(باب 24)
(نادر في ذكر من رآه (عليه السلام) في الغيبة)
" الكبرى قريبا من زماننا " أقول: وجدت رسالة مشتهرة بقصة الجزيرة الخضراء في البحر الابيض أحببت ايرادها لاشتمالها على ذكر من رآه، ولما فيه من الغرائب. وإنما أفردت لها باب لاني لم أظفربه في الاصول المعتبرة ولنذكرها بعينها كما وجدتها: (1)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لمعرفته، والشكر له على ما منحنا للاقتداء بسنن سيد بريته، محمد الذي اصطفاه من بين خليقته، وخصنا بمحبة علي والائمة المعصومين من ذريته، صلى الله عليهم أجمعين الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد: فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسيد الوصيين، وحجة رب العالمين، وإمام المتقين، علي بن أبي طالب (عليه السلام) بخط الشيخ الفاضل والعالم العامل، الفضل بن يحيى بن علي الطيبي الكوفي قدس الله روحه ما هذا صورته:
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم.
وبعد: فيقول الفقير إلى عفو الله سبحانه وتعالى الفضل بن يحيى بن علي الطيبي الامامي الكوفي عفى الله عنه: قد كنت سمعت من الشيخين الفاضلين العالمين الشيخ شمس الدين بن نجيح الحلي والشيخ جلال الدين عبدالله بن الحرام الحلي قدس الله روحيهما ونور ضريحيهما في مشهد سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء مولانا وإمامنا أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) في النصف من شهر شعبان سنة تسع وتسعين وستمائة من
..........................................
* (هامش) *
(1) هذه قصة مصنوعة تخيلية، قد سردها كاتبها على رسم القصاصين، وهذا الرسم معهود في هذا الزمان أيضا يسمونه " رمانتيك " وله تأثير عظيم في نفوس القارئين لانجذاب النفوس اليه. فلابأس به، اذا عرف الناس أنها قصة تخيلية. *
[160]
الهجرة النبوية على مشرفها محمد وآله أفضل الصلاة وأتم التحية، حكاية ماسمعاه من الشيخ الصالح التقي الفاضل الورع الزكي زين الدين علي بن فاضل المازندراني، المجاور بالغري - على مشرفيه السلام - حيث اجتمعابه في مشهد الامامين الزكيين الطاهرين المعصومين السعيدين (عليهما السلام) بسر من رأى وحكى لهما حكاية ماشاهده ورآه في البحر الابيض، والجزيرة الخضراء من العجائب فمر بي باعث الشوق إلى رؤياه، وسألت تيسير لقياه، والاستماع لهذا الخبر من لقلقة فيه باسقاط رواته، وعزمت على الانتقال إلى سر من رأى للاجتماع به.
فاتق أن الشيخ زين الدين علي بن فاضل المازندراني انحدرمن سر من رأى إلى الحلة في أوائل شهر شوال من السنة المذكورة ليمضي على جاري عادته ويقيم في المشهد الغروي على مشرفيه السلام.
فلما سمعت بدخوله إلى الحلة وكنت يومئذ بها قد أنتظر قدومه فاذا أنابه وقد أقبل راكبا يريد دار السيد الحسيب، ذي النسب الرفيع، والحسب المنيع السيد فخر الدين الحسن بن علي الموسوي المازندراني نزيل الحلة أطال الله بقاه ولم أكن إذ ذاك الوقت أعرف الشيخ الصالح المذكور لكن خلج في خاطري أنه هو.
فلما غاب عن عيني تبعته إلى دار السيد المذكور فلما وصلت إلى باب الدار رأيت السيد فخر الدن واقفا على باب داره مستبشرا فلما رآني مقبلا ضحك في وجهي وعرفني بحضوره فاستطار قلبي فرحا وسرورا ولم أمرك نفسى على الصبر
على الدخول إليه في غيره الوقت.
فدخلت الدار مع السيد فخر الدين فسلمت عليه، وقبلت يديه، فسأل السيد عن حالى، فقال له: هو الشيخ فضل بن الشيخ يحيى الطيبي صديقكم فنهض واقفا وأقعدني في مجلسه ورحب بي وأحفى السؤال عن حال أبي وأخي الشيخ صلاح الدين لانه كان عارفا بهما سابقا ولم أكن في تلك الاوقات حاضرا بل كنت في بلدة واسط، أشتغل في طلب العلم عند الشيخ العالم العامل الشيخ أبي إسحاق
[161]
إبراهيم بن محمد الواسطي الامامي تغمده الله برحمته، وحشره في زمرة أئمته عليهم السلام.
فتحادثت مع الشيخ الصالح المذكور متع الله المؤمنين بطول بقائه فرأيت في كلامه أمارات تدل على الفضل في أغلب العلوم من الفقه والحديث، والعربية بأقسامها، وطلبت منه شرح ما حدث به الرجلان الفاضلان العالمان العاملان الشيخ شمس الدين والشيخ جلال الدين الحليان المذكوران سابقا عفى الله عنهما فقص لي القصة من أولها إلى آخرها بحضور السيد الجليل السيد فخر الدين نزيل الحلة صاحب الدار، وحضور جماعة من علماء الحلة والاطراف، قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفقه الله، وكان ذلك في اليوم الحادي عشر من شهر شوال سنة تسع وتسعين وستمائة وهذه صورة ما سمعته من لفظه أطال الله بقاءه و ربما وقع في الالفاظ التي نقلتها من لفظة تغيير، لكن المعاني واحدة قال حفظه الله تعالى:
قد كنت مقيما في دمشق الشام، منذ سنين، مشتغلا بطلب العلم، عند الشيخ الفاضل الشيخ عبدالرحيم الحنفي وفقه الله لنور الهداية في علمي الاصول و العربية، وعند الشيخ زين الدين علي المغربي الاندلسي المالكي في علم القراءة لانه كان عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع وكان له معرفة في أغلب العلوم من الصرف، والنحو، والمنطق، والمعاني، والبيان، والاصولين (1) و كان لين الطبع لم يكن عنده معاندة في البحث ولا في المذهب لحسن ذاته. فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول: قال علماء الامامية. بخلاف من المدرسين فانهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة: قال علماء الرافضة، فاختصصت به وتركت التردد إلى غيره، فأقمنا على ذلك برهة من الزمان أقرأ عليه في العلوم المذكورة.
