(ذكر أخبار المعمرين لرفع استبعاد المخالفين)
(عن طول غيبة مولانا القائم صلوات الله عليه)
(وعلى آبائه الطاهرين)
ولنبدأ بذكر ماذكره الصدوق رحمه الله في كتاب إكمال الدين قال:
1 حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب الشجري، عن محمد بن القاسم الرقي وعلي ابن الحسن بن جنكاء اللائكي قال: لقينا بمكة رجلا من أهل المغرب فدخلنا عليه مع جماعة من أصحاب الحديث ممن كان حضر الموسم في تلك السنة وهي سنة تسع وثلاث مائة فرأينا رجلا أسود الرأس واللحية كأنه شن بال وحوله جماعة من أولاده وأولاد أولاده ومشايخ من أهل بلده ذكروا أنهم من أقصى بلاد المغرب بقرب باهرة العليا وشهدوا هؤلاء المشايخ أنهم سمعوا آباءهم حكوا عن آبائهم وأجدادهم أنهم عهدوا هذا الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمر واسمه علي بن عثمان
[226]
ابن خطار بن مرة بن مؤيد (1) وذكر أنه همداني وأن أصله من صعد اليمن فقلنا له: أنت رأيت علي بن أبي طالب؟ فقال بيده ففتح عينيه وقد كان وقع حاجباه على عينيه ففتحهما كأنهما سراجان فقال: رأيته بعيني هاتين وكنت خادما له وكنت معه في وقعة صفين وهذه الشجة من دابة علي (عليه السلام) وأرانا أثرها على حاجبه الايمن وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر وأنهم منذ ولدوا عهده على هذه الحالة وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا.
ثم إنا فاتحناه وسألناه عن قصته وحاله وسبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل يفهم ما يقال له، ويجيب عنه بلب وعقل، فذكر أنه كان له والد قد نظر في كتب الاوائل وقرأها وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان وأنها تجري في الظلمات وأنه من شرب منها طال عمره، فحمله الحرص على دخول الظلمات فتزود وحمل حسب ماقدر أنه يكتفي به في مسيره وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين بازلين وعدة جمال لبون وروايا وزادا وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظلمات ثم دخلنا الظلمات، فسرنا فيها نحو ستة أيام بلياليها وكنا نميز بين الليل والنهار بأن النهار كان أضوء قليلا وأقل ظلمة من الليل.
فنزلنا بين جبال وأودية وركوات وقد كان والدي ره يطوف في تلك البقعة في طلب النهر لانه وجد في الكتب التي قرأها أن مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع فأقمنا في تلك البقعة أياما حتى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا ولولا أن جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد نارا ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا.
فمكثنا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده وبعد الاياس عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد والماء والخدم الذين كانوا معنا فأوجسوا في أنفسهم خيفة من الطلب فألحوا على والدي بالخروج من الظلمات فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم، فعثرت بنهر ماء أبيض
..................................
* (هامش) *
(1) في نسخة كمال الدين المطبوعة ج 2 ص 220: " مرة بن يزيد " وهكذا فيما يأتى.
[227]
اللون عذب لذيذ لا بالصغير من الانهار ولا بالكبير يجري جريا لينا فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا فوجدته عذبا باردا لذيذا، فبادرت مسرعا إلى الرحل فبشرت لخدم بأني قد وجدت الماء فحملوا ماكان معنا من القرب والاداوى لنملاها ولم أعلم أن والدي في طلب ذلك النهر وكان سروري بوجود الماء لما كنا فيه من عدم الماء وكان والدي في ذلك الوقت غائبا عن الرحل مشغولا بالطلب فجهدنا وطفنا ساعة هوية في طلب النهر فلم نهتد إليه حتى أن الخدم كذبوني وقالوا لي لم تصدق.
فلما انصرفت إلى الرحل وانصرف والدي أخبرته بالقصة فقال لي: يا بني! الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمل الخطر كان لذلك النهر، ولم ارزق أنا وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتى تمل الحياة، ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلدنا وعاش والدي بعد ذلك سنيات ثم مات رحمه الله.
فلما بلغ سني قريبا من ثلاثين سنة وكان قد اتصل بنا وفات النبي صلى الله عليه وآله ووفات الخليفتين بعده خرجت حاجا فلحقت آخر أيام عثمان.
فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقمت معه أخدمه وشهدت معه وقائع وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجة من دابته فما زلت مقيما معه إلى أن مضى لسبيله (عليه السلام) فألح علي أولاده وحرمه أن اقيم عندهم فلم اقم، وانصرفت إلى بلدي وخرجت أيام بني مروان حاجا وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية، ماخرجت في سفر إلا ما كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فيشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعما شاهدت وكنت أتمنى وأشتهي أن أحج حجة اخرى فحملني هؤلاء حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي وذكر أنه قد سقطت أسنانه مرتين أو ثلاثة.
فسألناه أن يحدثنا بما سمع من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فذكر أنه لم يكن له حرص ولا همة في طلب العلم وقت صحبته لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)
[228]
والصحابة أيضا كانوا متوافرين فمن فرط ميلي إلى علي (عليه السلام) ومحبتي له لم أشتغل بشئ سوى خدمته وصحبته والذي كنت أتذكره مما كنت سمعته منه قد سمعه مني عالم كثير من الناس ببلاد المغرب ومصر والحجاز وقد انقرضوا وتفانوا وهؤلاء أهل بلدي وحفدتي قد دونوه فأخرجوا إلينا النسخة وأخذ يملئ علينا من خطه:
حدثنا أبوالحسن علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني المعروف بأبي الدنيا معمر المغربي رضي الله عنه حيا وميتا قال: حدثنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغض أهل اليمن فقد أبغضني.
وحدثنا أبو الدنيا معمر قال: حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أعان ملهوفا كتب الله له عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سعى في حاجة أخيه المسلم لله فيها رضى الله فيها صلاح فكأنما خدم الله ألف سنة ولم يقع في معصيته طرفة عين.
حدثنا أبوالدنيا معمر المغربي قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول:
أصاب النبي صلى الله عليه وآله جوع شديد وهو في منزل فاطمة قال علي فقال لي النبي: يا علي هات المائدة فقدمت المائدة فاذا عليها خبز ولحم مشوي.
حدثنا أبوالدنيا معمر قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: جرحت في وقعة خيبر خمسا وعشرين جراحة فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما رأى مابى بكى وأخذ من دموع عينيه فجعلها على الجراحات فاسترحت من ساعتي.
وحدثنا أبوالدنيا قال: حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ قل هو الله أحد مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن ومن قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.
وحدثنا أبوالدنيا قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: قال
[229]
رسول الله (صلى الله عليه وآله): كنت أرعى الغنم فاذا أنا بذئب على قارعة الطريق فقلت له: ما تصنع ههنا؟ فقال لي: وأنت ماتصنع ههنا؟ قلت أرعى الغنم قال مر أو قال ذا الطريق قال: فسقت الغنم فلما توسط الذئب الغنم إذا أنا به قد شد على شاة فقتلها قال: فجئت حتى أخذت بقفاه فذبحته وجعلته على يدي وجعلت أسوق الغنم.
فلما سرت غير بعيد وإذا أنا بثلاثة أملاك جبرئيل وميكائيل وملك الموت صلوات الله عليهم أجمعين، فلما رأوني قالوا هذا محمد بارك الله فيه فاحتملوني وأضجعوني وشقوا جوفي بسكين كان معهم وأخرجوا قلبي من موضعه وغسلوا جوفي بماء بادر كان معهم في قارورة حتى نقي من الدم ثم ردوا قلبي إلى موضعه وأمروا أيديهم على جوفي فالتحم الشق باذن الله تعالى فما أحسست بسكين ولا وجع، قال:
وخرجت أغدو إلى امي يعني حليمة داية النبي صلى الله عليه وآله فقال لي: أين الغنم فخبرتها بالخبر فقالت: سوف تكون لك في الجنة منزلة عظيمة.
وحدثنا أبو سعيد عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب قال: ذكر أبوبكر محمد بن الفتح المركني وأبوالحسن علي بن الحسن اللائكي أن السلطان بمكة لما بلغه خبر أبي الدنيا تعرض له، وقال: لابد أن اخرجك إلى بغداد إلى حضرة أمير المؤمنين المقتدر فاني أخشى أن يعتب علي إن لم اخرجك معي فسأله الحاج من أهل المغرب وأهل مصر والشام أن يعفيه من ذلك ولا يشخصه فانه شيخ ضعيف ولا يؤمن مايحدث عليه، فأعفاه. قال أبوسعيد: ولو أني أحضر الموسم تلك السنة لشاهدته وخبره كان شائعا مستفيضا في الامصار وكتب عنه هذه الاحاديث المصريون والشاميون والبغداديون، ومن سائر الامصار من حضر الموسم وبلغه خبر هذا الشيخ وأحب أن يلقاه ويكتب عنه نفعهم الله وإيانا بها.
2 وأخبرني أبومحمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبدالله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فيما أجازه لي مما صح عندي من حديثه وصح عندي هذا الحديث برواية الشريف أبي عبدالله محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عنه أنه قال: حججت في سنة ثلاث عشر وثلاث مائة وفيها حج نصر القشوري صاحب المقتدر بالله ومعه عبدالرحمن بن عمران المكني بأبي الهيجاء فدخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله في ذي القعدة فأصبت قافلة المصريين وبها أبوبكر محمد بن علي المادرائي ومعه رجل من أهل المغرب وذكر أنه رأى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاجتمع عليه الناس وازدحموا وجعلوا يمسحون به وكادوا يأتون على نفسه فأمر عمي أبوالقاسم طاهر بن يحيى فتيانه وغلمانه فقال: افرجوا عنه الناس ففعلوا وأخذوا وأدخلوه دار أبي سهل الطفي وكان عمي نازلها فادخل وأذن للناس فدخلوا وكان معه خمسة نفر ذكر أنهم أولاده أولاده فيهم شيخ له نيف وثمانون سنة فسألناه عنه فقال: هذا ابن ابني وآخر له سبعون سنة فقال: هذا ابن ابني واثنان لهما ستون سنة أو خمسون أو نحوها وآخر له سبعة عشر سنة فقال:
هذا ابن ابن ابني ولم يكن معه فيهم أصغر منه وكان إذا رأيته قلت: ابن ثلاثين أو أربعين سنة. أسود الرأس واللحية ضعيف الجسم آدم ربع من الرجال خفيف العارضين إلى قصر أقرب.
قال أبومحمد العلوي: فحدثنا هذا الرجل واسمه علي بن عثمان بن الخطاب ابن مرة بن مؤيد بجميع ماكتبناه عنه وسمعناه من لفظه وما رأينا من بياض عنفقته (1)
بعد اسودادها ورجوع سوادها بعد بياضها عند شبعه من الطعام.
قال أبومحمد العلوي: ولولا أنه حدث جماعة من أهل المدينة من الاشراف والحاج من أهل مدينة السلام وغيرهم من جميع الآفاق ماحدثت عنه بما سمعت وسماعي منه بالمدينة ومكة في دار السهميين في الدار المعروفة بالمكتوبة وهي دار علي بن عيسى الجراح وسمعت منه في مضرب القشوري ومضرب المادرائي ومضرب أبي الهيجاء، وسمعت منه بمنى وبعد منصرفه من الحج بمكة في دار المادرائي عند باب الصفا.
..................................
* (هامش) *
(1) العنفقة شعيرات بين الشفة السفلى والذقن، قيل لها ذلك لخفتها وقلتها وربما اطلقت العنفقة على موضع تلك الشعيرات.
[231]
وأراد القشوري حمله وولده إلى بغداد إلى المقتدر فجاءه فقهاء أهل مكة فقالوا: أيد الله الاستاذ، إنا روينا في الاخبار المأثورة عن السلف أن المعمر المغربي إذا دخل مدينة السلام افتتنت وخربت وزال الملك فلا تحمله ورده إلى المغرب فسألنا مشايخ أهل المغرب ومصر فقالوا: لم نزل نسمع من آبائنا ومشايخنا يذكرون اسم هذا الرجل واسم البلد الذي هو مقيم فيه طنجة وذكروا أنه كان يحدثهم بأحاديث قد ذكرنا بعضها في كتابنا هذا.
قال أبومحمد العلوي: فحدثنا هذا الشيخ أعني علي بن عثمان المغربي بدو خروجه من بلده من حضرموت وذكر أن أباه خرج هو وعمه وأخرجا به معهما يريدون الحج وزيارة النبي صلى الله عليه وآله فخرجوا من بلادهم من حضرموت وسارو أياما ثم أخطاؤا الطريق وتاهوا عن المحجة فأقاموا تائهين ثلاثة أيام وثلاثة ليال على غير محجة فبينا هم كذلك إذ وقعوا في جبال رمل يقال له: رمل عالج يتصل برمل إرم ذات العماد فبينا نحن كذلك إذ نظرنا إلى أثر قدم طويل فجعلنا نسير على أثرها فأشرفنا على واد وإذا برجلين قاعدين على بئر أو على عين.
قال: فلما نظر إلينا قام أحدهما فأخذ دلوا فأدلاه فاستقى فيه من تلك العين أو البئر واستقبلنا فجاء إلى أبي فناوله الدلو، فقال أبي: قد أمسينا ننيخ على هذا الماء ونفطر إنشاء الله فصار إلى عمي فقال: اشرب فرد عليه كما رد عليه أبي فناولني فقال لي: اشرب فشربت، فقال لي: هنيئا لك فانك ستلقى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأخبره أيها الغلام بخبرنا وقل له الخضر وإلياس يقرئانك (السلام)
وستعمر حتى تلقى المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام فاذا لقيتهما فأقرئهما السلام ثم قالا: ما يكون هذا منك فقلت: أبي وعمي فقالا: أما عمك فلا يبلغ مكة وأما أنت وأبوك فستبلغان ويموت أبوك فتعمر أنت ولستم تلحقون النبي صلى الله عليه وآله لانه قد قرب أجله ثم مثلا (1).
فوالله ماأدري أين مرا أفي السماء أو في الارض فنظرنا وإذا لا أثر ولا عين
..................................
* (هامش) *
(1) أي قاما وذهبا. وفي نسخة كمال الدين المطبوعة " مرا ". راجع ج 2 ص 229.
[232]
ولا ماء، فسرنا متعجبين من ذلك إلى أن رجعنا إلى نجران فاعتل عمي ومات بها وأتممت أنا وأبي حجنا ووصلنا إلى المدينة فاعتل بها أبي ومات وأوصى إلى علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فأخذني وكنت معه أيام أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته حتى قتله ابن ملجم لعنه الله. وذكر أنه لما حوصر عثمان بن عفان في داره دعاني فدفع إلي كتابا ونجيبا وأمرني بالخروج إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان غائبا بينبع في ماله وضياعه فأخذت الكتاب وصرت إلى موضع يقال له جدار أبي عباية. سمعت قرآنا فاذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) يسير مقبلا من ينبع وهو يقول: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون ".
فلما نظر إلي قال: أبا الدنيا ماوراك؟ قلت: هذا كتاب أمير المؤمنين فأخذه فقرأه فاذا فيه:
فان كنت مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما امزق فلما قرأه قال: سر، فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفان فمال إلى حديقة بني النجار وعلم الناس بمكانه فجاؤا إليه ركضا وقد كانوا عازمين على ان يبايعوا طلحة بن عبيد الله فلما نظروا إليه ارفضوا إليه ارفضاض الغنم شد عليها أالسبع فبايعه طلحة ثم الزبير ثم بايع المهاجرون والانصار.
فأقمت معه أخدمه فحضرت معه الجمل وصفين وكنت بين الصفين واقفا عن يمينه إذ سقط سوطه من يده فأكببت آخذه وأرفعه إليه وكان لجام دابته حديدا مزججا فرفع الفرس رأسه فشجني هذه الشجة التي في صدغي فدعاني أمير المؤمنين فتفل فيها وأخذ حفنة من تراب فتركه عليها فوالله ماوجدت لها ألما ولا وجعا ثم أقمت معه حتى قتل صلوات الله عليه وصحبت الحسن بن علي (عليه السلام) حتى ضرب بساباط المدائن ثم بقيت معه بالمدينة أخدمه وأخدم الحسين (عليه السلام) حتى مات الحسن (عليه السلام) مسموما سمته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي لعنها الله دسا من معاوية ثم خرجت مع الحسين بن علي (عليه السلام) حتى حضر كربلاء وقتل (عليه السلام) وخرجت هاربا من بني امية وأنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام.
قال أبومحمد العلوي رضي الله عنه: ومن عجيب مارأيت من هذا الشيخ علي ابن عثمان وهو في دار عمي طاهر بن يحيى رضي الله عنه وهو يحدث بهذه الاعاجيب وبدو خروجه فنظرت إلى عنفقته وقد احمرت ثم ابيضت فجعلت أنظر إلى ذلك لانه لم يكن في لحيته ولا في رأسه ولا في عنفقته بياض البتة.
قال: فنظر إلى نظري إلى لحيته وعنفقته فقال: ماترون؟ إن هذا يصيبني إذا جعت فإذا شبعت رجعت إلى سوادها فدعا عمي بطعام وأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت واحدة بين يدي الشيخ وكنت أنا أحد من جلس عليها فأكلت معه ووضعت المائدتان في وسط الدار وقال عمي للجماعة: بحقي عليكم إلا أكلتم و تحرمتم بطعامنا فأكل قوم وامتنع قوم وجلس عمي على يمين الشيخ يأكل و يلقي بين يديه فأكل أكل شاب وعمي يخلف عليه وأنا أنظر إلى عنفقته وهي تسود حتى إذا عادت إلى سوادها (حين) شبع.
فحدثنا علي بن عثمان بن خطاب قال: حدثني علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني.
