الحكاية السادسة عشرة حدثني العالم الجليل، والفاضل النبيل، مصباح المتقين، وزين المجاهدين السيد الايد مولانا السيد محمد ابن العالم السيد هاشم بن مير شجعاعتعلي الموسوي الرضوي الجفي المعروف بالهدني سلمه الله تعالى وهو من العلماء المتقين، وكان يؤم الجماعة في داخل حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وله خبرة وبصيرة بأغلب العلوم
[244]
المتداولة، وهو الآن من مجاوري بلدتنا الشريفه عمرها الله تعالى بوجود الابرار والصلحاء.
قال: كان رجل صالح يسمى الحاج عبدالواعظ كان كثير التردد إلى مسجد السهلة والكوفة، فنقل لي الثقة الشيخ باقر بن الشيخ هادي المقدم ذكره قال: وكان عالما بالمقدمات وعلم القراءة وبعض علم الجفر، وعنده ملكة الاجتهاد المطلق إلا أنه مشغول عن الاستنباط لاكثر من قدر حاجته بمعيشة العيال، وكان يقرء المراثي ويؤم الجماعة، وكان صدوقا خيرا معتمدا، عن الشيخ مهدي الزربجاوي قال: كنت في مسجد الكوفة، فوجدت هذا العبد الصالح خرج إلى النجف بعد نصف الليل ليصل إليه أول النهار، فخرجت معه لاجل ذلك أيضا.
فلما انتهينا إلى قريب من البئر التي في نصف الطريق لاح لي اسد على قارعة الطريق، والبرية خالية من الناس ليس فيها إلا أنا وهذا الرجل، فوقفت عن المشي، فقال: ما بالك؟ فقلت: هذا الاسد، فقال: امش ولا تبال به، فقلت:
كيف يكون ذلك؟ فاصر علي فأبيت فقال لي: إذا رأيتني وصلت إليه ووقفت بحذائه ولم يضرني، أفتجوز الطريق وتمشي؟ فقلت نعم، فتقدمني إلى الاسد حتى وضع يده على ناصيته، فلما رأيت ذلك اسرعت في مشيي حتى جزتهما وأنا مرعوب ثم لحق بي وبقي الاسد في مكانه.
قال نور الله قلبه: قال الشيخ باقر وكنت في أيام شبابي خرجت مع خالي الشيخ محمد علي القارئ مصنف الكتب الثلاثة الكبير والمتوسط والصغير، ومؤلف كتاب التعزية، جمع فيه تفصيل قضية كربلا من بدئها إلى ختامها بترتيب حسن وأحاديث منتخبة إلى مسجد السهلة وكان في تلك الاوقات موحشا في الليل ليس فيه هذه العمارة الجديدة، والطريق بينه وبين مسجد الكوفة كان صعبا أيضا ليس بهذه السهولة الحاصلة بعد الاصلاح.
فلما صلينا تحية مقام المهدي (عليه السلام) نسي خالي سبيله وتتنه، فذكر ذلك بعد ما خرجنا وصرنا في باب المسجد فبعثني إليها.
فلما دخلت وقت العشاء إلى المقام فتناولت ذلك، وجدت جمرة نار كبيرة تلهب في وسط المقام، فخرجت مرعوبا منها فرآني خالي على هيئة الرعب، فقال لي: ما بالك؟ فأخبرته بالجمرة، فقاللي سنصل إلى مسجد الكوفة، ونسأل العبد الصالح عنها، فانه كثير التردد إلى هذا المقام، ولا يخلو من أن يكون له علم بها.
فلما سأله خالي عنها قال: كثيرا ما رأيتها في خصوص مقام المهدي (عليه السلام) من بين المقامات والزوايا.
الحكاية السابعة عشرة قال نضر الله وجهه: وأخبرني الشيخ باقر المزبور عن السيد جعفر ابن السيد الجليل السيد باقر القزويني الآتي ذكره، قال: كنت أسير مع ابي إلى مسجد السهلة فلما قاربناها قلت له: هذه الكلمات التي أسمعها من الناس أن من جاء إلى مسجد السهلة في أربعين أربعاء فانه يرى المهدي (عليه السلام) ارى أنها لا اصل لها، فالتفت إلي مغضبا وقال لي: ولم ذلك؟ لمحض أنك لم تره؟ أوكل شئ لم تره عيناك فلا أصل له؟ وأكثر من الكلام علي حتى ندمت على ما قلت.
ثم دخلنا معه المسجد، وكان خاليا من الناس فلما قام في وسط المسجد ليصلي ركعتين للاستجارة اقبل رجل من ناحية مقام الحجة (عليه السلام) ومر بالسيد فسلم عليه وصافحه والتفت إلي السيد والدي وقال: فمن هذا؟ فقلت: أهو المهدي (عليه السلام) فقال: فمن؟ فركضت اطلبه فلم أجده في داخل المسجد ولا في خارجه.
الحكاية الثامنة عشرة وقال اصلح الله باله: وأخبر الشيخ باقرالمزبور عن رجل صادق اللهجة كان حلاقا وله أب كبير مسن، وهو لا يقصر في خدمته، حتى أنه يحمل له الابريق إلى الخلاء، ويقف ينتظره حتى يخرج فيأخذه منه ولا يفارق خدمته إلا ليلة
الاربعاء فانه يمضي إلى مسجد السهلة ثم ترك الرواح إلى المسجد، فسألته عن سبب ذلك، فقال: خرجت أربعين أربعاء فلما كانت الاخيرة لم يتيسر لي أن أخرج إلى قريب المغرب فمشيت وحدي وصار الليل، وبقيت أمشي حتى بقي ثلث الطريق، وكانت الليلة مقمرة.
فرأيت أعرابيا على فرس قد قصدني فقلت في نفسي هذا سيسلبني ثيابي فلما انتهى الي كلمني بلسان البدو من العرب، وسألني عن مقصدي، فقلت: مسجد السهلة، فقال: معك شئ من المأكول؟ فقلت: لا، فقال: أدخل يدك في جيبك.
هذا نقل بالمعنى وأما اللفظ " دورك يدك لجيبك " فقلت: ليس فيه شئ فكرر علي القول بزجر حتى أدخلت يدي في جيبي، فوجدت فيه زبيبا كنت اشتريته لطفل عندي، ونسيته فبقي في جيبي.
ثم قال لي الاعرابي: أوصيك بالعود، أوصيك بالعود، أوصيك بالعود والعود في لسانهم اسم للاب المسن، ثم غاب عن بصري فعلمت أنه المهدي (عليه السلام) وأنه لا يرضى بمفارقتي لابي حتى في ليلة الاربعاء فلم أعد.
الحكاية التاسعة عشرة وقال أدام الله إكرامه: رأيت في رواية ما يدل على أنك إذا أردت أن تعرف ليلة القدر، فاقرء " حم الدخان " كل ليلة في شهر رمضان مائة مرة إلى ليلة ثلاث وعشرين، فعملت ذلك وبدأت في ليلة الثلاث والعشرين أقرء على حفظي بعد الفطور إلى أن خرجت إلى الحرم العلوي في أثناء الليل، فلم أجد لي موضعا أستقر فيه إلا أن أجلس مقابلا للوجه، مستديرا للقبلة، بقرب الشمع المعلق لكثرة الناس في تلك الليلة.
فتربعت واستقبلت الشباك، وبقيت أقرء " حم " فبينما أنا كذلك إذ وجدت إلى جنبي أعرابيا متربعا ايضا معتدل الظهر اسمر اللون حسن العينين والانف والوجه، مهيبا جدا كأنه من شيوخ الاعراب إلا أنه شاب م ولا أذكر هل كان
[247]
له لحية خفيفة أم لم تكن، واظن الاول.
فجعلت في نفسي أقول: ما الذي أتى بهذا البدوي إلى هذا الموضع؟ و يجلس هذا الجلوس العجمي؟ وما حاجته في الحرم؟ وأين منزله في هذا الليل؟
أهو من شيوخ الخزاعة واضافه بعض الخدمة مثل الكليد دار أو نائبه، وما بلغني خبره، وما سمعت به.
ثم قلت في نفسي: لعله المهدي (عليه السلام) وجعلت أنظر في وجهه، وهو يلتفت يمينا وشمالا إلى الزوار من غير إسراع في الالتفات ينافي الوقار، وجلست امرأة قدامي لاصقة بظهرها ركبتي، فنظرت إليه متبسما ليراها على هذه الحالة فيتبسم على حسب عادة الناس، فنظر إليها وهو غير متبسم وإلي ورجع إلى النظر يمينا وشمالا فقلت: أسأله أنه أين منزله؟ أو من هو؟
فلما هممت بسؤاله انكمش فؤادي انكماشا تأذيت منه جدا، وظننت أن وجهي اصفر من هذه الحالة، وبقي الالم في فؤادي حتى قلت في نفسي: اللهم إني لا أسأله، فدعني يا فؤادي وعد إلى السلامة من هذا الالم، فاني قد أعرضت عما أردت من سؤاله، وعزمت على السكوت، فعند ذلك سكن فؤادي وعدت إلى التفكر في أمره.
وهممت مرة ثانية بالاستفسار منه، وقلت: أي ضرر في ذلك؟ وما يمنعني من أن أسأله فانكمش فؤادي مرة ثانية عند ما هممت بسؤاله، وبقيت متألما مصفرا حتى تأذيت، وقلت: عزمت أن لا أسأله ولا أستفسر إلى أن سكن فؤادي، وأنا أقرء لسانا وأنظر إلى وجهه وجماله وهيبته، وأفكر فيه قلبا، حتى أخذني الشوق إلى العزز مرة ثالثة على سؤاله، فانكمش فؤادي وتأذيت في الغاية وعزمت عزما صادقا على ترك سؤاله، ونصبت لنفسي طريقا إلى معرفته، غير الكلام معه، وهو أني لا أفارقه وأتبعه حيث قام ومشى حتى أنظر أين منزله إن كان من سائر الناس أو يغيب عن بصري إن كان الامام (عليه السلام).
