أنطاكية في تركية ، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ( فتح لرسول
الله(ص)فتح لم يفتح له مثله منذ بعثه الله تعالى فقلت له: يهنيك الفتح يا رسول
الله قد وضعت الحرب أوزارها . فقال: هيهات هيهات ، والذي نفسي بيده إن دونها يا
حذيفة لخصالاً ستاً.. وذكر آخرها(ص)فتنة الروم وغدرهم بالمسلمين بثمانين راية ،
وأنهم ينزلون ما بين أنطاكية إلى العريش). ( ابن حماد ص 118 ) .
وقد ورد في أحاديث نزول عيسى(ع)أن الحرب تضع أوزارها عند ذلك .
ويؤيده واقع صراعنا وحروبنا مع الروم التي لم تضع أوزارها ، ولن تضع أوزارها
حتى يظهر المهدي وينزل عيسى(ع)، وينصرنا الله تعالى على الروم في مرحلة طغيانهم
العالمي .
وفي ص136: (في فلسطين وقعتان في الروم، تسمى إحداهما القطاف، والأخرى الحصاد)
أي تكون الثانية كاسحة أكثر من الأولى .
وتشير الرواية التالية إلى أن معركة المهدي(ع)مع الغربيين تكون غير متكافئة ،
وأن ميزان القوة يكون لصالحهم في الظاهر ، ولذلك ينضم إليهم بعض ضعاف القلوب من
العرب ، ويقف آخرون على الحياد ، فقد روى ابن حماد في ص12، عن محمد بن كعب في
تفسير قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى
قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، قال: الروم يوم الملحمة . وقال: قد استنفر الله
الأعراب في بدء الإسلام فقالت: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فقال:
سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ . يوم الملحمة فيقولون كما
قالوا في بدء الإسلام ، فتحل بهم الآية: يعذبكم عذاباً أليماً .
وقال صفوان: حدثنا شيخنا أن من الأعراب من يرتد يومئذ كافراً ، ومنهم من يولي
عن نصرة الإسلام وعسكره شاكاً ).
فالمرتدون هم الذين يقفون إلى جانب الروم ، والمتولون هم الواقفون على الحياد ،
وعذابهم الأليم على يد المهدي(ع)بعد انتصاره على الروم .
وروى ابن حماد في ص131 حديثاً يوازن أجر شهداء هذه المعركة بأجر شهداء بدر مع
رسول الله(ص)قال: ( قال رسول الله(ص): خير قتلى تحت ظل السماء مذ خلق الله
تعالى خلقه ، أولهم هابيل الذي قتله قابيل اللعين ظلماً ، ثم قتلى الأنبياء
الذين قتلهم أممهم المبعوثة إليهم حين قالوا: ربنا الله ودعوا إليه ، ثم مؤمن
آل فرعون ، ثم صاحب ياسين ، ثم حمزة بن عبد المطلب ، ثم قتلى بدر ، ثم قتلى أحد
، ثم قتلى الحديبية ، ثم قتلى الأحزاب ، ثم قتلى حنين ، ثم قتلى تكون بعدي
تقتلهم خوارج مارقة فاجرة ، ثم ارجع يدك إلى ما شاء الله من المجاهدين في
سبيله، حتى تكون ملحمة الروم ، قتلاهم كقتلى بدر) .
ولا بد أن يكون تعبير قتلى الحديبية في الرواية تصحيفاً أو إضافة ، لأن مصادر
السيرة لم تذكر وقوع حرب وقتلى في الحديبية .
أما في مصادرنا الشيعية عن أهل البيت(ع)فقد نصت على أن أفضل الشهداء عنه الله
تعالى هم أصحاب سيد الشهداء الإمام الحسين(ع)والشهداء مع الإمام المهدي(ع) .
أما وقت الحملة الغربية الأخيرة على بلادنا فتذكر الروايات أن مدة الهدنة معهم
تكون سبع سنين ، ولكنهم يغدرون وينقضونها بعد سنتين ، وبعضها يذكر أنهم يغدرون
بعد ثلاث سنين .
ففي مخطوطة ابن حماد ص142 عن أرطاة قال: ( يكون بين المهدي وطاغية الروم صلح
بعد قتله السفياني ونهب كلب ، حتى يختلف تجاركم إليهم وتجارهم إليكم ، ويأخذون
في صنعة سفنهم ثلاث سنين.. حتى ترسي الروم فيما بين صور إلى عكا ، فهي الملاحم)
.
وقد تقدمت الرواية التي تذكر أنهم يغدرون في حمل امرأة ، أي بعد تسعة أشهر من
توقيع الهدنة ، والله العالم .
الشعوب الغربية تدخل في الإسلام
يكون لهزيمة الغربيين الساحقة على يد الإمام المهدي(ع)في فلسطين وبلاد الشام
آثار كبيرة على شعوب الغرب ومستقبله . ولابد أن الكلمة النافذة في الغرب تصبح
للمسيح والمهدي(ع) ، وللتيار الشعبي المؤيد لهما في الشعوب الغربية ، وأن هذا
التيار يتولى حركة إسقاط الحكومات الكافرة وإقامة حكومات تعلن انضمامها إلى
دولة المهدي(ع) .