حديث عبيد بن شريد الجرهمى:
3 حدثنا أبوسعيد بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب الشجري قال: وجدت في كتاب لاخي أبي الحسن بخطه يقول: سمعت بعض أهل العلم ممن قرأ الكتب و سمع الاخبار أن عبيد بن شريد الجرهمي وهو معروف عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة فأدرك النبي وحسن إسلامه وعمر بعد ماقبض النبي صلى الله عليه وآله حتى قدم على معاوية في أيام تغلبه وملكه فقال له معاوية: أخبرني ياعبيد عما رأيت وسمعت ومن أدركت وكيف رأيت الدهر؟ قال: أما الدهر فرأيت ليلا يشبه ليلا ونهارا يشبه نهارا ومولودا يولد وميتا يموت ولم أدرك أهل زمان إلا وهم يذمون زمانهم.
وأدركت من قد عاش ألف سنة فحدثني عمن قد كان قبله قد عاش ألفي سنة وأما ما سمعت فانه حدثني ملك من ملوك حمير أن بعض ملوك النابغة ممن دانت له البلاد كان يقال له ذو سرح، كان اعطي الملك في عنفوان شبابه وكان حسن
السيرة في أهل مملكته سخيا فيهم مطاعا فملكهم سبعمائة سنة وكان كثيرا مايخرج في خاصته إلى الصيد والنزهة.
فخرج يوما إلى بعض متنزهه فأتى إلى حيتين أحدهما بيضاء كأنها سبيكة فضة والاخرى سوداء كأنهما حممة وهما يقتتلان وقد غلبت السوداء البيضاء وكادت تأتي على نفسها فأمر الملك بالسوداء فقتلت وأمر بالبيضاء فاحتملت حتى انتهى بها إلى عين من ماء بقي عليها شجرة فأمر فصب عليها من الماء وسقيت حتى رجع إليها نفسها فأفاقت فخلى سبيلها فانسابت الحية ومضبت لسبيلها ومكث الملك يومئذ في متصيده ونزهته.
فلما أمسى ورجع إلى منزله وجلس على سريره في موضع لا يصل إليه حاجب ولا أحد فبينا هو كذلك إذا رأى شابا آخذا بعضادتي الباب، وبه من الثياب و الجمال شئ لا يوصف فسلم على الملك فذعر منه الملك وقال له: من أنت ومن أدخلك وأذن لك في الدخول علي في هذا الموضع الذي لا يصل فيه حاجب ولا غيره؟ فقال له الفتى: لاترع أيها الملك إني لست بإنسي ولكني فتى من الجن أتيتك لاجازيك على بلائك الحسن الجميل عندي قال الملك: وما بلائي عندك؟ قال: أنا الحية التي أحييتني في يومك هذا والاسود الذي قتلته وخلصتني منه كان غلاما لنا (تمرد علينا) وقد قتل من أهل بيتي عدة كان إذا خلا بواحد منا قتله، فقتلت عندوي و أحييتني فجئت لاكافيك ببلائك عندي ونحن أيها الملك الجن لا الجن فقال له:
الملك وما الفرق بين الجن والجن.
ثم انقطع الحديث الذى كتب أخي فلم يكن هناك تمامه.
حديث الربيع بن الضبع الفزارى:
4 حدثنا أحمد بن يحيى المكتب قال: حدثنا أبوالطيب أحمد بن محمد الوراق قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الازدي العماني بجميع أخباره وكتبه التي صنفها ووجدنا في أخباره أنه قال: لما وفد الناس على عبدالملك بن مروان قدم فيمن قدم عليه الربيع بن الضبع الفزاري وكان أحد المعمرين ومعه ابن ابنه
[235]
وهب بن عبدالله بن الربيع شيخا فانيا قد سقط حاجباه على عينيه وقد عصبهما فلما رآه الآذن وكانوا يأذنون للناس على أسنانهم قال له: ادخل أيها الشيخ فدخل يدب على العصاء يقيم بها صلبه ولحيته على ركبتيه.
قال: فلما رآه عبدالملك رق له وقال له: اجلس أيها الشيخ فقال: يا أمير المؤمنين أيجلس الشيخ وجده على الباب فقال: أنت إذا من ولد الربيع بن ضبع قال: نعم، أنا وهب بن عبدالله بن الربيع. قال للآذن: ارجع فأدخل الربيع فخرج الآذن فلم يعرفه حتى نادى أين الربيع قال: ها أنا ذا فقام يهرول في مشيته فلما دخل على عبدالملك سلم فقال عبدالملك: وأبيكم إنه لاشب الرجلين ياربيع أخبرني عما أدركت من العمر والمدى ورأيت من الخطوب الماضية قال أنا الذي أقول:
ها أنا ذا آمل الخلود وقد أدرك عمري ومولدي حجرا أما امرء القيس قد سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا قال عبدالملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي قال وأنا القائل:
إذا عاش الفتى مأتين عاما فقد ذهب اللذاذة والغناء قال عبدالملك: وقد رويت هذا من شعرك أيضا وأنا غلام وأبيك يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر ففصل لي عمرك؟
فقال: عشت مأتي سنة في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعشرين ومأة سنة في الجاهلية وستين سنة في الاسلام.
قال: أخبرني عن الفتية من قريش المتواطئ الاسماء قال: سل عن أيهم شئت قال: أخبرني عن عبدالله بن عباس قال: فهم وعلم وعطاء وحلم ومقرى ضخم قال:
فأخبرني عن عبدالله بن عمر قال: حلم وعلم وطول وكظم وبعد من الظلم.
قال: فأخبرني، عن عبدالله بن جعفر قال: ريحانة طيب ريحها لين مسها قليل على المسلمين ضررها.
قال: فأخبرني عن عبدالله بن الزبير، قال: جبل وعر ينحدر منه الصخر
قال: لله درك ماأخبرك بهم، قال: قرب جواري وكثر استخباري.
حديث شق الكاهن:
5 حدثنا أحمد بن يحيى المكتب قال: حدثنا أبوالطيب أحمد بن محمد الوراق قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الازدي العماني قال: حدثنا أحمد عيسى أبوبشير العقيلي، عن أبي حاتم، عن أبي قبيصة، عن ابن الكلبي، عن أبيه قال:
سمعت: شيوخا من بجيلة مارأيت على سروهم وحسن هيئتهم يخبرون أنه عاش (شق) الكاهن ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه وقالوا له: أوصنا
فقد آن أن يفوتنا بك الدهر. فقال: تواصلوا ولا تقاطعوا، وتقاتلوا ولا تدابروا وأوصلوا الارحام، واحفظوا الذمام، وسودوا الحكيم، وأجلوا الكريم، ووقروا ذا الشيبة، وأذلوا الليئم، وتجنبوا الهزل في مواضع الجد، ولا تكدروا الانعام بالمن، واعفوا إذا قدرتم، وهادنوا إذا هجرتم، وأحسنوا إذا كوبدتم، واسمعوا من مشايخكم، واستبقوا دواعي الصلاح عند أواخر العداوة، فان بلوغ الغاية في الندامة جرح بطئ الاندمال.
وإياكم والطعن في الانساب ولاتفحصوا عن مساويكم، ولا تودعوا عقايلكم غير مساويكم، فانها وصمة قادحة، وقضاءة فاضحة، الرفق الرفق لا الخرق فان الخرق مندمة في العواقب مكسبة للعوايب، الصبر أنفذ عتاب، والقناعة خير مال الناس أتباع الطمع، وقرائن الهلع، ومطايا الجزع، وروح الذل التخاذل تزالون ناظرين بعيون نائمة ما اتصل الرجاء بأموالكم، والخوف بمحالكم.
ثم قال: يالها نصيحة زلت عن عذبة فصيحة، إن كان وعاؤها وكيعا ومعدنها منيعا ثم مات.
قال الصدوق رضي الله عنه: إن مخالفينا يروون مثل هذه الاحاديث و يصدقون بها ويروون حديث شداد بن عاد بن إرم ذات العماد وأنه عمر تسعمائة سنة، ويروون صفة جنته وأنها مغيبة عن الناس فلا ترى وأنها في الارض. ولا يصدقون بقائم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم ويكذبون بالاخبار التي وردت فيه
جحودا للحق وعنادا لاهله.
بيان: قوله مزججا أي مرققا ممددا قوله " لقد طلبك جد غير عاثر " الجد بالفتح الحظ والبخت والغناء أي طلبك بخت عظيم لم يعثر حتى وصل إليك أو لم يعثر بك بل نعشك في كل الاحوال و " السرو " السخاء في مروءة.
و " العقايل " جمع العقيلة وهي كريمة الحي أي لاتزوجوا بناتكم إلا ممن يساويكم في الشرف. و " الوصمة " العيب والعار و " الفادحة " الثقيلة ويقال: فيه " قضاءة " ويضم: عيب وفساد وتقضؤوا منه أن يزوجوه استحسنوا حسبه، ووعاء وكيع شديد متين.
أقول: ثم ذكر الصدوق رحمه الله قصة شداد بن عاد كما نقلنا عنه في كتاب النبوة ثم قال:
وعاش أوس بن ربيعة بن كعب بن امية مأتي وأربع عشرة سنة فقال في ذلك:
لقد عمرت حتى مل أهلي ثواي عندهم وسئمت عمري وحق لمن أتى مأتان عام عليه وأربع من بعد عشر يمل من الثواء وصبح ليل يغاديه وليل بعد يسري فأبلى شلوتي وتركت شلوي وباح بما اجن ضمير صدري وعاش أبوزبيد واسمه المنذر بن حرملة الطائي وكان نصرانيا خمسين و مائة سنة.
وعاش نضر بن دهمان بن سليمان بن أشجع بن زيد بن غطفان مائة وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه وخرف عقله وابيض رأسه فحرب قومه أمر فاحتاجوا فيه إلى رأيه فدعوا الله أن يرد عليه عقل وشبابه فعاد إليه شبابه واسود شعره، فقال فيه سلمة بن الحريش ويقال عباس بن مرداس السلمي:
لنضر بن دهمان الهنيدة عاشها وتسعين حولا ثم قوم فانصاتا وعاد سواد الرأس بعد بياضه وعاوده شرخ الشباب الذي فاتا وراجع عقلا بعد مافات عقله ولكنه من بعد ذا كله ماتا
[238]
وعاش ثوب بن صداق العبدي مأتي سنة.
وعاش خثعم بن عوف بن جذيمة دهرا طويلا فقال:
حتى متى خثعم في الاحياء ليس بذي أيدي ولا غناء هيهات ما للموت من دواء وعاش ثعلبة بن كعب بن عبد الاشهل بن الاشوس مأتي سنة فقال:
لقد صاحبت أقواما فأمسوا خفاتا لا يجاب لهم دعاء مضوا قصد السبيل وخلفوني فطال علي بعدهم الثواء فأصبحت الغداة رهين شئ وأخلفني من الموت الرجاء وعاش رداءة بن كعب بن ذهل بن قيس النخعي ثلاث مائة سنة فقال:
لم يبق يا خذيه من لداتي أبوبنين لا ولا بنات ولا عقيم غير ذي سبات إلا يعد اليوم في الاموات هل مشتر أبيعه حياتي؟
وعاش عدي بن حاتم طيئ عشرين ومائة سنة.
وعاش اما باة بن قيس بن الحرملة بن سنان الكندي ستين ومائة سنة.
وعاش عمير بن هاجر بن عمير بن عبدالعزى بن قيس الخزاعي سبعين و مأة سنة فقال:
بليت وأفناني الزمان وأصبحت هنيدة قد ابقيت من بعدها عشرا وأصبحت مثل الفرخ لا أنا ميت فابكى ولا حي فاصدر لي أمرا وقد عشت دهرا ماتجن عشيرتي لها ميتا حتى تخط له قبرا وعاش العوام بن المنذر بن زيد بن قيس بن حارثة بن لام دهرا طويلا في الجاهلية وأدرك عمر بن عبدالعزيز فادخل عليه وقد اختلف ترقوتاه وسقط حاجباه فقيل له ماأدركت؟ فقال:
فو الله ماأدرئ أدركت امة على عهد ذي القرنين ام كنت أقدما متى يخلعوا عنى القميص تبينوا جناجن لم يكسين لحما ولا دما
[239]
وعاش سيف بن وهب بن جذيمة الطائي مائي سنة فقال:
ألا إنني كاهب ذاهب فلا تحسبوا أنني كاذب لبست شبابي فأفنيته وأدركني القدر الغالب وخصم دفعت ومولى نفعت حتى يثوب له ثائب وعاش أرطاة بن دشهبة المزني عشرين ومائة سنة وكان يكني أبا الوليد فقال له عبدالملك: مابقي من شعرك ياأرطاة؟ فقال: يا أمير المؤمنين (إني) ماأشرب ولا أطرب ولا أغضب، ولا يجيئني الشعر إلا على إحدى هذه الخصال على أني أقول:
رأيت المرء تأكله الليالي كأكل الارض ساقطة الحديد وما تبقي المنية حين تأتي على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكر حتى توفي نذرها بأبي الوليد فارتاع عبدالملك فقال أرطاة: يا أمير المؤمنين إني اكنى أبا الوليد.
وعاش عبيد بن الابرص ثلاثمائة سنة فقال:
فنيت وأفناني الزمان وأصبحت لداتي بنوا نعش وزهر الفراقد ثم أخذه النعمان بن منذر يوم بؤسه فقتله.
وعاش شريح بن هانئ عشرين ومائة سنة حتى قتل في نفرة الحجاج بن يوسف فقال في كبره وضعفه:
أصبحت ذابث اقاصي الكبرا قد عشت بين المشركين أعصرا
ثمت أدركت النبي المنذرا وبعده صديقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا والجمع في صفينهم والنهرا هيهات ماأطول هذا عمرا وعاش رجل من بني ضبة يقال له: المسجاح بن سباع دهرا طويلا فقال:
لقد طوفت في الآفاق حتى بليت وقد (دنا) لي أن أبيد وأفناني ولا يفنى نهار وليل كلما يمضي يعود
[240]
وشهر مستهل بعد شهر وحول بعده حول جديد وعاش لقمان العادي الكبير خمسمائة سنة وستين سنة وعاش عمر سبعة أنسر كل نسر منها ثمانين عاما وكان من بقية عاد الاولى.
وروي أنه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة سنة وكان من ولد عاد الذين بعثهم قومهم إلى الحرم ليستسقوا لهم وكان اعطي عمر سبعة أنسر فكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل الذي هو في أصله فيعيش النسر فيها ما عاش فاذا مات أخذ آخر فرباه حتى كان آخرها لبد، وكان أطولها عمرا فقيل فيه " طال الامد على لبد " وقد قيل فيه أشعار معروفة واعطي من السمع والبصر والقوة على قدر ذلك وله أحاديث كثيرة.
وعاش زهير بن عباب بن هبل بن عبدالله بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد ابن عبدالله بن وهدة بن ثور بن كليب الكلبي ثلاثمائة سنة.
وعاش مزيقيا واسمه عمرو بن عامر وعامر هو ماء السماء وإنما سمي ماء السماء لانه كان حياة أينما نزل كمثل ماء السماء وإنما سمي مزيقيا لانه عاش ثمانمائة سنة أربعمائة سوقة، وأربعمائة ملكا، فكان يلبس في كل يوم حلتين ثم يأمر بهما فيمزقان حتى لايلبسهما أحد غيره.
وعاش ابن هبل بن عبدالله بن كنانة ستمائة سنة.
وعاش أبوالطمحان القيسي مائة وخمسين سنة.
وعاش المستوعر بن ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم ثلاثمائة وثلاثين سنة ثم أدرك الاسلام فلم يسلم وله شعر معروف.
وعاش دريد بن زيد بن نهد أربعمائة سنة وخمسين سنة فقال في ذلك:
ألقى علي الدهر رجلا ويدا والدهر مايصلح يوما أفسدا يصلحه اليوم ويفسده غدا وجمع بنيه حين حضرته الوفاة فقال: يابني اوصيكم بالناس شرا لاتقبلوا لهم معذرة ولا تقبلوا لهم عثرة.
[241]
وعاش تيم الله بن (ثعلبة بن) عكابه مائتي سنة.
وعاش الربيع بن ضبع بن وهب بن بعيض بن مالك بن سعدى بن عدي بن فزارة مائتي وأربعين سنة وأدرك الاسلام فلم يسلم.
وعاش معدي كرب الحميري من آل ذي رعين مائتي وخمسين سنة.
وعاش ثرية بن عبدالله الجعفي ثلاثمائة سنة فقدم على عمر بن الخطاب المدينة فقال: لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم به وما به قطرة ولا هضبة ولا شجرة ولقد أدركت اخريات قوم يشهدون بشهادتكم هذه يعني لا إله إلا الله، ومعه ابن له يتهادى قد خرف فقال: ياثرية هذا ابنك قد خرف وبك بقية فقال: ماتزوجت أمة حتى أتت علي سبعون سنة ولكني تزوجتها عفيفة ستيرة إن رضيت رأيت ما تقر به عيني وإن سخطت أتتني حتى أرضى وإن ابني هذا تزوج امرأة بذية فاحشة إن رأى ماتقر به عينه تعرضت له حتى يسخط وإن سخط تلقته حتى يهلك (1).
وعاش عوف بن كنانة الكلبي ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة جمع بنيه فأوصاهم وهو عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن ثور بن كلب فقال: يابني احفظوا وصيتي فانكم إن حفظتموها سدتم قومكم بعدي، إلهكم فاتقوه ولا تخونوا ولا تحزنوا، ولا تثيروا السباع من مرابضها، وجاوروا الناس بالكف عن مساويهم تسلموا وتصلحوا، وعفوا عن الطلب إليهم لئلا تستثقلوا، والزموا الصمت إلا من حق تحمدوا، وابذلوا لهم المحبة تسلم لكم الصدور، ولا تحرموهم المنافع فيظهروا الشكاة، وكونوا منهم في ستر ينعم بالكم، ولا تكثروا مجالستهم فيستخف بكم، و إذا نزلت بكم معضلة فاصبروا لها، والبسوا للدهر أثوابه، فان لسان الصدق مع النكبة خير من سوء الذكر مع المسرة.