فأطال الجلوس على تلك الهيئة، ولا فاصل بيني وبينه، بل الظاهر أن ثيابي
ملاصقة لثيابه وأحببت أن أعرف الوقت والساعة، وأنا لا اسمع من كثرة أصوات الناس صوت ساعات الحرم، فصار في مقابلي رجل عنده ساعة، فقمت لاسأله عنها وخطوت خطوة ففاتني صاحب الساعة، لتزاحم الناس، فعدت بسرعة إلى موضعي ولعل إحدى رجلي لم تفارقه فلم أجد صاحبي وندمت على قيامي ندما عظيما وعاتبت نفسي عتابا شديدا.
الحكاية العشرون قصة العابد الصالح التقي السيد محمد العاملي رحمه الله ابن السيد عباس سلمه الله [آل العباس شرف الدين] الساكن في قرية جشيث من قرى جبل عامل وكان من قصته أنه رحمه الله لكثرة تعدي الجور عليه خرج من وطنه خائفا هاربا مع شدة فقره، وقلة بضاعته، حتى أنه لم يكن عنده يوم خروجه إلا مقدارا لا يسوى قوت يومه، وكان متعففا لا يسأل أحدا.
وساح في الارض برهة من دهره، ورأى في أيام سياحته في نومه ويقظته عجائب كثيرة، إلى أن انتهى أمره إلى مجاورة النجف الاشرف على مشرفها آلاف التحية والتحف، وسكن في بعض الحجرات الفوقانية من الصحن المقدس وكان في شدة الفقر، ولم يكن يعرفه بتلك الصفة إلا قليل وتوفي رحمه الله في النجف الاشرف، بعد مضي خمس سنوات من يوم خروجه من قريته.
وكان أحيانا يراودني، وكان كثير العفة والحياء يحضر عندي أيام إقامة التعزية، وربما استعار مني بعض كتب الادعية لشدة ضيق معاشه، حتى أن كثيرا ما لا يتمكن لقوته إلا [على] تميرات، يواظب الادعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئا من الاذكار المروية والادعية المأثورة.
واشتغل بعض أيامه على عرض حاجته على صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان أربعين يوما وكان يكتب حاجته، ويخرج كل يوم قبل طلوع الشمس من البلد من الباب الصغير الذي يخرج منه إلى بحر، ويبعد عن طرف اليمين
مقدار فرسخ أو أزيد، بحيث لا يراه أحد ثم يضع عريضته في بندقة من الطين ويودعها أحد نوابه سلام الله عليه، ويرميها في الماء للى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوما.
فلما فعل ما يفعله كل يوم ورجع قال: كنت في غاية الملالة وضيق الخلق وأمشي مطرقا رأسي، فالتفت فاذا أنا برجل كأنه لحق بي من ورائي وكان في زي العرب، فسلم علي فرددت (عليه السلام) بأقل ما يرد، وما التفت إليه لضيق خلقي فسايرني مقدارا وأنا على حالي، فقال بلهجة أهل قريتي: سيد محمد ما حاجتك؟
يمضي عليك ثمانية أو تسعة وثلاثون يوما تخرج قبل طلوع الشمس إلى المكان الفلاني وترمي العريضة في الماء تظن أن إمامك ليس مطلعا على حاجتك؟.
قال: فتعجبت من ذلك لاني لم اطلع أحدا على شغلي، ولا أحد رآني، ولا أحد من أهل جبل عامل في المشهد الشريف لم أعرفه، خصوصا أنه لابس الكفية والعقال وليس مرسوما في بلادنا، فخطر في خاطري وصولي إلى المطلب الاقصى، وفوزي بالنعمة العظمى، وأنه الحجة على البرايا، إمام العصر عجل الله تعالى فرجه.
وكنت سمعت قديما أن يده المباركة في النعومة بحيث لا يبلغها يد أحد من الناس، فقلت في نفسي: أصافحه فان كان يده كما سمعت اصنع ما يحق بحضرته فمددت يدي وأنا على حالي لمصافحته، فمد يده المباركة فصافحته، فاذا يده كما سمعت، فتيقنت الفوز والفلاح، فرفعت رأسي، ووجهت له وجهي، وأردت تقبيل يده المباركة، فلم أر أحدا.
قلت: ووالده السيد عباس حي إلى حال التأليف، وهو من بني أعمام العالم الحبر الجليل، والسيد المؤيد النبيل، وحيد عصره، وناموس دهره السيد صدرالدين العاملي المتوطن في إصبهان تلميذ العلامة الطباطبائي بحر العلوم أعلى الله مقامهما.
الحكاية الحادية والعشرون وحدث السيد الصالح المتقدم ذكره، قدس الله روحه: قال وردت المشهد المقدس الرضوي عليه الصلاة والسلام للزيارة، وأقمت فيه مدة، وكنت في ضنك
[250]
وضيق مع وفور النعمة، ورخص اسعارها، ولما أردت الرجوع مع سار الزائرين لم يكن عندي شئ من الزاد حتى قرصة لقوت يومي، فتخلفت عنهم، وبقيت يومي إلى زوال الشمس فزرت مولاي وأديت فرض الصلاة فرأيت أني لولم ألحق بهم لا يتيسر لي الرفقة عن قريب وإن بقيت أدركتني الشتاء ومت من البرد.
فخرجت من الحرم المطهرمع ملالة الخاطر، وقلت في نفسي: أمشي على أثرهم، فان مت جوعا استرحت، وإلا لحقت بهم، فخرجت من البلد الشريف وسألت عن الطريق، وصرت أمشي حتى غربت الشمس وما صادفت أحدا، فعلمت أني أخطأت الطريق، وأنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى الحنظل، وقد أشرفت من الجوع والعطش على الهلاك، فصرت أكسر حنظلة حنظلة لعلي أظفر من بينها بحبحب (1) حتى كسرت نحوا من خمسمائة، فلم أظفر بها، وطلبت الماء والكلاء حتى جنني الليل، ويئست منهما، فأيقنت الفناء واستسلمت للموت، وبكيت على حالي.
فتراءى لي مكان مرتفع، فصعدته فوجدت في أعلاها عينا من الماء فتعجبت وشكرت الله عزوجل وشربت الماء وقلت في نفسي: أتوضأ وضوء الصلاة وأصلي لئلا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمة بها، فبادرت إليها.
فلما فرغت من العشاء الآخرة اظلم الليل وامتلا البيداء من اصوات السباع وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الاسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقد كأنها السراج، فزادت وحشتي إلا أني كنت مستسلما للموت، فأدركني النوم لكثرة التعب، وما أفقت إلا والاصوات قد انخمدت، والدنيا بنور القمر قد أضاءت، وأنافي غاية الضعف، فرأيت فارسا مقبلا علي فقلت في نفسي إنه يقتلني لانه يريد متاعي فلا يجد شيئا عندي فيغضب لذلك فيقتلني، ولا أقل من أن تصيبني منه جراحة.
.................................................
* (هامش) *
(1) الحبحب: البطيخ الشامي الذي تسميه أهل العراق: الرقى، والفرس: الهندي.
قاله الفيروز آبادي والظاهر أنه يشبه الحنظل من حيث الصورة.
[251]
فلما وصل إلي سلم علي فرددت (عليه السلام) وطابت منه نفسي، فقال: مالك؟
فأومأت إليه بضعفي، فقال: عندك ثلاث بطيخات، لم لا تأكل منها؟ فقلت: لا تستهزءني ودعني على حالي، فقال لي: انظر إلى ورائك، فنظرت فرأيت شجرة بطيخ عليها ثلاث بطيخات كبار، فقال: سد جوعك بواحدة، وخذ معك اثنتين، وعليك بهذا الصراط المستقيم، فامش عليه، وكل نصف بطيخة أول النهار، والنصف الآخر عند الزوال، واحفظ بطيخة فانها تنفعك، فاذا غربت الشمس، تصل إلى خيمة سوداء، يوصلك أهلها إلى القافلة، وغاب عن بصري.
فقمت إلى تلك البطيخات، فكسرت واحدة منها فرأيتها في غاية الحلاوة واللطافة كأني ما أكلت مثلها فأكلتها، وأخذت معي الاثنتين، ولزمت الطريق، وجعلت أمشي حتى طلعت الشمس، ومضى من طلوعها مقدار ساعة، فكسرت واحدة منهما وأكلت نصفها وسرت إلى زوال الشمس، فأكلت النصف الآخر وأخذت الطريق.
فلما الغروب بدت لي تلك الخيمة، ورآني أهلها فبادروا إلي وأخذوني بعنف وشدة، وذهبوا بي إلى الخيمة كأنهم زعموني جاسوسا، وكنت لا أعرف التكلم إلا بلسان العرب، ولا يعرفون لساني، فأتوا بي إلى كبيرهم، فقال لي بشدة وغضب: من أين جئت؟ تصدقني وإلا قتلتك فأفهمته بكل حيلة شرحا من حالي.
فقال: أيها السيد الكذاب لا يعبر من الطريق الذي تدعيه متنفس إلا تلف أو أكله السباع، ثم إنك كيف قدرت على تلك المسافة البعيدة في الزمان الذي تذكره ومن هذا المكان إلى المشهد المقدس مسيرة ثلاثة أيام اصدقني وإلا قتلتك، وشهر سيفه في وجهي.
فبداله البطيخ من تحت عبائي فقال: ما هذا؟ فقصصت عليه قصته، فقال الحاضرون: ليس في هذا الصحراء بطيخ خصوصا هذه البطيخة التي ما رأينا مثلها أبدا فرجعوا إلى أنفسهم، وتكلموا فيما بينهم، وكأنهم علموا صدق مقالتي، وأن هذه معجزة من الامام عليه آلاف التحية والثناء والسلام (1) فأقبلوا علي وقبلوا
.................................................