وتذكر الروايات في مصادر السنة والشيعة أن الإمام المهدي(ع)يتوجه إلى الغرب
ويفتح هو وأصحابه المدينة الرومية الكبرى ، أو المدن الرومية ، وبعضها يذكر أنه
يفتحها مع أصحابه بالتكبير !
ففي بشارة الإسلام ص258قال: ( يفتح قسطنطينية ورومية وبلاد الصين) .
وفي الزام الناصب:2/225: ( ويتوجه إلى بلاد الروم فيفتح رومية مع أصحابه ) .
وفي الملاحم والفتن ص64: (رومية التي يفتحها المهدي هي أم بلاد الروم ).
وفي بشارة الإسلام ص251 عن الإمام الصادق(ع)قال: (ثم تسلم الروم على يده فيبني
لهم مسجداً ، ويستخلف عليهم رجلاً من أصحابه وينصرف) .
وفي مخطوطة ابن حماد ص136 عن عكرمة وسعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: ( لهم
في الدنيا خزي: قال مدينة تفتح بالروم ) .
وفي بشارة الإسلام ص297 ، قال: (يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفاً
من المسلمين) .
ملامح الدولة العالمية على يد الإمام المهدي(ع)
تدل الآيات الشريفة المفسرة بظهور الإمام المهدي ، والأحاديث الشريفة المبشرة
به(ع) ، على أن مهمته ربانية ضخمة ، متعددة الجوانب ، جليلة الأهداف . فهي
عملية تغيير شاملة للحياة الانسانية على وجه الأرض ، وإقامة مرحلة جديدة منها
بكل معنى الكلمة .
ولو لم يكن من مهمته(ع)إلا إنهاء الظلم ، وبعث الإسلام النبوي الأصيل وإقامة
حضارته الربانية العادلة وتعميم نوره على العالم ، لكفى .
ولكنها مع ذلك مهمة تطوير الحياة البشرية تطويراً مادياً كبيراً ، بحيث لا تقاس
نعمة الحياة في عصره والعصور التي بعده(ع)بالحياة في المراحل السابقة ، مهما
كانت متقدمة ومتطورة .
وهي أيضاً مهمة تحقيق مستوى هام من الإنفتاح على الكون وعوالم السماء وسكانها ،
يكون مقدمة للإنفتاح الأكبر على عوالم الغيب والآخرة.
وهذه لمحات عن جوانب مهمته(ع)بقدر ما يتسع لها هذا الكتاب:
تطهير الأرض من الظلم والظالمين
يبدو بالنظرة الأولى أن تطهير الأرض من الظلم، واستئصال الطواغيت والظالمين،
أمر غير ممكن ، فقد تعودت الأرض على أنين المظلومين وآهاتهم حتى لايبدو
لاستغاثتهم مجيب ، وتعودت على وجود الظالمين المشؤوم ، حتى لايخلو منهم عصر من
العصور .
فهم كالشجرة الخبيثة المستحكمة الجذور ، ما أن يقلع منهم واحد حتى ينبت عشرة ،
وما أن يقضى عليهم في جيل حتى يفرخوا أفواجاً في أجيال .
غير أن الله تعالى الذي قضت حكمته أن يقيم حياة الناس على قانون صراع الحق
والباطل والخير والشر ، قد جعل لكل شئ حداً ، ولكل أجل كتاباً ، وجعل للظلم على
الأرض نهاية .
جاء في تفسير قوله تعالى:(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ
فَيُؤْخَذُبِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ). (الرحمن:41) عن الإمام الصادق(ع)قال:
(الله يعرفهم ! ولكن نزلت في القائم يعرفهم بسيماهم فيخبطهم بالسيف هو وأصحابه
خبطاً). (غيبة النعماني ص 127) .
وعن أمير المؤمنين(ع)قال: ( فليفرجن الله بغتة برجل منا أهل البيت ، بأبي ابن
خيرة الإماء . لايعطيهم إلا السيف هرجاً هرجاً (أي قتلاً قتلاً) موضوعاً على
عاتقه ثمانية أشهر ) . ( شرح نهج البلاغة:2/178) .
وعن الإمام الباقر(ع)قال: ( إن رسول الله(ص)في أمته باللين والمنِّ ، وكان
يتألف الناس ، والقائم يسير بالقتل ولايستتيب أحداً !! بذلك أمر في الكتاب الذي
معه ، ويل لمن ناواه ). (غيبة النعماني ص121) .
والكتاب الذي معه هو العهد المعهود له من جده رسول الله(ص)، وفيه كما ورد :(
أقتل ثم اقتل ولاتستتيبن أحداً) ، أي لاتقبل توبة المجرمين .
وعنه(ع)قال: (وأما شبهه في جده المصطفى(ص)فخروجه بالسيف وقتله أعداء الله تعالى
وأعداء رسوله ، والجبارين والطواغيت ، وأنه ينصر بالسيف والرعب ، وأنه لاترد له
راية) . (البحار: 51 /218) .