ووطنوا أنفسكم على الذلة لمن ذل لكم فان أقرب المسائل المودة وإن أبعد النسب البغضة وعليكم بالوفاء وتنكبوا الغدر يأمن سربكم وأحيوا الحسب
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع هناك تقديم وتأخير راجع ج 2 ص 255.
[242]
بترك الكذب فان آفة المروءة الكذب والخلف، لاتعلموا الناس إقتاركم فتهونوا وتخملوا، وإياكم والغربة فانها ذلة ولا تضعوا الكرائم إلا عند الاكفاء، وابتعوا بأنفسكم المعالي، ولا يحتلجنكم جمال النساء عن الصحة، فان نكاح الكرائم مدارج الشرف، واخضعوا لقومكم ولا تبغوا عليهم لتنالوا المنافس، ولا تخالفوهم فيما اجتمعوا عليه، فان الخلاف يزري بالرجل المطاع، وليكن معروفكم لغير قومكم بعدهم، ولا توحشوا أفنيتكم من أهلها فإن إيحاشها إخماد النار و دفع الحقوق، وارفضوا النمائم بينكم تكونوا أعوانا عند الملمات تغلبوا، واحذروا النجعة إلا في منفعة لاتصابوا، وأكرموا الجار يخصب جنابكم، وآثروا حق الضيف على أنفسكم، والزموا مع السفهاء الحلم تقل همومكم.
وإياكم والفرقة فانها ذلة ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها إلا المضطر فانكم إن تلاموا عند إيضاح العذر وبكم قوة خير من أن تعانوا في الاضطرار منكم إليهم بالمعذرة، وجدوا ولا تفرطوا فان الجد مانعة الضيم، ولتكن كلمتكم واحدة تعزوا ويرهف حدكم، ولا تبذلوا الوجوه لغير مكرمة فتخلقوها، ولا تجشموا أهل الدناءة فتقصروا بها، ولا تحاسدوا فتبوروا، واجتنبوا البخل فانه داء وابنوا المعالي بالجود والادب، ومصافات أهل الفضل والحياء، وابتاعوا المحبة بالبذل، ووقروا أهل الفضيلة، وخذوا من أهل التجارب، ولايمنعنكم من معروف صغره فان له ثوابا، ولا تحقروا الرجال فتزدروها فانما المرء بأصغريه ذكاء قلبه ولسان يعبر عنه.
فاذا خوفتم داهية فاللبث قبل العجلة، والتمسوا بالتودد المنزلة عند الملوك فانهم من وضعوه اتضع، ومن رفعوه ارتفع، وتبسلوا بالفعال تسم إليكم الابصار وتواضعوا بالوفاء وليحبكم ربكم. ثم قال:
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ولا كل موف نصحه بلبيب ولكن إذا مااستجمعا عند واحد فحق له من طاعة بنصيب وحدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، عن أحمد بن محمد بن عبدالله بن
[243]
يزيد الشعراني من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول: حكى أبوالقاسم محمد بن القاسم البصري أن أبا الحسن (1) حمارويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه من كنوز مصر مالم يرزق أحد قبله فاغري بالهرمين فأشار عليه ثقاته وحاشيته و بطانته أن لايتعرض لهدم الاهرام فانه ما تعرض أحد لها فطال عمره فلج في ذلك وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب وكانوا يعملون سنة حواليه حتى ضجروا وكلوا.
فلما هموا بالانصراف بعد الاياس منه، وترك العمل، وجدوا سربا فقدروا أنه الباب الذي يطلبونه، فلما بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مر مر فقد روا أنها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها، فاذا عليها كتابة يونانية فجمعوا حكماء مصر وعلماءها فلم يهتدوا لها وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبدالله المديني أحد حفاظ الدنيا وعلمائها فقال لابي الحسن حمارويه بن أحمد: أعرف في بلد الحبشة اسقفا قد عمر وأتى عليه ثلاث مائة وستون سنة يعرف هذا الخط وقد كان عزم على أن يعلمنيه فلحرصي على علم العرب لم اقم عليه وهو باق.
فكتب أبوالحسن إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الاسقف إليه فأجابه أن هذا قد طعن في السن وحطمه الزمان وإنما يحفظه هذا الهواء ويخاف عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخر ولحقته حركة وتعب ومشقة السفر أن يتلف وفي بقائه لنا شرف وفرج وسكينة، فان كان لكم شئ يقرأه ويفسره ومسألة تسألونه فاكتب بذلك فحملت البلاطة في قارب إلى بلد اسوان من الصعيد الاعلى وحملت من اسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة وهي قريبة من اسوان فلما وصلت قرأها الاسقف وفسر مافيها بالحبشية ثم نقلت إلى العربية فاذا فيها مكتوب:
أنا الريان بن دومغ فسئل أبوعبدالله عن الريان من كان هو قال: هو والد العزيز ملك يوسف (عليه السلام) واسمه الريان بن دومغ وقد كان عمر العزيز سبعمائة سنة وعمر الريان والده ألفا وسبعمائة وعمر دومغ ثلاثة آلف سنة.
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع: " أبا الجيش حمارويه " راجع ج 2 ص 247 وهكذا في سائر المواضع.
[244]
فاذا فيها أنا الريان بن دومغ خرجت في طلب علم النيل لاعلم فيضه ومنبعه إذا كنت (1) أرى مفيضه فخرجت ومعي ممن صحبت أربعة آلاف ألف رجل فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا، فرأيت النيل يقطع البحر المحيط ويعبر فيه ولم يكن لي منفذ وتماوت أصحابي وبقيت في أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي فرجعت إلى مصر وبنيت الاهرام والبراني وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري وقلت في ذلك شعرا:
وأدرك علمي بعض ماهو كائن ولا علم لي بالغيب والله أعلم وأتقنت ما حاولت إتقان صنعة وأحكمته والله أقوى وأحكم وحاولت علم النيل من بدء فيضه فأعجزني والمرء بالعجز ملجم ثمانين شاهورا قطعت مسايحا وحولي بنو حجر وجيش عرمرم إلى أن قطعت الجن والانس كلهم وعارضني لج من البحر مظلم فأتقنت أن لامنفذا بعد منزلي لذي همة بعدي ولا متقدم فابت إلى ملكي وأرسيت ناديا بمصر وللايام بؤس وأنعم أنا صاحب الاهرام في مصر كلها وباني برانيها بها والمقدم تركت بها آثار كفي وحكمتي على الدهر لاتبلى ولا تتهدم وفيها كنوز جمة وعجائب وللدهر إمر مرة وتهجم سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي ولي لربي آخر الدهر ينجم بأكناف بيت الله تبدو اموره ولابد أن يعلو ويسمو به السم ثمان وتسع واثنتان وأربع وتسعون اخرى من قتيل وملجم ومن بعد هذا كر تسعون تسعة وتلك البراني تستخر وتهدم وتبدى كنوزي كلها غير أنني أرى كل هذا أن يفرقها الدم رمزت مقالي في صخور قطعتها ستبقى وأفنى بعدها ثم اعدم (2)
..................................
* (هامش) *
(1) لست خ ل.
(2) في المصدر المطبوع: " زبرت مقالي " راجع ج 2 ص 250.
[245]
فحينئذ قال أبوالحسن حمارويه بن أحمد: هذا شئ ليس لاحد فيها حيلة إلا للقائم من آل محمد عليهم السلام وردت البلاطة كما كانت مكانها.
ثم إن أبا الحسن بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم (ذبحه) على فراشه وهو سكران ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين ومن بناهما فهذا أصح مايقال في خبر النيل والهرمين.
وعاش صبيرة بن سعد بن سهم القرشي مائة وثمانين سنة وأدرك الاسلام فهلك فجاءة بلا سبب.
وعاش لبيد بن ربيعة الجعفري مائة وأربعين سنة وأدرك الاسلام فأسلم فلما بلغ سبعين من عمره أنشأ يقول:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة خلعت بها عن منكبي ردائيا فلما بلغ سبعا وسبعين سنة أنشأ يقول:
باتت تشكي إلي النفش مجهشة وقد حملتك سبعا بعد سبعين فان تزادي ثلاثا تبلغي أملا وفي الثلاث وفاء للثمانين فلما بلغ تسعين سنة أنشأ يقول:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة خلعت بها عني عذار لثامي رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمي وليس برام فلو أنني ارمي بنبل رأيتها ولكنني ارمى بغير سهام فلما بلغ مائة وعشر سنين أنشأ يقول:
وليس في مائة قد عاشها رجل وفي تكامل عشر بعدها عمر فلما بلغ مائة وعشرين سنة أنشأ يقول:
قد عشت دهرا قبل مجرى داحس لو كان في النفس اللجوج خلود فلما بلغ مائة وأربعين سنة أنشأ يقول:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
[246]
غلب الرجال فكان غير مغلب دهر طويل دائم ممدود يوم إذا يأتي علي وليلة وكلاهما بعد المضي يعود فلما حضرته الوفاة قال لابنه: يابني إن أباك لم يمت ولكنه فني فإذا قبض أبوك فأغمضه وأقبل به إلى القبلة وسجه بثوبه، ولا أعلمن ماصرخت عليه صارخة أو بكت عليه باكية، وانظر جفنتي التي كنت اضيف بها فأجد صنعتها ثم احملها إلى مسجدك ومن كان يغشاني عليها فاذا قال الامام: " سلام عليكم " فقدمها إليهم يأكلون منها فإذا فرغوا فقل: احضروا جنازة أخيكم لبيد بن ربيعة فقد قبضه الله عزوجل ثم أنشأ يقول:
وإذا دفنت أباك فاجعل فوقه خشبا وطينا وصفائحا صما رواسيها تشدد والغصونا ليقين حر الوجه سفساف التراب ولن يقينا وقد روي في حديث لبيد بن ربيعة في أمر الجفنة غير هذا: ذكروا أن لبيد ابن ربيعة جعل على نفسه أن كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فيملا الجفنة التي حكوا عنها في أول حديثه فلما ولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس قد علمتم حال لبيد بن ربيعة الجعفري وشرفه ومروءته وما جعل على نفسه كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فأعينوا أبا عقيل على مروءته ثم نزل وبعث إليه بخمسة من الجزر وأبيات شعر يقول فيها:
أرى الجزار يشحذ شفرتيه إذا هبت رياح أبي عقيل طويل الباع أبلج جعفري كريم الجد كالسيف الصقيل وفى ابن الجعفي بما لديه على العلات والمال القليل وقد ذكر أن الجزر كانت عشرين فلما أتته قال: جزى الله الامير خيرا قد عرفت الامير أني لا أقول الشعر ولكن اخرجي يا بنية فخرجت إليه بنية له خماسية فقال لها: أجيبي الامير فأقبلت وأدبرت ثم قالت: نعم، فأنشأت تقول:
إذا هبت رياح أبي عقيل دعونا عند هبتها الوليدا
[247]
طويل الباع أبلج عبشميا أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب كأن ركبا عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا نحرناها وأطعمنا التريدا فعد إن الكريم له معاد وعهدي بابن أروى أن يعودا فقال لبيد: أحسن يابنية لولا أنك سألت. قالت: إن الملوك لايستحيى من مسئلتهم قال: وأنت في هذا يابنية أشعر.
وعاش ذو الاصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عثمان بن عباد ثلاثمائة سنة.
وعاش جعفر بن قبط ثلاث مائة سنة وأدرك الاسلام.
وعاش عامر بن ظرب العدواني ثلاث مائة سنة.
وعاش محصن بن غسان بن ظالم بن عمرو بن قطيعة بن الحارث بن سلمة بن مازن الزبيدي مأتي وخمسين سنة فقال في ذلك:
ألا يا سلم إني لست منكم ولكني امرء قوتي سغوب دعاني الداعيان فقلت هيا فقالا كل من يدعى يجيب ألا يا سلم أعياني قيامي وأعيتني المكاسب والركوب وصرت رديئة في البيت كلا تأذى بي الاباعد والقريب كذاك الدهر والايام خون لها في كل سائمة نصيب وعاش صيفي بن رباح أبوأكثم أحد بني أسد بن عمرو بن تميم مأتي سنة
وسبعين سنة وكان يقول: لك على أخيك سلطان في كل حال إلا في القتال فاذا أخذ الرجال السلاح فلا سلطان عليه، كفى بالمشرفية واعظا، وترك الفخر أبقى لك، وأسرع الحزم عقوبة البغي، وشر النصرة التعدي، وألام الاخلاق أضيقها ومن الاذى كثرة العتاب، واقرع الارض بالعصا فذهبت مثلا:
لذي الحلم قبل اليوم ماتقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلم
[248]
وعاش عاد بن شداد اليربوعي مائة وخمسين سنة.
وعاش أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم ثلاث مائة سنة وقال بعضهم: مائة وتسعين سنة وأدرك الاسلام واختلف في إسلامه إلا أن أكثرهم لايشك في أنه لم يسلم فقال في ذلك:
وإن امرءا قد عاش تسعين حجة إلى مائة لم يسأم العيش جاهل خلت مائتان غير ست وأربع وذلك من عد الليالي قلائل وقال محمد بن سلمة: أقبل أكثم يريد الاسلام فقتله ابنه عطشا فسمعت أن هذه الآية نزلت فيه " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " (1) ولم تكن العرب تقدم عليه أحدا في الحكمة وأنه لما سمع برسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث إليه ابنه حبيشا فقال: يابني إني أعظك بكلمات فخذهن من حين تخرج من عندي إلى أن ترجع إلي، ائت نصيبك في شهر رجب فلا تستحله فيستحل منك فان الحرام ليس يحرم نفسه وإنما يحرمه أهله ولا تمرن بقوم إلا تنزل عند أعزهم وأحدث عقدا مع شريفهم وإياك والذليل فانه هو أذل نفسه ولو أعزها لاعزه قومه.
فإذا قدمت على هذا الرجل فاني قد عرفته وعرفت نسبه وفي في بيت قريش وهي (أعز) العرب وهو أحد رجلين إما ذو نفس أراد ملكا فخرج للملك بعزه فوقره وشرفه وقم بين يديه ولا تجلس إلا بإذنه حيث يأمرك ويشير إليك فانه إن كان ذلك كان أدفع لشره عنك، وأقرب لخيره منك، وإن كان نبيا فان الله لايحب من يسوؤهم، ولايبطر فيحتشم، وإنما يأخذ الخيرة حيث يعلم لا يخطي فيستعتب إنما أمره على ماتحب وإن كان فستجد أمره كله صالحا، وخبره كله صادقا، وستجده متواضعا في نفسه متذللا لربه، فذل له ولا تحدثن أمرا دوني فان الرسول إذا أحدث الامر من عنده خرج من يدي الذي أرسله، واحفظ ما يقول لك إذا ردك إلي فانك ولو توهمت أو نسيت حتمتني رسولا غيرك.
..................................
* (هامش) *
(1) النساء: 99.
[249]
وكتب معه: باسمك اللهم من العبد إلى العبد أما بعد فانا بلغنا ما بلغك فقد أتانا عنك خبر لاندري ماأصله، فان كنت اريت فأرنا، وإن كنت علمت فعلمنا وأشركنا في كنزك والسلام.
فكتب إليه رسول الله فيما ذكروا: من محمد رسول الله إلى أكثم بن صيفي احمد الله إليك إن الله أمرني أن أقول لا إله إلا الله أقولها وآمر الناس بها والخلق خلق الله والامر كله لله، خلقهم وأماتهم، وهو ينشرهم وإليه المصير، أدبتكم بآداب المرسلين ولتسئلن عن النبأ العظيم، ولتعلمن نبأه بعد حين.
فلما جاء كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لابنه: يابني ماذا رأيت؟ قال: رأيته يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن ملائمها، فجمع أكثم بن صيفي إليه بني تميم ثم قال: يابني تميم لاتحضروني سفيها فان من يسمع يخل ولكل إنسان رأي في نفسه، وإن السفيه واهن الرأي، وإن كان قوي البدن، ولا خير فيمن لا عقل له، يابني تميم كبرت سني ودخلتني ذلة الكبر، فاذا رأيتم مني حسنا فائتوه وإذا أنكرتم شيئا فقولوا لي الحق (1) أستقم إن ابني قد جاءني وقد شافه هذا الرجل فرآه يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن ملائمها، ويدعو إلى أن يعبد الله وحده و تخلع الاوثان، ويترك الحلف بالنيران، ويذكر أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن قبله رسلا لهم كتب، وقد علمت رسولا قبله كان يأمر بعبادة الله وحده، وإن أحق الناس بمعاونة محمد صلى الله عليه وآله ومساعدته على أمره أنتم، فان يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم، وإن يكن باطلا كنتم أحق من كف عنه وستر عليه.
وقد كان اسقف نجران يحدث بصفته ولقد كان سفيان بن مجاشع قبله يحدث به وسمى ابنه محمدا، وقد علم ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه ويأمر به فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا أخيرا، اتبعوه تشرفوا، وتكونوا سنام العرب وائتوه طائعين قبل أن تأتوه كارهين، فاني أرى أمرا ماهو بالهوينا لايترك مصعدا إلا صعده، ولا منصوبا إلا بلغه.
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع ج 2 ص 259: " فقوموني للحق ".
[250]
إن هذا الذي يدعول إليه لو لم يكن دينا لكان في الاخلاق حسنا أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم مالا ينزع منكم أبدا، إنكم أصبحتم أكثر العرب عددا وأوسعهم بلدا وإني أرى أمرا لايتبعه ذليل إلا عز ولا يتركه عزيز إلا ذل اتبعوه مع عزكم تزدادوا عزا، ولا يكن أحد مثلكم.