فاتفق أنه عزم على السفر من دمشق الشام، يريد الديار المصرية، فلكثرة
..........................................
* (هامش) *
(1) كانه يريد اصول الفقه واصول الدين، واماما في الاصل المطبوع: الاصوليين.
فهو تصحيف. *
[162]
المحبة التي كانت بيننا عز علي مفارقته، وهو أيضا كذلك فآل (1) الامر إلى أنه هداه الله صمم العزم على صحبتي له إلى مصر، وكان عنده جماعة من الغرباء مثلي، يقرؤون عليه فصحبه أكثرهم.
فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالفاخرة، وهي أكبر من مدائن مصر كلها، فأقام بالمسجد الازهر مدة يدرس، فتسامع فضلاء مصر بقدومه، فوردوا كلهم لزيارته وللانتفاع بعلومه، فأقام في قاهرة مصر مدة تسعة أشهر، ونحن معه على أحسن حال وإذا بقافلة قد وردت من الاندلس ومع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرفه فيه بمرض شديد قد عرض له وأنه يتمنى الاجتماع به قبل الممات، ويحثه فيه على عدم التأخير.
فرق الشيخ من كتاب أبيه وبكى، وصمم العزم على المسير إلى جزيرة الاندلس، فعزم بعض التلامذة على صحبته، ومن الجملة أنا، لانه هداه الله قد كان أحبني محبة شديدة وحسن لي المسير معه فسافرت إلى الاندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أول قرية من الجزيرة المذكورة، عرضت لي حمى منعتني عن الحركة.
فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رق لي وبكى، و: قال يعز علي مفارقتك، فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا إليها عشرة دراهم، وأمره أن
يتعاهدني حتى يكون مني أحد الامرين، وإن من الله بالعافية أتبعه إلى بلده هكذا عهد إلي بذلك وفقه الله بنور الهداية إلى طريق الحق المستقيم، ثم مضى إلى بلد الاندلس، ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيام.
فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدة ما أصابني من الحمى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمى، وخرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف و السمن والامتعة، فسألت عن حالهم فقيل: إن هؤلاء يجيئون من جهة قريبة من
..........................................
* (هامش) *
(1) في المطبوعة: قال. وهو تصحيف. *
[163]
أرض البربر، وهي قريبة من جزائر الرافضة.
فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت إليهم، وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم فقيل لي: إن المسافة خمسة وعشرون يوما، منها يومان بغير عمارة ولا ماء، و بعد ذلك فالقرى متصلة، فاكتريت معهم من رجل حمارا بمبلغ ثلاثة دراهم، لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها، فلما قطعنا معهم تلك المسافة، ووصلنا أرضهم العامرة، تمشيت راجلا وتنقلت على اختياري من قرية إلى اخرى (إلى) أن وصلت إلى أول تلك الاماكن، فقيل لي: إن جزيرة الروافض قد بقي بينك و بينها ثلاثة أيام، فمضيت ولم أتأخر.
فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة، ولها أبراج محكمات شاهقات، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر، فدخلت من باب كبيرة يقال لها: باب البربر، فدرت في سككها أسأل عن مسجد البلد، فهديت عليه، ودخلت إليه فرأيته جامعا كبيرا معظما واقعا على البحر من الجانب الغربي من البلد، فجلست في جانب المسجد لاستريح وإذا بالمؤذن يؤذن للظهر ونادى بحي على خير العمل ولما فرغ دعا بتعجيل الفرج للامام صاحب الزمان (عليه السلام).
فأخذتني العبرة بالبكاء، فدخلت جماعة بعد جماعة إلى المسجد، وشرعوا في الوضوء، على عين ماء تحت الشجرة في الجانب الشرقي من المسجد، وأنا أنظر إليهم فرحا مسرورا لما رأيته من وضوئهم المنقول عن أئمة الهدى عليهم السلام.
فلما فرغوا من وضوئهم وإذا برجل قد برز من بينهم بهي الصورة، عليه السكينة والوقار، فتقدم إلى المحراب، وأقام الصلاة، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلى بهم إماما وهم به مأمومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن أئمتنا عليهم السلام على الوجه المرضي فرضا ونفلا وكذا التعقيب والتسبيح ومن شدة ما لقيته من وعثاء السفر، وتعبي في الطريق لم يمكني أن اصلي معهم الظهر.
فلما فرغوا ورأوني أنكروا علي عدم اقتدائي بهم، فتوجهوا نحوي بأجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصلي وما مذهبي؟ فشرحت لهم أحوالي وأني
[164]
عراقي الاصل، وأما مذهبي فانني رجل مسلم أقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله (بالهدى) ودين الحق ليظهره على الاديان كلها ولو كره المشركون.
فقالوا لي: لم تنفعك هاتان الشهادتان إلا لحقن دمك في دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الاخرى لتدخل الجنة بغير حساب؟ فقلت لهم: وماتلك الشهادة الاخرى؟ اهدوني إليها يرحمكم الله، فقال لي إمامهم: الشهادة الثالثة هي أن تشهد أن أميرالمؤمنين، ويعسوب المتقين، وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب والائمة الاحد عشر من ولده أو صياء رسول الله، وخلفاؤه من بعده بلا فاصلة، قد أوجب الله عزو جل طاعتهم على عباده، وجعلهم أولياء أمره ونهيه، وحججا على خلقه في أرضه، وأمانا لبريته، لان الصادق الامين محمدا رسول رب العالمين صلى الله عليه واله أخبربهم عن الله تعالى مشافهة من نداء الله عزوجل له (عليه السلام) في ليلة معراجه إلى السماوات السبع، وقد صار من ربه كقاب قوسين أو أدنى، وسماهم له واحدا بعد واحد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فلما سمعت مقالتهم هذه حمدت الله سبحانه على ذلك، وحصل عندي أكمل السرور، وذهب عني تعب الطريق من الفرح، وعرفتهم أني على مذهبهم، فتوجهوا إلي توجه إشفاق، وعينوا لي مكانا في زوايا المسجد، وما زالوا يتعاهدوني بالعزة والاكرام مدة إقامتي عندهم، وصار إمام مسجدهم لا يفارقني ليلا ولا نهارا.