وفي رواية عبد العظيم الحسني المتقدمة وهي في نفس المصدر ، عن الإمام
الجواد(ع): ( فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف خرج بإذن الله ، فلا يزال يقتل
أعداء الله حتى يرضى الله تعالى . قلت ، وكيف يعلم أن الله قد رضي ؟ قال: يلقي
الله في قلبه الرحمة ).
بل جاء في الأحاديث أن بعض أصحابه(ع)يرتاب ويعترض عليه لكثرة ما يرى من سفكه
لدماء الظالمين ، فعن الإمام الباقر(ع): (حتى إذا بلغ الثعلبية (اسم مكان في
العراق) قام إليه رجل من صلب أبيه (أي من نسبه) هو أشد الناس ببدنه وأشجعهم
بقلبه ماخلا صاحب هذا الأمر ، فيقول: يا هذا ما تصنع؟! فوالله إنك لتجفل الناس
إجفال النعم ! ( أي كما يجفل الراعي أو الذئب قطيع الماشية ) أفبعهد من رسول
الله ، أم بماذا ؟! فيقول المولى الذي ولي البيعة (أي المسؤول عن أخذ البيعة
للإمام من الناس): أسكت ، لتسكتن أو لأضربن الذي فيه عيناك ، فيقول القائم(ع):
أسكت يا فلان ، إي والله إن معي لعهداً من رسول الله(ص) ، هات يا فلان العيبة
(أي الصندوق) فيأتيه بها فيقرأ العهد من رسول الله(ص)فيقول الرجل: جعلني الله
فداك: أعطني رأسك أقبله ، فيعطيه رأسه ، فيقبل بين عينيه ، ثم يقول: جعلني الله
فداك ، جدد لنا بيعة ، فيجدد لهم بيعة ). ( البحار: 53/343)
ولا بد أن هناك علامات أو آية يعرف بها أصحابه أن تلك الصحيفة هي عهد معهود من
رسول الله(ص) ، وأما طلبهم أن يجددوا مبايعته(ع)فلأن اعتراضهم عليه يعتبر نوعاً
من الإخلال ببيعتهم الأولى له(ع) .
وقد يرى البعض في سياسة القتل والإبادة للظالمين التي يعتمدها الإمام المهدي(ع)
، أنها قسوة وإسراف في القتل ، ولكنها في الواقع عملية جراحية ضرورية لتطهير
مجتمع المسلمين ومجتمعات العالم من الطغاة والظالمين ، وبدونها لايمكن إنهاء
الظلم من على وجه الأرض ، وإقامة العدل خالصاً كاملاً ، ولا القضاء على أسباب
المؤامرات الجديدة التي سيقوم بها بقاياهم فيما لو استعمل الإمام معهم سياسة
اللين والعفو ! فالظالمون في مجتمعات العالم كالغصون اليابسة من الشجرة ، بل
كالغدة السرطانية، لابد من استئصالها من أجل نجاة المريض مهما كلف الأمر .
والأمر الذي يوجب الاطمئنان عند المترددين في هذه السياسة أنها بعهد معهود من
النبي(ص)وأن الله تعالى يعطي الإمام المهدي(ع)العلم بالناس وشخصياتهم ، فهو
ينظر إلى الشخص بنور الله تعالى فيعرف ماهو وما دواؤه، ولايخشى أن يقتل أحداً
من الذين يؤمل اهتداؤهم وصلاحهم ، كما أخبر الله تعالى عن قتل الخضر(ع)للغلام
في قصته مع موسى(ع)حتى لايرهق أبويه طغياناً وكفراً .
بل تدل الأحاديث على أن الخضر يظهر مع المهدي(ع)ويكون وزيراً له ، ولا بد أن
المهدي(ع)عنده علم الخضر اللدني الذي قال الله عنه: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ
عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) (الكهف:65) ، وأنهما
يستعملانه في تنمية بذور الخير ، ودفع الشر عن المؤمنين ، والقضاء على الفساد
والشر وهو بذرة صغيرة قبل أن يصبح شجرة خبيثة .
ومن المرجح أن يكون عمل الخضر وأعوانه في دولة المهدي(ع) علنياً ، وأن يكون لهم
حق الولاية على الناس وحق النقض على القوانين والأوضاع الظاهرية .
وقد ورد في الأحاديث الشرية أن الإمام المهدي(ع)يقضي بين الناس بحكم الله
الواقعي الذي يريه إياه الله تعالى ، فلا يطلب من أحد شاهداً أو بينة ، وكذلك
يستعمل علمه الواقعي في قتل الظالمين والفجار ، وقد يسير أصحابه في القضاء بين
الناس وقتل الفجار بهذه السيرة ، أما في بقية الأمور فقد يتعاملون مع الناس على
الظاهر . ولا بد أن يكون للخضر وأمثاله صلاحياتهم الخاصة .
بعث الإسلام مجدداً وتعميم نوره على العالم
جاء عن أمير المؤمنين(ع)في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).(سورة التوبة:33) ، قال: ( أظَهَرَ ذلك بعد؟! كلا والذي
نفسي بيده ، حتى لاتبقى قرية إلا ونودي فيها بشهادة ألا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله ، بكرة وعشياً) . (المحجة للبحراني ص 86 ).