إن الاول لم يدع للاخير شيئا وإن هذا أمر هو لما بعده، من سبق إليه فهو الباقي، ومن اقتدي به الثاني، فاصرموا أمركم، فان الصريمة قوة والاحتياط عجز.
فقال مالك بن نويرة: خرف شيخكم فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي أراكم سكوتا وآفة الموعطة الاعراض عنها، ويلك يا مالك إنك هالك، إن؟
إذا قام رفع القائم معه، وجعل الصرعى قياما، فاياك أن تكون منهم، أما إذ سبقتموني بأمركم فقربوا بعيري أركبه.
فدعا براحلته فركبها فتبعه بنوه وبنو أخيه فقال: لهفي على أمر إن أدركه ولم يسبقني وكتبت طيئ إلى أكثم وكانوا أخواله، وقال آخرون كتبت بنو مرة وكانوا أخواله أن أحدث إلينا مانعيش به.
فكتب أما بعد فاني موصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم، فانها ثبت أصلها ونبت فرعها، وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فانها لايثبت لها أصل و لاينبت لها فرع وإياكم ونكاح الحمقاء فان مباضعتها قذر، وولدها ضياع.
وعليكم بالابل فأكرموها، فانها حصون العرب، ولاتضعوا رقابها إلا في حقها فان فيها مهر الكريمة ورقوء الدم، وبألبانها يتحف الكبير ويغذى الصغير ولو كلفت الابل الطحن لطحنت، ولن يهلك امرء عرف قدره، والعدم عدم العقل والمرء الصالح لايعدم المال، ورب رجل خير من مائة ورب فئة أحب إلي من فئتين، ومن عتب على الزمان طالت معتبته، ومن رضي بالقسم طابت معيشته، آفة الرأي الهوى، والعادة أملك بالادب، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة والدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وإن قصرت في طلبه، وما كان منها
[251]
عليك لم تدفعه بقوتك، وسوء حمل الريبة تضع الشرف، والحسد داء ليس له دواء، والشماتة تعقب ومن بر قوما بر به والندامة (1) مع السفاهة، ودعامة العقل الحلم، وجماع الامر الصبر، وخير الامور مغبة العفو، وأبقى المودة حسن التعاهد ومن يز رغبا يزدد حبا.
وصية أكثم بن صيفى عند موته:
جمع أكثم بنيه عند موته فقال: يابني! إنه قد أتى علي دهر طويل وأنا مزودكم من نفسي قبل الممات، اوصيكم (الله) بتقوى الله، وصلة الرحم وعليكم بالبر فانه ينمى عليه العدد، ولا يبيد عليه أصل ولا فرع وأنهاكم عن معصية الله، وقطيعة الرحم، فانه لايثبت عليها أصل ولا ينبت عليها فرع كفوا ألسنتكم فان مقتل الرجل بين فكيه، إن قول الحق لم يدع لي صديقا.
انظروا أعناق الابل فلا تضعوها إلا في حقها فان فيها مهر الكريمة، ورقوء الدم، وإياكم ونكاح الحمقاء، فان نكاحها قذر، وولد ضياع، الاقتصاد في السفر أبقى للجمام، من لم يأس على مافاته أودع بدنه، من قنع بما هو فيه قرت عينه، التقدم قبل الندم، أصبح عند رأس الامر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه (2)
لم يهلك من عرف قدره، العجز عند البلاء آفة المتحمل، لن يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمن من جاهل، الوحشة ذهاب الاعلام، يتشابه الامر إذا أقبل فاذا أدبر عرفه الكيس والاحمق، والبطر عند الرخاء حمق، وفي طلب المعالي يكون القرب، لاتغضبوا من اليسير فانه يجتني الكثير، لاتجيبوا عما لاتسألوه ولاتضحكوا مما لايضحك منه.
تباروا في الدنيا ولاتباغضوا، الحسد في القرب فانه من يجتمع يتقعقع عمده لينفرد بعضهم من بعض في المودة، لاتتكلموا على القرابة فتقاطعوا، فان القريب
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر ج 2 ص 262 " واللؤمة ".
(2) في المصدر ج 2 ص 262: " من أصبح عند رأس الامر، أحب إلى ممن أصبح عند ذنبه ".
[252]
من قرب نفسه، وعليكم بالمال فأصلحوه فانه لايصلح الاموال إلا باصلاحكم ولا يتكلن أحدكم على مال أخيه يرى فيه قضاء حاجته، فانه من فعل ذلك كان كالقابض على الماء، ومن استغنى كرم على أهله، وأكرموا الخيل، نعم لهو الحرة المغزل، وحيلة من لاحيلة له، الصبر.
وعاش فروة بن ثعلبة بن نفاية السلولي مائة وثلاثين سنة في الجاهلية ثم أدرك الاسلم فأسلم.
وعاش مضاد بن حبابة بن مرارة من بني عمرو بن يربوع بن حنظلة بن زيد مناة أربعين ومائة سنة.
وعاش قس بن ساعدة ستمائة سنة وهو الذي يقول:
هل الغيث يعطي الامر عند نزوله بحال مسيئ في الامور ومحسن ومن قد تولى وهو قد فات ذاهب فهل ينفعني ليتني ولو أنني وكذلك يقول لبيد:
وأخلف قسا ليتني ولو أنني وأعيا على لقمان حكم التدبر وعاش الحارث بن كعب المذحجي ستين ومائة سنة.
قال الصدوق رحمه الله: هذه الاخبار التي ذكرتها في المعمرين قد رواها مخالفونا أيضا من طريق محمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعوانة ابن الحكم، وعيسى بن يزيد بن رئاب والهيثم بن عدي الطائي، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: كلما كان في الامم السالفة فيكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وقد صح هذا التعمير فيمن تقدم وصحت الغيبات الواقعة بحجج الله عليهم السلام فيما مضى من القرون، فكيف السبيل إلى إنكار القائم (عليه السلام) لغيبته وطول عمره، مع الاخبار الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة عليهم السلام وهي التي قد ذكرناها في هذا الكتاب بأسانيدها.
حدثنا علي بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي، عن
[253]
موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن غياث بن إبراهيم عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
كل ما كان في الامم السالفة فانه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة.
ل: علي بن عبدالله الاسواري، عن مكي بن أحمد قال: سمعت إسحاق ابن إبراهيم الطوسي يقول: وكان قد أتى عليه سبعة وتسعون سنة على باب يحيى بن منصور قال: رأيت سر بايك ملك الهند في بلد تسمى صوح فسألناه كم أتى عليك من السنين قال: تسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة وهو مسلم فزعم أن النبي صلى الله عليه وآله أنفذ إليه عشرة من أصحابه منهم حذيفة بن يمان وعمرو بن العاص واسامة بن زيد وأبو موسى الاشعري وصهيب الرومي وسفينة وغيرهم يدعونه إلى الاسلام فأجاب وأسلم وقبل كتاب النبي صلى الله عليه وآله، فقلت له: كيف تصلي مع هذا الضعف؟ فقال لي: قال الله عزوجل: " والذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " (1) الآية فقلت له: ماطعامك؟ فقال لي: آكل ماء اللحم والكراث وسألت هل يخرج منك شئ؟ فقال: في كل اسبوع مرة شئ يسير وسألته عن أسنانه فقال: أبدلتها عشرين مرة.
ورأيت له في اسطبله شيئا من الدواب أكبر من الفيل يقال له: زند فيل فقلت له: ماتصنع بهذا؟ قال: يحمل ثياب الخدم إلى القصار، ومملكته مسيرة أربع سنين في مثلها، ومدينته طولها خمسون فرسخا في مثلها، وعلى كل باب منها عسكر مائة ألف وعشرين ألفا إذا وقع في أحد الابواب حدث، خرجت تلك الفرقة إلى الحرب لاتستعين بغيرها، وهو في وسط المدينة وسمعته تقول: دخلت المغرب فبلغت إلى الرمل: رمل عالج، وصرت إلى قوم موسى (عليه السلام) فرأيت سطوح بيوتهم مستوية، وبيدر الطعام خارج القرية يأخذون منه القوت والباقي يتركونه هناك وقبورهم في دورهم، وبساتينهم من المدينة على فرسخين، ليس فيهم شيخ ولا شيخة
..................................
* (هامش) *
(1) آل عمران: 191.
[254]
ولم أر فيهم علة ولايعتلون إلى أن يموتوا، ولهم أسواق إذا أراد الانسان منهم شراء شئ صار إلى السوق فوزن لنفسه وأخذ مايصيبه وصاحبه غير حاضر وإذا أرادوا الصلاة حضروا فصلوا وانصرفوا لايكون بينهم خصومة ولا كلام يكره إلا ذكر الله عزوجل، والصلاة وذكر الموت.
قال الصدوق رحمه الله: إذا كان عند مخالفينا مثل هذه الحال لسربايك ملك الهند فينبغي أن لايحيلوا مثل ذلك في حجة الله من التعمير ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بيان: (1) " وصبح ليل " عطف على الثواء قوله: " يغاديه " أي يأتيه غدوة قوله:
" وليل بعد يسري " أي بعد ذلك الصبح يسير ليلا " والشلو " بالكسر العضو و " السلو " الصبر وقال الجوهري: الهنيدة المائة من الابل وغيرها وقال أبوعبيدة: هي اسم لكل مائة وأنشد:
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها وتسعين عاما ثم قوم فانصاتا وقال في الصاد والتاء: وقد انصات الرجل إذا استوت قامته بعد الانحناء ثم ذكر هذا البيت والذي بعده وقال: شرخ الشباب أوله.
قوله: " رهين شئ " أي كل شئ احتاج إليه وفي بعض النسخ بالسين المهملة وهو اللبن يكون في أطراف الاخلاف قبل نزول الدرة.
و " لدة الرجل " تربه والجمع لدات " والسبات بالضم " النوم والراحة قوله:
" حتى تخط له قبرا " لعله إشارة إلى إدراك ماقبل الجاهلية " والكهب " الجاموس المسن و " الكهبة " بالضم بياض علته كدورة أو الدهمة أو غبرة مشربة سوادا.
وثاب الرجل يثوب ثوبا رجع بعد ذهابه أي نفعت مولى حتى يعود إلي نفعه وجزاؤه و " البث " الحزن " والكبر " كعنب الشيخوخة أو هو كصرد جمع الكبرى أي المصائب الكبر " ويوم مهران ويوم تستر " إشارتان إلى غزوتان مشهورتان في الاسلام كانتا في زمن عمر " وقدني " أي حسبي " أن أبيد " أي أهلك وفي بعض النسخ
..................................
* (هامش) *
(1) ابتدأ رحمه الله بشرح الاشعار مما يتعلق بالصفحة 237.
[255]
" وقد لي " أي وقد حان لي (1).
وقال الجوهري: و " لبد " آخر نسور لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها فلما اهلكوا خير لقمان بين بقاء سبع بقرات (2) سمر من أظب عفر، في جبل وعر، لايمسها القطر، وبين بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر، فاختار النسور فكان آخر نسوره يسمى لبدا.
وقال: " مزيقياء " لقب عمرو بن عامر ملك من ملوك اليمن زعموا أنه كان يلبس كل يوم حلتين فيمزقهما بالعشي ويكره أن يعود فيهما ويأنف أن يلبسهما أحد غيره.
وقال: جاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله.
و " إخماد النار " كناية عن خمول الذكر أو ذهاب البركة قوله: " فانكم لاتلاموا " الحاصل أنكم إن بذلتم على قدر وسعكم فسيعذركم الناس ولا يلومونكم ويبقى لكم قوة على البذل بعد ذلك، وذلك خير من أن تسرفوا وتبذلوا جميع ما في أيديكم وتحتاجوا إليه ويعانوكم " بالمعذرة " أي بقليل يعتذرون إليكم في ذلك، أو مع كونكم معذورين في السؤال لاضطراركم، وفي بعض النسخ " من أن تضاموا " أي من أن يظلموكم بأن يعتذروا إليكم مع قدرتهم على البذل وعلى التقادير الاظهر " فانكم إن تلاموا ".
" ولاتجشموا " أي لاتكلفوا " أهل الدناءة " أي البخلاء والذين لم ينشأوا في
الخير " فتقصروا بها " أي تجعلوهم مقصرين عاجزين عما طلبتم منهم والضمير راجع إلى أهل الدناءة بتأويل الجماعة قوله: " فتبوروا " أي فتهلكوا " والازدراء " التحقير وقوله: " ذكاء قلبه " تفسير للاصغرين " والتبسل " إظهار البسالة وهي الشجاعة وفي بعض النسخ " وتبتلوا " والتبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله وقوله: " تسم إليكم
..................................
* (هامش) *
(1) لكن على هذه النسخة لايستقيم وزن الشعر وقد أضفنا اليه ما كان يحتمل نقصانه راجع ص 239.
(2) في القاموس: " بعرات " قيل وهو الصحيح.
[256]
الابصار " من قولهم سما بصره أي علا و " القارب " السفينة الصغيرة " والشاهور " لعله لغة في الشهر " والعرمرم " الجيش الكثير.
قوله: " وللدهر أمر مرة " أي قد يجعل الرجل أميرا وقد يجعله متهجما عليه أو للدهر امور غريبة وتهجمات والاظهر أنه بالكسر بمعنى الشدة والامر العجيب قوله: " ينجم " بضم الجيم أي يطلع ويظهر قوله " ويسمو به السم " السم بالضم والكسر الاسم أي يعلو به اسم الله وكلمة التوحيد.
وقوله: " ثمان " إلى آخر البيت لعله إشارة إلى الطوائف التي يقتلهم القائم (عليه السلام) أو يطيعونه وقوله: " ومن بعد هذا كر تسعون " إشارة إلى من يعود في الرجعة قوله: " أن يفرقها الدم " لعل المعنى أن كلها يصرف في الجهاد أو أن دم القتلى حولها يهدمها إما حقيقة أو مجازا.
وقال الجوهري: الداحس اسم فرس مشهور لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي ومنه حرب داحس، وذلك أن قيسا وحذيفة بن بدر تراهنا على خطر عشرين بعيرا وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الآصاد فأجرى قيس داحسا والغبراء، وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء، فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا على الطريق فردوا الغبراء ولطموها، وكانت سابقة، فهاجت الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة.
قوله: " على العلات " أي على كل حال و " الردء " الفاسد وبنو حام: السودان شبهت الجزر في عظمها وعظم سنامها بجبال صغار عليها بنو حام قعودا، وأروى ام عثمان وكان الوليد أخاه لامه.
قوله: " واقرع الارض بالعصا " أي نبه الغافل بأدنى تنبيه ليعقل، ولا تؤذه ولاتفضحه، قال الجوهري قال الشاعر:
وزعمت أنا لا حلوم لنا إن العصا قرعت لذي الحلم أي إن الحليم إذا نبه انتبه وأصله أن حكما من حكام العرب، عاش حتى اهتر فقال لابنته: إذا أنكرت شيئا من فهمي عند الحكم فاقرعي لي المجن بالعصا
[257]
لارتدع قال المتلمس: لذي الحلم البيت انتهى وعلى ماذكره يحتمل المراد تنبيهه عند الغفلة.
قوله: " فان من يسمع يخل " هو من الخيال أي إذا أحضرتم سفيها فهو يتكلم على سفاهته، وكل من يسمع منه، يقع في خياله شئ ويؤثر فيه.
وقال الزمخشري في مستقصى الامثال: " من يسمع يخل " أي يظن ويتهم بقوله إذا بلغ شيئا عن رجل فاتهمه وقيل: إن من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه المكروه عليهم أي إن المجانبة للناس أسلم ومفعولا " يخل " محذوفان انتهى.
" والصريمة " العزيمة في الشئ " والصرم " القطع " والخلي " الخالي من الهم والحزن خلاف الشجي والمثل معروف والمعنى أني في هم عظيم لهذا الامر الذي أدعوكم إليه وأنتم فارغون غافلون فويل لي منكم.
قوله: " وقع القائم معه " (1) أي يصير العزيز بعد ظهور الحق ذليلا والذليل عزيزا لان الحق يظهر عند غلبة الباطل وأهله قوله: " أن أدركه " بالفتح أي أن أتلهف على إدراك هذا الامر فاني آئس منه أو بالكسر فيكون الجزاء محذوفا أي على أمر إن أدركته فزت أو لهفي عليكم إن أدركته وفات عنكم.
قوله: " والعادة أملك بالادب " أي الآداب الحسنة إنما تملك باعتيادها لتصير ملكة، أو متابعة عادات القوم وما هو معروف بينهم أملك بالآداب والاول أظهر. قوله: " ورقوء الدم " قال الجزري: فيه " لاتسبوا الابل فان فيها رقوء الدم " يقال: رقا الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءا بالضم إذا سكن وانقطع، والاسم الرفوء بالفتح أي إنها تعطى في الديات بدلا من القود ويسكن بها الدم.
..................................
* (هامش) *
(1) هذا على نسخة المصنف رحمه الله، ولايخفى عدم المناسبة بين اللفط والمعنى والصحيح ماأثبتناه (ص 250) طبقا للمصدر المطبوع والمعنى أن الحق اذا قام رفع من قام معه وأعلاه واستنهض الصرعى حتى يجعلهم قياما والمحصل أنه اذا قام الحق صير القاعد قائما والقائم مترفعا.
[258]
قوله: " التقدم قبل الندم " أي ينبغي أن يتقدم في الامور قبل أن يفوت ولا يبقى إلا الندم، قوله: " الوحشة ذهاب الاعلام " أي إنما يكون الوحشة في الطرق عند ذهاب الاعلام المنصوبة فيها، فكذا الوحشة بين الناس إنما يكون بذهاب العلماء والهداة الذين هم أعلام طرق الحق.