فسألته عن ميرة بلده (1) من أين تأتي إليهم فاني لا أرى لهم أرضا مزروعة، فقال: تأتي إليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الابيض، من جزائر أولاد الامام صاحب الامر (عليه السلام)، فقلت له: كم تأتيكم ميرتكم في السنة؟
فقال: مرتين، وقد أتت مرة وبقيت الاخرى فقلت: كم بقي حتى تأتيكم؟ قال:
أربعة أشهر.
..........................................
* (هامش) *
(1) الميرة: الطعام والارزاق. *
[165]
فتأثرت لطول المدة، ومكثت عندهم مقدار أربعين يوما أدعو الله ليلا ونهارا بتعجيل مجيئها، وأنا عندهم في غاية الاعزاز والاكرام، ففي آخريوم من الاربعين ضاق صدري لطول المدة فخرجت إلى شاطئ البحر، أنظر إلى جهة المغرب التي ذكروا أهل البلد أن ميرتهم تأتي إليهم من تلك الجهة.
فرأيت شبحامن بعيد يتحرك، فسألت عن ذلك الشبح أهل البلد وقلت لهم:
هل يكون في البحر طير أبيض؟ فقالوا لي: لا، فهل رأيت شيئا؟ قلت: نعم فاستبشرواو قالوا: هذه المراكب التي تأتي إلينا في كل سنة من بلاد أولاد الامام (عليه السلام).
فما كان إلا قليل حتى قدمت تلك المراكب، وعلى قولهم إن مجيئها كان في غير الميعاد، فقدم مركب كبير وتبعه آخر وآخر حتى كملت سبعا، فصعد (1)
من المركب الكبير شيخ مربوع القامة، بهي المنظر، حسن الزي، ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن أئمة الهدى عليهم السلام، وصلى الظهرين، فلما فرغ من صلاته التفت نحوي مسلما علي فرددت (عليه السلام) فقال: ما اسمك وأظن أن اسمك علي؟ قلت: صدقت فحادثني بالسر محادثة من يعرفني فقال: ما اسم أبيك؟ ويوشك أن يكون فاضلا، قلت: نعم، ولم أكن أشك في أنه قد كان في صحبتنا من دمشق.
فقلت: أيها الشيخ! ما أعرفك بي وبأبي؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر؟ فقال: لا، قلت: ولا من مصر إلى الاندلس؟ قال: لا - ومولاي صاحب العصر، قلت له: فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي؟.
قال: اعلم أنه قد تقدم إلي وصفك، وأصلك، ومعرفة اسمك وشخصك و هيئتك واسم أبيك، وأنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء.
فسررت بذلك حيث قد ذكرت ولي عندهم اسم، وكان من عدته أنه لا يقيم عندهم إلا ثلاثة أيام فأقام اسبوعا وأوصل الميرة إلى أصحابها المقررة لهم، فلما
..........................................
* (هامش) *
(1) أى صعد على الساحل. *
[166]
أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرر لهم، عزم على السفر، وحملني معه، وسرنا في البحر.
فلما كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماء أبيض فجعلت اطيل النظر إليه، فقال لي الشيخ واسمه محمد: ما لي أراك تطيل النظر إلى هذا الماء؟ فقلت له: إني أراه على غير لون ماء البحر.
فقال لي: هذا هو البحر الابيض، وتلك الجزيرة الخضراء، وهذا الماء مستدير حولها مثل السور من أي الجهات أتيته وجدته، وبحكمة الله تعالى إن مراكب أعدائنا إذا دخلته غرقت وإن كانت محكمة ببركة مولانا وإمامنا صاحب العصر (عليه السلام) فاستعملته وشربت منه، فاذا هو كماء الفرات.
ثم إنا لما قطعنا ذلك الماء الابيض، وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة أهله، ثم صعدنا من المركب الكبير إلى الحزيرة ودخلنا البلد، فرأيته محصنا بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطئ البحر، ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والاثمار المنوعة، وفيها أسواق كثيرة، وحمامات عديدة وأكثر عمارتها برخام شفاف وأهلها في أحسن الزي والبهاء فاستطار قلبي سرورا لما رأيته.
ثم مضى بي رفيقي محمد بعد مااسترحنا في منزله إلى الجامع المعظم، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار مالا أقدر (أن) أصفه، والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدين محمد العالم، ويقرؤون عليه القرآن والفقه، والعربية بأقسامها، واصول الدين والفقه الذي يقرؤونه عن صاحب الامر (عليه السلام) مسألة مسألة، وقضية قضية، وحكما حكما.
فلما مثلت بين يديه، رحب بي وأجلسني في القرب منه، وأحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرفني أنه تقدم إليه كل أحوالي، وأن الشيخ محمد رفيقي إنما جاء بي معه بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه.
ثم أمرلي بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد، وقال لي: هذا
[167]
يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة، فنهضت ومضيت إلى ذلك الموضع، فاسترحت فيه إلى وقت العصر، وإذا أنا بالموكل بي قد أتى إلي وقال لي: لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لاجل العشاء معك، فقلت: سمعا وطاعة.
فما كان إلا قليل وإذا بالسيد سلمه الله قد أقبل، ومعه أصحابه، فجلسوا ومدت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيد لاجل صلاة المغرب والعشاء فلما فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلى منزله، ورجعت إلى مكاني وأقمت على هذه الحال مدة ثمانية عشر يوما ونحن في صحبته أطال الله بقاءه.