* (هامش) *
(1) ويأتي في ذيل الحكاية الثالثة والخمسين دفع ما ربما يتوهم في هذه الحكاية وأمثالها من عدم وجود شاهد فيها على كون المستغاث هو الحجة (عليه السلام)، منه رحمه الله.
يدي وصدروني في مجلسهم، وأكرموني غاية الاكرام، وأخذوا لباسي تبركا به وكسوني ألبسة جديدة فاخرة، واضافوني يومين وليلتين.
فلما كان اليوم الثالث أعطوني عشرة توامين، ووجهوا معي ثلاثة منهم حتى أدركت القافلة.
الحكاية الثانية والعشرون السيد الشهيد القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين في ترجمة آية الله العلامة الحلي قدس سره أن من جملة مقاماته العالية، أنه اشتهر عند أهل الايمان أن بعض علماء أهل السنة ممن تتلمذ (1) عليه العلامة في بعض الفنون ألف كتابا في رد الامامية، ويقرء للناس في مجالسه ويضلهم، وكان لا يعطيه أحدا خوفا من أن يرده أحد من الامامية، فاحتال رحمه الله في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل تتلمذه عليه وسيلة لاخذه الكتاب منه عارية، فالتجأ الرجل واستحيى من رده وقال:
إني آليت على نفسي أن لا أعطيه أحدا أزيد من ليلة، فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان، فأخذه منه وأتى به إلى بيته لينقل منه ما تيسر منه.
فلما اشتغل بكتابته وانتصف الليل، غلبه النوم، فحضر الحجة (عليه السلام) وقال:
ولني الكتاب وخذ في نومك فانتبه العلامة وقد تم الكتاب باعجازه (عليه السلام) (2).
وظاهر عبارته يوهم أن الملاقاة والمكالمة كان في اليقظة وهو بعيد والظاهر أنه في المنام والله العالم.
.................................................
* (هامش) *
(1) هذا هو الصحيح، يقال: تلمذ له وتتلمذ: صار تلميذا له، والتلميذ المتعلم والخادم، وعن بعضهم هو الشخص الذي يسلم نفسه لمعلم ليعلمه صنعته سواء كانت علما أو غيره فيخدمه مدة حتى يتعلمها منه، وأما ما في الاصل المطبوع " تلمذ " بتشديد الميم فهو من الاغلاط المشهورة.
(2) ورأيت هذه الحكاية في مجموعة كبيرة، من جمع الفاضل الالمعى على بن أبراهيم المازندراني وبخطه، وكان معصاصرا للشيخ البهائي رحمه الله، هكذا:
الحكاية الثالثة والعشرون في مجموعة نفيسة عندي كلها بخط العالم الجليل شمس الدين محمد ابن علي بن الحسن الجباعي جد شيخنا البهائي وهوالذي ينتهي نسخ الصحيفة الكاملة إلى الصحيفة التي كانت بخطه، وكتبها من نسخة الشهيد الاول رحمه الله وقد نقل عنه عن تلك المجموعة وغيرها العلامة المجلسي كثيرا في البحار، وربما عبر هو وغيره كالسيد نعمة الله الجزائري في أول شرح الصحيفة عنه بصاحب الكرامات، ما لفظه:
قال السيد تاج الدين محمد بن معية الحسني أحسن الله إليه حدثني والدي القاسم بن الحسن بن معية الحسني تجاوز الله عن سيئاته أن المعمر بن غوث السنبسي ورد إلى الحلة مرتين إحداهما قديمة لا أحقق تاريخها والاخرى قبل فتح بغداد بسنتين قال والدي: وكنت حينئذ ابن ثمان سنوات، ونزل على الفقيه مفيد الدين ابن جهم، وتردد إليه الناس، وزاره خالي السعيد تاج الدين بن معية، وأنا
.................................................
* (هامش) *
الشيخ الجليل جمال الدين الحلي، كان علامة الزمان إلى أن قال: وقد قبل: انه كان يطلب من بعض الافاضل كتابا لينتسخه، وهو كان يأبى عليه، وكان كتابا كبيرا جدا، فاتفق أن أخذه منه شرطا: بأن لا يبقى عنده غير ليلة واحدة، وهذا كتاب لا يمكن نسخه الا في سنة أو أكثر.
فآلى به الشيخ رحمه الله، وشرع في كتابته في تلك فكتب منه صفحات ومله واذا برجل دخل عليه من الباب بصفة أهل الحجاز، فسلم وجلس، ثم قال: أيها الشيخ أنت مصطر لى الاوراق وأنا أكتب.
فكان الشيخ يمصطر له الورق وذلك الرجل يكتب وكان لا يلحق المصطر بسرعة كتابته فلما نقر ديك الصباح وصاح، واذا الكتاب بأسره مكتوب تماما.
وقد قيل: ان الشيخ لمامل الكتابة نام فانتبه فرأى الكتاب مكتوبا، والله أعلم منه رحمه الله.
[254]
معه طفل ابن ثمان سنوات، ورأيته وكان شخصا طوالا من الرجال، يعد في الكهول وكان ذراعه كأنه الخشبة المجلدة، ويركب الخيل العتاق، وأقام أياما بالحلة وكان يحكي أنه كان أحد غلمان الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام وأنه شاهد ولادة القائم (عليه السلام).
قال والدي رحمه الله: وسمعت الشيخ مفيد [الدين] بن جهم يحكي بعد مفارقته وسفره عن الحلة أنه قال: أخبرنا بسر لا يمكننا الآن إشاعته، وكانوا يقولون إنه أخبره بزوال ملك بني العباس، فلما مضى لذلك سنتان أو ما يقاربهما أخذت بغداد وقتل المستعصم، وانقرض ملك بني العباس، فسبحان من له الدوام والبقاء.
وكتب ذلك محمد بن علي الجباعي من خط السيد تاج الدين يوم الثلثاء في شعبان سنة تسع وخمسين وثمانمائة.
ونقل قبل هذه الحكاية عن المعمر خبرين (1) هكذا من خط ابن معية ويرفع الاسناد عن المعمر بن غوث السنبسي، عن أبي الحسن الداعي بن نوفل السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله خلق خلقا من رحمته لرحمته برحمته وهم الذين يقضون الحوائج للناس، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن.
وبالاسناد عن المعمر بن غوث السنبسي، عن الامام الحسن بن علي العسكري عليهما السلام أنه قال: أحسن ظنك ولو بحجر يطرح الله شره فيه فتتناول حظك منه فقلت: أيدك الله، حتى بحجر؟ قال: أفلا ترى حجر الاسود.
قلت: أما الولد فهو القاضي السيد النسابة تاج الدين أبوعبدالله محمد بن القاسم عظيم الشأن جليل القدر، استجاز منه الشهيد الاول لنفسه ولولديه محمد
.................................................
* (هامش) *
(1) وروى هذين الخبرين الشيخ الفاضل ابن أبي جمهور الاحسائي في أول كتاب غوالي اللئالى مسندا عن شيخ الفقهاء أبي القاسم جعفر بن سعد المحقق رحمه الله عن مفيد [الدين] ابن جهم المذكور عن المعمر بن غوث السنبسي عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) مثله وهذا مما يشبهه بصحة الحكاية المذكورة، مع أن سندها في أعلا درجات الصحة، منه رحمه الله.
وعلي، ولبنته ست المشايخ (1) وأما والده فهو السيد جلال الدين أبوجعفر القاسم بن الحسن بن محمد بن الحسن بن معية بن سعيد الديباجي الحسني الفقية الفاضل العالم الجليل عظيم الشأن تلميذ عميد الرؤساء وابن السكون، ومعاصر العلامة والراوي للصحيفة الشريفة الكاملة عنهما عن السيد بهاء الشرف المذكور في أول الصحيفة كما تبين في محله، وأما ابن جهم فهو الشيخ الفقيه محمد بن هم، وهوالذي لما سأل الخاجة نصير الدين عن المحقق أعلم تلامذته في الاصوليين، أشار إليه وإلى سديد الدين والد العلامة.
الحكاية الرابعة والعشرون العالم الجليل الشيخ يوسف البحريني في اللؤلؤة في ترجمة العالم الشيخ إبراهيم القطيفي المعاصر للمحقق الثاني، عن بعض أهل البحرين أن هذا الشيخ دخل عليه الامام الحجة (عليه السلام) في صورة رجل يعرفه الشيخ فساله اي الآيات من القرآن في المواعظ اعظم؟ فقال الشيخ " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم لنه بما تعملون بصير " (2) فقال: صدقت يا شيخ ثم خرج منه، فسأل أهل البيت: خرج فلان؟
فقالوا: ما رأينا أحدا داخلا ولا خارجا.
الحكاية الخامسة والعشرون [قال] السيد القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين ما معناه: إنه وجد هذه الابيات بخط صاحب الامر (عليه السلام) مكتوبا على قبر الشيخ المفيد رحمه الله:
لا صوت الناعي بفقدك إنه * يوم على آل الرسول عظيم لن كنت قد غيبت في جدث الثرى * فالعدل والتوحيد فيك مقيم والقائم المهدي يفرح كلما * تليت عليك من الدروس علوم
.................................................
* (هامش) *
(1) مخفف " سيدة المشايخ ".
(2) فصلت: 40.
الحكاية السادسة والعشرون في الصراط المستقيم للشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي البياضي قال مؤلف هذا الكتاب علي بن محمد بن يونس: خرجت مع جماعة تزيد على أربعين رجلا إلى زيارة القاسم بن موسى الكاظم (عليه السلام) (1) فكنا عن حضرته نحو ميل من الارض فرأينا فارسا معترضا فظنناه يريد أخذ ما معنا فخبينا ما خفنا عليه.