وعن ابن عباس قال: ( حتى لايبقى يهودي ولانصراني ولاصاحب ملة إلا صار إلى
الإسلام . وحتى ترفع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ، وهو قوله تعالى:
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، وذلك يكون
عند قيام القائم) (المحجة 87)، ومعنى ترفع الجزية ، أنه لايقبل من أهل الكتاب
إلا الإسلام .
وعن أبي بصير(ره)قال: سألت الإمام الصادق(ع)عن قول الله عز وجل في كتابه: هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فقال: والله ما نزل تأويلها
بعد . قلت جعلت فداك ومتى ينزل تأويلها ؟ قال: حين يقوم القائم إن شاء الله
تعالى ، فإذا خرج القائم لم يبق كافر ولا مشرك إلا كره خروجه ، حتى لو أن
كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت الصخرة يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك
فاقتله ، فيجيئه فيقتله) (المحجة: 86 ).
وعن الإمام الباقر(ع)قال: (القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض
وتظهر له الكنوز ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ، ويظهر الله عز وجل به دينه
ولو كره المشركون ، فلايبقى في الأرض خراب إلا عمر ، وينزل روح الله عيسى بن
مريم(ع)فيصلي خلفه). (البحار:52/191) .
وفي تفسير العياشي:2/87 عن الإمام الباقر(ع)قال في تفسيرها: ( يكون أن لا يبقى
أحد إلا أقر بمحمد(ص) ) .
وفيه:2/56 ، عن الإمام الصادق(ع)قال: (سئل أبي(ع)عن قوله تعالى: وَقَاتِلُوا
الْمُشْرِكِينَ كَافَّة ًكَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً... وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ ، فقال: لم يجئ
تأويل هذه الآية ، ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه
الآية ويبلغن دين محمد(ص)ما بلغ الليل حتى لايكون شرك على وجه الأرض ، كما قال
الله تعالى) .
وجاء في تفسير قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، عن الإمام
الباقر(ع)قال: (يريهم في أنفسهم المسخ ، ويريهم في الآفاق انتفاض الآفاق عليهم
، فيرون قدرة الله في أنفسهم وفي الآفاق . وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُ الْحَقُّ ، يعني بذلك خروج القائم هو الحق من الله عز وجل ، يراه هذا
الخلق، لابد منه) . (غيبة النعماني ص143)
وعن النبي(ص)قال: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة ، يقاتل على سنتي كما قاتلت
أنا على الوحي) . ( البيان للشافعي ص63) .
وعنه(ص)قال: (ولايكون ملك إلا للإسلام ، وتكون الأرض كفاتور الفضة). (الملاحم
والفتن ص66) أي تكون الأرض صافية نقية من الكفر والنفاق ، كسبيكة الفضة النقية
من المواد المغشوشة .
وعن أمير المؤمنين(ع)قال: (ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي.
ويريهم كيف يكون عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة). (نهج البلاغة:4/36)
يعني أن المهدي(ع)يتبع القرآن ول ايحرف تفسيره بالهوى كما فعل المنحرفون قبله .
وعن الإمام الباقر(ع)قال: (كأني بدينكم هذا لايزال مولياً يفحص بدمه ، ثم لا
يرده عليكم إلا رجل منا أهل البيت ، فيعطيكم في السنة عطاءين ، ويرزقكم في
الشهر رزقين ، وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله
تعالى وسنة رسوله(ص)). (البحار:52/ 352) .
وقوله(ع): (مولياً يفحص بدمه) تصوير دقيق مؤثر لحالة الإسلام كطير مجروح يرف
بجناحيه ويتخبط بدمه من ضربات الظالمين له ، وتحريفهم إياه ، حتى ينقذه
المهدي(ع)ويحييه ويرده إلى المسلمين .
والمقصود بالعطاءين في السنة والرزقين في الشهر: العطاء من بيت المال كل ستة
أشهر ، وتوزيع المواد الغذائية على الناس كل أسبوعين .
وعن الإمام الصادق(ع)قال: ( سيميت الله به كل بدعة ، ويمحو كل ضلالة ، ويحيي كل
سنة) . ( الكافي:1/412) .
وعن الإمام الباقر(ع)قال: ( ولايبقى في الأرض خراب إلا قد عمر ، ولايبقى في
الأرض معبود من دون الله تعالى من صنم ووثن وغيره ، إلا وقعت فيه نار فاحترق) .
( كمال الدين ص331 ).
العوامل المساعدة للإمام المهدي(ع)في هداية الشعوب
من الطبيعي أن يتساءل المرء: كيف سيتمكن الإمام المهدي(ع)من تعميم الإسلام على
الشعوب غير المسلمة ، مع ما هي فيه من حياة مادية بعيدة عن الايمان والقيم
الروحية ، ونظرة سيئة إلى الإسلام والمسلمين ؟!
لكن ينبغي الإلتفات إلى عوامل كثيرة عقائدية وسياسية واقتصادية تساعد الإمام
المهدي(ع)في دعوته ، تقدم بعضها في حركة ظهوره(ع) .