فأول جمعة صليتها معهم رأيت السيد سلمه الله صلى الجمعة ركعتين فريضة واجبة، فلما انقضت الصلاة قلت: يا سيدي قد رأيتكم صليتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة؟ قال: نعم لان شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت فقلت في نفسي: ربما كان الامام (عليه السلام) حاضرا.
ثم في وقت آخر سألت منه في الخلوة: هل كان الامام حاضرا؟ فقال: لا ولكني أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه (عليه السلام) فقلت: يا سيدي وهل رأيت الامام (عليه السلام)؟ قال: لا، ولكني حدثني أبي - رحمه الله - أنه سمع حديثه ولم ير شخصه وأن جدي - رحمه الله - سمع حديثه ورأى شخصه.
فقلت له: ولم ذاك يا سيدي يختص بذلك رجل دون آخر؟ فقال لي: يا أخي إن الله سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده، وذلك لحكمة بالغة وعظمة قاهرة، كما أن الله تعالى اختص من عباده الانبياء والمرسلين، والاوصياء المنتجبين، وجعلهم أعلاما لخلقه، وحججا على بريته، ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولم يخل أرضه بغير حجة على عباده للطفه بهم، ولا بد لكل حجة من سفير يبلغ عنه.
ثم إن السيد سلمه الله أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم، وجعل يسير معي نحو البساتين، فرأيت فيها أنهارا جارية، وبساتين كثيرة، مشتملة على أنواع الفواكه، عظيمة الحسن والحلاوة، من العنب والرمان، والكمثرى وغيرها
[168]
ما لم أرها في العراقين، ولا في الشامات كلها.
فبينما نحن نسيرمن بستان إلى آخر إذ مربنا رجل بهي الصورة، مشتمل ببردتين من صوف أبيض فلما قرب منا سلم علينا وانصرف عنا، فأعجبتني هيئته فقلت للسيد سلمه الله: من هذا الرجل؟ قال لي: أتنظر إلى هذا الجبل الشاهق؟
قلت: نعم، قال: إن في وسطه لمكانا حسنا وفيه عين جارية، تحت شجرة ذات أغصان كثيرة، وعندها قبة مبنية بالآجر، وإن هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبة، وأنا أمضي إلى هناك في كل صباح جمعة، وأزور الامام (عليه السلام) منها واصلي ركعتين، وأجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين، فمهما تضمنته الورقة أعمل به، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك وتزور الامام (عليه السلام) من القبة.
فذهبت إلى الجبل فرأيت القبة على ما وصف لي سلمه الله، ووجدت هناك خادمين، فرحب بي الذي مر علينا وأنكرني الآخر فقال له: لا تنكره فاني رأيته في صحبة السيد شمس الدين العالم، فتوجه إلي ورحب بي وحادثاني وأتيالي بخبز وعنب فأكلت وشربت من ماء تلك العين التي عند تلك القبة، وتوضأت و صليت ركعتين.
وسألت الخادمين عن رؤية الامام (عليه السلام) فقالا لي: الرؤية غير ممكنة وليس معنا إذن في إخبار أحد، فطلبت منهم الدعاء، فدعيا لي، وانصرفت عنهما، ونزلت من ذلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة.
فلما وصلت إليها ذهبت إلى دار السيد شمس الدين العالم، فقيل لي: إنه خرج في حاجة له، فذهبت إلى دارالشيخ محمد الذي جئت معه في المركب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري إلى الجبل، واجتماعي بالخادمين، وإنكار الخادم علي فقال لي: ليس لاحد رخصة في الصعود إلى ذلك المكان، سوى السيد شمس الدين وأمثاله، فلهذا وقع الانكار منه لك، فسألته عن أحوال السيد شمس الدين أدام الله إفضاله، فقال: إنه من أولاد أولاد الامام، وإن بينه وبين الامام (عليه السلام) خمسة آباء
[169]
وإنه النائب الخاص عن أمر صدر منه (عليه السلام).
قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرفه السلام: واستأذنت السيد شمس الدين العالم، أطال الله بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه، وقراءة القرآن المجيد، ومقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينية وغيرها فأجاب إلى ذلك وقال: إذا كان ولابد من ذلك فابدء أولا بقراءة القرآن العظيم.
فكان كلما قرأت شيئا فيه خلاف بين القراء أقول له: قرأ حمزة كذا، و قرأ الكسائي كذا، وقرأ عاصم كذا، وأبوعمروبن كثير كذا.
فقال السيد سلمه الله: نحن لا نعرف هؤلاء، وإنما القرآن نزل على سبعة أحرف، قبل الهجرة من مكة إلى المدينة وبعدها لما حج رسول الله صلى الله عليه واله حجة الوداع، نزل عليه الروح الامين جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد اتل علي القرآن حتى اعرفك أوائل السور، و أواخرها، وشأن نزولها (1).
فاجتمع إليه علي بن أبي طالب، وولداه الحسن والحسين عليهم السلام وابي بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبدالله الانصاري، و أبوسعيد الخدري، وحسان بن ثابت، وجماعة رضي الله عن المنتجبين منهم، فقرأ النبي صلى الله عليه واله القرآن من أوله إلى آخره، فكان كلما مر بموضع فيه اختلاف بينه له جبرئيل (عليه السلام)، و أميرالمؤمنين (عليه السلام) يكتب ذاك في درج من أدم فالجميع قراءة أميرالمؤمنين ووصي رسول رب العالمين.
فقلت له: يا سيدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها، وبما بعدها كأن فهمي القاصر، لم يصر إلى غورية (2) ذلك.
..........................................
* (هامش) *
(1) هذا وجه جمع بين الروايات الدالة على أن " القرآن نزل على سبعة أحرف " والروايات النافية لذلك المصرحة بأن " القرآن واحد، نزل من عند الواحد، وانما الاختلاف يجئ من قبل الرواة ".
