الحكاية الثانية والاربعون حدث السيد الجليل والمحدث العليم النبيل، السيد نعمة الله الجزائري في مقدمات شرح العوالي قال: حدثني وأجازني السيد الثقة هاشم بن الحسين الاحسائي في دار العلم شيراز، في المدرسة المقابلة للبقعة المباركة، مزار السيد محمد عابد عليه الرحمة والرضوان، في حجرة من الطبقة الثانية، على يمين الداخل قال: حكى لي استاذي الثقة المعدل الشيخ محمد الحرفوشي قدس الله تربته قال:
لما كنت بالشام، عمدت يوما إلى مسجد مهجور، بعيد من العمران، فرأيت شيخا أزهر الوجه، عليه ثياب بيض، وهيئة جميلة، فتجارينا في الحديث، وفنون العلم فرأيته فوق ما يصفه الواصف، ثم تحققت منه الاسم والنسبة ثم بعد جهد طويل قال: أنا معمر بن ابي الدنيا صاحب امير المؤمنين، وحضرت معه حروب صفين وهذه الشجة في رأسي وفي وجهي من زجة فرسه (1).
.................................................
* (هامش) *
في الاصل المطبوع رمحة فرسه وهو تصحيف، والمراد بالزجة: الشكيمة
[279]
ثم ذكر لي من الصفات والعلامات ماتحققت معه صدقه في كل ما قال، ثم استجزته كتب الاخبار، فأجازني عن أمير المؤمنين وعن جميع الائمة (عليهم السلام) حتى انتهى في الاجازة إلى صاحب الدار عجل الله فرجه وكذلك أجازني كتب العربية من مصنفيها كالشيخ عبدالقاهر والسكاكي وسعد التفتازاني وكتب النحو عن أهلها وذكر العلوم المتعارفة.
ثم قال السيد رحمه الله: إن الشيخ محمد الحرفوشي أجازني كتب الاحاديث الاصول الاربعة، وغيرها من كتب الاخبار بتلك الاجازة، وكذلك أجازني الكتب المصنفة في فنون العلوم، ثم إن السيد رضوان الله عليه أجازني بتلك الاجازة كلما أجازه شيخه الحرفوشي، عن معمر بن أبي الدنيا صاحب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وأما أنا فأضمن ثقة المشايخ السيد والشيخ، وتعديلهما وورعهما ولكني لا أضمن وقوع الامر في الواقع على ما حكيت، وهذه الاجازة العالية لم تتفق لاحد من علمائنا، ولا محدثنا، لا في الصدر السالف، ولا في الاعصار المتأخرة انتهى.
وقال سبطه العالم الجليل السيد عبدالله صاحب شرح النخبة، وغيره في إجازته الكبيرة، لاربعة من علماء حويزة، بعد نقل كلام جده وكأنه رضي الله عنه استنكر هذه القصة أو خاف أن تنكر عليه فتبرء من عهدتها في آخر كلامه وليست بذلك فانمعمر بن ابي الدنيا المغربي له ذكر متكرر في الكتب، وقصة طويلة في خروجه مع أبيه في طلب ماء الحياة، وعثوره عليه دون أصحابه، مذكورة في كتب التواريخ وغيرها، وقد نقل منها نبذا صاحب البحار في أحوال صاحب الدار (عليه السلام) (1) وذكر الصدوق في كتاب إكمال الدين أن اسمه علي بن عثمان
.................................................
* (هامش) *
من اللجام: وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس فيها الفاس، وقد كانت تلك الحديدة مزججة على ما في نسخة كمال الدين قال: " وكان لجام دابته حديدا مزججا فرفع الفرس رأسه فشجنى هذه الشجة التي في صدغى ".
(1) راجع باب ذكر أخبار المعمرين ج 51 ص 225، كمال الدين ج 3 ص 220.
[280]
ابن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني إلا أنه قال: معمر أبي الدنيا باسقاط " بن " والظاهر أنه هو الصواب كما لا يخفى، وذكر أنه من حضرموت والبلد الذي هو مقيم فيه طنجة، وروى عنه أحاديث مسندة بأسانيد مختلفة.
وأما ما نقله الشيخ في مجلسه عن أبي بكر الجرجاني أن المعمر المقيم ببلدة طنجة توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فليس بمناف شيئا لان الظاهر أن أحدهما غير الآخر، لتغاير اسميهما وقصتيهما وأحوالهما المنقولة، والله يعلم انتهى، وشرح حال المعمر مذكور في آخر فتن البحار.
وقال السيد الجليل المعظم والحبر المكرم السيد حسين ابن العالم العليم السيد إبراهيم القزويني رحمه الله في آخر إجازته لآية الله بحر العلوم: وللعبد طريق آخر إلى الكتب الاربعة وغيرها لم يسمح الاعصار بمثلها، وهو ما أجاز لي السيد السعيد الشهيد السيد نصر الله الحائري، عن شيخه مولانا ابي الحسن، عن شيخه الفاضل السيد نعمة الله، عن شيخه السيد هاشم الاحسائي، إلى آخر ما نقلناه.