فلما وصلنا، رأينا آثار فرسه ولم نره، فنظرنا ما حول القبلة، فلم نر أحدا فتعجبنا من ذلك مع استواء الارض، وحضور الشمس، وعدم المانع، فلا يمتنع أن يكون هو الامام (عليه السلام) أو أحد الابدال.
قلت: وهذا الشيخ جليل القدر عظيم الشأن، صاحب المصنفات الرائقة، وصفه الشيخ إبراهيم الكفعمي في بعض كلماته في ذكر الكتب التي ينقل عنها بقوله: ومن ذلك " زبدة البيان وإنسان الانسان المنتزع من مجمع البيان " جمع الامام العلامة
.................................................
* (هامش) *
(1) هذا القاسم عظيم القدر، جليل الشأن: روى الكليني في الكافي في باب الاشارة والنص على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (راجع ج 1 ص 314) بسند معتبر عن أبي ابراهيم (عليه السلام) في خبر طويل أنه قال لزيد بن سليط:
أخبرك يابا عمارة اني خرجت من منزلى فأوصيت إلى ابني فلان وأشركت معه بني في الظاهر وأوصيته في الباطن [فأفردته وحده] ولو كان الامر إلى لجعلته في القاسم ابني لحبى اياه ورأفتى عليه، ولكن ذلك إلى الله عزوجل يجعله حيث يشاء.
وقال السيد الجليل على بن طاوس في مصباح الزائر: ذكر زيارة ابرار أولاد الائمة
(عليهم السلام)، اذا أردت زيارة أحد منهم كالقاسم بن الكاظم والعباس بن أمير المؤمنين أو علي بن الحسين المقتول بالطف (عليهم السلام) ومن جرى في الحكم مجراهم، تقف على المزور الخ.
ومن الاخبار المشهورة وان لم نعثر على مأخذها ما روى عن الرضا (عليه السلام) أنه قال ما معناه: من لم يقدر على زيارتي فليزر أخي القاسم بحلة، والله العالم، منه رحمه الله.
فريد الدهر، ووحيد العصر، مهبط أنوار الجبروت، وفاتح اسرار الملكوت خلاصة الماء والطين، جامع كمالات المتقدمين والمتأخرين، بقية الحجج على العالمين، الشيخ زين الملة والحق والدين، علي بن يونس لا أخلى الله الزمان من أنوار شموسه، وإيضاح براهينه ودروسه بمحمد وآله (عليهم السلام) الحكاية السابعة والعشرون حدثني مشافهة العالم العامل فخر الاواخر وذخر الاوائل، شمس فلك الزهد والتقى وحاوي درجات السداد والهدى، الفقيه المؤيد النبيل، شيخنا الاجل الحاج المولى علي بن الحاج ميرزا خليل الطهراني المتوطن في الغري حيا وميتا وكان يزور ائمة سامراء في أغلب السنين، ويأنس بالسرداب المغيب ويستمد فيه الفيوضات ويعتقد فيه رجاء نيل المكرمات.
وكان يقول: إني ما زرت مرة إلا ورأيت كرامة ونلت مكرمة، وكان يستر ما رآه غير أنه ذكر لي وسمعه عنه غيري أني كثير أما وصلت إلى باب السرداب الشريف في جوف الليل المظلم، وحين هدوء من الناس، فأرى عند الباب قبل النزول من الدرج نورا يشرق من سرداب الغيبة على جدران الدهليز الاول، ويتحرك من موضع إلى آخر، كأن بيد أحد هناك شمعة مضيئة، وهو ينتقل من مكان إلى آخر فيتحرك النور هنا بحركته، ثم أنزل وأدخل في السرداب الشريف فما أجد أحدا ولا أرى سراجا.
الحكاية الثامنة والعشرون حدثني السيد الثقة التقي الصالح السيد مرتضى النجفي رحمه الله وقد ادرك الشيخ شيخ الفقهاء وعمادهم الشيخ جعفر النجفي وكان معروفا عند علماء العراق بالصلاح والسداد، وصاحبته سنين سفرا وحضرا فما وقفت منه على عثرة في الدين قال: كنا في مسجد الكوفة مع جماعة فيهم أحد من العلماء المعروفين
[258]
المبرزين في المشهد الغروي، وقد سألته عن اسمه غير مرة فما كشف عنه، لكونه محل هتك الستر، وإذاعة السر.
قال: ولما حضرت وقت صلاة المغرب جلس الشيخ لدى المحراب للصلاة والجماعة في تهيئة الصلاة بين جالس عنده، ومؤذن ومتطهر، وكان في ذلك الوقت في داخل الموضع المعروف بالتنور ماء قليل من قناة خربة وقد رأينا مجراها عند عمارة مقبرة هانئ بن عروة، والدرج التي تنزل إليه ضيقة مخروبة، لا تسع غير واحد.
فجئت إليه وأردت النزول، فرأيت شخصا جليلا على هيئة الاعراب قاعدا عند الماء يتوضأ وهو في غاية من السكينة والوقار والطمأنينة، وكنت مستعجلا لخوف عدم إدراك الجماعة فوقفت قليلا فرأيته كالجبل لا يحركه شئ، فقلت:
وقد أقيمت الصلاة ما معناه لعلك لا تريد الصلاة مع الشيخ؟ أردت بذلك تعجيله فقال: لا، قلت: ولم؟ قال: لانه الشيخ الدخني، فما فهمت مراده، فوقفت حتى أتم وضوءه، فصعد وذهب ونزلت وتوضأت وصليت، فلما قضيت الصلاة وانتشر الناس وقد ملا قلبي وعيني هيئته وسكونه وكلامه، فذكرت للشيخ ما رأيت وسمعت منه فتغيرت حاله وألوانه، وصار متفكرا مهموما فقال: قد أدركت الحجة (عليه السلام) وما عرفته، وقد أخبر عن شئ ما اطلع عليه إلا الله تعالى.
اعلم أني زرعت الدخنة (1) في هذه السنة في الرحبة وهي موضع في طرف الغربي من بحيرة الكوفة، محل خوف وخطر من جهة أعراب البادية المترددين إليه، فلما قمت إلى الصلاة ودخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدخنة وأهمني أمره، فصرت أتفكر فيه وفي آفاته.
هذا خلاصة ما سمعته منه رحمه الله قبل هذا التاريخ بأزيد من عشرين سنة وأستغفر الله من الزيادة والنقصان في بعض كلماته.
.................................................
* (هامش) *
(1) الدخن بالضم حب الجاورس، أو حب أصغر منه أملس جدا بارد يابس حابس للطبع.
الحكاية التاسعة والعشرون في كتاب نور العيون تأليف الفاضل الخبير الالمعي السيد محمد شريف الحسيني الاصبهاني عن أستاذه العالم الصالح الزاهد الورع الآميرزا محمد تقي بن الآميرزا محمد كاظم بن الآميرزا عزيز الله ابن المولى محمد تقي المجلسي الملقب بالالماسي وهو من العلماء الزاهدين وكان بصيرا في الفقه والحديث والرجال، وقد ذكر ناشرح حاله في رسالة الفيض القدسي في ذكر أحوال العلامة المجلسي رضوان الله عليه.
قال في رسالة له في ذكر من رآه (عليه السلام) في الغيبة الكبرى: حدثني بعض اصحابنا عن رجل صالح من أهل بغداد وهو حي إلى هذا الوقت أي سنة ست وثلاثين بعد المائة والالف، قال: إني كنت قد سافرت في بعض السنين مع جماعة، فركبنا السفينة وسرنا في البحر، فاتفق أنه انكسرت سفينتنا، وغرق جميع من فيها وتعلقت أنا بلوح مكسور فألقاني البحر بعد مدة إلى جزيرة، فسرت في أطراف الجزيرة، فوصلت بعد اليأس من الحياة بصحراء فيها جبل عظيم.
فلما وصلت إليه رأيته محيطا بالبحر إلا طرفا منه يتصل بالصحراء واستشممت منه رائحة الفواكه، ففرحت وزاد شوقي، وصعدت قدرا من الجبل حتى إذابلغت إلى وسطه في موضع أملس مقدار عشرين ذراعا لا يمكن الاجتياز منه أبدا، فتحيرت في أمري فصرت أتفكر في أمري فاذاأنا بحية عظيمة كالاشجار العظيمة تستقبلني في غاية السرعة، ففرت منها منهزم مستغيثا بالله تبارك وتعالى في النجاة من شرها كما نجاني من الغرق.
فاذا أنا بحيوان شبه الارنب قصد الحية مسرعا من أعلى الجبل حتى وصل إلى ذنبها فصعد منه حتى إذا وصل رأس الحية إلى ذلك الحجر الاملس وبقي ذنبه فوق الحجر، وصل الحيوان إلى رأسهاوأخرج من فمه حمة (1) مقدار أصبع فأدخلها
.................................................
* (هامش) *
(1) الحمة وزان ثبة الابرة يضرب بهاالزنبور والحية ونحو ذلك أو يلدغ بها وتأوها عوض عن اللام المحذوفة لان أصلها حمو، أو حمى.
[260]
في رأسها ثم نزعها وادخلها في موضع آخر منها وولى مدبرا فماتت الحية في مكانها من وقتها، وحدث فيها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة فما كان باسرع من أن ذاب لحمها، وسال في البحر، وبقي عظامها كسلم ثابت في الارض يمكن الصعود منه.
فتفكرت في نفسي، وقلت: إن بقيت هنا أموت من الجوع فتوكلت على الله في ذلك، وصعدت منها حتى علوت الجبل، وسرت من طرف قبلة الجبل فاذا أنا بحديقة بالغة حد الغاية في الغضارة والنضارة والطراوة والعمارة فسرت حتى دخلتها وإذا فيها أشجار مثمرة كثيرة، وبناء عال مشتمل على بيوتات، وغرف كثيرة في وسطها.