(2) كذا في الاصل المطبوع والقياس " غور ذلك " يقال غار في الامر غورا: اى دقق النظر فيه. *
[170]
فقال: نعم، الامر كما رأيته وذلك (أنه) لما انتقل سيد البشر محمد بن عبدالله من دارالفناء إلى دار البقاء وفعل صنما قريش ما فعلاه، من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أميرالمؤمنين (عليه السلام) القرآن كله، ووضعه في إزار وأتى به إليهم وهم في المسجد.
فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه أمرني رسول الله صلى الله عليه واله أن أعرضه إليكم لقيام الحجة عليكم، يوم العرض بين يدي الله تعالى، فقال له فرعون هذه الامة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك، فقال (عليه السلام): لقد أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه واليه بقولك هذا، وإنما أردت بذلك إلقاء الحجة عليكم.
فرجع أميرالمؤمنين (عليه السلام) به إلى منزله، وهو يقول: لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك لا راد لما سبق في علمك، ولا مانع لما اقتضته حكمتك، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.
فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبوعبيدة بن الجراح، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان، وعبدالرحمان بن عوف، وطلحة بن عبيدالله، وأبوسعيد الخدري، وحسان بن ثابت، وجماعات المسلمين وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منهم، بعد وفاة سيدالمرسلين صلى الله عليه واله (1)
فلهذا ترى الآيات غيرمرتبطة والقرآن الذي جمعه أميرالمؤمنين (عليه السلام) بخطه محفوظ عند صاحب الامر (عليه السلام) فيه كل شئ حتى أرش الخدش، وأما هذااقرآن، فلا شك ولا شبهة في صحته، وإنما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الامر (عليه السلام).
قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل: ونقلت عن السيد شمس الدين حفظه الله مسائل كثيرة تنوب على تسعين مسألة، وهي عندي، جمعتها في مجلد وسميتها بالفوائد الشمسية ولا أطلع عليها إلا الخاص من المؤمنين، وستراه إنشاء الله تعالى.
..........................................
* (هامش) *
(1) يظهر من كلامه ذلك أن منشئ هذه القصة، كان من الحشوية الذين يقولون بتحريف القرآن لفظا، فسرد القصة على معتقداته. *
[171]
فلما كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر، وفرغنا من الصلاة وجلس السيد سلمه الله في مجلس الافادة للمؤمنين وإذا أنا أسمع هرجا ومرجا وجزلة (1) عظيمة خارج المسجد، فسألت من السيد عما سمعته، فقال لي: إن امراء عسكرنا يركبون في كل جمعة من وسط كل شهر، وينتظرون الفرج فاستأذنته في النظر إليهم فأذن لي، فخرجت لرؤيتهم، وإذاهم جمع كثير يسبحون الله ويحمدونه، ويهللونه عزوجل، ويدعون بالفرج للامام القائم بأمرالله والناصح لدين الله م ح م د بن الحسن المهدي الخلف الصالح، صاحب الزمان (عليه السلام).
ثم عدت إلى مسجد السيد سلمه الله فقال لي: رأيت العسكر؟ فقلت: نعم قال: فهل عددت امراءهم؟ قلت: لا قال: عدتهم ثلاث مائة ناصروبقي ثلاثة عشر ناصرا، ويعجل الله لوليه الفرج بمشيته إنه جواد كريم.
قلت: يا سيدي ومتى يكون الفرج؟ قال: يا أخي إنما العلم عندالله والامر متعلق بمشيته سبحانه وتعالى حتى أنه ربما كان الامام (عليه السلام) لا يعرف ذلك بل له علامات وأمارات تدل على خروجه.
من جملتها أن ينطق ذوالفقار بأن يخرج من غلافه، ويتكلم بلسان عربي مبين: قم ياولي الله على اسم الله، فاقتل بي أعداءالله.
ومنها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلهم الصوت الاول: أزفت الازفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثاني: ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمد عليهم السلام والثالث بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: إن الله بعث صاحب الامر م ح م د بن الحسن المهدي (عليه السلام) فاسمعوا له وأطيعوا.
فقلت: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الامر (عليه السلام) أنه قال لما امر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت إنه (عليه السلام) إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغير هم من فراعنة بني العباس، حتى أن الشيعة يمنع بعضها
..........................................
* (هامش) *
(1) من قولهم: " جزل الحمام: صاح " فالمراد بالجزلة صياح الناس ولغتهم. *
[172]
بعضا عن التحدث بذكره، وفي هذالزمان تطاولت المدة وأيس منه الاعداء وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم، وببركته (عليه السلام) لا يقدر أحد من الاعداء على الوصول إلينا.
قلت: يا سيدي! قد روت علماء الشيعة حديثا عن الامام (عليه السلام) أنه أباح الخمس لشيعته، فهل رويتم عنه ذلك؟ قال: نعم إنه (عليه السلام) رخص وأباح الخمس لشيعته من ولد علي (عليه السلام) وقال: هم في حل من ذلك، قلت: وهل رخص للشيعة أن يشتروا الاماء والعبيد من سبي العامة؟ قال: نعم، ومن سبي غير هم لانه (عليه السلام) قال: عاملوهم بما عاملوا به أنفسهم، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل التي سميتها لك.
وقال السيد سلمه الله: إنه يخرج من مكة بين الركن والمقام في سنة وتر فلير تقبها المؤمنون.
فقلت: يا سيدي قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن الله بالفرج فقال لي: اعلم يا أخي أنه تقدم إلي كلام بعودك إلى وطنك، ولا يمكنني وإياك المخالفة، لانك ذوعيال وغبت عنهم مدة مديدة، ولا يجوز لك التخلف عنهم أكثر من هذا، فتأثرت من ذلك وبكيت.