قوله: " يكون القرب " أي من الناس أو من الله وقال الجوهري: " تقعقعت عمدهم " أي ارتحلوا وفي المثل " من يجتمع يتقعقع عمده " كما يقال: إذا تم أمردنا نقصه.
غو: بالاسناد إلى أحمد بن فهد عن بهاء الدين علي بن عبدالحميد، عن يحيى ابن النجل الكوفي، عن صالح بن عبدالله اليمني كان قدم الكوفة، قال يحيى:
ورأيته بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، عن أبيه عبدالله اليمني وأنه كان من المعمرين وأدرك سلمان الفارسي وأنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة ورأس العبادة حسن الظن بالله.
غو: حدثني المولى العالم الواعظ عبدالله بن فتح الله بن عبدالملك، عن تاج الدين حسن السرايشنوي، عن الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر قال: رويت عن مولانا شرف الدين إسحاق بن محمود اليماني القاضي بقم، عن خاله مولانا عماد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي، عن الشيخ صدر الدين الساوي قال: دخلت على الشيخ بابارتن وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فرفعهما عن عينيه، فنظر إلي وقال: ترى عيني هاتين طالما نظرتا إلى وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد رأيته يوم حفر الخندق، وكان يحمل على ظهره التراب مع الناس، وسمعته صلى الله عليه وآله يقول في ذلك اليوم: أللهم إني أسألك عيشة هنيئة، وميتة سوية، ومردا غير مخزو لافاضح.
أقول: وروى السيد علي بن عبدالحميد في كتاب الانوار المطيئة قال: روى الجد السعيد عبدالحميد يرفعه إلى الرئيس أبي الحسن الكاتب البصري وكان من الادباء قال: في سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة أسنت البر سنين عدة وبعثت السماء درها في أكناف البصرة، فتسامع العرب بذلك فوردوها من الاقطار البعيدة على
[259]
اختلاف لغاتهم، فخرجت مع جماعة نتصفح أحوالهم ونلتمسن فائدة ربما وجدناها عند أحدهم، فارتفع لنا بيت عال فقصدناه فوجدنا في كسره شيخا جالسا قد سقط حاجباه على عينيه كبرا وحوله جماعة من عبيده وأصحابه فسلمنا عليه فرد التحية وأحسن التلقية، فقال له رجل منا: هذا السيد وأشار إلي هو الناظر في معاملة الدرب وهو من الفصحاء وأولاد العرب وكذلك الجماعة ما منهم إلا من ينسب إلى قبيلة ويختص بسداد وفصاحة، وقد خرج وخرجنا معه حين وردتم نلتمس الفائدة المستطرفة من أحدكم وحين شاهدناك رجونا مانبغيه عندك لعلو سنك.
فقال الشيخ: والله يا بني أخي حياكم الله إن الدنيا شغلتنا عما تبغونه مني، فان أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي، وهابيته، وأشار إلى خباء كبير بازائه فقصدنا البيت فوجدنا فيه شيخا متضجعا وحوله من الخدم والامر أو في مما شاهدناه أولا فسلمنا عليه وأخبرناه بخبر ابنه فقال: يابني أخي حياكم الله إن الذي شغل ابني عما التمستموه منه هو الذي شغلني عما هذه سبيله ولكن الفائدة تجدونها عند والدي وها هو بيته، وأشار إلى بيت منيف، فقلنا فيما بيننا حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفاني فان كانت منه فائدة فهي ربح لم نحتسب.
فقصدنا ذلك الخباء فوجدنا حوله عددا كثيرا من الاماء والعبيد فحين رأونا تسرعوا إلينا وبدؤا بالسلام علينا وقالوا: ماتبغون حياكم الله؟ فقلنا نبغي السلام على سيدكم وطلب الفائدة من عنده، فقالوا: الفوائد كلها عند سيدنا ودخل منهم من يستأذن ثم خرج بالاذن لنا، فدخلنا فاذا سرير في صدر البيت وعليه مخاد من جانبيه، ووسادة في أوله، وعلى الوسادة رأس شيخ قد بلي وطار شعره، فجهرنا بالسلام فأحسن الرد وقال قائلنا مثل ما قال لولده، وأعلمناه أنه أرشدنا إليك و بشرنا بالفائدة منك.
ففتح الشيخ عينين قد غارتا في ام رأسه وقال للخدم: أجلسوني ثم قال لنا:
يابني أخي لاحدثنكم بخبر تحفظونه عني كان والدي لايعيش له ولد ويحب أن تكون له عاقبة، فولدت له على كبر، ففرح بي وابتهج بموردي ثم قضى ولي
[260]
سبع سنين فكفلني عمي بعده وكان مثله في الحذر علي فدخل بي يوما على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) إن هذا ابن أخي وقد مضى أبوه لسبيله و أنا كفيل بتربيته وإنني أنفس به على الموت، فعلمني عوذة أعوذه بها ليسلم ببركتها.
فقال صلى الله عليه وآله: أين أنت عن ذات القلاقل؟ فقال: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) وما ذات القلاقل قال: أن تعوذه فتقرأ عليه سورة الجحد، وسورة الاخلاص، وسورة الفلق وسورة الناس، وأنا إلى اليوم أتعوذ بها كل غداة فما اصبت، ولا اصيب لي مال ولا مرضت، ولا افتقرت، وقد انتهى بي السن إلى ماترون، فحافظوا عليها واستكثروا من التعوذ بها ثم انصرفنا من عنده انتهى.
مجالس الشيخ: عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور قال: حدثني أبوبكر المفيد الجرجرائي في شهر رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة قال: اجتمعت مع أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبدالله بن العوام بمصر في سنة ست عشر و ثلاث مائة وقد ازدحم الناس عليه حتى رقي به إلى سطح دار كبيرة كان فيها ومضيت إلى مكة ولم أزل أتبعه إلى مكة إلى أن كتبت عنه خمسة عشر حديثا و ذكر أنه ولد في خلافة أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وأنه لما كان في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) خرجت ووالدي معي اريد لقاءه فلما صرنا قريبا من الكوفة أو الارض التي كان بها عطشنا عطشا شديدا في طريقنا وأشرفنا على التلف وكان والدي شيخا كبيرا فقلت له: اجلس حتى أدور الصحراء أو البرية فلعلي أقدر على ماء أو من يدلني عليه أو ماء مطر.
فقصدت أطلب ذلك فلم ألبث عنه غير بعيد إذ لاح لي ماء فصرت إليه فإذا أنا ببئر شبه الركية أو الوادي فنزعت ثيباي واغتسلت من ذلك الماء وشربت حتى رويت وقلت: أمضي وأجئ بأبي فانه قريب مني فجئت إليه فقلت: قم فقد فرج الله عزوجل عنا وهذه عين ماء قريب منا فقام فلم نر شيئا ولم نقف على الماء و جلس وجلست معه ولم يضطرب إلى أن مات واجتهدت إلى أن واريته وجئت إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولقيته وهو خارج إلى صفين وقد اخرجت له
[261]
البغلة فجئت وأمسكت له الركاب فالتفت إلي فانكببت اقبل الركاب فشجني في وجهي شجة.
قال أبوبكر المفيد: ورأيت الشجة في وجهه واضحة. ثم سألني عن خبري فأخبرته بقصتي وقصة والدي وقصة العين فقال: عين لم يشرب منها أحد إلا وعمر عمرا طويلا فابشر فانك تعمر وما كنت لتجدها بعد شربك منها وسماني بالمعتمر.
قال أبوبكر المفيد: فحدثنا عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالاحاديث وجمعتها ولم تجتمع لغيري منه وكان معه جماعة مشايخ من بلده وهي طنجة.
فسألتهم عنه فذكروا أنهم من بلده وأنهم يعرفونه بطول العمر وآباؤهم وأجدادهم بمثل ذلك واجتماعه مع مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنه توفي في سنة سبع عشر وثلاث مائة.
أقول: روى الكراجكي ره في كنز الفوائد هذا الخبر بطوله مع الاخبار التي رواها أبوالدنيا عن الشريف طاهر بن موسى الحسيني، عن ميمون بن حمزة الحسيني، عن المعمر المغربي، وعن أسد بن إبراهيم السلمي والحسين بن محمد الصيرفي البغدادي معا عن أبي بكر محمد بن محمد المعروف بالمفيد الجرجرائي، عن علي بن عثمان بن الخطاب بن عبدالله بن عوام البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها: مزيده. يعرف بأبي الدنيا الاشج المعتمر إلى آخر مامر من قصصه وما أوردناه من رواياته في كتاب الفتن وغيره.
ثم ذكر رحمه الله قصة رجل آخر يعرف بالمعمر المشرقي وقال: هو رجل مقيم ببلاد العجم من أرض الجبل يذكر أنه رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) ويعرفه الناس بذلك على مر السنين والاعوام ويقول: إنه لحقه مثل ما لحق المغربي من الشجة في وجهه وأنه صحب أمير المؤمنين (عليه السلام) وخدمه.
وحدثني جماعة مختلفو المذاهب بحديثه وأنهم رأوه وسمعوا كلامه منهم أبوالعباس أحمد بن نوح بن محمد الحنبلي الشافعي حدثني بمدينة الرملة في سنة إحدى عشرة وأربعمائة قال: كنت متوجها إلى العراق للتفقه فعبرت بمدينة يقال
[262]
لها سهرورد من أعمال الجبل قريبة من زنجان وذلك في سنة خمسين وأربعمائة فقيل لي إن هنا شيخا يزعم أنه لقي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلو صرت إليه لكان ذلك فائدة عظيمة قال: فدخلنا عليه فإذا هو في بيته لعمل النوار وإذا هو شيخ نحيف الجسم مدور اللحية كبيرها وله ولد صغير ولد له منذ سنة.
فقيل له: إن هؤلاء قوم من أهل العلم متوجهون إلى العراق يحبون أن يسمعوا من الشيخ ماقد لقي من أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: نعم، كان السبب في لقائي له أني كنت قائما في موضع من المواضع فإذا بفارس مجتاز فرفعت رأسي فجعل الفارس يمر يده على رأسي ويدعو لي فلما أن عبر اخبرت بأنه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فهرولت حتى لحقته وصاحبته.
وذكر أنه كان معه في تكريت وموضع من العراق يقال له تل فلان بعد ذلك وكان بين يديه يخدمه إلى أن قبض (عليه السلام) فخدم أولاده.
قال لي أحمد بن نوح: رأيت جماعة من أهل البلد ذكروا ذلك عنه وقالوا:
إنا سمعنا آباءنا يخبرون عن أجدادنا بحال هذا الرجل وأنه على هذه الصفة وكان
قد مضى فأقام بالاهواز ثم انتقل عنها لاذية الديلم له وهو مقيم بسهرورد.
وحدثني أبوعبدالله الحسين بن محمد بن القمي رحمه الله أن جماعة كانوا حدثوه بأنهم رأوا هذا المعمر وشاهدوه وسمعوا ذلك عنه وحدثني بحديثه أيضا قوم من أهل سهرورد ووصفوا لي صفته وقالوا هو يعمل الزنانير.
قال السيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب الغرر والدرر: أحد المعمرين الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد المذحجي ومذحج هي ام مالك بن أدر نسب ولده مالك إليها وإنما سميت مذحج لانها ولدت على أكمة تسمى مذحجا وهي مدلة بنت ذي مهجشان قال أبوحاتم السجستاني: جمع الحارث ابن كعب بنيه لما حضرته الوفاة، فقال: يابني قد أتت علي ستون ومائة سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلة فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحت لصديق بسر، وإني لعلى دين شعيب
[263]
النبي (عليه السلام) وما عليه أحد من العرب غيري وغير أسد بن خزيمة وتميم بن مر فاحفظوا وصيتي وموتوا على شريعتي إلهكم فاتقوه يكفكم المهم من اموركم و يصلح لكم أعمالكم وإياكم ومعصيته لايحل بكم الدمار وبوحش منكم الديار.
يابني كونوا جميعا ولا تتفرقوا فتكونوا شيعا، وإن موتا في عز خير من حياة في ذل وعجز، وكل ماهو كائن كائن وكل جميع إلى تباين، الدهر ضربان فضرب رخاء وضرب بلاء، واليوم يومان فيوم حبرة، ويوم عبرة، والناس رجلان فرجل لك ورجل عليك. تزوجوا الاكفاء وليستعملن في طيبهن الماء و تجنبوا الحمقاء فان ولدها إلى أفن مايكون ألا إنه لا راحة لقاطع القرابة وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوهم منهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة، والتفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافا بالسيئة الدخول فيها والعمل السوء يزيلل النعماء، وقطيعة الرحم تورث الهم وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، و يمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجر الفضيحة، والحقد يمنع الوفد، و لزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة والضغائن تدعو إلى التباين. ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابي فأفنيته وأنضيت بعد دهور دهورا ثلاثة أهلين صاحبتهم فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا قليل الطعام عسير القيام قد ترك الدهر خطوي قصيرا أبيت اراعي نجوم السماء اقلب أمري بطونا ظهورا
قوله: " ولا صبوت بابنة عم ولا كنة " الصبوة رقة الحب والكنة امرأة ابن الرجل وامرأة أخيه فأما المومسة فهي الفاجرة البغي أراد بقوله: إنها لم تطرح عنده قناعها أي لم تبتذل عندي وتنبسط، كما تفعل مع من يريد الفجور بها وقوله: " فيوم حبرة ويوم عبرة " فالحبرة الفرح والسرور والعبرة تكون من ضد ذلك لان العبرة لاتكون إلا من أمر محزن مولم فأما " الافن " فهو الحمق يقال: رجل أفين إذا كان أحمق، ومن أمثالهم وجدان الرقين يغطي على أفن الافين أي وجدان الماء يغطي
[264]
على حمق الاحمق وواحد الرقين رقة وهي الفضة.
فأما قوله: النصيحة تجر الفضيحة، فيشبه أن يكون معناه أن النصيح إذا نصح من لا يقبل النصيحة، ولا يصغي إلى موعظته فقد افتضح عنده لانه أفضى إليه بسره، وباح بمكنون صدره.
فأما سوء الرعة فانه يقال: فلان حسن الرعة والتورع أي حسن الطريقة.
ومن المعمرين المستوغر وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وإنما سمي المستوغر لبيت قاله وهو:
ينش الماء في الربلات منها نشيش الرضف في اللبن الوغير " الربلات " واحدتها ربلة، وربلة بفتح الباء وإسكانها هي (كل) لحمة غليظة، هكذا ذكر ابن دريد و " الرضف " الحجارة المحماة وفي الحديث كأنه على الرضف و " اللبن الوغير " لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب اخذ من وغرة الظهيرة وهي أشد ما يكون من الحر ومنه وغر صدر فلان يوغر وغرا إذا التهب من غضب أو حقد.
وقال أصحاب الانساب: عاش المستوغر ثلاث مائة سنة وعشرين سنة وأدرك الاسلام أو كاد يدرك أوله وقال ابن سلام: كان المستوغر قديما وبقي بقاء طويلا حتى قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وعمرت من عدد السنين مئينا مائة أتت من بعدها مائتان لي وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يوم يكر وليلة تحدونا وهو القائل:
إذا ما المرء صم فلم يكلم وأودى سمعه إلا ندايا ولاعب بالعشي بني بنيه كفعل الهر يحترش العظايا يلاعبهم وودوا لو سقوه من الذيفان مترعة ملايا
[265]
فلا ذاق النعيم ولا شرابا ولا يشفى من المرض الشفايا أراد بقوله صم فلم يكلم أي لم يسمع مايكلم به، فاحتصر ويجوز أن يريد أنه لم يكلم لليأس من استماعه فاعرض عن خطابه لذلك، وقوله " وأودى سمعه إلا ندايا " إنما أراد أن سمعه هلك إلا أنه يسمع الصوت العالي الذي ينادى به وقوله: " ولاعب بالعشي بني بنيه " فانه مبالغة في وصفه بالهرم والخرف، وأنه قد انتهى إلى ملاعبة الصبيان وانسهم به ويشبه أن يكون خص العشي بذلك لانه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها.
وقوله: " يحترش العظايا " أي يصيدها والاحتراض أن يقصد الرجل إلى جحر الضب فيضربه بكفه ليحسبه الضب أفعى فيخرج إليه فيأخذه يقال: حرشت الضب واحترشته ومن أمثالهم هذا أجل من الحرش يضرب هذا لامر يستعظم ويتكلم بذلك على لسان الضب.
قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اتق الحرش قال: وما الحرض؟ قال: إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج فسمع يوما وقع المحفار فقال: ياأبه أهذا الحرش؟ فقال هذا أجل من الحرش فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشئ الذي هو أشد مما كان يتوقعه.
والذيفان السم والعظايا جمع عظاية وهي دويبة معروفة (1).
وأحد المعمرين دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بضم اللام بن ألحاق بن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير.
قال أبوحاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، وقال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة وكان من المعمرين قال: ولا تعد العرب معمرا إلا من عاش مائة وعشرين سنة فصاعدا قال لبنيه: اوصيكم بالناس شرا، لاترحموا لهم عبرة، ولاتقبلوا لهم عثرة، قصروا الاعنة، وطولوا الاسنة واطعنوا شزرا
..................................
* (هامش) *
(1) دويبة ملسلاء تعدو وتردد كثيرا تشبه سام أبرص وتسمى شحمة الارض وشحمة الرمل، وهى أنواع كثيرة وكلها منقطة بالسواد ومن طبعها أنها تمشى مشيا سريعا ثم تقف.
[266]
واضربوا هبرا، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، والمرء يعجز لاالمحالة، بالجد لا بالكد، التجلد ولا التبلد، المنية ولا الدنية، ولاتأسوا على فائت وإن عز فقده ولاتحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه ولاتطعموا فتطبعوا ولاتهنوا فتخرعوا ولا يكن لكم المثل السوء إن الموصين بنو سهوات إذا مت فارحبوا خط مضجعز ولا تضنوا علي برحب الارض وماذاك بمؤد إلي روحا ولكن راحة نفس خامرها الاشفاق ثم مات.