فأكلت من تلك الفواكه، واختفيت في بعض الغرف وأنا أتفرج الحديقة واطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البر قاصدي الحديقة، يقدمهم رجل ذوبهاء وجمال وجلال، وغاية من المهابة، يعلم من ذلك أنه سيدهم، فدخلوا الحديقة، ونزلوا من خيولهم وخلوا سبيلها، وتوسطوا القصر فتصدر السيد وجلس الباقون متأدبين حوله.
ثم أحضروا الطعام، فقال لهم ذلك السيد: إن لنا في هذا اليوم ضيفا في الغرفة الفلانية ولا بد من دعوته إلى الطعام فجاء بعضهم في طلبي فخفت وقلت: اعفني من ذلك، فأخبر السيد بذلك، فقال: اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله، فلما فرغنا من الطعام، أمر باحضاري وسألني عن قصتي، فحكيت له القصة، فقال: أتحب أن ترجع إلى أهلك؟ قلت: نعم، فأقبل على واحد منهم، وأمره بايصالي إلى أهلي، فخرجت أنا وذلك الرجل من عنده.
فلما سرنا قليلا قال لي الرجل: انظر فهذا سور بغداد! فنظرت إذا أنا بسوره وغاب عني الرجل، فتفطنت من ساعتي هذه، وعلمت أني لقيت سيدي ومولاي (عليه السلام)، ومن سوء حظي حرمت من هذا الفيض العظيم، فدخلت بلدي وبيتي في غاية من الحسرة والندامة.
قلت: وحدثني العالم الفقيه النبيه الصفي الحاج المولى الهادي الطهراني قدس سره أنه رأى هذه الحكاية في الرسالة المذكورة، والظاهر أن اسمها بهجة الاولياء.
الحكاية الثلاثون وفيه: وعن المولى المتقي المذكور قال: حدثني ثقة صالح من أهل العلم من سادات شولستان، عن رجل ثقة أنه قال: اتفق في هذه السنين أن جماعة من أهل بحرين عزموا على إطعام جمع من المؤمنين على التناوب، فأطعموا حتى بلغ النوبة إلى رجل منهم لم يكن عنده شئ، فاغتم لذلك وكثر حزنه وهمه، فاتفق أنه خرج ليلة إلى الصحراء، فاذا بشخص قد وافاه، وقال له: اذهب إلى التاجر الفلاني وقل: يقول لك محمد بن الحسن أعطني الاثنا عشر دينارا التي نذرتها لنا فخذها منه وأنفقها في ضيافتك، فذهب الرجل إلى ذلك التاجر، وبلغه رسالة الشخص المذكور.
فقال التاجر: قال لك ذلك محمد بن الحسن بنفسه؟ فقال البحريني: نعم، فقال:
عرفته؟ فقال: لا، فقال التاجر: هو صاحب الزمان (عليه السلام) وهذه الدنانير نذرتها له.
فأكرم الرجل وأعطاه المبلغ المذكور، وسأله الدعاء، وقال له: لما قبل نذري أرجو منك أن تعطيني منه نصف دينار وأعطيك عوضه، فجاء البحريني وأنفق المبلغ في مصرفه وقال ذلك الثقة: إني سمعت القصة عن البحريني بواسطتين.
ومما استطرفناه من هذا الكتاب ويناسب المقصود أن المؤلف ذكر في باب من رأى أربعة عشر حكاية ذكرنا منها اثنتين وإحدى عشرة منها موجودة في البحار وذكر في الرابعة عشر قصة عجيبة.
قال: يقول المؤلف الضعيف محمد باقر الشريف إن في سنة ألف ومائة وثلاث وسبعين كنت في طريق مكة المعظمة، صاحبت رجلا ورعا موثقا يسمى حاج عبدالغفور في ما بين الحرمين، وهو من تجار تبريز يسكن في اليزد، وقد حج
[262]
قبل ذلك ثلاث مرات وبنى في هذاالسفر على مجاورة بيت الله سنتين، ليدرك فيض الحج ثلاث سنين متوالية.
ثم بعد ذلك في سنة ألف ومائة وستة وسبعين، حين معاودتي من زيارة المشهد الرضوي على صاحبه السلام رأيته أيضا في اليزد، وقد مر في رجوعه من مكة، بعد ثلاث حجات إلى بندر صورت من بنادر هند لحاجة له، ورجع في سنة إلى بيته فذكر لي عند اللقاء أني سمعت من مير أبوطالب أن في السنة الماضية جاء مكتوب من سلطان الافرنج إلى الرئيس الذي يسكن بندر بمبئي من جانبه ويعرف بجندر أن في هذا الوقت ورد علينا رجلان عليهما لباس الصوف ويدعي أحدهما أن عمره سبعمائة وخمسين سنة، والآخر سبعمائة سنة، ويقولان: بعثنا صاحب الامر (عليه السلام) لندعوكم إلى دين محمد المصطفى (عليه السلام)، ويقولان: إن لم تقبلوا دعوتنا ولم تتدينوا بديننا، يغرق البحر بلادكم بعد ثمان أوعشر سنين، والترديد من الحاج المذكور، وقد أمرنا بقتلهما فلم يعمل فيهما الحديد، ووضعناهما على الاثواب وقيناره (1) فلم يحترقا فشددنا أيديهماوأرجلهما وألقيناهما في البحر فخرجا منه سالمين.
وكتب إلى الرئيس أن يتفحص في أرباب مذاهب الاسلام واليهود والمجوس والنصارى، وأنهم هل رأوا ظهور صاحب الامر (عليه السلام) في آخر الزمان في كتبهم أم لا؟
قال الحاج المزبور: وقد سألت من قسيس كان في بندر صورت عن صحة المكاتبة المذكورة فذكرلي كما سمعت، وسلالة النجباء مير أبوطالب وميرزا بزرك الايراني، وهم الآن من وجوه معارف البندر المذكور نقلا لي كما ذكرت، وبالجملة الخبر مشهور منتشر في تلك البلدة والله العالم.
.................................................
* (هامش) *
(1) كذا في الاصل المطبوع.
الحكاية الحادية والثلاثون حدثني العالم النبيل، والفاضل الجليل، الصالح الثقة العدل الذي قل له البديل، الحاج المولى محسن الاصفهاني المجاور لمشهد أبي عبدالله (عليه السلام) حيا وميتا وكان من أوثق أئمة الجماعة قال: حدثني السيد السند، والعالم المؤيد، التقي الصفي السيد محمد بن السيد مال الله بن السيد معصوم القطيفي رحمهم الله، قال: قصدت مسجد الكوفة في بعض ليالي الجمع، وكان في زمان مخوف لا يتردد إلى المسجد أحد إلا مع عدة وتهيئة، لكثرة من كان في أطراف النجف الاشرف من القطاع واللصوص، وكان معي واحد من الطلاب.
فلما دخلنا المسجد لم نجد فيه إلا رجلا واحدا من المشتغلين فأخذنا في آداب المسجد، فلما حان غروب الشمس، عمدنا إلى الباب فأغلقناه، وطرحنا خلفه من الاحجار والاخشاب والطوب (1) والمدر إلى أن اطمئنا بعدم إمكان انفتاحه من الخارج عادة.
ثم دخلنا المسجد، واشتغلنا بالصلاة والدعاء فلما فرغنا جلست أنا ورفيقي في دكة القضاء مستقبل القبلة، وذاك الرجل الصالح كان مشغولا بقراءة دعاء كميل في الدهليز القريب من باب الفيل بصوت عال شجي، وكانت ليلة قمراء صاحبة وكنت متوجها إلى نحو السماء.
فبينا نحن كذلك فاذا بطيب قد انتشر في الهواء، وملا الفضاء أحسن من ربيح نوافج المسك الاذفر، وأروح للقلب من النسيم إذا تسحر، ورأيت في خلال اشعة القمر اشعاعا كشعلة النار، قد غلب عليها، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرجل الداعي، فالتفت فاذا أنا بشخص جليل، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زي لباس الحجاز، وعلى كتفه الشريف سجادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن، وكان يمشي في سكينة ووقار، وهيبة وجلال
.................................................
* (هامش) *
(1) الطوب: الاجر بلغة أهل مصر.
[264]
قاصدا باب المسلم ولم يبق لنا من الحواس إلا البصر الخاسر، واللب الطائر فلما صار بحذائنا من طرف القبلة، سلم علينا.
قال رحمه الله: أما رفيقي فلم يبق له شعور أصلا، ولم يتمكن من الرد وأما مأنا فاجتهدت كثيرا إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقة، فلما دخل باب المسجد وغاب عنا تراجعت القلوب إلى الصدور، فقلنا: من كان هذا ومن أين دخل؟ فمشينا نحو ذلك الرجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين فسألناه عن حقيقة الحال، فقال: واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلبا للتشرف بلقاء خليفة العصر، وناموس الدهر عجل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الاربعين ولم أتزود من لقائه ظاهرا، غير أني حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فاذا به (عليه السلام) واقفا على راسي فالتفت إليه (عليه السلام) فقال: " جه ميكني " أو " جه ميخواني " اي ما تفعل؟ أو ما تقرء؟ والترديد من الفاضل المتقدم، ولم أتمكن من الجواب من الجواب فمضى عني كما شاهدتموه، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه، فرجعنا شاكرين متحسرين.