فمن ذلك أن شعوب العالم تكون قد جربت - وقد جربت- الحياة المادية البعيدة عن
الدين ، ولمست لمس اليد فراغها وعدم تلبيتها لفطرة الإنسان وإنسانيته . وهي
حقيقة يعاني منها الغربيون ويجهرون بها !
ومنها ، أن الإسلام دين الفطرة ، ولو فسح الحكام لنوره أن يصل إلى شعوبهم على
يد علماء ومؤمنين صادقين ، لدخل الناس فيه أفواجاً .
ومنها ، الآيات والمعجزات التي تظهر لشعوب العالم على يد المهدي (ع)، ومن
أبرزها النداء السماوي كما تقدم .
وهذه الآيات وإن كان تأثيرها على الحكام موقتاً أو ضعيفاً أو معدوماً ولكنها
تؤثر على شعوبهم بنسب مختلفة .
ولعل من أهم عوامل التأثير عليهم انتصارات الإمام المهدي(ع) المتوالية ، لأن من
طبع الشعوب الغربية أنها تحب القوي المنتصر وتقدسه ، حتى لو كان عدوها . فكيف
إذا كانت له كرامات ومعجزات .
ومنها ، نزول المسيح(ع)وما يظهره الله تعالى على يده من آيات ومعجزات للشعوب
الغربية وشعوب العالم ، بل إن دوره الأساسي وعمله الأساسي يكون بينهم ، ومن
الطبيعي أن تفرح به الشعوب الغربية وحكامها ويؤمن به الجميع أول الأمر ، حتى
إذا بدأ يظهر ميله إلى الإمام المهدي(ع)والإسلام تبدأ الحكومات الغربية
بالتشكيك والتشويش عليه ، وتنحسر موجة تأييده العارمة ، ويبقى أنصاره من الشعوب
الغربية ، ويحدث فيهم التحول العقائدي والسياسي حتى يكونون تياراً في بلادهم.
ومنها ، العوامل الإقتصادية ، وما يصل اليه العالم من الغنى والرفاهية على يد
الإمام المهدي(ع)فينعم الناس في زمنه نعمة لاسابقة لها في تاريخ الأرض وشعوبها
، كما تذكر الأحاديث الشريفة ، ومن الطبيعي أن يكون لذلك تأثير هام على تلك
الشعوب .
وهذه لمحات عن الحياة في عصر المهدي(ع):
تطوير الإمام(ع)للحياة المادية والرفاهية:
من الأمور البارزة في أحاديث المهدي(ع)التقدم التكنولوجي في الدولة العالمية
التي يقيمها ، فإن نوع الحياة المادية التي تتحدث عنها النصوص الشريفة في
عصره(ع)، أعظم من كل ما عرفناه في عصرنا ، ومما قد يتوصل اليه تطور العلوم
بالجهود البشرية العادية . وفيما يلي بعض ما ورد في ذلك:
يستخرج كنوز الأرض ويقسمها على الناس:
والأحاديث في ذلك كثيرة ، منها ما ورد عن النبي(ص)قال: (تخرج له الأرض أفلاذ
أكبادها، ويحثو المال حثواً ولا يعده عداً ) . (البحار:51/68) .
وأفلاذ أكبادها أي كنوزها،وفي رواية:( حتى يخرج منها مثل الأسطوانة ذهباً ).
وحديث يحثو المال حثواً أو حثياً ولا يعده عداً ، مشهور في مصادر الفريقين ،
وهو يدل على الرخاء الإقتصادي الذي لاسابقة له ، وعلى نفسية الإمام
المهدي(ع)السخية ، المحبة للناس .
وعن الإمام الباقر(ع)قال:( إذا قائم أهل البيت قسم بالسوية ، وعدل في الرعية.
فمن أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، ويستخرج التوراة وسائر كتب
الله عز وجل من غار بأنطاكية ، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة ، وبين أهل
الإنجيل بالإنجيل ، وبين أهل الزبور بالزبور ، وبين أهل القرآن بالقرآن .
وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم
فيه الأرحام ، وسفكتم فيه الدماء الحرام ، وركبتم فيه ما حرم الله عز وجل .
فيعطي شيئاً لم يعطه أحد قبله ، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً ، كما ملئت
ظلماً وجوراً وشراً) . ( البحار:52/351) .
تنعم الأمة في زمانه وتعمر الأرض:
عن النبي(ص)قال: (تنعم أمتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قط . ترسل
السماء عليهم مدراراً ، ولاتدع الأرض شيئاً من النبات إلا أخرجته). (ابن حماد
ص98)
وعنه(ص)قال: ( تأويل إليه أمته كما تأوي النحلة الى يعسوبها ، يملأ الأرض عدلاً
كما ملئت جوراً ، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول . لايوقظ نائماً ولا
يهريق دماً ) ( ابن حماد ص 99 ).