قال أبوبكر بن دريد: ومن حديث آخر أنه قال:
اليوم يدنى لدويد بيته يارب نهب صالح حويته ورب قرن بطل أرديته ورب غيل حسن لويته ومعصم مخضب ثنيته لو كان للدهر بلى أبليته أو كان قرني واحدا كفيته ومن قوله أيضا:
ألقى علي الدهر رجلا ويدا والدهر ما أصلح يوما أفسدا يفسد ماأصلحه اليوم غدا قوله: " اطعنوا شزرا واضربوا هبرا " معنى الشزر أن يطعنه في إحدى ناحيتيه يقال قتل الحبل شزرا إذا قتله على الشمال، والنظر الشزر نظر بمؤخر محجر العين وقال الاصمعي نظر إلي شزرا إذا نظر إليه من عن يمينه وشماله، وطعنه طعنا شزرا كذلك وقوله: " هبرا " قال ابن دريد يقال هبرت اللحم أهبره هبرا إذا قطعته قطعا (كبارا) والاسم الهبرة والهبرة وسيف هبار وهابر واللحم هبير ومهبور " والمحالة " الحيلة وقوله " بالجد لا بالكد " أي يدرك الرجل حاجته وطلبته بالجد وهو الحظ والبخت، ومنه رجل مجدود فإذا كسرت الجيم فهو الانكماش في الامر والمبالغة فيه وقوله: " التجلد ولا التبلد " أي تجلدوا ولاتتبلدوا وقوله: " فتطيعوا " أي تدنسوا والطبع الدنس، يقال: طبع السيف يطبع طبعا إذا ركبه الصداء قال ثابث قطنة العتكي:
[267]
لاخير في طمع يدني إلى طبع وغفة من قوام العيش تكفيني قوله: " ولاتهنوا فتخرعوا " فالوهن الضعف " والخرع " والخراعة اللين، ومنه سميت الشجرة الخروع للينها وقوله: " إن الموصين بنو سهوان " فالموصين جمع موسى وبنو سهوان ضربه مثلا أي لاتكوا ممن تقدم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية قال: إنه يضرب هذا المثل للرجل الموثوق به ومعناه إن الذين يحتاجون أن يوصفوا بحوائج إخوانهم هم الذين يسهون عنها لقلة عنايتهم، وأنت غير غافل ولاساه عن حاجتي.
وقوله: " فارحبوا " أي وسعوا والرحب السعة والروح الراحة وقوله في الشعر " ورب غيل " فالغيل الساعد الممتلئ والمعصم موضع السوار من اليد.
ومن المعمرين زهير بن جناب بن عبدالله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة ابن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن (عمران ابن) ألحاف بن قضاعة بن ملك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير.
قال أبوحاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة وواقع مائتي وقعة وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك وطبيبهم والطب في ذلك الزمان شرف وحازي قومه والحزاة الكهان وكان فارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم فأوصى بنيه فقال:
يابني إني قد كبرت سني وبلغت حرسا من دهري فأحكمتني التجارب والامور تجربة واختبار، فاحفظوا عني ما أقول وعوا إياكم والخور عند المصائب و التواكل عند النوائب، فان ذلك داعية للغم وشماتة للعدو وسوء ظن بالرب و إياكم أن تكونوا بالاحداث مغترين ولها آمنين ومنها ساخرين فانه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا، ولكن توقعواها فانما الانسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله ولابد أنه يصيبه.
[268]
قوله: حرسا من دهري، يريد دهرا والحرس الدهر (1) قال الراجز: " في سنة عشنا بذاك حرسا " فالسنبة المدة من الدهر. والتواكل أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم من قولهم رجل وكل إذا كان لايكفي نفسه ويكل أمره إلى غيره ويقال:
رجل وكلة تكلة والغرض: كلما نصبته للرمي. وتعاوره أي تداوله.
قال المرتضى ره وقد أتى لابن الرومي معنى قول زهير بن جناب: الانسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصر دونه، ومجاوز له، وواقع عن يمينه وشماله ثم لابد أن يصيبه. في أبيات له فأحسن فيها كل الاحسان والابيات لابن الرومي كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا لمن قد أضلته المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي لرامي المنايا تحسبيني راجيا غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه لشخصي أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامي الليل يرمي ولايرى فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا أما البيت الاخير فانه أبدع فيه وغرب، وما علمت أنه سبق إلى معناه لانه جعل الشباب كالليل الساتر على الانسان الحاجز بينه وبين من أراد رميه لظلمته، والشيب مبديا لمقاتله هاديا إلى إصابته لضوئه وبياضه، وهذا في نهاية حسن المعنى وأراد بقوله " رماني " أصابني ومثله قول الشاعر:
فلما رمى شخصي رميت سواده ولابد أن يرمى سوادا الذي يرمي وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل ولم يك في العرب أنطق من زهير ولا أوجه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنا ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى رزاح بن ربيعة وسمع زهير بعض نسائه تتكلم بما لاينبغي لامرأة أن تتكلم به عند زوجها فنهاها فقالت له: اسكت عني وإلا ضربتك بهذا العمود فوالله ماكنت أراك تسمع شيئا ولاتعقله فقال عند ذلك:
ألا يالقوم لا أرى النجم طالعا ولا الشمس إلا حاجبي بيميني معزبتي عند القفا بعمودها يكون نكيري أن أقول ذريني
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع: يريد طويلا منه والحرس من الدهر: الطويل. راجع ج 1 ص 239.
[269]
أمينا على سر النساء وربما أكون على الاسرار غير أمين فللموت خير من حداج موطأ مع الظعن لايأتي المحل لحيني وهو القائل.
أبني إن أهلك فقد أورثتكم مجدا بنيه وتركتكم أبناء سادات زنادكم وريه من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه ولقد رحلت البازل الكوماء ليس لها وليه وخطبت خطبة حازم غير الضعيف ولا العييه والموت خير للفتى فليهلكن وبه بقية من أن يرى الشيخ البجال وقد يهادى بالعشيه وهو القائل:
ليت شعري والدهر ذو حدثان أي حين منيتي تلقاني أسبات على الفراش خفات أم يكفي مفجع حران وقال حين مضت له مائتا سنة من عمره.
لقد عمرت حتى ما ابالي أحتفي في صباحي أو مسائي وحق لمن أتت مأتان عاما عليه أن يمل من الثواء قوله: معزبتي (يعني امرأته) يقال: معزبة الرجل وطلته وحنته كل ذلك امرأته وقوله: " أمينا على سر النساء " فالسر خلاف العلانية والسر أيضا النكاح قال الحطيئة:
ويحرم سر جارهم عليهم ويأخذ (1) جارهم أنف القصاع وقال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وأن لايحسن السر أمثالي وكلام زهير يحتمل الوجهين جميعا لانه إذا كبر وهرم لم تتهيبه النساء أن يتحدثن بحضرته بأسرارهن تهاونا وتعويلا على ثقل سمعه، وكذلك هرمه و كبره يوجبان كونه أمينا على نكاح النساء لعجزه عنه وقوله: " حداج موطأ " الحداج مركب من مراكب النساء والجمع أحداج وحدوج والظعن والاظعان
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر: ويأكل.
[270]
الهوادج والظعينة المرأة في الهودج ولاتسمى ظعينة حتى تكون في هودج والجمع ظعائن وإنما أخبر عن هرمه وأن موته خير من كونه مع الظعن في جملة النساء وقوله: " زنادكم وريه " الزناد جمع زند وزندة وهما عودان يتقدح بهما النار وفي أحدهما فروض وهي ثقب فالتي فيها الفروض هي الانثى والذي يقدح بطرفه هو الذكر، ويسمى الزند الاب والزندة الام وكنى بزنادكم ورية عن بلوغهم مآربهم تقول العرب " وريت بك زنادي " أي نلت بك ما احب من النجح والنجاة ويقال للرجل الكريم: واري الزناد.
فأما التحية فهي الملك فكأنه قال: من كل ما نال الفتى قد نلته إلا الملك وقيل التحية ههنا الخلود والبقاء، والبازل الناقة التي قد بلغت تسع سنين وهي أشد ماتكون ولفظ البازل في الناقة والجمل سواء " والكوماء " العظيمة السنام و " الولية " برذعة تطرح على ظهر البعير تلي جلده و " البجال " الذي يبجله قومه و يعظمونه ومعنى " يهادى بالعشيه " أي تماشيه الرجال فيسندونه لضعفه والتهادي المشي الضعيف وقوله: " أسبات " فالسبات سكون الحركة ورجل مسبوت " والخفات " الضعف يقال: خفت الرجل إذا أصابه ضعف من مرض أو جوع والمفجع الذي قد فجع بولد له أو قرابة والحران العطشان الملتهب وهو ههنا المحترق على قتلاه.
ومما يروى لزهير بن جناب:
إذا ماشئت أن تسلى خليلا فأكثر دونه عدد الليالي فما سلى حبيبك مثل نأي ولا بلى جديدك كابتذال ومن المعمرين ذو الاصبع العدواني واسمه حرثان بن محرث بن الحارث ابن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عتاب بن يشكر بن عدوان وهو الحارث بن عمير بن قيس بن عيلان بن مضر وإنما سمي الحارث عدوان لانه عدا على أخيه فهم فقتله (1) وقيل بل فقأ عينيه وقيل إن اسم ذي الاصبع محرث بن حرثان وقيل: حرثان بن حويرث وقيل: حرثان بن حارثة ويكنى أبا عدوان
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع بمصر " فهم بقتله " وهو تصحيف غريب راجع القاموس.
[271]
وسبب لقبه بذي الاصبع أن حية نهشته على أصبعه فشلت فسمي بذلك ويقال إنه عاش مائة وسبعين سنة وقال أبوحاتم: عاش ثلاثمائة سنة وهو أحد حكام العرب في الجاهلية وذكر الجاحظ أنه كان أثرم وروى عنه:
لايبعدن عهد الشباب ولا لذاته ونباته النضر لولا اولئك ماحفلت متى عوليت في حرجي إلى قبري هزئت اثيلة إن رأت هرمي وأن انحنى لتقادم ظهري وكان لذي الاصبع بنات أربع فعرض عليهن التزويج فأبين وقلن خدمتك وقربك أحب إلينا فأشرف عليهن يوما من حيث لايرينه فقلن: لتقل كل واحدة منا مافى نفسها فقالت الكبرى:
ألا هل أراها ليلة وضجيعها أشم كنصل السيف غير مهند عليم بأدوات النساء وأصله إذا ماانتمى من سر أهلي ومحتدي ويروى " عين مهند " ويروى " من سر أصلي ومحتدي " فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته وقالت الثانية:
ألا ليت زوجي من اناس اولى عدى حديث الشباب طيب الثوب والعطر لصوق بأكباد النساء كأنه خليفة جان لاينام على وتر ويروى " اولي غنى " ويروى " لاينام على هجري " فقلن لها: أنت تريدين فتى ليس من أهلك ثم قالت الثالثة:
ألا ليته يكسى الجمال نديه له جفنة تشقى بها المعز والجزر له حكمات الدهر من غير كبرة تشين فلا فان ولا ضرع غمر فقلن لها: أنت تريدين سيدا شريفا وقلن للرابعة قولي فقالت: لا أقول شيئا فقلن (لها): ياعدوة الله علمت مافي أنفسنا ولا تعلميننا مافي نفسك؟ فقالت: زوج من عود خير من قعود " فمضت مثلا فزوجهن أربعهن وتركهن حولا.
ثم أتى الكبرى فقال: يابنية كيف ترين زوجك؟ فقالت: خير زوج يكرم الحليلة ويعطي الوسيلة، قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال، الابل، نشرب ألبانها
[272]
جرعا ويروي جزعا بالزاي معجمة ونأكل لحمانها مزعا وتحملنا وضعفتنا معا فقال: يابنية زوج كريم ومال عميم.
ثم أتى الثانية فقال: يابنية كيف زوجك؟ فقالت: خير زوج، يكرم أهله وينسى فضله، قال: وما مالكم قالت: البقر تألف الفناء وتملا الاناء وتودك السقاء، ونساء مع النساء فقال لها: خظيت وبظيت.
ثم أتى الثالثة فقال: يابنية كيف زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر ولا بخيل حكر، قال: فما مالكم قالت: المعزى قال: وماهي قالت: لو كنا نولدها فطما ونسلخها ادما ويروى أدما بالفتح لم نبغ بها نعما، فقال لها: حذوة مغنية. ويروى حذوى مغنية.
ثم أتى الصغرى فقال: يابنية كيف زوجك؟ قالت: شر زوج يكرم نفسه ويهين عرسه قال: فما مالكم؟ قالت: شر مال قال: وماهو؟ قالت: الضأن جوف لايشبعن، وهيم لاينقعن، وصم لايسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن فقال أبوها: " أشبه امرء بعض بزه " فمضت مثلا.
أما قول إحدى بناته في الشعر " أشم " فالشمم هو ارتفاع أرنبة الانف وورودها يقال: رجل أشم وامرأة شماء وقوم شم قال حسان:
بيض الوجوه كريمة أنسابهم شم الانوف من الطراز الاول فالشمم الارتفاع في كل شئ فيحتمل أن يكون أراد حسان بشم الانوف ماذكرناه من ورود الارنبة لان ذلك عندهم دليل العتق والنجابة ويجوز أن يكون أراد بذلك الكناية عن نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الامور ورذائلها وخص الانوف بذلك لان الحمية والغضب والانفة فيها ولم يرد طول أنفهم، وهذا أشبه أن يكون مراده لانه قال في أول البيت: " بيض الوجوه " ولم يرد (بياض) اللون في الحقيقة وإنما كنى بذلك عن نقاء أعراضهم، وجميل أخلاقهم وأفعالهم كما يقال جاءني فلان بوجه أبيض وقد بيض فلان وجهه بكذا وكذا وإنما يعني ماذكرناه.
[273]
وقول المرأة: " أشم كنصل السيف " يحتمل الوجهين أيضا، ومعنى قول حسان " من الطراز الاول " أي أن أفعالهم أفعال آبائهم وسلفهم فانهم لم يحدثوا أخلاقا مذمومة لاتشبه نجارهم واصولهم.
وقولها: " عين مهند " أي هو المهند بعينه كما يقال: هو هذا بعينه، وعين الشئ نفسه وعلى الرواية الاخرى غير مهند أي ليس هو السيف المنسوب إلى الهند في الحقيقة وإنما هو مشبه به في مضائه.
وقولها: " من سر أهلي " أي من أكرمهم وأخلصهم يقال: فلان في سر قومه أي في صميمهم وشرفهم، وسر الوادي أطيبه ترابا و " المحتد " الاصل.
وقول الثانية اولي عدى فانما معناه أن يكون لهم أعداء لان من لا عدو له هو الفسل الرذل الذي لا خير عنده والكريم الفاضل من الناس هو المحسد المعادى.
وقولها: " لصوق بأكباد النساء " تعني في المضاجعة ويحتمل أن تكون أرادت في المحبة والمودة وكنت بذلك عن شدة محبتهن له وميلهن إليه وهو أشبه.
وقولها: " كأنه خليفة جان " أي كأنه حية للصوقه " والجان " جنس من الحيات فخففت لضرورة الشعر.
وقول الثالثة: " يكسى الجمال نديه " فالندي هو المجلس.
وقولها: " له حكمات الدهر " تقول قد أحكمته التجارب وجعلته حكيما فأما " الضرع " فهو الضعيف " والغمر " الذي لم يجرب الامور.
وقول الكبرى: " يكرم الحليلة ويعطي الوسيلة "، " فالحليلة " هي امرأة الرجل " والوسيلة " الحاجة.
وقولها: " نشرب ألبانها جزعا " فالجزع جمع جزعة وهي القليل من الماء يبقى في الاناء.
وقوله: " مزعا " فالمزعة البقية من دسم ويقال: ماله جزعة ولا مزعة كذا ذكر ابن دريد بالضم في جزعة ووجدت غيره يكسرها ويقول: جزعة، وإذا كسرت فينبغي أن يكون " نشرب ألبانها جزعا " وتكسر المزعة أيضا ليزدوج الكلام فيقول:
[274]
" ونأكل لحمانها مزعا " فان المزعة بالكسر هي القطعة من الشحم والمزعة بالكسر أيضا من الريش والقطن وغير ذلك كالمزقة من الخرق.
" والتمزيع " التقطيع والتشقيق يقال: إنه يكاد يتمزع من الغيظ، ومزع الظبي في عدوه يمزع مزعا إذا أسرع وقوله: " مال عميم " أي كثير.
وقول الثانية: " تودك السقاء " من الودك الذي هو الدسم.
وقول الثالثة: نولدها فطما " فالفطم " جمع فطيم وهو المفطوم من الرضاع.
وقولها: " نسلخها ادما " فالادم جمع إدام وهو الذي يوكل، تقول: لو أنا فطمناها عند الولادة وسلخناها للادم من الحاجة لم نبغ بها نعما وعلى الرواية الاخرى أدما من الاديم وقوله: حذوة مغنية فالحذوة القطعة.
وقول الصغرى: جوف " لايشبعن " فالجوف جمع جوفاء وهي العظيمة الجوف " والهيم " العطاش " ولاينقعن " أي لايروين ومعنى قولها " وأمر مغويتهن يتبعن " أي القطيع من الضأن يمر على قنطرة فتزل واحدة فتقع في الماء فيقعن كلهن اتباعا لها والضأن يوصف بالبلادة.