والشيخ محمد الحرفوشي من الاجلاء، قال الشيخ الحر في أمل الآمل:
الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي الحريري العاملي الشامي كان فاضلا عالما أديبا ماهرا محققا مدققا شاعرا اديبا منشيا حافظا أعرف أهل عصره بعلوم العربية، وذكر له مؤلفات في الادبية وشرح قواعد الشهيد، وغيرها وذكره السيد عليخان في سلافة العصر وبالغ في الثناء عليه وقال: إنه توفي
سنة 1059.
الحكاية الثالثة والاربعون حدثني سيد الفقهاء، وسناد العلماء، العالم الرباني المؤيد بالالطاف الخفية السيد مهدي القزويني الساكن في الحلة السيفية، صاحب التصانيف الكثيرة والمقامات العالية أعلى الله تعالى مقامه فيما كتب بخطه قال: حدثني والدي الروحاني وعمي الجسماني جناب المرحوم المبرور العلامة الفهامة، صاحب الكرامات، والاخبار
[281]
ببعض المغيبات، السيد محمد باقر نجل المرحوم السيد أحمد الحسيني القزويني أن في الطاعون الشديد الذي حدث في ارض العراق من المشاهد وغيرها في عام ست وثمانين بعد المائة والالف، وهرب جميع من كان في المشهد الغروي من العلماء المعروفين وغيرهم، حتى العلامة الطباطبائي والمحقق صاحب كشف الغطاء وغيرهما بعد ما توفي منهم جم غفير، ولم يبق إلا معدودين من أهله، منهم السيد رحمه الله.
قال: وكان يقول: كنت أقعد اليوم في الصحن الشريف، ولم يكن فيه ولا في غيره أحد من أهل العلم إلا رجلا معمما من مجاوري أهل العجم، كان يقعد في مقابلي وفي تلك الايام لقيت شخصا معظما مبجلا في بعض سكك المشهد ما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده، مع كون أهل المشهد في تلك الايام محصورين، ولم يكن يدخل عليهم احد من الخارج، قال: ولما رآني قال ابتداء منه: أنت ترزق علم التوحيد بعد حين.
وحدثني السيد المعظم، عن عمه الجليل أنه رحمه الله بعد ذلك في ليلة من الليالي قد رأى ملكين نزلا عليه بيد أحدهما عدة ألواح فيهاكتابة، وبيد الآخر ميزان فأخذا يجعلان في كل كفة منالميزان لوحا يوزنونها ثم يعرضون الالواح المتقابلة علي فأقرؤها وهكذا إلى آخر الالواح، وإذا همايقابلان عقيدة كل واحد من خواص أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وخواص أصحاب الائمة (عليهم السلام) مع عقيدة واحد من علماء الامامية من سلمان وأبي ذر إلى آخر البوابين، ومن الكليني والصدوقين، والمفيد والمرتضى، والشيخ الطوسي إلى بحر العلوم خالي العلامة الطباطبائي ومن بعده من العلماء.
قال: فاطلعت في ذلك المنام على عقائد جميع الامامية من الصحابة واصحاب الائمة (عليهم السلام) وبقية علماء الامامية، وإذا أنا محيط بأسرار من العلوم لو كان عمري عمر نوح (عليه السلام) واطلب هذه المعرفة، لما أحطت بعشر معشار ذلك وذلك بعد أن قال الملك الذي بيده الميزان للملك الآخر الذي بيده الالواح:
أعرض الالواح على فلان، فانا مأمورون بعرض الالواح عليه، فاصبحت وأنا
علامة زماني في العرفان.
فلما جلست من المنام، وصليت الفريضة وفرغت من تعقيب صلاة الصبح فاذا بطارق يطرق الباب، فخرجت الجارية فأتت إلي بقرطاس مرسول من أخي في الدين المرحوم الشيخ عبدالحسين الاعشم فيه أبيات يمدحني فيها فاذا قد جرى على لسانه في الشعر تفسير المنام على نحو الاجمال، قد ألهمه الله تعالى ذلك وأما أبيات المدح فمنها قوله شعرا:
نرجو سعادة فالي إلى سعادة فالك * بك اختتام معال قد افتتحن بخالك وقد أخبرني بعقائد جملة من الصحابة المتقابلة مع بعض العلماء الامامية، ومن جملة ذلك عقيدة المرحوم خالي العلامة بحر العلوم في مقابلة عقيدة بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذينهم من خواصه وعقيدة علماء آخرين الذين يزيدون على السيد المرحوم المذكور أو ينقصون إلا أن هذه الامور لما كانت من الاسرار التي لا يمكن إباحتها لكل أحد، لعدم تحمل الخلق لذلك، مع أنه رحمه الله أخذ علي العهد الا أبوح به لاحد وكانت تلك الرؤيا نتيجة قول ذلك القائل الذي تشهد القرائن بكونه المنتظر المهدي.
قلت: وهذا السيد المبجل كان صاحب اسرار خاله العلامة بحر العلوم وخاصته، وصاحب القبة المواجهة لقبة شيخ الفقهاء صاحب جواهر الكلام، في النجف الاشرف، وحدثني السيد المعظم المزبور وغيره بجملة من كراماته ذكرناها في دار السلام.