ولعل معنى ( على مثل أمرهم الأول ) أي في المجتمع الإنساني الأول عندما كانوا
أمة واحدة على صفاء فطرتهم الانسانية ، قبل أن يقع بينهم الإختلاف كما قال
تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) . (سورة البقرة:213)
وهو يؤيد ما تشير إليه بعض الأحاديث من أن المجتمع يصل في عصر المهدي(ع)إلى
مجتمع الغنى وعدم الحاجة ، ثم إلى مجتمع المحبة وعدم الإختلاف وعدم الحاجة إلى
المحاكم ، ثم إلى مجتمع اللانقد ، بحيث يعمل أفراده لخدمة بعضهم قربة إلى الله
تعالى ويأخذون ما يحتاجونه من بعضهم بالصلاة على النبي(ص) .
وعن النبي(ص)قال: (يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض. لاتدع السماء من قطرها
شيئا إلا صبته ، ولا الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته ، حتى يتمنى الأحياء
الأموات ) . (ابن حماد ص99) ، أي يتمنى الأحياء أن الأموات كانوا أحياء لينعموا
معهم ويروا ما رأوا .
وعن الإمام الباقر(ع)قال ( ويظهر الله عزو جل به دينه ولو كره المشركون ، فلا
يبقى في الأرض خراب إلا عمر ) . ( البحار:52/191) .
وعن الإمام الصادق(ع)قال: ( المهدي محبوب في الخلائق ، يطفئ الله به الفتنة
الصماء ) (بشارة الإسلام ص 185) .
وعنه(ع)في تفسير قوله تعالى: ( مدهامتان.. قال: يتصل ما بين مكة والمدينة
نخلاً) (البحار:56/ 49) .
وعن سعيد بن جبير قال: ( إن السنة التي يقوم فيها القائم تمطر الأرض أربعاً
وعشرين مطرة ، ويرى آثارها وبركاتها ) . (كشف الغمة:3/250) .
وفي مخطوطة ابن حماد ص98: ( علامة المهدي: أن يكون شديداً على العمال، جواداً
بالمال ، رحيماً بالمساكين) .
وفيها: ( المهدي كأنما يلعق المساكين الزبد) .
يطور العلوم الطبيعية ووسائل المعيشة:
تذكر أحاديث المهدي(ع)عدداً من الأمور غير المألوفة للأجيال السابقة ولجيلنا
المعاصر ، في وسائل الإتصال التي تكون في عصره ، ووسائل الرؤية، والمعرفة ،
ووسائل الحرب ، وأساليب الإقتصاد ، والحكم والقضاء ، وغيرها.
ويظهر أن بعضها يكون كرامات ومعجزات يجريها الله على يديه(ع).
ولكن كثيراً منها تطوير للعلوم الطبيعية واستثمار لقوانين الله تعالى ونعمه ،
التي أودعها فيما حولنا من مواد الأرض والسماء .
وتدل أحاديث متعددة وتشير ، إلى أن تطويره(ع)لعلوم الطبيعة سيكون قفزة في تقدم
الحياة الانسانية على الأرض في جميع مرافقها . من ذلك الحديث المروي عن الإمام
الصادق(ع)قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً . فجميع ما جاءت به الرسل حرفان ، فلم
يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة وعشرين حرفاً
فبثها في الناس ، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً) .
(البحار:52/ 336) .
وهو وإن كان ناظراً إلى علوم الأنبياء والرسل(ع)ولكنها تشمل مضافاً إلى العلم
بالله سبحانه ورسالته والآخرة ، العلوم الطبيعية التي ورد أن الأنبياء(ع) علموا
الناس بعض أصولها ، ووجهوهم إليها ، وفتحوا لهم جزءا من أبوابها ، كما ورد من
تعليم إدريس(ع)الخياطة للناس ، وتعليم نوح(ع)صناعة السفن والنجارة ، وتعليم
داود وسليمان صناعة الدروع ، وغيرها .
فالمقصود بالعلم في الحديث أعم من علوم الدين والطبيعة ، والمعنى أن نسبة ما
يكون في أيدي الناس من العلوم إلى ما يعلمهم إياه(ع)نسبة اثنين إلى خمس وعشرين
.
وعن الإمام الباقر(ع)قال: ( أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول ،
وذخر لصاحبكم الصعب . قال قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان فيه رعد وصاعقة أو (و)
برق فصاحبكم يركبه . أما إنه سيركب السحاب ، ويرقى في الأسباب ، أسباب السماوات
السبع والأرضين السبع ، خمس عوامر ، واثنتان خرابان). (البحار:52/321) .
وعن الإمام الصادق(ع)قال:(إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي
في المغرب . وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق). (البحار:52/ 391 .
وعنه(ع):(إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لايكون
بينهم وبينه بريد يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه وهو في مكانه) (البحار:52 /236
.
وعنه(ع)قال: ( إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له
كل منخفض من الأرض ، وخفض له كل مرتفع ، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته .
فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها).
وروي أنه(ع)ينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء فيرى فيه أعمال العباد ،
وأن له علوما مذخورة تحت بلاطة في أهرام مصر لايصل إليها أحد قبله ) .( كمال
الدين ص 565 ) .