أخبرنا أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا أبوحاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس، قال ابن دريد: وأخبرنا به العكلي، عن ابن أبي خالد، عن الهيثم بن عدي، عن مسعر بن كدام قال: حدثنا سعيد بن خالد الجدلي قال: لما قدم عبد لملك بن مروان الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس على فرائضهم فأتيناه فقال: من القوم؟ قلنا جديلة، قال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم فتمثل عبدالملك:
عذير الحي من عدوان كانوا حية الارض بغى بعضهم بعضا فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادات والموفون بالفرض ومنهم حكم يقضي فلا ينقض مايقضي
[275]
ومنهم من يحيل الناس بالسنة والفرض (1).
ثم أقبل على رجل كنا قدمناه أمامنا، جسيم وسيم، فقال: أيكم يقول هذا الشعر؟ فقال: لا أدري فقلت (أنا) من خلفه: يقول ذو الاصبع فتركني وأقبل على ذلك الجسيم وقال: ماكان اسم ذي الاصبع؟ فقال: لا أدري فقلت: أنا من خلفه: حرثان، فأقبل عليه وتركني فقال: لم سمي ذا الاصبع؟ فقال: لاأدري فقلت أنا من خلفه: نهشته حية على أصبعه، فأقبل عليه وتركني فقال: من أيكم كان؟ قال: لاأدري فقلت أنا من خلفه: من بني ناج، فأقبل على الجسيم فقال:
كم عطاؤك قال: سبعمائة درهم ثم أقبل علي فقال: كم عطاؤك فقلت: أربعمائة فقال: ياابن الزعيزعة حط من عطاء هذا ثلاث مائة وزدها في عطاء هذا فرحت و عطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائة.
وفي رواية اخرى أنه: لما قال له: من أيكم كان؟ قال: لاأدري فقلت أنا من خلفه: من بني ناج الذين يقول: فيهم الشاعر:
وأما بنو ناج فلا تذكرنهم ولاتتبعن عينيك من كان هالكا إذا قلت معروفا لتصلح بينهم يقول وهيب لا اسالم ذلكا ويروى: لا أحاول (ذلكا):
فأضحى كظهر العود جب سنامه يدب إلى الاعداء أحدب باركا ويروى:
فأضحى كظهر العود جب سنامه تحوم عليه الطير أحدب باركا وقد رويت هذه الابيات لذي الاصبع أيضا ومن أبيات ذي الاصبع السائرة قوله:
اكاشر ذا الضغن المبين عنهم وأضحك حتى يبدو الناب أجمع
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع ج 1 ص 250 " ومنهم من يجيز " ونقل في الهامش عن أبي الفرج قال: قوله " ومنهم من يجيز الناس " فان اجازة الحج كانت لخزاعة فأخذتها منهم عدوان.
[276]
وأهدنه بالقول هدنا ولو يرى سريرة ما اخفي لبات يفزع ومعنى " أهدنه " اسكنه ومن قوله أيضا:
إذا ماالدهر جر على اناس شراشره أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا ومعنى " الشراشر " ههنا الثقل يقال: ألقى علي شراشره وجراميزه أي ثقله ومن قوله أيضا:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا هشوا إلي ورحبوا بالمقبل وهم الذين إذا حملت حمالة ولقيتهم فكأنني لم أحمل ومن قوله وهي مشهورة:
لي ابن عم على ما كان من خلق مختلفان فأقليه ويقليني أزرى بنا أننا شالت نعامتنا فخالني دونه وخلته دوني لاه ابن عمك لا أفضلت في نسب عني ولا أنت دياني فتخزوني أني لعمرك ما بابي بذي غلق عن الصديق ولا خيري بممنون ولا لساني على الادنى بمنطلق بالفاحشات ولا اغضي على الهون ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ألا احبكم إن لم تحبوني ياعمرو! إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني وأنتم معشر زيد على مائة فأجمعوا أمركم طرا فكيدوني لايخرج القسر مني غير مأبية ولا ألين لمن لايبتغي ليني قوله: " شالت نعامتنا " معناه تنافرنا، فضرب النعام مثلا أي لاأطمئن إليه ولايطمئن إلي يقال: شالت نعامة القوم إذا أجلوا عن الموضع وقوله: " لاه ابن عمك " قال قوم: أراد: لله ابن عمك، وقال ابن دريد: أقسم وأراد: الله ابن عمك وقوله:
" عني " أي علي والديان الذي يلي أمره ومعنى " فتخزوني " أي تسوسني و " الهون " الهوان.
وقوله: " أضربك حيث تقول الهامة: اسقوني " قال الاصمعي العطش في الهامة فأراد أضربك في ذلك الموضع أي على الهامة بحيث تعطش وقال آخرون: العرب
[277]
تقول: إن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تدور حول قبره وتقول: اسقوني اسقوني فلا تزال كذلك حتى يؤخذ بثأره وهذا باطل، ويجوز أن يعنيه ذو الاصبع على مذاهب العرب.
وقوله: " لايخرج القسر مني غير مأبية " فالقسر القهر أي إن اخذت قسرا لم أزدد إلا إباء.
ومن المعمرين معدي كرب الحميري من آل ذي رعين قال ابن سلام: و قال معدي كرب الحميري وقد طال عمره:
أراني كلما أفنيت يوما أتانى بعده يوم جديد يعود ضياؤه في كل فجر ويأبى لي شبابي لا يعود ومن المعمرين الربيع بن ضبع الفزاري يقال: أنه بقي إلى أيام بني امية ويروى أنه دخل على عبدالملك بن مروان فقال له: ياربيع أخبرني عما أدركت من العمر والمدى، ورأيت من الخطوب الماضية، وساق الحديث إلى آخر ما مر في رواية الصدوق رحمه الله وفيه " لقد طار بك " (1) جد غير عاثر " و " عطاء جذم ومقرى ضخم " ثم قال رضي الله عنه إن كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان في أيام معاوية لا في ولايته لان الربع يقول في الخبر: عشت (في الاسلام)
ستين سنة وعبدالملك ولي في سنة خمس وستين من الهجرة فان كان صحيحا فلابد مما ذكرناه.
وقد روي أن الربيع أدرك أيام معاوية ويقال: إن الربيع لما بلغ مأتي سنة قال:
ألا بلغ بني بني ربيع فأشرار البنين لكم فداء بأني قد كبرت ودق عظمي فلا تشغلكم عني النساء وإن كنائني لنساء صدق وما آلى بني ولا أساؤا إذا كان الشتاء فأدفئوني فان الشيخ يهدمه الشتاء
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع بمصر ج 1 ص 254: " لقد طالبك ".
[278]
وأما حين يذهب كل قر فسربال خفيف أو رداء إذا عاش الفتى مأتين عاما فقد ذهب اللذاذة والفتاء وقال حين بلغ مأتين وأربعين سنة:
أصبع عني الشباب قد حسرا إن بان عني فقد ثوى عصرا ودعنا قبل أن نودعه لما قضى من جماعنا وطرا ها أنا ذا آمل الخلود وقد أدرك سني ومولدي حجرا أنا امرئ القيس هل سمعت به هيهات هيهات طال ذا عمرا أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا من بعد ماقوة أنوء بها أصبحت شيخا اعالج الكبرا قوله: " عطاء جذم " أي سريع وكل شئ أسرعت فيه فقد جذمته وفي الحديث: إذا أذنت فرتل وإذا أقمت فاجذم أي أسرع والمقرى الاناء الذي يقرى فيه وقوله: " ما آلى بني ولا أساؤا " أي لم يقصروا والآلي المقصر.
ومن المعمرين أبوالطمحان القيني واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين قال أبوحاتم: عاش أبوالطمحان القيني مائتي سنة وقال في ذلك:
حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل يدنو لصيد قصير الخطب يحسب من رآني ولست مقيدا أني بقيد ويروى قريب الخطو، قال أبوحاتم السجستاني: حدثني عدة من أصحابنا أنهم سمعوا يونس بن حبيب ينشد هذين البيتين وينشد أيضا:
تقارب خطو رجلك يادويد وقيدك الزمان بشر قيد وهو القائل:
وإني من القوم الذين هم هم إذا مات منهم سيد قام صاحبه نجوم سماء كلما غاب كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
[279]
وما زال منهم حيث كان مسود تسير المنايا حيث سارت كتائبه ومعنى البيتين الاولين يشبه قول أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذا حدنابه تخمط فينا ناب آخر مقرم ولطفيل الغنوي مثل هذا المعنى وهو قوله:
كواكب دجن كلما انقض كوكب بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب وقد أخذ الخزيمي هذا المعنى فقال:
إذا قمر منا تغور أو خبا بدا قمر في جانب الانفق يلمع ومثل ذلك:
خلافة أهل الارض فينا وراثة إذا مات منا سيد قام صاحبه ومثله:
إذا سيد منا مضى لسبيله أقام عمود الملك آخر سيد وكأن مزاحما العقيلي نظر إلى قول أبي الطمحان " أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم " في قوله وقد أحسن:
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي ويقارب ذلك قول حجية بن المضرب السعيدي (1):
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت لنورهم الشمس المضيئة والبدر وأنشد محمد بن يحيى الصولي في معنى بيت (ي) أبي الطمحان:
من البيض الوجوه بني سنان لو أنك تستضيئ بهم أضاؤا
هم حلوا من الشرف المعلى ومن كرم العشيرة حيث شاؤا فلو أن السماء دنت لمجد ومكرمة دنت لهم السماء وأبوالطمحان القائل (2):
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع بمصر: " الكندى ".
(2) في النسخة المطبوعة من البحار هناك تقديم وتأخير وهو سهو. والصحيح ما أثبتناه عرضا على المصدر.
[280]
إذا كان في صدرا بن عمك إحنة فلا تستثرها سوف يبدو دفينها وهو القائل:
إذا شاء ماعيها استقى من وقيعة كعين العذاب صفوها لم يكدر (1)
والوقيعة المستنقع في الصخرة للماء ويقال: للماء إذا ازل عن صخرة فوقع في بطن اخرى فهو ماء الوقائع وأنشد (وا) لذي الرمة:
ونلنا سقاطا من حديث كأنه جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع ويقال للماء الذي يجري على الصخرة ماء الحشرج وللماء الذي يجري بين الحصا والرمل ماء المفاصل وأنشدوا لابي ذؤيب:
مطافيل أبكار حديث نتاجها تشاب بماء مثل ماء المفاصل وأنشد أبومحلم السعدي لابي الطمحان:
بني إذا ما سامك الذل قاهر عزيز فبعض الذل أتقى وأحرز ولا تحرمن بعض الامور تعززا فقد يورث الذل الطويل التعزز (2)
وهذان البيتان يرويان لعبد الله بن معوية الجعفري وروي لابي الطمحان أيضا في هذا المعنى:
يارب مظلمة يوما لطئت لها تمضي علي إذا ما غاب أنصاري حتى إذا ما انجلت عني غيايتها وثبت فيها وثوب المخدر الضاري ومن المعمرين عبد المسيح بن بقيلة الغساني وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة، وبقيلة اسمه ثعلبة وقيل الحارث وإنما سمي بقيلة لانه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة فسمي بذلك.
وذكر الكلبي وأبومخنف وغيرهما أنه عاش ثلاث مائة وخمسين سنة وأدرك الاسلام فلم يسلم وكان نصرانيا.
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر:
اذا شاء راعيها استقى من وقيعة كعين الغراب صفوها لم يكدر وعين الغراب: يضرب بها المثل في الصفاء. (2) في المصدر: لاتحم.
[281]
وروي أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة وتحصن منه أهلها أرسل إليهم:
ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم وذوي أنسابكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة فأقبل يمشي حتى دنا من خالد فقال (له): أنعم صباحا أيها الملك قال: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن امي قال: فعلى م أنت؟ قال: على الارض قال: ففيم أنت قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت، قال إي والله واقيد، قال: ابن كم أنت؟
قال ابن رجل واحد.
قال خالد: مارأيت كاليوم قط إني أسأله عن الشئ وينحو في غيره قال:
ماأجبتك إلا عما سألت فسل عما بدا لك قال: أعرب أنتم أم نبيط؟ قال: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا قال: (أ) فحرب أنتم أم سلم قال: بل سلم قال: فما هذه الحصون قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتى يجئ الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاث مائة سنة قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لاتزود إلا رغيفا واحدا حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت اليوم خرابا يبابا وذلك دأب الله في العباد والبلاد.
قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه فقال له خالد: ماهذا في كفك؟ قال:
هذا السم قال: وماتصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله تعالى وقبلته، وإن كانت الاخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلا وبلاء أشربه وأستريح من الحياة فانما بقي من عمري اليسير قال خالد: هاته فأخذه (ثم)
قال: بسم الله وبالله رب الارض والسماء الذي لايضر مع اسمه شئ ثم أكله فتجللته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا ثم عرف وأفاق كأنما نشط من عقال.
فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: قد جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضره، صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم فان هذا أمر مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم، وأنشا ابن بقيلة يقول:
[282]
أبعد المنذرين أرى سواما تروح بالخورنق والسدير تحاماه فوارس كل قوم مخافة ضيغم عالي الزئير وصرنا بعد هلك أبي قبيس كمثل الشاء في اليوم المطير يريد: أبا قابوس، فصغره ويروى كمثل المعز:
تقسمنا القبائل من معد علانية كأيسار الجزور نؤدي الخرج بعد خراج كسرى وخرج من قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال فيوم من ساة أو سرور ويقال: إن عبد المسيح لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بني بقيلة قال:
لقد بنيت للحدثان حصنا لو أن المرء تنفعه الحصون طويل الرأس أقعس مشمخرا لانواع الرياح به حنين ومما يروى لعبد المسيح بن بقيلة:
والناس أبناء علات فمن علموا أن قد أقبل فمجفو ومحقور وهم بنون لام إن رأوا نشبا فذاك بالغيب محفوظ ومخفور وهذا يشبه قول أوس بن حجر:
بني ام ذي المال الكثير يرونه وإن كان عبدا سيد الامر جحفلا وهم لقليل المال أولاد علة وإن كان محضا في العمومة مخولا وذكر أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا فلما حفر موضع الاساس وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت فدخله، فإذا رجل على سرير من زجاج وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة.
حلبت الدهر أشطره حياتي ونلت من المنى بلغ المزيد وكافحت الامور وكافحتني ولم أحفل بمعضلة كؤود وكدت أنال في الشرف الثريا ولكن لا سبيل إلى الخلود ومن المعمرين النابغة الجعدي واسمه قيس بن كعب بن عبدالله بن عامر (1)
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع بمصر: قيس بن عبدالله بن عدس بن ربيعة.
[283]
ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ويكنى أبا ليلى.
وروى أبوحاتم السجستاني قال: كان النابغة الجعدي أسن من النابغة الذيباني والدليل على ذلك قوله:
تذكرت والذكرى تهيج على الهوى ومن حاجة المحزون أن يتذكرا نداماي عند المنذر بن محرق أرى اليوم منهم ظاهر الارض مقفرا كهول وشبان كأن وجوههم دنانير مما شيف في أرض قيصرا فهذا يدل على أنه كان مع المنذر بن محرق والنابغة الذيباني كان مع النعمان بن المنذر بن محرق.
وقوله: " شيف " يعني جلي والمشوف المجلو ويقال: إن النابغة غير ثلاثين سنة لايتكلم ثم تكلم بالشعر ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة باصبهان وكان ديوانه بها وهو الذي يقول:
من يك سائلا عني فاني من الفتيان أيام الخنان وأيام الخنان أيام كانت للعرب قديمة هاج بها فيهم مرض في انوفهم وحلوقهم مضت مائة لعام ولدت فيه وعشر بعد ذاك وحجتان فأبقى الدهر والايام مني كما أبقى من السيف اليماني تفلل وهو مأثور جراز إذا جمعت بقائمة اليدان وقال أيضا في طول عمره:
لبست اناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد اناس اناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان الاله هو المستآسا معنى المستآس المستعارض وروي عن هشام بن محمد الكلبي أنه عاش مائة وثمانين سنة. وروى ابن دريد عن أبي حاتم في موضع آخر أن النابغة الجعدي عاش مائتي سنة وأدرك الاسلام وروى له:
قالت امامة كم عمرت زمانة وذبحت من عتر على الاوثان العتيرة شاة تذبح لاصنامهم في رجب في الجاهلية:
[284]
ولقد شهدت عكاظ قبل محلها فيها وكنت اعد مل فتيان والمنذر بن محرف في ملكه وشهدت يوم هجائن النعمان وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى وقوارع تتلى من القرآن ولبست مل اسلام ثوبا واسعا من سيب لا حرم ولا منان وله أيضا في طول عمره:
المرء يهوى أن يعيش وطول عيش مايضره تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره وتتابع الايام حتى لايرى شيئا يسره كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره وروى أن النابغة الجعدي كان يفتخر ويقول: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وأنشدته بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال صلى الله عليه وآله: أين المظهر ياأبا ليلى؟ فقلت: الجنة يارسول الله قال صلى الله عليه وآله:
أجل إنشاء الله وأنشدته:
فلا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الامر أصدرا فقال صلى الله عليه وآله: لايفضض الله فاك. وفي رواية اخرى لايفضض فوك، فيقال:
إن النابغة عاش عشرين ومائة سنة لم تسقط له سن ولا ضرس وفي رواية اخرى عن بعضهم قال: رأيته وقد بلغ الثمانين ترف غروبه وكانت كلما سقطت له ثنية نبتت له اخرى مكانها، وهو من أحسن الناس ثغرا.
معنى " ترف " أي تبرق وكأن الماء يقطر منها.
قال المرتضى رحمه الله ومما يشاكل قوله إلى الجنة في جواب قول النبي صلى الله عليه وآله أين المظهر يا أبا ليلى وإن كان يتضمن العكس من معناه ماروي من دخول الاخطل على عبدالملك مستغيثا من فعل الجحاف السلمي وأنه أنشده:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكى والمعول
[285]
فان لم تغيرها قريش بحلمها يكن من قريش مستماز ومزحل فقال عبدالملك (له): إلى أين يابن اللخناء قال: إلى النار. قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.