الحكاية الرابعة والاربعون حدثني جماعة من الافاضل الكرام، والصلحاء الفخام، منهم السيد السند والحبر المعتمد، زبدة العلماء الاعلام، وعمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل والادب، وحائز معالي الحسب والنسب الآميرزا صالح دام علاه ابن سيد المحققين ونور مصباح المجاهدين، وحيد عصره، وفريد دهره سيدنا المعظم السيد مهدي
[283]
المتقدم ذكره أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد أعلامه وقد كنت سألت عنه سلمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظم التي سمعتها من الجماعة فان أهل البيت أدرى بمافيه، مع ماهو عليه: من الاتقان والحفظ والضبط والصلاح والسداد والاطلاع، وقد صاحبته في طريق مكة المعظمة ذهابا وإيابا فوجدته ايده الله بحرا لا ينزح وكنزا لا ينفد، فكتب إلي مطابقا لما سمعته من تلك العصابة.
وكتب أخوه العالم النحرير، وصاحب الفضل المنير، السيد الامجد السيد محمد سلمه الله تعالى في آخر ما كتبه: سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعا من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطر الله مرقده. صورة ما كتبه:
بسم الله الرحمن الرحيم حدثني بعض الصلحاء الابرار من أهل الحلة قال: خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لاجل زيارة السيد أعلى الله مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيد محمد ذي الدمعة فرأيت على شباكه الخارج إلى الطريق شخصا بهي المنظر يقرأ فاتحة الكتاب، فتأملته فإذا هو غريب الشكل، وليس من أهل الحلة.
فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب، ونحن أهل البلد نمر ولا نفعل ذلك، فوقفت وقرأت الفاتحة والتوحيد، فلما فرغت سلمت عليه، فرد السلام، وقال لي: يا علي أنت ذاهب لزيارة السيد مهدي؟ قلت: نعم، قال: فاني معك.
فلما صرنا ببعض الطريق قال لي: يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة، فانك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤديا للحق وقد قضيت ما فرض الله عليك، وأما المال فانه عرض زائل يجيئ ويذهب، وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطلع عليه أحد مخافة الكسر، فاغتممت في نفسي وقلت: سبحان الله كسري قد شاع وبلغ حتى إلى الاجانب، إلا أني قلت له في الجواب: الحمد لله على كل حال، فقال: إن ما ذهب من مالك سيعود
[284]
إليك بعد مدة، وترجع كحالك الاول، وتقضي ما عليك من الديون.
قال: فسكت وأنا مفكر في كلامه حتى انتهينا إلى باب داركم، فوقفت ووقف، فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي: ادخل أنت أنا صاحب الدار، فامتنعت فأخذ بدي وأدخلني أمامه فلما صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيد قدس سره من داخل الدار لاجل البحث. ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراما له، وفيه كتاب مطروح.
فذهب الرجل، وجلس في الموضع الذي كان السيد قدس سره يعتاد الجلوس فيه ثم أخذ الكتاب وفتحه، وكان الكتاب شرائع المحقق قدس سره ثم استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخط السيد قدس سره، وكان خطه في غاية الضعف لا يقدر كل أحد على قراءته، فأخذ يقرء في تلك الكراريس ويقول للطلبة: الا تعجبون من هذه الفروع وهذه الكراريس؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الافهام في شرح شرائع الاسلام وهو كتاب عجيب في فنه لم يبرز منه إلا ست مجلدات من أول الطهارة إلى أحكام الاموات.
قال الوالد أعلى الله درجته: لما خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي فلما رآني قام وتنحى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه، ورأيته رجلا بهي المنظر، وسيم الشكل في زي غريب، فلما جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه وبشاشة، وسؤال عن حاله واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه؟ ثم شرعت في البحث فجعل الرجل يتكلم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة: اسكت ما أنت وهذا، فتبسم وسكت.
قال رحمه الله: فلما انقضى البحث قلت له: من أين كان مجيئك إلى الحلة؟
فقال: من بلد السليمانية، فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالامس خرجت منها، وما خرجت منها حتى دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف وقد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلب عليها، وأقام مقامه أخاه عبدالله باشا، وقد كان أحمد باشا المتقدم
[285]
قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادعى السلطنة لنفسه في السليمانية.
قال الوالد قدس سره: فبقيت مفكرا في حديثه وأن هذا الفتح وخبره لم يبلغ إلى حكام الحلة، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلة وبالامس خرجت من السليمانية، وبين الحلة والسليمانية ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجد.
ثم إن الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الاناء ليغترف به ماء من الحب فناداه لا تفعل! فان في الاناء حيوانا ميتا فنظر فيه، فاذا فيه سام أبرص ميت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلما شرب قام للخروج.
قال الوالد قدس سره فقمت لقيامه فودعني وخرج فلما صار خارج الدار قلت للجماعة هلا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية فقالوا: هلا أنكرت عليه؟
قال: فحدثني الحاج علي المتقدم بما وقع له في الطريق وحدثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة، وإظهار العجب من الفروع التي فيها.
قال الوالد أعلى الله مقامه: فقلت: اطلبوا الرجل وما أظنكم تجدونه هو والله صاحب الامر روحي فداه فتفرق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا ولا أثرا فكأنما صعد في السماء أو نزل في الارض.
قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم، وأعلن ذلك عند حكامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر، عند ذوي الدولة العثمانية.