إلى غير ذلك من الروايات التي لايتسع المجال لاستقصائها وتفسيرها . وبعضها
يتحدث عن تطور العلوم بشكل عام ، وبعضها عن تطور القدرات الذهنية والوسائل
الخاصة بالمؤمنين ، وبعضها عن وسائل وكرامات خاصة بالإمام المهدي(ع)وأصحابه .
من ذلك ما عن الإمام الباقر(ع)قال: ( كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين
الخافقين ، ليس شئ إلا وهو مطيع لهم ، حتى سباع الأرض وسباع الطير تطلب رضاهم
(في) (و) كل شئ ، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مرَّ بي اليوم رجل من أصحاب
القائم) (البحار: 52 /327 ) .
وفي رواية عن الإمام الباقر(ع)قال: ( إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل
إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفك فإذا ورد عليك أمر لاتفهمه ولاتعرف القضاء فيه ،
فانظر إلى كفك واعمل بما فيها ) . (غيبة النعماني ص319 ).
وقد يكون ذلك على نحو الإعجاز والكرامة لهم ، وقد يكون على أساس قواعد علمية ،
أو وسائل متطورة .
ملكه أعظم من ملك سليمان وذي القرنين:
يفهم من أحاديث الإمام المهدي(ع)أن الدولة الإسلامية العالمية التي يقيمها أعظم
من الدولة التي أقامها نبي الله سليمان وذو القرنين(ع)، وبعض الأحاديث تنص على
ذلك ، كالحديث المروي عن الإمام الباقر(ع): (إن ملكنا أعظم من ملك سليمان بن
داود ، وسلطاننا أعظم من سلطانه).
والحديث الآتي بأنه تسخر له أسباب لم تسخر لذي القرنين ، والأحاديث التي تدل
على أن عنده مواريث الأنبياء(ع)التي منها مواريث سليمان ، وأن الدنيا عنده
بمنزلة ، راحة كفه . . .
فدولة سليمان(ع)شملت فلسطين وبلاد الشام ، ولكنها لم تشمل مصر وما وراءها من
أفريقيا . كما أنها لم تتجاوز اليمن إلى الهند والصين وغيرها ، كما تذكر
الأحاديث . بل تذكر أنها لم تتجاوز مدينة إصطخرجنوب إيران .
بينما دولة المهدي(ع)تشمل كل مناطق العالم ، حتى لايبقى قرية إلا نودي فيها
بالشهادتين ، ولايبقى في الأرض خراب إلا عمر ، كما تنص الأحاديث الشريفة . بل
تنص على شمولها للأرضين الأخرى !
ومن ناحية الإمكانات التي تسخر للمهدي(ع)، فهي تشمل الإمكانات التي سخرها الله
تعالى لسليمان(ع)وتزيد عليها . سواء ما كان منها على نحو الإعجاز والكرامة
الربانية، أو ماكان تطويراً للعلوم واستثماراً لإمكانات الطبيعة.
ومن ناحية مدتها ، فقد كانت مدة دولة سليمان(ع)نحو نصف قرن ، ثم وقع الإنحراف
بعد وفاته سنة931 قبل الميلاد وتمزقت الدولة ، ووقعت الحرب بين مملكتي القدس
ونابلس . كما تذكر التوراة والمؤرخون .
أما دولة الإمام المهدي(ع)في حياته وبعده ، فهي تستمر الى آخر الدنيا ، ولا
دولة بعدها ! والمرجح عندنا أنه يحكم بعده المهديون من أولاده ، ثم تكون رجعة
بعض الأنبياء والأئمة(ع) ، ويحكمون إلى آخر الدنيا .
إنفتاح الإمام المهدي(ع)على الأرضين السبع
ويدل على ذلك عدة أحاديث وإشارات ، من أوضحها الحديث الوارد عن الإمام
الباقر(ع)قال: (أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم
الصعب . قال سورة: قلت وما الصعب ؟ قال: ما كان فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم
يركبه . أما إنه سيركب السحاب ، ويرقى في الأسباب ، أسباب السماوات السبع
والأرضين السبع ، خمس عوامر واثنتان خرابان) .
وفي رواية عن الإمام الصادق(ع)قال: ( أن الله خير ذا القرنين السحابين الذلول
والصعب ، فاختار الذلول وهو ما ليس فيه برق ولا رعد ، ولو اختار الصعب لم يكن
ذلك له ، لأن الله ادخره للقائم(ع)) . (البحار:52/321 ).
فهو ينص على أنه يستعمل الوسائل المتنوعة والأسباب الخاصة في الصعود والتنقل
بين كواكب السماوات وعوالمها ، وقد نصت الأحاديث على أنه يسخر له. سحاب فيه رعد
وصاعقة أو برق . وأنه يرقى في الأسباب أسباب السماوات والأرض ، وأن صعوده يشمل
عوالم السماوات السبع والأرضين الست غير أرضنا .
ولا يعني ذلك أنه يستعمل هذه المصاعد والمركبات بنفسه فقط ، بل قد يصل الأمر في
عصره(ع)إلى أن يكون السفر إلى كواكب السماوات وإلى الأرضين الأخرى ، كالسفر في
عصرنا من قارة إلى قارة .