وقلت: يا مولاي وهل تجوز المراجعة في أمري؟ قال: لا، قلت: يا مولاي وهل تأذن لي في أن أحكي كلما قد رأيته وسمعته؟ قال: لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئن قلوبهم، إلا كيت وكيت وعين مالا أقوله.
فقلت: يا سيدي أما يمكن النظر إلى جماله وبهائه (عليه السلام)، قال: لا، ولكن اعلم يا أخي أن كل مؤمن مخلص يمكن أن يرى الامام ولا يعرفه، فقلت: يا سيدي أنا من جملة عبيده المخلصين، ولا رأيته.
فقال لي: بل رأيته مرتين مرة منها لما أتيت إلى سر من رأى وهي أول مرة جئتها، وسبقك أصحابك وتخلفت عنهم، حتى وصلت إلى نهر لا ماء فيه فحضر عندك فارس على فرس شهباء، وبيده رمح طويل، وله سنان دمشقي، فلما رأيته حفت
[173]
على ثيابك فلما وصل إليك قال لك: لا تخف اذهب إلى أصحابك، فانهم ينتظرونك تحت تلك الشجرة فأذكرني والله ما كان فقلت: قد كان ذلك يا سيدي.
قال: والمرة الاخرى حين خرجت من دمشق تريد مصرا مع شيخك الاندلسي، وانقطعت عن القافلة، وخفت خوفا شديدا، فعارضك فارس على فرس غراء محجلة، وبيده رمح أيضا، وقال لك: سرو لا تخف إلى قرية على يمينك ونم عند أهلها الليلة، وأخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه، ولا تتق منهم فانهم مع قرى عديدة جنوبي دمشق، مؤمنون مخلصون، يدينون بدين علي بن أبيطالب والائمة المعصومين من ذريته عليهم السلام.
أكان ذلك يا ابن فاضل؟ قلت: نعم - و ذهبت إلى عند أهل القرية ونمت عندهم فأعزوني وسألتهم عن مذهبم، فقالوا لي - من غير تقية مني -: نحن على مذهب أميرالمؤمنين، ووصي رسول رب العالمين علي بن أبي طالب والائمة المعصومين من ذريته عليهم السلام فقلت لهم: من أين لكم هذاالمذهب؟ ومن أوصله إليكم؟ قالوا: أبوذرالغفاري رضي الله عنه حين نفاه عثمان إلى الشام، ونفاه معاوية إلى أرضنا هذه، فعمتنا بركته، فلما أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة فجهزوا معي رجلين ألحقاني بها، بعد أن صرحت لهم بمذهبي.
فقلت له: يا سيدي هل يحج الامام (عليه السلام) في كل مدة بعد مدة؟ قال لي:
يا ابن فاضل! الدنيا خطوة مؤمن، فكيف بمن لم تقم الدنيا إلا بوجوده ووجود آبائه عليهم السلام، نعم يحج في كل عام ويزور آباءه في المدينة والعراق، وطوس، على مشرفيها السلام، ويرجع إلى أرضنا هذه.
ثم إن السيد شمس الدين حث علي بعدم التأخير بالرجوع إلى العراق وعدم الاقامة في بلاد المغرب، وذكر لي أن ذراهمهم مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله محمد بن الحسن القائم بأمر الله. وأعطاني السيد منها خمسة دراهم وهي محفوظة عندي للبركة.
ثم إنه سلمه الله وجهني مع المراكب التي أتيت معها إلى أن وصلنا إلى
تلك البلدة التي أول ما دخلتها من أرض البربر، وكان قد أعطاني حنطة وشعيرا فبعتها في تلك البلدة بمائة وأربعين دينارا ذهبا، من معاملة (1) بلاد المغرب ولم أجعل طريقي على الاندلس امتثالا لامر السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه وسافرت منها مع الحجج المغربي (2) إلى مكة شرفها الله تعالى وحججت، وجئت إلى العراق واريد المجاورة في الغري على مشرفيها السلام حتى الممات.
قال الشيخ زين الدين علي بن فاضل المازندراني: لم أرلعلماء الامامية عندهم ذكرا سوى خمسة: السيد المرتضى الموسوي، والشيخ أبوجعفر الطوسي ومحمد بن يعقوب الكليني، وابن بابويه، والشيخ أبوالقاسم جعفربن سعيد الحلي.
هذا آخر ما سمعته من الشيخ الصالح التقي والفاضل الزكي علي بن فاضل المذكور أدام الله إفضاله وأكثر من علماء الدهر وأتقيائه أمثاله، والحمدلله أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، وصلى الله على خير خلقه سيدالبرية، محمد وعلى آله الطاهرين المعصومين وسلم تسليما كثيرا.
بيان: " اللقلقة " بفتح اللامين: الصوت، والقفل بالتحريك اسم جمع للقافل، وهو الراجع من السفر، وبه سمي القافلة قوله: " تنوف " أي تشرف وترتفع وتزيد.
أقول: و لنلحق بتلك الحكاية، بعض الحكايات التي سمعتها عمن قرب من زماننا.
فمنها ما أخبرني جماعة عن السيد الفاضل أمير علام قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدسة بالغري على مشرفها السلام وقد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها، إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الروضة المقدسة فأقبلت إليه فلما قربت منه عرفت أنه استاذنا الفاضل العالم التقي الذكي مولانا أحمد الاردبيلي قدس الله روحه.
..........................................
* (هامش) *
(1) المعاملة: قد يطلق ويراد به ما يتعامل به من الدينار والدرهم (2) الحجج بضمتين: جمع للحجاج شاذ - اللسان -. *
[175]
فأخفيت نفسي عنه، حتى أتى الباب، وكان مغلقا، فانفتح له عند وصوله إليه، ودخل الروضة، فسمعته يكلم كأنه يناجي أحدا ثم خرج، واغلق الباب فمشيت خلفه حتى خرج من الغري وتوجه نحو مسجد الكوفة.
فكنت خلفه بحيث لا يراني حتى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي استشهد أميرالمؤمنين صلوات الله عليه عنده، ومكث طويلا ثم رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري.