فقوله: " إلى النار " تخلص مليح على البديهة كما تخلص الجعدي بقوله إلى الجنة وأول قصيدة الجعدي التي ذكرنا منها الابيات:
خليلي غضا ساعة وتهجرا ولوما على ماأحدث الدهر أو ذرا ولاتسألا إن الحياة قصيرة فطيرا لروعات الحوادث أو قرا وإن كان أمر لاتطيقان دفعه فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا ألم تعلما أن العلامة نفعها قليل إذا ما الشئ ولى فأدبرا يهيج اللحاء في الملامة ثم ما يقرب منا غير ما كان قدرا وفيها يقول:
لوى الله علم الغيب عمن سواءه ويعلم منه ما مضى وتأخرا وجاهدت حتى ما أحس ومن معي سهيلا إذا مالاح ثم تغورا يريد أني كنت بالشام وسهيل لايكاد يرى هناك وهذا بيت معنى وفيها يقول:
ونحن اناس لانعود خيلنا إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا وننكر يوم الروع ألوان خيلنا من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردها صحاحا ولامستنكرا أن تعقرا وأخبرنا المرزباني قال: أنشدنا علي بن سليمان الاخفش قال: أنشدنا أحمد بن يحيى قال: أنشدني محمد بن سلام وغيره للنابغة الجعدي.
تلوم على هلك البعير ظعينتي وكنت على لوم العواذل زاريا ألم تعلمي أني رزئت محاربا فمالك منه اليوم شيئا ولاليا ومن قبله ماقد رزئت بوحوح وكان ابن امي والخليل المصافيا فتى كملت خيراته غير أنه جواد فما يبقي من المال باقيا فتى تم فيه مايسر صديقه على أن فيه مايسوء الاعاديا
أشم طويل الساعدين سميدع إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا " السميدع " السيد ومما يروى للنابغة الجعدي:
عقيلية أو من هلال ابن عامر بذي الرمث من وادي المنار خيامها إذا ابتسمت في البيت والليل دونها أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها وذكر الاصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سئل الفرزدق بن غالب عن النابغة الجعدي فقال: صاحب خلقان: يكون عنده مطرف بألف (دينار) وخمار بواف قال الاصمعي: وصدق الفرزدق بينا النابغة في كلام أسهل من الزلال وأشد من الصخر إذلان وذهب ثم أنشد له:
سما لك هم ولم تطرب وبت ببث ولم تنصب وقالت سليمى أرى رأسه كناصية الفرس الاشهب وذلك من وقعات المنون ففيئي إليك ولاتعجبي قال ثم يقول بعدها:
أتين على إخوة سبعة وعدن على ربعي الاقرب (ثم يقول بعدها):
فأدخلك الله برد الجنان جذلان في مدخل طيب فألان كلامه حتى لو أن أبا الشمقمق قال هذا البيت كان رديئا ضعيفا.
قال الاصمعي: وطريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والاسلام فلما أدخل شعره في باب الخير من مراثي النبي صلى الله عليه وآله وحمزة وجعفر وغيرهما لان شعره.
ثم قال رضي الله عنه: إن سأل سائل فقال: كيف يصح ماأوردتموه من تطاول الاعمار وامتدادها، وقد علمتم أن كثيرا من الناس، ينكر ذلك ويحيله ويقول إنه لا قدرة عليه ولا سبيل إليه، ومنهم من ينزل في إنكاره درجة فيقول إنه وإن كان جائزا من طريق القدرة والامكان، فانه مما يقطع على انتفائه، لكونه خارقا للعادات، فان العادات إذا وثق الدليل بأنها لاتنخرق إلا على سبيل الابانة والدلالة على صدق نبي من الانبياء عليهم السلام علم أن جميع ماروي من زيادة الاعمار
[287]
على العادة باطل مصنوع لايلتفت إلى مثله.
الجواب قيل له: أما من أبطل تطاول الاعمار من حيث الاحالة، وأخرجه عن باب الامكان، فقوله ظاهر الفساد لانه لو علم ما العمر في الحقيقة وما المقتضي لدوامه إذا دام، وانقطاعه متى انقطع، لعلم من جواز امتداده ماعلمناه، والعمر هو استمرار كون من يجوز أن يكون حيا وغير حي حيا وإن شئت أن تقول:
هو استمرار كون الحي الذي لكونه على هذه الصفة ابتداء حيا.
وإنما شرطنا الاستمرار لانه يبعد أن يوصف من كان في حالة واحدة حيا بأن له عمرا، بل لابد من أن يراعوا في ذلك ضربا من الامتداد والاستمرار، وإن قل.
وشرطنا أن يكون ممن يجوز أن يكون غير حي أو يكون لكونه حيا ابتداء، احترازا من أن يلزم القديم تعالى جلت عظمته ممن لا يوصف بالعمر، وإن استمر كونه حيا.
فقد علمنا أن المختص بفعل الحياة هو القديم تعالى وفيما تحتاج إليه الحياة من البنية ومن المعاني مايختص به جل وعز، ولا يدخل إلا تحت مقدوره تعالى، كالرطوبة وما جرى مجراها، فمتى فعل القديم تعالى الحياة وما تحتاج إليه من البنية، وهي مما يجوز عليه البقاء وكذلك ماتحتاج إليه فليس ينتفى إلا بضد يطرأ عليها أو بضد ينفي ماتحتاج إليه والاقوى أنه لا بضد لها في الحقيقة و ربما ادعى قوم أنه ما تحتاج إليه، ولو كان للحياة ضد على الحقيقة لم يخل بما
نقصده في هذا الباب.
فمهما لم يفعل القديم تعالى ضدها أو ضد ماتحتاج إليه، ولا نقض ناقض بنية الحي استمر كون الحي حيا، ولو كانت الحياة أيضا لاتبقى على مذهب من رأى ذلك، لكان ما قصدناه صحيحا لانه تعالى قادر على أن يفعلها حالا فحالا ويوالي بين فعلها وبين فعل ما تحتاج إليه فيستمر كون الحي حيا.
فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلو السن وتناقص بنية الانسان
[288]
فليس مما لابد منه، وإنما أجرى الله تعالى العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان، ولا إيجاب هناك، ولاتأثير للزمان على وجه من الوجوه، وهو تعالى قادر على أن لايفعل ماأجرى العادة بفعله.
وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن تطاول العمر ممكن غير مستحيل وإنما أبي (1)
من أحال ذلك من حيث اعتقد أن استمرار كون الحي حيا وجب عن طبيعة وقوة لهما مبلغ من المادة متى انتهتا إليه انقطعتا، واستحال أن تدوما، فلو أضافوا ذلك إلى فاعل مختار متصرف لخرج عندهم من باب الاستحالة.
فأما الكلام في دخول ذلك في العادة أو خروجه عنها فلا شك في أن العادة قد جرت في الاعمار بأقدار متقاربة يعد الزائد عليها خارقا للعادة إلا أنه قد ثبت أن العادات قد تختلف في الاوقات وفي الاماكن أيضا، ويجب أن يراعى في العادات إضافتها إلى من هي عادة له في المكان والوقت.
وليس بممتنع أن يقل ما كانت العادة جارية به على تدريج حتى يصير حدوثه خارقا للعادة بغير خلاف ولا أن يكثر الخارق للعادة حتى يصير حدوثه غير خارق لها على خلاف فيه، وإذا صح ذلك لم يمتنع أن يكون العادات في الزمان الغابر كانت جارية بتطاول الاعمار وامتدادها ثم تناقص ذلك على تدريج حتى صارت عادتنا الآن جارية بخلافه، وصار ما بلغ مبلغ تلك الاعمار خارقا للعادة، وهذا جملة فيما أوردناه كافية.
أقول: وذكر الشيخ رحمه الله من المعمرين لقمان بن عاد وأنه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمس مائة سنة وقال: وفيه يقول الاعشى:
لنفسك إذ تختار سبعة أنسر إذا ما مضى نسر خلدت إلى نسر فعمر حتى خال أن نسوره خلود وهل تبقى النفوس على الدهر وقال لادناهن إذ حل ريشه هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري
..................................
* (هامش) *
(1) في المصدر المطبوع: ج 1 ص 271: " أتي ".
[289]
قال: ومنهم ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عبس بن فزارة، عاش ثلاث مائة سنة وأربعين سنة ثم ذكر مامر من قصصه وأشعاره.
ثم ذكر أكثم بن صيفي وأنه عاش ثلاث مائة سنة وثلاثين سنة وذكر والده صيفي بن رباح أبا أكثم وأنه عاش مائتين وسبعين سنة لاينكر من عقله شئ وهو المعروف بذي الحلم الذي قال: فيه المتلمس اليشكري.
لذي الحلم قبل اليوم ماتقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلما ومنهم ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو عاش مائي سنة وعشرين سنة ولم يشب قط وأدرك الاسلام ولم يسلم وروى أبوحاتم والرياشي عن العتبي عن أبيه قال: مات ضبيرة السهمي وله مائتنا سنة وعشرون سنة وكان أسود الشعر صحيح الاسنان ورثاه ابن عمه قيس بن عدي فقال:
من يأمن الحدثان بعد ضبيرة السهمي ماتا سبقت منيته المشيب وكان منيته افتلاتا فتزودوا لاتهلكوا من دون أهلكم خفاتا.
ومنهم دريد بن الصمة الجشمي عاش مائتي سنة وأدرك الاسلام ولم يسلم و كان أحد قواد المشركين يوم حنين ومقدمهم حضر حرب النبي صلى الله عليه وآله فقتل يومئذ.
ومنهم محصن بن غسان بن ظالم الزبيدي عاش مائتي سنة وستا وخمسين سنة.
ومنهم عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة وهو الذي يقول:
كبرت وطال العمر حتى كأنني سليم أفاع ليلة غير مودع فما الموت أفناني ولكن تتابعت علي سنون من مصيف ومربع ثلاث مآت قد مررن كواملا وها أنا ذا (قد) أرتجي منه أربع ومنهم الحارث بن مضاض الجرهمي عاش أربعمائة سنة وهو القائل: (1)
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر ومنهم عبد المسيح بن بقيلة الغساني ذكر الكلبي وأبوعبيدة وغيرهما أنه عاش
..................................
* (هامش) *
(1) في سيرة ابن هشام ج 1 ص 114: أن قائلها عمرو بن الحارث بن مضاض.
[290]
ثلاث مائة سنة وخمسين سنة وذكر من أحواله وأشعاره نحوا مما مر.
ثم ذكر النابغة الجعدي وأبا الطمحان القيني وذا الاصبع العدواني وزهير ابن جنب ودويد بن نهد والحارث بن كعب وأحوالهم وأقوالهم نحوا مما مر في كلام السيد رضي الله عنهما.
ثم قال: فهذا طرف من أخبار المعمرين من العرب واستيفاؤه في الكتب المصنفة في هذا المعنى موجود.
وأما الفرس فانها تزعم أن فيما تقدم من ملوكها جماعة طالت أعمارهم فيروون أن الضحاك صاحب الحيتين عاش ألف سنة ومائتي سنة وإفريدون العادل عاش فوق الالف سنة ويقولون: إن الملك الذي أحدث المهرجان (1) عاش ألف سنة وخمسمائة استتر منها عن قومه ستمائة سنة وغير ذلك مما هو موجود في تواريخهم وكتبهم لا نطول بذكرها فكيف يقال: إن ماذكرناه في صاحب الزمان خارج عن العادات.
ومن المعمرين من العرب يعرب بن قطحان واسمه ربيعة أول من تكلم بالعربية ملك مائتي سنة على ماذكره أبوالحسن النسابة الاصفهاني في كتاب الفرع والشجر وهو أبواليمن كلها وهو منها كعدنان إلا شاذا نادرا.
ومنهم عمرو بن عامر مزيقيا روى الاصفهاني عن عبدالمجيد بن أبي عبس الانصاري والشرقي بن قطامي أنه عاش ثمانمائة سنة ثم ذكر نحوا مما مر في كلام الصدوق رحمه الله.
ثم قال: وقيل (2) إنما سمي مزيقيا لان على عهده تمزقت الازد فصاروا إلى أقطار الارض وكان ملك أرض سبأ فحدثته الكهان أن الله يهلكها بالسيل العرم فاحتال حتى باع ضياعه وخرج فيمن أطاعه من أولاده قبل السيرم العرم
..................................
* (هامش) *
(1) المهرجان معرب " مهركان " من أعياد الفرس القديمة ستة أيام من برج الميزان من اليوم السادس عشر إلى الحادى والعشرين.
(2) نقله ابن اسحاق في السيرة عن أبي زيد الانصارى راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 12 15.
[291]
ومنه انتشرت الازد كلها والانصار من ولده.
ومنهم جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يعرب ويقال لجلهمة طيئ وإليه ينسب طيئ كلها وله خبر يطول شرحه وكان له ابن أخ يقال له: يحابر بن مالك بن أدد كان قد أتى على كل واحد منهما خمسمائة سنة ووقع بينهما ملاحاة بسبب المرعى فاف جلهمة هلاك عشيرته فرحل عنه وطوى المنازل فسمي طيئا وهو صاحب أجأ وسلمى جبلين لطيئ ولذلك خبر يطول معروف.
ومنهم عمرو بن لحي (1) وهو ربيعة ربن حارثة بن عمر ومزيقيا في قول علماء خزاعة كان رئيس خزاعة في حرب خزاعة وجرهم وهو الذي سن السائبة والوصيلة والحام، ونقل صنمين وهما هبل ومناة من الشام إلى مكة فوضعهما للعبادة فسلم هبل إلى خزيمة بن مدركة فقيل هبل خزيمة، وصعد على أبي قبيس ووضع مناة بالمشلل، وقدم بالنرد وهو أول من أدخلها مكة فكانوا يلعبون بها في الكعبة غدوة وعشية.
فروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: رفعت إلي النار فرأيت عمرو بن لحي رجلا قصيرا أحمر أزرق يجر قصبه (2) في النار، فقلت: من هذا قيل عمرو بن لحي. وكان يلي من أمر الكعبة ما كان يليه جرهم قبله حتى هلك.
ووجدت بخط الشريف الاجل الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي رضي الله عنه تعليقا في تقاويم جمعها مؤرخا بيوم الاحد الخامس عشر من المحرم سنة إحدى وثمانى وثلاثمائة أنه ذكر له حال شيخ بالشام قد جاوز المائة وأربعين سنة فركبت إليه حتى تأملته وحملته إلى القرب من داري بالكرخ وكان اعجوبة شاهد الحسن بن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام ووصف صفته إلى غير ذلك من العجائب التي شاهدها.
وقال الكراجكي رحمه الله في كنز الفوائد: إن أهل الملل كلها متفقون على جواز امتداد الاعمار وطولها وقد تضمنت التوراة من الاخبار بذلك
..................................
* (هامش) *
(1) وفي السيرة: عمرو بن لحى بن قمعة بن خندق. (2) القصب: الامعاء.
[292]
ما ليس بينهم فيه تنازع وفيها أن آدم (عليه السلام) عاش تسعمائة وثلاثن سنة وعاش شيث تسعمائة واثنتى عشرة سنة وعاش انوش تسعمائة وخمسا وستين سنة وعاش فتيان تسعمائة سنة وعشر سنين وعاش مهلائيل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة وعاش برد تسعمائة واثنتين وستين سنة وعاش أخنوخ وهو إدريس (عليه السلام) تسعمائة وخمسا وستين سنة وعاش متوشلح تسعمائة وتسعا وستين سنة وعاش لمك سبع مائة وسبعا و ستين سنة وعاش نوح تسعمائة وخمسين وعاش سام ستمائة وتسعين سنة وعاش عابر ثمانمائة وسبعين سنة وعاش فالغ مائتين وتسعا وتسعين سنة وعاش ارغو مائتين و
ستين سنة وعاش باحور مائة وستا وأربعين سنة وعاش تارخ مائتين وثمانين سنة وعاش إبراهيم (عليه السلام) مائة وخمسا وسبعين سنة وعاش إسماعيل (عليه السلام) مائة وسبعا و ثلاثين سنة وعاش إسحاق (عليه السلام) مائة وثمانين سنة.
فهذا ماتضمنته التوراة مما ليس بين اليهود والنصارى اختلاف وقد تضمنت نظيره شريعة الاسلام ولم نجد أحدا من علماء المسلمين يخالفه أو يعتقد فيه البطلان بل قد أجمعوا من جواز طول الاعمار على ماذكرناه.
ثم قال: ومن المعمرين عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة قال أبوارق:
حدثنا الرياشي، عن عمرو بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي قال: كنا عند ابن عباس في قبة زمزم وهو يفتي الناس فقام إليه رجل فقال له:
لقد أفتيت أهل الفتوى فأفت أهل الشعر؟ قال: قل: قال: مامعنى قول الشاعر:
لذي الحلم قبل اليوم مايقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلما فقال: ذاك عمرو بن حممة الدوسي قضى على العرب ثلاث مائة سنة فلما (كبر)
ألزموه وقد رأى السادس أو السابع من ولد ولده فقال: إن فؤادي بضعة مني فربما تغير علي اليوم والليلة مرارا وأمثل ماأكون فهما في صدر النهار، فإذا رأيتني قد تغيرت فاقرع العصا فكان إذا رأى منه تغيرا قرع العصا فيراجعه فهمه فقال المتلمس هذا البيت).
[293]
أقول: إلى هنا انتهى ماأدرت إيراده من أخبار المعمرين وإنما أطالت في ذلك مع قلة الجدوى تبعا للاصحاب ولئلا يقال: هذا الكتاب عار عن فوائدهم التي أوردوها في هذا الباب.