ويشير قوله(ع)بأن خمساً من الأرضين أو منها ومن السماوات معمورة ، إلى أنه سيتم
الإتصال بمجتمعاتها .
وقد وردت أحاديث شريفة متعددة في أنه توجد في السماوات كواكب كثيرة عامرة
بمجتمعات من مخلوقات الله تعالى ، من غير نوع الانسان والملائكة والجن . وقد
أوردها العلامة المجلسي(ع)في بحار الأنوار .
كما دلت على إمكانية ذلك عدة آيات قرآنية كقوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاتَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ). ( الرحمن:33 ) ، وهذا
يعني أن الحياة على الأرض سوف تدخل في عصره(ع)مرحلة جديدة ، تختلف عن كل ما
سبقها من مراحل .
ولا يتسع المجال لبسط الكلام في ذلك .
الإنفتاح على عالم الآخرة والجنة
من أعمق أنواع الحركة التي يعيش فيها عالمنا بزمانه ومكانه وأشيائه ، حركة عالم
الشهادة نحو عالم الغيب أو العكس ، التي يكشف عنها القرآن والإسلام ويؤكد على
الإهتمام بها والإنسجام معها ، ويسميها حركة رجوع الانسان إلى الله تعالى ،
ولقائه به ، أو ذهابه إلى الملأ الأعلى والآخرة .
ويسميها على مستوى العالم مجئ الساعة ، والقيامة ، حيث تتحقق الوحدة بين عالمنا
وعوالم الغيب الواسعة المحجوبة عنا .
فذروة هذه الحركة بالنسبة إلى الانسان الموت ، الذي هو بمفهوم الإسلام دخول في
حياة أوسع ، وليس كما يتصوره العوام فناءً وعدماً ، وذروتها بالنسبة إلى الكون:
القيامة ، واتحاد عالمي الشهادة والغيب .
وقد ورد في القرآن والسنة أن مجئ القيامة والساعة له مقدمات وأشراط متسلسلة
تحدث في الأرض والسماء ، ومجتمع الإنسان .
ودولة المهدي(ع)آخر مرحلة وأعظم مرحلة في حياة الأرض قبل أشراط الساعة ، التي
تبدأ بعدها . فكيف تبدأ ؟
الذي يترجح في نظري أن الانفتاح على عوالم السماء الذي تتحدث الروايات أنه يتم
في عصر الإمام المهدي(ع)، يكون مقدمة لانفتاح أكبر على الآخرة والجنة . وأن
الروايات التي تتحدث عن (الرجعة) وعودة عدد من الأنبياء والأئمة(ع)الى الأرض
وأنهم يحكمون بعد المهدي(ع)، تقصد هذه المرحلة . وكذا الآيات المتعددة التي ورد
تفسيرها بـ (الرجعة) .
والاعتقاد بالرجعة وإن لم يكن من ضروريات الإسلام ، والشك فيه لا يُخرج الانسان
عن مذهب أهل البيت(ع)، لكن أحاديثها تبلغ من الكثرة والوثاقة ما يوجب الإعتقاد
بها .
ويذكر بعضها أن الرجعة تبدأ بعد حكم المهدي(ع)وحكم أحد عشر مهدياً بعده ، ففي
غيبة الطوس ص299 عن الإمام الصادق(ع) قال: ( إن منا بعد القائم أحد عشر مهدياً
من ولد الحسين(ع)) .
وهذه نماذج من أحاديث الرجعة:
عن الإمام زين العابدين(ع)في تفسير قوله تعالى:إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ
الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ؟ قال: يرجع إليكم نبيكم(ص)). (البحار:53/
56) .
وعن أبي بصير قال: (قال لي أبو جعفر ، أي الإمام الباقر(ع): ينكر أهل العراق
الرجعة؟ قلت نعم . قال: أما يقرؤون القرآن ) (البحار:53/ 40) .
وعن الإمام الصادق(ع)أنه سئل عن قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ؟ فقال: ما
يقول الناس فيها ؟ قلت يقولون إنها في القيامة . فقال: يحشر الله في القيامة من
كل أمة فوجاً ويترك الباقين ؟! إنما ذلك في الرجعة ، فأماآية القيامة
فهذه:وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.. الى قوله: موعداً).
(البحار:53/40) .
وعن زرارة ، قال سألت أبا عبد الله أي الإمام الصادق(ع)عن هذه الأمور العظام من
الرجعة وأشباهها فقال: ( إن هذا الذي تسألون عنه لم يجئ أوانه: بَلْ كَذَّبُوا
بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ).
(البحار:53/40) .
وذكرت بعض الروايات أن رجعة النبي(ص)تكون بعد رجعة الأئمة(ع) وأن أول من يرجع
منهم الإمام الحسين(ع)، فعن الإمام الصادق(ع)قال:
( أول من يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي(ع)فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من
الكبر). (البحار:53/ 46) .
وفي رواية عنه(ع)قال: ( وإن الرجعة ليست بعامة وهي خاصة ، لايرجع إلا من محض
الايمان محضاً ، أو محض الشرك محضاً ) . ((البحار:53/ 36) .