قلت: وهذا السيد كان عظيم الشأن، جليل القدر، وكان شيخنا الاستاذ العلامة الشيخ عبدالحسين الطهراني أعلى الله مقامه كثيرا ما يذكره بخير ويثني عليه ثناء بليغا قال: كان رحمه الله تقيا صالحا وشاعرا مجيدا وأديبا قارئا غريقا في بحار محبة أهل البيت (عليهم السلام) وأكثر ذكره وفكره فيهم ولهم، حتى أنا كثيرا ما نلقاه في الصحن الشريف، فنسأله عن مسألة ادبية فيجيبنا، ويستشهد في خلال كلامه بما أنشده
هو وغيره في المراثي فتتغير حاله فيشرع في ذكر مصائبهم على أحسن ما ينبغي وينقلب مجلس الشعر والادب إلى مجلس المصيبة والكرب، وله رحمه الله قصائد رائقة في المراثي دائرة على ألسن القراء منها القصيدة التي أولها:
مالي إذا ما الليل جنا * أهفو لمن غنى وحنا وهي طويلة، ومنها القصيدة التي أولها:
ألقيت لي الايام فضل قيادها * فأردت غير مرامها ومرادها الخ.
ومنها القصيدة التي يقول فيها في مدح الشهداء:
وذوي المروة والوفا أنصاره * لهم على الجيش اللهام زئير طهرت نفوسهم بطيب أصولها * فعناصر طابت لهم وحجور عشقوا العنا للدفع لا عشقوا * العنا للنفع لكن أمضي المقدور فتمثلت لهم القصور وما بهم * لولا تمثلت القصور قصور ما شاقهم للموت إلا وعدة الر * حمن لا ولدانها والحور الخ.
الحكاية الثانية والثلاثون في شهر جمادي الاولى من سنة ألف ومائتين وتسعة وتسعين ورد الكاظمين عليهما السلام رجل اسمه آقا محمد مهدي وكان من قاطني بندر ملومين من بنادر ماجين وممالك برمه وهو الآن في تصرف الانجريز، ومن بلدة كلكتة قاعدة سلطنة ممالك الهند إليه مسافة ستة أيام من البحر مع المراكب الدخانية، وكان أبوه من أهل شيراز ولكنه ولد وتعيش في البندر المذكور، وابتلى قبل التاريخ المذكور بثلاث سنين بمرض شديد، فلما عوفي منه بقي أصم أخرس.
فتوسل لشفاء مرضه بزيار أئمة العراق (عليهم السلام) وكان له اقارب في بلدة كاظمين عليهما السلام من التجار المعروفين، فنزل عليهم وبقي عندهم عشرين يوما فصادف وقت حركة مركب الدخان إلى سر من رأى لطغيان الماء فأتوا به إلى المركب وسلموه إلى راكبيه، وهم من أهل بغداد وكربلا، وسألوهم المراقبة في حاله والنظر في حوائجه لعدم قدرته على إبرازها وكتبوا إلى بعض المجاورين من أهل سامرا للتوجه في أموره.
فلما ورد تلك الارض المشرفة والناحية المقدسة، أتى إلى السرداب المنور بعد الظهر من يوم الجمعة العاشر من جمادي الآخرة من السنة المذكورة، وكان فيه جماعة من الثقات والمقدسين إلى أن أتى إلى الصفة المباركة فبكى وتضرع
[266]
فيها زمانا طويلا وكان يكتب قبيله حاله على الجدار، ويسال من الناظرين الدعاء والشفاعة.
فما تم بكاؤه وتضرعه إلا وقد فتح الله تعالى لسانه، وخرج باعجاز الحجة (عليه السلام) من ذلك المقام المنيف مع لسان ذلق، وكلام فصيح، وأحضر في يوم السبت في محفل تدريس سيد الفقهاء وشيخ العلماء رئيس الشيعة، وتاج الشريعة المنتهى إليه رياسة الامامية سيدنا الافخم وأستاذنا الاعظم الحاج الآميرزا محمد حسن الشيرازي منع الله المسلمين بطول بقائه، وقرأ عنده متبركا سورة المباركة الفاتحة بنحو أذعن الحاضرون بصحته وحسن قراءته، وصار يوما مشهودا ومقاما محمودا.
وفي ليلة الاحد والاثنين اجتمع العلماء والفضلاء في الصحن الشريف فرحين مسرورين، وأضاؤا فضاءه من المصابيح والقناديل، ونظموا القصة ونشروها في البلاد، وكان معه في المركب مادح أهل البيت (عليهم السلام) الفاضل اللبيب الحاج ملا عباس الصفار الزنوزي البغدادي فقال وهو من قصيدة طويلة ورآه مريضا وصحيحا:
وفي عامها جئت والزائرين * إلى بلدة سر من قد رآها رأيت من الصين فيها فتى * وكان سمي إمام هداها يشير إذا ما أاراد الكلام * وللنفس منه... كذا براها وقد قيد السقم منه الكلام * وأطلق من مقلتيه دماها فوافا إلى باب سرداب من * به الناس طرا ينال مناها يروم بغير لسان يزور * وللنفس منه دهت بعناها وقد صار يكتب فوق الجدار * ما فيه للروح منه شفاها أروم الزيارة بعد الدعاء * ممن رأى أسطري وتلاها لعل لساني يعود الفصيح * وعلي أزور وأدعو الالها إذا هو في رجل مقبل * تراه ورى البعض من أتقياها
[267]
تأبط خير كتاب له * وقد جاء من حيث غاب ابن طه فأومى إليه ادع ما قد كتب * وجاء فلما تلاه دعاها وأوصى به سيدا جالسا * أن ادعوا له بالشفاء شفاها فقام وأدخله غيبة الا * مام المغيب من أوصياها وجاء إلى حفرة الصفة * التي هي للعين نور ضياها وأسرج آخر فيها السراج * وأدناه من فمه ليراها هناك دعا الله مستغفرا * وعيناه مشغولة ببكاها ومذ عاد منها يريد الصلاة * قد عاود النفس منه شفاها وقد أطلق الله منه اللسان * وتلك الصلاة أتم أداها ولما بلغ الخبر إلى خريت صناعة الشعر السيد المؤيد الاديب اللبيب فخر الطالبيين، وناموس العلويين، السيد حيدر بن السيد سليمان الحلي أيده الله تعالى بعث إلى سر من رأى كتابا صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم لما هبت من الناحية المقدسة نسمات كرم الامامة فنشرت نفحات عبير هاتيك الكرامة، فأطلقت لسان زائرها من اعتقاله، عند ما قام عندها في تضرعه وابتهاله، أحببت أن أنتظم في سلك من خدم تلك الحضرة، في نظم قصيدة تتضمن بيان هذا المعجز العظيم ونشره، وأن أهنئ علامة الزمن وغرة وجهه الحسن، فرع الاراكة المحمدية، ومنار الملة الاحمدية، علم الشريعة، وإمام الشيعة، لاجمع بين العبادتين في خدمة هاتين الحضرتين، فنظمت هذه القصيدة الغراء، وأهديتها إلى دار إقامته وهي سامرا، راجيا أن تقع موقع القبول، فقلت ومن الله بلوغ المأمول:
كذا يظهر المعجز الباهر * ويشهده البر والفاجر وتروى الكرامة مأثورة * يبلغها الغائب الحاضر يقر لقوم بها ناظر * ويقذي لقوم بها ناظر فقلب لها ترحا واقع * وقلب بها فرحا طائر
[268]
أجل طرف فكرك يا مستدل * وأنجد بطرفك يا غائر تصفح مآثر آل الرسول * وحسبك ما نشر الناشر ودونكه نباء صادقا * لقلب العدو هو الباقر فمن صاحب الامر أمس استبان * لنا معجز أمره باهر بموضع غيبته مذ الم * أخو علة داؤها ظاهر رمى فمه باعتقال اللسان * رام هو الزمن الغادر فأقبل ملتمسا للشفاء * لدى من هو الغائب الحاضر ولقنه القول مستأجر * عن القصد في أمره جائر فبيناه في تعب ناصب * ومن ضجر فكره حائر إذ انحل من ذلك الاعتقال * وبارحه ذلك الضائر فراح لمولاه في الحامدين * وهو لآلآئه ذاكر لعمري لقد مسحت داءه * يد كل خلق لها شاكر يد لم تزل رحمة للعباد * لذلك أنشأها الفاطر تحدر وإن كرهت أنفس * يضيق شجى صدرها الواغر وقل إن قائم آل النبي * له النهي وهو هو الآمر أيمنع زائره االاعتقال * مما به ينطق الزائر ويدعوه صدقا إلى حله * ويقضي على أنه القادر ويكبو مرجيه دون الغياث * وهو يقال به العاثر فحاشاه بل هو نعم المغيث * إذا نضنض الحارث الفاغر (1)
فهذي الكرامة لا ما غدا * يلفقه الفاسق الفاجر أدم ذكرها يا لسان الزمان * وفي نشرها فمك العاطر وهن بها سر من را ومن * به ربعها آهل عامر
.................................................
* (هامش) *
(1) الحارث: لقب الاسد، والفاغر: الذي فتح فاه يقال: نضنض لسانه: اذا حركه، فالسبع اذا فغرفاه ونضنض لسانه اشد ما يكون.
هو السيد الحسن المجتبى * خضم الندى غيثه الهامر وقل يا تقدست من بقعة * بها يهب الزلة الغافر كلا اسميك في الناس باد له * بأوجههم أثر ظاهر فأنت لبعضهم سر من * راى وهو نعت لهم ظاهر وأنت لبعضهم ساء من * رأى وبه يوصف الخاسر لقد أطلق الحسن المكرمات * مهياك فهو بهي سافر فأنت حديقة زهو به * وأخلافه روضك الناضر عليم تربى بحجر الهدى * ونسج التقى برده الطاهر إلى أن قال سلمه الله تعالى:
كذا فلتكن عترة المرسلين * وإلا فما الفخر يا فاخر الحكاية الثالثة والثلاثون حدثني الثقة العدل الامين آغا محمد المجاور لمشهد العسكريين عليهما السلام المتولي لامر الشموعات، لتلك البقعة العالية، فيما ينيف على أربعين سنة، وهو أمين السيد الاجل الاستاذ دام علاه، عن أمه وهي من الصالحات قالت: كنت يوما في السرداب الشريف، مع أهل بيت العالم الرباني والمؤيد السبحاني المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره رحمه الله وكان حين مجاورته في هذه البلدة الشريفة لبناء سورها.