قلت: الموجود فيما عندنا من كمتب الانساب أناسم ذا الدمعة حسين ويلقب أيضا بذي العبرة، وهو ابن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين عليهما السلام ويكنى بأبي عاتقة، وإنما لقب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاة الليل، ورباه الصادق (عليه السلام) فأرثه علما جما وكان زاهدا عابدا وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة
[286]
زوج ابنته بالمهدي الخليفة العباسي وله أعقاب كثيرة، ولكنه سلمه الله أعرف بما كتب.
الحكاية الخامسة والاربعون قال سلمه الله: وحدثني الوالد أعلى الله مقامه قال: لازمت الخروج إلى الجزيرة مدة مديدة لاجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحق، وكانوا كلهم على راي أهل التسنن، وببركة هداية الوالد قدس سره وإرشاده، رجعوا إلى مذهب الامامية كماهم عليه الآن، وهم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس وكان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم، يزوره الناس ويذكرون له كرامات كثيرة، وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريبا.
قال قدس سره: فكنت استطرق الجزيرة وأمر عليه ولا أزوره لما صح عندي أن الحمزة بن الكاظم مقبور في الري مع عبدالعظيم الحسني فخرجت مرة على عادتي ونزلت ضيفا عند أهل تلك القرية، فتوقعوا مني أن أزور المرقد المذكور فأبيت وقلت لهم: لا أزور من لا أعرف، وكان المزار المذكور قلت رغبة الناس فيه لا عراضي عنه.
ثم ركبت من عندهم وبت تلك الليلة في قرية المزيدية، عند بعض ساداتها فلما كان وقت السحر جلست لنافلة الليل وتهيأت للصلاة، فلما صليت النافلة بقيت ارتقب طلوع الفجر، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل علي سيد أعرفه بالصلاح والتقوى، من سادة تلك القرية، فسلم وجلس.
ثم قال: يا مولانا بالامس تضيفت أهل قرية الحمزة، وما زرته؟ قلت: نعم قال: ولم ذلك؟ قلت: لاني لا أزور من لا أعرف، والحمزة بن الكاظم مدفون بالري، فقال: رب مشهور لا اصل له، ليس هذا قبر الحمزة بن موسى الكاظم وان اشتهر أنه كذلك بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الاجازة وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم، وأثنوا عليه
[287]
بالعلم والورع.
فقلت في نفسي: هذا السيد من عوام السادة، وليس من أهل الاطلاع على الرجال والحديث، فلعله أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء، ثم قمت لارتقب طلوع الفجر، فقام ذلك السيد وخرج وأغفلت أن أسأله عمن أخذ هذا لان الفجر قد طلع، وتشاغلت بالصلاة.
فملا صليت جلست للتعقيب حتى طلع الشمس وكان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها ولذا الحال كما ذكر فجاءني أهل القرية مسلمين علي وفي جملتهم ذلك السيد فقلت: جئتني قبل الفجر وأخبرتني عن قبر الحمزة أنه أبويعلى حمزة بن القاسم العلوي فمن أين لك هذا وعمن أخذته؟ فقال: والله ماجئتك قبل الفجر ولا رأيتك قبل هذه الساعة، ولقد كنت ليلة أمس بائتا خارج القرية في مكان سماه وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك.
فقلت لاهل القرية: الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فاني لا أشك في أن الشخص الذي رأيته هو صاحب الامر (عليه السلام)، قال: فركبت أنا وجميع أهل تلك القرية لزيارته، ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهورا تاما على وجه صار بحيث تشد الرحال إليه من الاماكن البعيدة.
قلت: في رجال النجاشي: حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن ابن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبويعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث له كتاب " من روى عن جعفر بن محمد عليهما السلام من الرجال " وهو كتاب حسن.
وكر الشيخ الطوسي أنه يروي عن سعد بن عبدالله ويروي عنه التلعكبري رحمه الله، إجازة فهو في طبقة والد الصدوق.
[288]
الحكاية السادسة والاربعون قال أيده الله: وحدثني الوالد اعلى الله مقامه قال: خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلة أريد زيارة الحسين (عليه السلام) ليلة النصف منه، فلما وصلت إلى شط الهندية، وعبرت إلى الجانب الغربي منه، وجدت الزوار الذاهبين من الحلة وأطرافها، والواردين من النجف ونواحيه، جميعا محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من عشائر الهندية، ولا طريق لهم إلى كربلاء لان عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق، وقطعوه عن المارة، ولا يدعون أحدا يخرج من كربلا ولا أحدا يلج إلا انتهبوه.
قال: فنزلت على رجل من العرب وصليت صلاة الظهر والعصر، وجلست أنتظر ما يكون من أمر الزوار، وقد تغيمت السماء ومطرت مطرا يسيرا.
فبينما نحن جلوس إذ خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجهين نحو طريق كربلا، فقلت لبعض من معي: اخرج واسال ما الخبر؟ فخرج ورجع إلي وقال لي: إن عشيرة بني طرف قد خرجوا بالاسلحة النارية، وتجمعوا لايصال الزوار إلى كربلا، ولو آل الامر إلى المحاربة مع عنزة.
فلما سمعت قلت لمن معي: هذا الكلام لا أصل له، لان بني طرف لاقابلية لهم على مقابلة عنزة في البر، واظن هذه مكيدة منهم لاخراج الزوار عن بيوتهم لانهم استثقلوا بقاءهم عندهم، وفي ضيافتهم.
فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوار إلى البيوت، فتبين الحال كما قلت
فلم تدخل الزوار إلى البيوت وجلسوا في ظلالها والسماء متغيمة، فأخذتني لهم رقة شديدة، وأصابني انكسار عظيم، وتوجهت إلى الله بالدعاء والتوسل بالنبي وآله، وطلبت إغاثة الزوار مما هم فيه.
فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع (1) كريم لم أر مثله
.................................................
* (هامش) *
(1) يعنى أنه داخل في السنة الخامسة، يقال: اربع الغنم: دخلت في السنة الرابعة والبقر وذوات الحافر: دخلت في السنة الخامسة، وذوات الخف دخلت في السابعة.
[289]
وبيده رمح طويل وهو مشمر عن ذراعيه، فأقبل يخب به جواده (1) حتى وقف على البيت الذي أنافيه، وكان بيتا من شعر مرفوع الجوانب، فسلم فرددنا(عليه السلام) ثم قال: يا مولانا يسميني باسمي بعثني من يسلم عليك، وهم كنج محمد آغا وصفر آغا، وكانا من قواد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوار، فانا قد طردنا عنزة عن الطريق، ونحن ننتظره مع عسكرنا في عرقوب السليمانية على الجادة، فقلت له: وأنت معنا إلى عرقوب السليمانية؟ قال: نعم، فأخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهارساعتان ونصف تقريبا فقلت: بخيلنا، فقدمت إلينا، فتعلق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده وقال: يا مولاي لا تخاطر بنفسك وبالزوار وأقم الليلة حتى يتضح الامر، فقلت له: لا بد من الركوب لادراك الزيارة المخصوصة.
فلما رأتنا الزوار قد ركبنا، تبعوا أثرنا بين حاشر وراكب فسرنا والفارس المذكور بين أيدينا كأنه الاسد الخادر، ونحن خلفه، حتى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه وتبعناه في الصعود، ثم نزل وارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا ولم نر له عينا ولا أثرا، فكأنما صعد في السماء أو نزل في الارض ولم نر قائدا ولا عسكرا.
فقلت لمن معي: أبقي شك في أنه صاحب الامر؟ فقالوا: لا والله، وكنت وهو بين أيدينا اطيل النظر إليه كأني رأيته قبل ذلك، لكنني لا اذكر أين رأيته فلما فارقناتذكرت أنه هو الشخص الذي زارني بالحلة، وأخبرني بواقعة السليمانية.
وأما عشيرة عنزة، فلم نر لهم اثرا في منازلهم، ولم نر أحدا نساله عنهم سوى أنا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البر، فوردناكربلا تخب بنا خيولنا
.................................................
* (هامش) *
(1) الخبب: مراوحة الفرس بين يديه ورجليه اى قام على أحداهما مرة وعلى الاخرى مرة، وقيل هو السرعة.
[290]
فوصلنا إلى باب البلاد، وإذا بعسكر على سور البلد فنادوا من أين جئتم؟ وكيف وصلتم؟ ثم نظروا إلى سواد الزوار ثم قالوا سبحان الله هذه البرية قد امتلات من الزوار أجل أين صارت عنزة؟ فقلت لهم: اجلسوا في البلد وخذوا أرزاقكم ولمكة رب يرعاها.
ثم دخلنا البلد فاذا أنابكنج محمد آغا جالسا على تخت قريب من الباب فسلمت عليه فقام في وجهي فقلت له: يكفيك فخرا أنك ذكرت باللسان، فقال: ما الخبر؟
فأخبرته بالقصة، فقال لي: يا مولاي من أين لي علم بأنك زائر حتى أرسل لك رسولا وأنا وعسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة، ثم قال: فأين صارت عنزة؟ قلت: لا علم لي سوى أني رأيت غبرة شديدة في كبد البر كأنها غبرة الظعائن ثم أخرجت الساعة وإذا قد بقي منالنهار ساعة ونصف، فكان مسيرنا كله في ساعة وبين منازل بني طرف وكربلا ثلاث ساعات ثم بتنا تلك الليلة في كربلا.
فلما أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلاحين الذين في بساتين كربلا قال: بينما عنزة جلوس في أنديتهم بيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهم، وبيده رمح طويل، فصرخ فيهم بأعلى صوته يا معاشر عنزة قد جاء الموت الزؤام (1) عساكر الدولة العثمانية تجبهت عليكم بخيلها ورجلها، وها هم على أثري مقبلون فارحلوا وما أظنكم تنجون منهم.
فألقى الله عليهم الخوف والذل حتى أن الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل، فلم تمض ساعة حتى ارتحلوا باجمعهم وتوجهوا نحو البر فقلت له: صف لي الفارس فوصف لي وإذا هو صاحبنا بعينه، وهو الفارس الذي جاءنا والحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين حرره الاقل ميرزا صالح الحسيني.
.................................................
* (هامش) *
(1) الزؤام من الموت: الكريه أو المجهز السريع.
[291]
قلت: وهذه الحكاية سمعتها شفاها منه أعلى الله مقامه، ولم يكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فانه ورث العلم والعمل منعمه الاجل الاكمل السيد باقر القزويني خاصة السيد الاعظم، والطود الاشيم، بحر العلوم أعلى الله تعالى درجتهم، وكان عمه ادبه ورباه وأطلعه على الخفايا والاسرار، حتى بلغ مقاما لا يحوم حوله الافكار، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم يجتمع في غيره من العلماء الابرار.