فكنت خلفه حتى قرب من الحنانة فأخذني سعال لم أقدر على دفعه، فالتفت إلي فعرفني، وقال: أنت مير علام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع ههنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة إلى الآن واقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة، من البداية إلى النهاية.
فقال: اخبرك على أن لا تخبربه أحدا ما دمت حيا فلما توثق ذلك مني قال: كنت افكر في بعض المسائل وقد أغلقت علي، فوقع في قلبي أن آتي أميرالمؤمنين (عليه السلام) وأسأله عن ذلك، فلما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الروضة وابتهلت إلى الله تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن ائت مسجد الكوفة وسل عن القائم (عليه السلام) فانه إمام زمانك فأتيت عند المحراب، وسألته عنها واجبت وها أنا أرجع إلى بيتي.
ومنها ما أخبرني به والدي رحمه الله قال: كان في زماننا رجل شريف صالح كان يقال له: أمير إسحاق الاستر ابادي، وكان قد حج أربعين حجة ماشيا وكان قد اشتهر بين الناس أنه تطوى له الارض.
فورد في بعض السنين بلدة إصفهان، فأتيته وسألته عما اشتهر فيه، فقال:
كان سبب ذلك أني كنت في بعض السنين مع الحاج متوجهين إلى بيت الله الحرام فلما وصلنا إلى موضع كان بيننا وبين مكة سبعة منازل أو تسعة تأخرت عن القافلة لبعض الاسباب حتى غابت عني، وضللت عن الطريق، وتحيرت وغلبني العطش حتى أيست من الحياة.
فناديت: يا صالح يا أبا صالح أرشدونا إلى الطريق يرحمكم الله فتراءى لي في منتهى البادية شبح، فلما تأملته حضر عندي في زمان يسير فرأيته شابا حسن الوجه نقي الثياب، أسمر، على هيئة الشرفاء، راكبا على جمل، ومعه أداوة، فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: أنت عطشان؟ قلت: نعم فأعطاني الاداوة فشربت ثم قال: تريد أن تلحق القافلة؟ قلت: نعم، فأردفني خلفه، وتوجه نحو مكة.
وكان من عادتي قراءة الحرز اليماني في كل يوم، فأخذت في قراءته فقال (عليه السلام) في بعض المواضع: اقرأ هكذا، قال: فما مضى إلا زمان يسير حتى قال لي: تعرف هذا الموضع؟ فنظرت فاذا أنا بالابطح فقال: انزل، فلما نزلت رجعت وغاب عني.
فعند ذلك عرفت أنه القائم (عليه السلام) فندمت وتأسفت على مفارقته، وعدم معرفته فلما كان بعد سبعة أيام أتت القافلة، فرأوني في مكة بعد ما أيسوا من حياتي فلذا اشتهرت بطي الارض.
قال الوالد - رحمه الله -: فقرأت عنده الحرز اليماني وصححته وأجازني والحمد لله.
ومنها ما أخبرني به جماعة عن جماعة عن السيد السند الفاضل الكامل ميرزا محمد الاستر ابادي نورالله مرقده أنه قال: إني كنت ذات ليلة أطوف حول بيت الله الحرام إذ أتى شاب حسن الوجه، فأخذ في الطواف، فلما قرب مني أعطاني طاقة ورد أحمر في غير أوانه، فأخذت منه وشممته، وقلت له: من أين
يا سيدي، قال: من الخرابات ثم غاب عني فلم أره.
ومنها ما أخبرني به جماعة من أهل الغري على مشرفه السلام أن رجلا من أهل قاشان أتى إلى الغري متوجها إلى بيت الله الحرام، فاعتل علة شديدة حتى يبست رجلاه، ولم يقدر على المشي، فخلفه رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصلحاء كان يسكن في بعض حجرات المدرسة المحيطة بالروضة المقدسة، وذهبوا إلى الحج.
[177]
فكان هذا الرجل يغلق عليه الباب كل يوم، ويذهب إلى الصحاري للتنزه ولطلب الدراري التي تؤخذ منها، فقال له في بعض الايام: إني قد ضاق صدري واستوحشت من هذا المكان، فاذهب بي اليوم واطرحني في مكان واذهب حيث شئت.
قال: فأجابني إلى ذلك، وحملني وذهب بي إلى مقام القائم صلوات الله عليه خارج النجف فأجلسني هناك وغسل قميصه في الحوض وطرحها على شجرة كانت هناك، وذهب إلى الصحراء، وبقيت وحدي مغموما افكر فيما يؤول إليه أمري فاذا أنا بشاب صبيح الوجه، أسمر اللون، دخل الصحن. وسلم علي وذهب إلى بيت المقام، وصلى عند المحراب ركعات، بخضوع وخشوع لم أر مثله قط فلما فرغ من الصلاة خرج وأتاني وسألني عن حالي فقلت له: ابتليت ببلية ضقت بها لا يشفيني الله فأسلم منها، ولا يذهب بي فأستريح، فقال: لا تحزن سيعطيك الله كليهما، وذهب.
فلما خرج رأيت القميص وقع على الارض، فقمت وأخذت القميص وغسلتها وطرحتها على الشجر، فتفكرت في أمري وقلت: أنا كنت لا أقدر على القيام والحركة، فكيف صرت هكذا؟ فنظرت إلى نفسي فلم أجد شيئا مما كان بي فعلمت أنه كان القائم صلوات الله عليه، فخرجت فنظرت في الصحراء فلم أر أحدا فندمت ندامة شديدة.
فلما أتاني صاحب الحجرة، سألني عن حالي وتحير في أمري فأخبرته بما جرى فتحسر على مافات منه ومني، ومشيت معه إلى الحجرة.
قالوا: فكان هكذا سليما حتى أتى الحاج ورفقاؤه، فلما رآهم وكان معهم قليلا، مرض ومات، ودفن في الصحن، فظهر صحة ما أخبره (عليه السلام) من وقوع الامرين معا.