قالت: وكان يوم الجمعة، والمولى المذكور يقرأ دعاء الندبة، وكنا نقرؤها بقراءته، وكان يبكي بكاء الواله الحزين، ويضج ضجيج المستصرخين، وكنا نبكي ببكائه، ولم يكن معنا فيه غيرنا.
فبينا نحن في هذه الحالة، وإذا بشرق مسك ونفحته قد انتشر في السرداب وملاء فضاءه وأخذ هواءه واشتد نفاحه، بحيث ذهبت عن جميعنا تلك الحالة فسكتنا كأن على رؤوسنا الطير، ولم نقدر على حركة وكلام، فبقينا متحيرين إلى أن مضى
[270]
زمان قليل، فذهب ما كنا نستشمه من تلك الرائحة الطيبة ورجعنا إلى ما كنا فيه من قراءة الدعاء فلما رجعنا إلى البيت سألت عن المولى رحمه الله عن سبب ذلك الطيب، فقال: مالك والسؤال عن هذا وأعرض عن جوابي.
وحدثني الاخ الصفي العالم المتقي الآغا علي رضا الاصفهاني الذي مر ذكره، وكان صديقه وصاحب سره، قال: سألته يوما عن لقائه الحجة (عليه السلام) وكنت اظن في حقه ذلك كشيخه السيد المعظم العلامة الطباطبائي كما تقدم فأجابني بتلك الواقعة، حرفا بحرف، وقد ذكرت في دار السلام بعض كراماته ومقاماته رحمة الله عليه.
الحكاية الرابعة والثلاثون قال الفاضل الجليل النحرير الاميرزا عبدالله الاصفهاني الشهير بالافندي في المجلد الخامس من كتاب رياض العلماء في ترجمة الشيخ بن [أبي] الجواد النعماني أنه ممن رأى القائم (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى، وروى عنه (عليه السلام) ورأيت في بعض المواضع نقلا عن خط الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن محمد الخازن الحائري تلميذ الشهيد أنه قد رأى ابن ابي جواد النعماني مولانا المهدي (عليه السلام) فقال له: يا مولاي لك مقام بالنعمانية، ومقام بالحلة، فأين تكون فيهما؟ فقال له: أكون بالنعمانية ليلة الثلثاء ويوم الثلثاء، ويوم الجمعة وليلة الجمعة أكون بالحلة ولكن أهل الحلة ما يتادبون في مقامي، وما من رجل دخل مقامي بالادب يتادب ويسلم علي وعلى الائمة وصلى علي وعليهم اثني عشر مرة ثم صلى ركعتين بسورتين، وناجى الله بهما المناجاة، للا أعطاه الله تعالى ما يسأله، أحدها المغفرة.
فقلت: يا مولاي علمني ذلك، فقال: قل: اللهم قد أخذ التأديب مني حتى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، وإن كان ما اقترفته من الذنوب أستحق به أضعاف أضعاف ما أدبتني به، وأنت حليم ذو أناة تعفو عن كثير حتى يسبق عفوك ورحمتك عذابك، وكررها علي ثلاثا حتى فهمتها.
قلت: والنعمانية بلد بين واسط وبغداد، والظاهر أن منه الشيخ أبا عبدالله محمد بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب الشهير بالنعماني المعروف بابن ابي زينب تلميذ الكليني وهو صاحب الغيبة والتفسير، وهو والشيخ الصفواني المعاصر له، قد ضبط كل واحد منهما نسخة الكافي ولذا ترى أنه قد يقع في الكافي كثيرا: وفي نسخة النعماني كذا، وفي نسخة الصفواني كذا.
الحكاية الخامسة والثلاثون السيد الاجل علي بن طاوس في جمال الاسبوع أنه شاهد أحد صاحب الزمان (عليه السلام) وهو يزور بهذه الزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في اليقظة لا في النوم، يوم الاحد وهو يوم أمير المؤمنين (عليه السلام): [السلام] على الشجرة النبوية، والدوحة الهاشمية المضيئة، الثمرة بالنبوة المونعة بالامامة، السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى الملائكة المحدقين بك، والحافين بقبرك، يا مولاي يا أمير المؤمنين هذا يوم الاحد، وهو يومك وباسمك، وأنا ضيفك فيه وجارك، فأضفني يا مولاي، وأجرني فانك كريم، تحب الضيافة، ومأمول بالاجابة، فافعل ما رغبت إليك فيه، ورجوته منك، بمنزلتك وآل بيتك عند الله ومنزلته عندكم، وبحق ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وآله وعليكم أجمعين.
الحكاية السادسة والثلاثون العلامة الحلي رحمه الله في منهاج الصلاح قال: نوع آخر من الاستخارة رويته عن والدي الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر رحمه الله عن السيد رضي الدين محمد الآوي الحسيني عن صاحب الامر (عليه السلام) وهو أن يقرء فاتحة الكتاب عشر مرات وأقله ثلاث مرات، والادون منه مرة، ثم يقرء " إنا أنزلناه " عشر مرات ثم يقرء هذا الدعاء ثلاث مرات: اللهم إني استخيرك لعلمك بعواقب الامور
[272]
وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور، اللهم إن كان الامر الفلاني قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحفت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لي فيه خيرة ترد شموسه ذلولا، تقعض أيامه سرورا. اللهم إما أمر فأئتمر وإما نهي فانتهي اللهم اني استخيرك برحمتك خيرة في عافية.
ثم يقبض على قطعة من السبحة، ويضمر حاجته، ويخرج إن كان عدد تلك القطعة زوجا فهو افعل وإن كان فردا لا تفعل، أو بالعكس.
قال الكفعمي رحمه الله: نيطت تعلقت، وناط الشئ تعلق، وهذا منوط بك اي متعلق، والانواط المعاليق، ونيط فلان بكذا أي تعلق قال الشاعر:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وأعجاز الشئ آخره، وبواديه أوله. ومفتتح الامر ومبتداه، ومهله وعنفوانه، وأوائله وموارده وبدائهه وبواديه نظائر وشوافعه وتواليه وأعقابه ومصادره ورواجعه ومصائره وعواقبه وأعجازه نظائر، وقوله شموسه أي صعوبته ورجل شموس: اي صعب الخلق، ولا تقل: شموص بالصاد، وأشمس الفرس منع ظهره، والذلول ضد الصعوبة، وتقعض اي ترد وتعطف، وقعضت العود عطفته وتقعص بالصاد تصحيف والعين مفتوحة لانه إذا كانت عين الفعل أولامه أحد حروف الحلق كان الاغلب فتحها في المضارع.
قال في البحار: وفي كثير من النسخ بالصاد المهملة، ولعله مبالغة في السرور وهذا شائع في العرب والعجم، يقال لمن اصابه سرور عظيم: مات سرورا أو يكون
المراد به الانقضاء أي تنقضي بالسرور، والتعبير به لان ايام السرور سريعة الانقضاء، فان القعص الموت سريعا فعلى هذا يمكن أن يقرء على بناء المعلوم والمجهول، و " أيامه " بالرفع والنصب معا.
قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: ومنها الاستخارة بالعدد ولم يكن هذه مشهورة في العصور الماضية، قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين ممد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي رضي الله عنه، وقد رويناها عنه وجميع
مروياته عن عدة من مشايخنا، عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين ابن المطهر عن السيد الرضي، عن صاحب الامر (عليه السلام) وتقدم عنه رحمه الله حكاية أخرى.
وهذه الحكاية ذكرها المحقق الكاظميني في مسألة الاجماع في بعض وجوهه في عداد من تلقى عن الحجة (عليه السلام) في غيبته الكبرى بعض الاحكام سماعا أو مكاتبة.
الحكاية السابعة والثلاثون في كتاب إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للشيخ المحدث الجليل محمد بن الحسن الحر العاملي رحمه الله قال: قد أخبرني جماعة من ثقات الاصحاب أنهم رأوا صاحب الامر (عليه السلام) في اليقظة، وشاهدوا منه معجزات متعددات، وأخبرهم بعدة مغيبات، ودعا لهم بدعوات مستجابات، وأنجاهم من أخطار مهلكات.
قال رحمه الله: وكناجالسين في بلادنا في قرية مشغر في يوم عيد، ونحن جماعة من أهل العلم والصلحاء، فقلت لهم: ليت شعري في العيد المقبل من يكون من هؤلاء حيا ومن يكون قد مات؟ فقال لي رجل كان اسمه " الشيخ محمد " وكان شريكنا في الدروس: أنا أعلم أني أكون في عيد آخر حيا وفي عيد آخر حيا وعيد آخر إلى ستة وعشرين سنة، وظهر منه أنه جازم بلك من غير مزاح، فقلت له:
أنت تعلم الغيب؟ قال: لا، ولكني رأيت المهدي (عليه السلام) في النوم وأنا مريض شديد المرض، فقلت له: أنامريض وأخاف أن أموت، وليس لي عمل صالح القى الله به فقال: لا تخف فان الله تعالى يشفيك من هذا المرض، ولا تموت فيه بل تعيش سمتا وعشرين سنة ثم ناولني كأسا كان في يده فشربت منه وزال عني المرض وحصل لي الشفاء، وانا أعلم أن هذا ليس من الشيطان.
فلما سمعت كلام الرجل كتبت التاريخ، وكاتن سنة ألف وتسعة وأربعين ومضت لذلك مدة وانتقلت إلى المشهد المقدس سنة ألف واثنين وسبعين، فلما كانت السنة الاخيرة وقع في قلبي أن المدة قد انقضت فرجعت إلى ذلك التاريخ
وحسبته فرأيته قد مضى منه ست وعشرون سنة، فقلت: ينبغي أن يكون الرجل مات.