منها أنه بعد ما هاجر إلى الحلة واستقر فيها وشرع في هداية الناس وإيضاح الحق وإبطال الباطل، صار ببركة دعوته من داخل الحلة وأطرافها من الاعراب قريبا من مائة ألف نفس شيعيا إماميا مخلصا مواليا لاولياء الله، ومعاديا لاعداء الله.
بل حدثني طاب ثراه أنه لما ورد الحلة لم يكن في الذين يدعون التشيع من علائم الامامية وشعارهم، إلا حمل موتاهم إلى النجف الاشرف، ولا يعرفون من أحكامهم شيئا حتى البراءة من أعداء الله، وصاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء وهذه منقبة عظيمة اختص بها من بين من تقدم عليه وتأخر.
ومنها الكمالات النفسانية من الصبر والتقوى، وتحمل أعباء العبادة، و سكون النفس، ودوام الاشتغال بذكر الله تعالى، وكان رحمه الله لا يسأل في بيته عن أحد من أهله وأولاده ما يحتاج إليه من الغداء والعشاء والقهوة والغليان وغيرها عند وقتها، ولا يأمر عبيده وإماءه بشئ منها، ولولا التفاتهم ومواظبتهم لكان يمر عليه اليوم والليلة من غير أن يتناول شيئا منها مع ما كان عليه من التمكن والثروة والسلطنة الظاهرة، وكان يجيب الدعوة، ويحضر الولائم والضيافات، لكن يحمل معه كتبا ويقعد في ناحية، ويشتغل بالتأليف، ولا خبر له عما فيه القوم، ولا يخوض معهم في حديثهم إلا أن يسأل عن أمر ديني فيجيبهم.
وكان دأبه في شهر الصيام أن يصلي المغرب في المسجد ويجتمع الناس، ويصلي بعده النوافل المرتبة في شهر رمضان، ثم يأتي منزله ويفطر ويرجع ويصلي العشاء
بالناس، ثم يصلي نوافلها المرتبة، ثم يأتي منزله والناس معه على كثرتهم فلما اجتمعوا واستقروا، شرع واحد من القراء فيتلو بصوت حسن رفيع آيات من كتاب الله في التحذير والترغيب، والموعظة، مما يذوب منه الصخر الاصم ويرق القلوب القاسية، ثم يقرء آخرا خطبة من مواعظ نهج البلاغة، ثم يقرء آخرا تعزية أبي عبدالله (عليه السلام) ثم يشرع أحد من الصلحاء في قراءة أدعية شهر رمضان ويتابعه الآخرون إلى أن يجئ وقت السحور، فيتفرقون ويذهب كل إلى مستقره.
وبالجملة فقد كان في المراقبة، ومواظبة الاوقات والنوافل والسنن والقراءة مع كونه طاعنا في السن آية في عصره، وقد كنا معه في طريق الحج ذهابا وإيابا وصلينا معه في مسجد الغدير، والجحفة، وتوفي رحمه الله الثاني عشر من ربيع الاول سنة 1300 قبل الوصول إلى سماوة، بخمس فراسخ تقريبا، وقد ظهر منه حين وفاته من قوة الايمان والطمأنينة والاقبال وصدق اليقين ما يقضي منه العجب، وظهر منه حينئذ كرامة باهرة بمحضر من جماعة، من الموافق والمخالف ليس هنا مقام ذكرها.
ومنها التصانيف الرائقة الكثيرة، في الفقه والاصول والتوحيد والكلام وغيرها، ومنها كتاب في إثبات كون الفرقة الناجية فرقة الامامية أحسن ما كتب في هذا الباب، طوبى له وحسن مآب.
الحكاية السابعة والاربعون حدثني العالم الجليل، والحبر النبيل، مجمع الفضائل والفواضل، الصفي الوفي المولى على الرشتي طاب ثراه وكان عالما برا تقيا زاهدا حاويا لانواع العلم بصيرا ناقدا من تلامذة السيد السند الاستاذ الاعظم دام ظله، ولما طال شكوى أهل الارض، حدود فارس ومن والاه إليه من عدم وجود عالم عامل كامل نافذ الحكم فيهم أرسله إليهم عاش فيهم سعيدا ومات هناك حميدا رحمه الله، وقد صاحبته مدة
[293]
سفرا وحضرا ولم أجد في خلقه وفضله نظيرا إلا يسيرا.
قال: رجعت مرة من زيارة أبي عبدالله (عليه السلام) عازما للنجف الاشرف من طريق الفرات، فلما ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلا وطويرج، رأيت أهلها من أهل حلة، ومن طويرج تفترق طريق الحلة والنجف، واشتغل الجماعة باللهو واللعب والمزاح، رأيت واحدا منهم لا يدخل في عملهم، عليه آثار السكينة والوقار لا يمازح ولا يضاحك، وكانوا يعيبون على مذهبه ويقدحون فيه، ومع ذلك كان شريكا في اكلهم وشربهم، فتعجبت منه إلى أن وصلنا إلى محل كان الماء قليلا فأخرجنا صاحب السفينة فكنا نمشي على شاطئ النهر.
فاتفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق، فسألته عن سبب مجانبته عن أصحابه، وذمهم إياه، وقدحهم فيه، فقال: هؤلاء من أقاربي من أهل السنة، وأبي منهم وأمي من أهل الايمان، وكنت أيضا منهم، ولكن الله من علي بالتشيع ببركة الحجة صاحب الزمان (عليه السلام)، فسألت عن كيفية إيمانه، فقال: اسمي ياقوت وأنا أبيع الدهن عند جسر الحلة، فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن، من أهل البراري خارج الحلة، فبعدت عنها بمراحل، إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت أريده منه، وحملته على حماري ورجعت مع جماعة من أهل الحلة، ونزلنا في بعض المنازل ونمنا وانتبهت فما رأيت أحدا منهم وقد ذهبوا جميعا وكان طريقنا في برية قفر، ذات سباع كثيرة، ليس في أطرافها معمورة إلا بعد فراسخ كثيرة.
فقمت وجعلت الحمل على الحمار، ومشيت خلفهم فضل عني الطريق، وبقيت متحيرا خائفا من السباع والعطش في يومه، فأخذت أستغيث بالخلفاء والمشايخ وأسألهم الاعانة وجعلتهم شفعاء عند الله تعالى وتضرعت كثيرا فلم يظهر منهم شئ فقلت في نفسي: إني سمعت من أمي أنها كانت تقول: إن لنا إماما حيا يكنى أبا صالح يرشد الضال، ويغيث الملهوف، ويعين الضعيف، فعاهدت الله تعالى إن استغثت به فأغاثني، أن أدخل في دين أمي.
فناديته واستغثت به، فإذا بشخص في جنبعي، وهو يمشي معي وعليه عمامة
خضراء قال رحمه الله: وأشار حنيئذ إلى نبات حافة النهر، وقال: كانت خضرتها مثل خضرة هذا النبات.
ثم دلني على الطريق وأمرني بالدخول في دين امي، (1) وذكر كلمات نسيتها، وقال: ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعا من الشيعة، قال: فقلت:
يا سيدي أنت لا تجيئ معي إلى هذه القرية، فقال ما معناه: لا، لانه استغاث بي ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم، ثم غاب عني، فما مشيت إلا قليلا حتى وصلت إلى القرية، وكان في مسافة بعيدة، ووصل الجماعة إليها بعدي بيوم فلما دخلت الحلة ذهبت إلى سيد الفقهاء السيد مهدي القزويني طاب ثراه، وذكرت له القصة، فعلمني معالم ديني، فسألت عنه عملا أتوصل به إلى لقائه (عليه السلام) مرة أخرى فقال: زر أبا عبدالله (عليه السلام) أربعين ليلة الجمعة، قال: فكنت أزوره من الحلة في ليالي الجمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلة في يوم الخميس، فلما وصلت إلى باب البلد، فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة، وما كان عندي تذكرة ولا قيمتها، فبقيت متحيرا والناس متزاحمون على الباب فأردت مرارا أن أتخفى وأجوز عنهم، فما تيسر لي، وإذا بصاحبي صاحب الامر (عليه السلام) في زي لباس طلبة الاعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد، فلما رأيته استغثت به فخرج وأخذني معه، وادخلني من الباب فما رآني أحد فلما دخلت البلد افتقدته من بين الناس، وبقيت متحيرا على فراقه (عليه السلام)، وقد ذهب عن خاطري بعض ما كان في تلك الحكاية.
الحكاية الثامنة والاربعون حدثني العالم الجليل، والمولى النبيل العدل الثقة الرضي المرضي الآميرزا إسماعيل السلماسي وهو من أوثق أهل العلم والفضل وائمة الجماعة في مشهد الكاظم (عليه السلام) عن والده العالم العليم المتقدم ذكره المولى زين العابدين السلماسي
.................................................
* (هامش) *
(1) في الاصل المطبوع: " ثم دله على الطريق وأمره بالدخول في دين امه " الخ وأظنه تصحيفا.
[295]
أو عن أخيه الثقة الصالح الاكبر منه في السن الآميرزا محمد باقر رحمه الله قال سلمه الله والترديد لتطاول الزمان لان سماعي لهذه الحكاية يقرب من خمسين سنة قال: قال والدي: مما ذكر من الكرامات للائمة الطاهرين (عليهم السلام) في سر من رأى في المائة الثانية، والظاهر أنه أواخر المائة أو في أوائل المائة الثالثة بعد الالف من الهجرة أنه جاء رجل من الاعاظم إلى زيارة العسكريين عليهما السلام وذلك في زمن الصيف وشدة الحر، وقد قصد الزيارة في وقت كان الكليد دار في الرواق ومغلقا أبواب الحرم، ومتهيئا للنوم، عند الشباك الغربي.
فلما أحس بمجيئ الزوار، فتح الباب وأراد أن يزوره فقال له الزائر:
خذ هذا الدينار واتركني حتى أزور بتوجه وحضور فامتنع المزور وقال: لا أخرم القاعدة فدفع إليه الدينار الثاني والثالث فلما رأى المزور كثرة الدنانير ازداد امتناعا ومنع الزائر من الدخول إلى الحرم الشريف ورد إليه الدنانير.