وهذه القصة من المشهورات عند أهل المشهد، وأخبرني به ثقاتهم وصلحاؤهم.
ومنها ما أخبرني به بعض الافاضل الكرام، والثقات الاعلام، قال: أخبرني بعض من أثق به يرويه عمن يثق به، ويطريه أنه قال: لما كان بلدة البحرين تحت ولاية الافرنج، جعلوا واليها رجلا من المسلمين، ليكون أدعى إلى تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب وله وزير أشد نصبا منه يظهر العداوة لاهل البحرين لحبهم لاهل البيت عليهم السلام ويحتال في إهلاكهم وإضرارهم بكل حيلة.
فلما كان في بعض الايام دخل الوزير على الوالي وبيده رمانة فأعطاها الوالي فاذا كان مكتوبا عليها " لا إله إلا الله محمد رسول الله أبوبكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول الله " فتأمل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون من صناعة بشر، فتعجب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بينة، وحجة قوية، على إبطال مذهب الرافضة، فما رأيك في أهل البحرين.
فقال له: أصلحك الله إن هؤلاء جماعة متعصبون، ينكرون البراهين، وينبغي لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمانة، فان قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، وإن أبوا إلا المقام على ضلالتهم فخيرهم بين ثلاث: إما أن يؤدوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البينة التي لا محيص لهم عنها أو تقتل رجالهم وتسبى نساءهم وأولادهم، وتأخذ بالغنيمة أموالهم.
فاستحسن الوالي رأيه، وأرسل إلى العلماء والافاضل الاخيار، والنجباء والسادة الابرار، من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة، وأخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف: من القتل والاسر وأخذ الاموال أو أخذ الجزية على وجه الصغار كالكفار، فتحيروا في أمرها، ولم يقدروا على جواب، وتغيرت وجوههم وارتعدت فرائصهم.
فقال كبراؤهم: أمهلنا أيها الامير ثلاثة أيام لعلنا نأتيك بجواب ترتضيه وإلا فاحكم فينا ما شئت، فأمهلهم، فخرجوا من عنده خائفين مرعوبين متحيرين.
فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك، فاتفق رأيهم على أن يختاروا
[179]
من صلحاء البحرين وزهادهم عشرة، ففعلوا، ثم اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لاحدهم: اخرج الليلة إلى الصحراء واعبدالله فيها، واستغث بام زماننا، وحجة الله علينا، لعله يبين لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء.
فخرج وبات طول ليلته متعبدا خاشعا داعيا باكيا يدعو الله، ويستغيث بالامام (عليه السلام)، حتى أصبح ولم ير شيئا، فأتاهم وأخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم.
فأحضروا الثالث وكان تقيا فاضلا اسمه محمد بن عيسى، فخرج الليلة الثالثة حافيا حاسر الرأس إلى الصحراء وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى، وتوسل إلى الله تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البلية عنهم واستغاث بصاحب الزمان.
فلما كان آخر الليل، إذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمد بن عيسى مالي أراك على هذه الحالة، ولماذا خرجت إلى هذه البرية؟ فقال له: أيها الرجل دعني فإني خرجت لامر عظيم وخطب جسيم، لات أذكره إلا لامامي ولا أشكوه إلا إلى من يقدر على كشفه عني.
فقال: يا محمد بن عيسى! أنا صاحب الامر فاذكر حاجتك، فقال: إن كنت هو فأنت تعلم قصتي ولا تحتاج إلى أن أشرحها لك، فقال له: نعم، خرجت لما دهمكم من أمر الرمانة، وما كتب عليها وما أوعدكم الامير به، قال: فلما سمعت ذلك توجهت إليه وقلت له: نعم يا مولاي، قد تعلم ما أصابنا، وأنت إمامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنا.
فقال صلوات الله عليه: يا محمد بن عيسى إن الوزير لعنه الله في داره شجرة رمان فلما حملت تلك الشجرة صنع شيئا من الطين على هيئة الرمانة، وجعلها نصفين وكتب في داخل كل نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعهما على الرمانة، وشدهما عليها وهي صغيرة فأثر فيها، وصارت هكذا.
فاذا مضيتم غدا إلى الوالي، فقل له: جئتك بالجواب ولكني لا ابديه إلا في دار الوزير فإذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك، ترى فيها غرفة، فقل للوالي: لا اجيبك
[180]
إلا في تلك الغرفة، وسيأبى الوزير عن ذلك، وأنت بالغ في ذلك ولا ترض إلا بصعودها فاذا صعد فاصعد معه، ولا تتركه وحده يتقدم عليك، فاذا دخلت الغرفة رأيت كوة فيها كيس أبيض، فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جلية الحال.
وأيضا يا محمد بن عيسى قل للوالي: إن لنا معجزة اخرى وهي أن هذه الرمانة ليس فيها إلا الرماد والدخان وإن أردت صحة ذلك فاءمر الوزير بكسرها، فاذا كسرها طار الرماد والدخان على وجهه ولحيته.
فلما سمع محمد بن عيسى ذلك من الامام، فرح فرحا شديدا وقبل بين يدي الامام صلوات الله عليه، وانصرف إلى أهله بالبشارة والسرور.
فلما أصبحوا مضوا إلى الوالي ففعل محمد بن عيسى كل ما أمره الامام وظهر كل ما أخبره، فالتفت الوالي إلى محمد بن عيسى وقال له: من اخبرك بهذا؟ فقال:
إمام زماننا، وحجة الله علينا، فقال: ومن إمامكم؟ فأخبره بالائمة واحدا بعد واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الامر صلوات الله عليهم.
فقال الوالي: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الخليفة بعده بلا فصل أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) ثم أقر بالائمة إلى آخرهم عليهم السلام وحسن إيمانه، وأمر بقتل الوزير واعتذر إلى أهل البحرين وأحسن إليهم وأكرمهم.
قال: وهذه القصة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسى عندهم معروف يزوره الناس.