فما مضت مدة نحو شهر أو شهرين حتى جاءتني كتابة من اخي وكان في البلاد يخبرني أن الرجل المذكور مات.
الحكاية الثامنة والثلاثون وفي الكتاب المذكور قال رحمه ا له: إني كنت في عصر الصبي وسني عشر سنين أو نحوها أصابني مرض شديد جدا حتى اجتمع أهلي وأقاربي وبكوا وتهيأوا للتعزية، وأيقنوا أني أموت تلك الليلة.
فرأيت النبي والائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم، وأنا فيما بين النائم واليقظان، فسلمت عليهم وصافحتهم واحدا واحدا، وجرى بيني وبين الصادق (عليه السلام) كلام، ولم يبق في خاطري إلا أنه دعا لي.
فلما سلمت على الصاحب (عليه السلام)، وصافحته، بكيت وقلت: يا مولاي أخاف أن أموت في هذا المرض، ولم أقض وطري من العلم والعمل، فقال (عليه السلام): لا تخف فانك لا تموت في هذا المرض بل يشفيك الله تعالى وتعمر عمرا طويلا ثم ناولني قدحا كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عني المرض بالكلية، وجلست وتعجب أهلي وأقاربي، ولم أحدثهم بما رأيت إلا بعد أيام.
الحكاية التاسعة والثلاثون وحدثني الثقة الامين آغا محمد المتقدم ذكره قال: كان رجل من أهل سامراء من أهل الخلاف يسمى مصطفى الحمود، وكان من الخدام الذين ديدنهم أذية الزوار، وأخذ أموالهم بطرق فيها غضب الجبار، وكان أغلب أوقاته في السرداب المقدس على الصفة الصغيرة، خلف الشباك الذي وضعه هناك [ومن جاء] من الزوار ويشتغل بالزيارة، يحول الخبيث بينه وبين مولاه فينبهه على الاغلاط
المتعارفة التي لا تخلو أغلب العوام منها، بحيث لم يبق لهم حالة حضور وتوجه اصلا.
فرأى ليلة في المنام الحجة من الله الملك العلام (عليه السلام)، فقال له: إلى متى تؤذي زواري ولا تدعهم أن يزوروا؟ مالك وللدخول في ذلك، خل بينهم وبين ما يقولون فانتبه، وقد أصم الله أذنيه، فكان لا يسمع بعده شيئا واستراح منه الزوار، وكان كذلك إلى أن ألحقه الله بأسلافه في النار.
الحكاية الاربعون الشيخ الجليل أمين الاسلام فضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير في كتاب كنوز النجاح قال: دعاء علمه صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان، أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث رحمه الله تعالى في بلدة بغداد، في مقابر قريش، وكان أبوالحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليه من خوف القتل فنجي منه ببركة هذا الدعاء.
قال أبوالحسن المذكور: إنه علمني أن أقول: " اللهم عظم البلاء، وبرح الخفاء، وانقطع الرجاء، وانكشف الغطاء،، وضاقت الارض، ومنعت السماء، وإليك يا رب المشتكى، وعليك المعول في الشدة والرخاء، اللهم فصل على محمد وآل محمد أولي الامر الذين فرضت علينا طاعتهم، فعرفتنابذلك منزلتهم، ففرج عنا بحقهم فرجا عاجلا كلمح البصر، أوهو اقرب، يا محمد يا علي اكفياني فانكما كافياي وانصراني فانكما ناصراي، يامولاي يا صاحب الزمان الغوث الغوث [الغوث] أدركني ادركني ادركني ".
قال الراوي: إنه (عليه السلام) عند قوله: " يا صاحب الزمان " كان يشير إلى صدره الشريف.
الحكاية الحادية والاربعون قال العالم النحرير، النقاد البصير، المولى أبوالحسن الشريف العاملي الغروي تلميذ العلامة المجلسي وهو جد شيخ الفقهاء في عصره صاحب جواهر الكلام، من طرف أمه، وينقل عنه في الجواهر كثيرا، صاحب التفسير الحسن الذي لم يؤلف مثله وإن لم يبرز منه إلا قليل إلا أن في مقدماته من الفوائد ما يشفي العليل، ويروي الغليل، وغيره، قال في كتاب ضياء العالمين، وهو كتاب كبير منيف على ستين ألف بيت كثير الفوائد، قليل النظير، قال في أواخر الملجد الاول منه في ضمن أحوال الحجة (عليه السلام) بعد ذكر قصة الجزيرة الخضراء، مختصرا ما لفظه:
ثم إن المنقولات المعتبرة في رؤية صاحب الامر (عليه السلام) سوى ما ذكرناه كثيرة جدا حتى في هذه الازمنة القريبة، فقد سمعت أنا من ثقات أن مولانا أحمد الاردبيلي رآه (عليه السلام) في جامع الكوفة، وسال منه مسائل، وأن مولانا محمد تقي والد شيخنا رآه في الجامع العتيق باصبهان، والحكاية الاولى موجودة في البحار وأما الثانية فهي غير معروفة، ولم نعثر عليها إلا ما ذكره المولى المذكور رحمه الله في شرح مشيخة الفقيه في ترجمة المتوكل بن عمير راوي الصحيفة.
قال رحمه الله: إني كنت في أوائل البلوغ طالبا لمرضاة الله، ساعيا في طلب رضاه، ولم يكن لي قرار بذكره إلى أن رأيت بين النوم واليقظة أن صاحب الزمان صلوات الله عليه كان واقفا في الجامع القديم باصبهان قريبا من باب الطنبى الذي الآن مدرسي، فسلمت عليه وأردت أن أقبل رجله، فلم يدعني وأخذني، فقبلت يده، وسألت عنه مسائل قد أشكلت علي.
منها أني كنت أوسوس في صلاتي، وكنت أقول إنها ليست كما طلبت مني وأنا مشتغل بالقضاء، ولا يمكنني صلاة الليل، وسألت عنه شيخنا البهائي رحمه الله تعالى فقال: صل صلاة الظهر والعصر والمغرب بقصد صلاة الليل، وكنت أفعل هكذا فسألت عن الحجة (عليه السلام) أصلي صلاة الليل؟ فقال: صلها، ولا تفعل كالمصنوع الذي
[277]
كنت تفعل، إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبق في بالي.
ثم قلت: يا مولاي لا يتيسر لي أن أصل إلى خدمتك كل وقت فأعطني كتابا أعمل عليه دائما فقال (عليه السلام): أعطيت لاجلك كتابا إلى مولانا محمد التاج، وكنت أعرفه في النوم، فقال (عليه السلام): رح وخذ منه، فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلا لوجهه إلى جانب دار البطيخ محلة من إصبهان، فلما وصلت إلى ذلك الشخص فلما رآني قال لي: بعثك الصاحب (عليه السلام) إلي؟ قلت: نعم، فأخرج من جيبه كتابا قديما فلما فتحته ظهر لي أنه كتاب الدعاء فقبلته ووضعته على عيني وانصرفت عنه متوجها إلى الصاحب (عليه السلام) فانتبهت ولم يكن معي ذلك الكتاب.
فشرعت في التضرع والبكاء والحوار لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الفجر فلما فرغت من الصلاة والتعقيب، وكان في بالي أن مولانا محمد (1) هو الشيخ وتسميته بالتاج لاشتهاره من بين العلماء.
فلما جئت إلى مدرسته وكان في جوار المسجد الجامع فرأيته مشتغلا بمقابلة الصحيفة، وكان القاري السيد صالح أمير ذو الفقار الجر فادقاني فجلست ساعة حتى فرغ منه والظاهر أنه كان في سند الصحيفة لكن للغم الذي كان لي لم أعرف كلامه ولا كلامهم، وكنت أبكي فذهبت إلى الشيخ وقلت له رؤياي وكنت أبكي لفوات الكتاب، فقال الشيخ: ابشر بالعلوم الالهية، والمعارف اليقينية وجميع ما كنت تطلب دائما، وكان أكثر صحبتي مع الشيخ في التصوف وكان مائلا إليه، فلم يسكن قلبي وخرجت باكيا متفكرا إلى أن ألقي في روعي أن اذهب إلى الجانب الذي ذهبت إليه في النوم، فلما وصلت إلى دار البطيخ رأيت رجلا صالحا اسمه آغا حسن، وان يلقب بتاجا، فلما وصلت إليه وسلمت عليه قال: يا فلان الكتب الوقفية التي عندي كل من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف وأنت تعمل به، وقال: وانظر إلى هذه الكتب وكلما تحتاج إليه خذه، فذهبت معه إلى بيت كتبه فأعطاني أول ما أعطاني الكتاب الذي رأيته في النوم، فشرعت في
.................................................
* (هامش) *
(1) يعنى الشيخ البهائي رحمه الله.
البكاء والنحيب، وقلت: يكفيني وليس في بالي أني ذكرت له النوم أم لا، وجئت عند الشيخ وشرعت في المقابلة مع نسخته التي كتبها جد أبيه مع نسخة الشهيد وكتب الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء وابن السكون، وقابلها مع نسخة ابن الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء وابن السكون، وقابلها مع نسخة ابن إدريس بواسطة أو بدونها وكانت النسخة التي أعطانيها الصاحب مكتوبة على هامشها، وبعد أن فرغت من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي، وببركة إعطاء الحجة (عليه السلام) صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد كالشمس طالعة في كل بيت، وسيما في إصبهان فان أكثر الناس لهم الصحيفة المتعددة وصار أكثرهم صلحاء وأهل الدعاء، وكثير منهم مستجابو الدعوة، وهذه الآثار معجزة لصاحب الامر (عليه السلام) والذي أعطاني الله من العلوم بسبب الصحيفة لا أحصيها.
وذكرها العلامة المجلسي رضوان الله عليه في إجازات البحار مختصرا.