فتوجه الزائر إلى الحرم وقال بانكسار: بأبي أنتما وأمي اردت زيارتكما بخضوع وخشوع، وقد اطلعتما على منعه إياي، فأخرجه المزور، وغلق الابواب ظنامنه أنه يرجع إليه ويعطيه بكل ما يقدر عليه، وتوجه إلى الطرف الشرقي قاصدا السلوك إلى الشباك الذي في الطرف الغربي.
فلما وصل إلى الركن وأراد الانحراف إلى طرف الشباك، رأى ثلاثة اشخاص مقبلين صافين إلا أن أحدهم متقدم على الذي في جنبه بيسير وكذا الثاني ممن يليه، وكان الثالث هو أصغرهم وفي يده قطعة رمح وفي رأسه سنان فبهت المزور عند رؤيتهم، فتوجه صاحب الرمح إليه وقد امتلا غيظا واحمرت عيناه من الغضب، وحرك الرمح مريدا طعنه قائلا: يا ملعون بن الملعون كأنه جاء إلى دارك أو إلى زيارتك فمنعته؟.
فعند ذلك توجه إليه أكبرهم مشيرا بكفه مانعا له قائلا: جارك ارفق بجارك فأمسك صاحب الرمح، ثم هاج غضبه ثانيا محركا للرمح قائلا ما قاله أولا فأشار إليه الاكبر أيضا كما فعل، فأمسك صاحب الرمح.
وفي المرة الثالثة لم يشعر المزور أن سقط مغشيا عليه، ولم يفق إلا في اليوم الثاني أو الثالث وهو في داره أتوابه أقاربه، بعد أن فتحوا الباب عند المساء لما رأوه مغلقا، فوجدوه كذلك وهم حوله باكون فقص عليهم ما جرى بينه وبين الزائر والاشخاص وصاح ادركوني بالماء فقد احترقت وهلكت، فأخذوا يصبون عليه الماء، وهو يستغيث إلى أن كشفوا عن جنبه فرأوا مقدار درهم منه قد اسود وهو يقول قد طعنني صاحب القطعة.
فعند ذلك اشخصوه إلى بغداد، وعرضون على الاطباء، فعجز الاطباء من علاجه فذهبوا به إلى البصرة وعرضوه على الطبيب الافرنجي فتحير في علاجه لانه جس يده (1) فما أحس بما يدل على سوء المزاج وما رأى ورما ومادة في الموضع المذكور فقال: مبتدئا: إني أظن أن هذا الشخص قد اساء الادب مع بعض الاولياء فاشتد بهذا البلاء، فلما يئسوا من العلاج رجعوا به إلى بغداد فمات في الرجوع إما في الطريق أو في بغداد والظاهر أن اسم هذا الخبيث كان حسانا.
الحكاية التاسعة والاربعون بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد للشيخ الفاضل الاجل تلميذه محمد ابن علي بن الحسن العودي قال في ضمن وقائع سفر الشهيد رحمه الله من دمشق إلى مصر ما لفظه:
واتفق له في الطريق ألطاف إلهية، وكرامات جلية حكى لنا بعضها.
منها ما أخبرني به ليلة الاربعاء عاشر ربيع الاول سنة ستين وتسعمائة أنه
في الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الابيض لزيارة الانبياء والذين في الغار وحده، فوجد الباب مقفولا وليس في المسيجد أحد، فوضع يده على القفل وجذبه فانفتح فنزل إلى الغار، واشتغل بالصلاة والدعاء، وحصل له إقبال على الله
.................................................
* (هامش) *
(1) يقال: جس الشئ يجس بالضم مسه بيده ليتعرفه. والمراد أنه أخذ نبضه فلم يجد اختلالا في الدم يكون سببا لاحتراقه والنهابه.
بحيث ذهل عن انتقال القافلة، فوجدها قد ارتحلت، ولم يبق منها أحد فبقي متحيرا في أمره مفكرا في اللحاق مع عجزه عن المشي وأخذ اسبابه ومخافته وأخذ يمشي على أثرها وحده فمشى حتى أعياه التعب، فلم يلحقها، ولم يرها من البعد، فبينما هو في هذا المضيق إذ أقبل عليه رجل لاحق به وهو راكب بغلا، فلما وصل إليه قال له: اركب خلفي فردفه ومضى كالبرق، فما كان إلا قليلا حتى لحق به القافلة وأنزله وقال له: اذهب إلى رفقتك، ودخل هو في القافلة قال: فتحريته مدة الطريق أني أراه ثانيا فما رأيته اصلا ولا قبل ذلك.
الحكاية الخمسون قال الشيخ الاجل الاكمل الشيخ علي ابن العالم النحرير الشيخ محمد ابن المحقق المدقق الشيخ حسن ابن العالم الرباني الشهيد الثاني في الدر المنثور في ضمن أحوال والده الامجد وكان مجاورا بمكة حيا وميتا أخبرتني زوجته بنت السيد محمد بن أبي الحسن رحمه الله وأم ولده أنه لما توفي كن يسمعن عنده تلاوة القرآن، طول تلك الليلة.
ومما هو مشهور أنه كان طائفا فجاءه رجل بورد من ورد شتاء ليست في تلك البلاد، ولا في ذلك الاوان، فقال له: من أين أتيت؟ فقال: من هذه الخرابات ثم أراد أن يراه بعد ذلك السؤال فلم يره.
قلت: ونقل نظيره في البحار (1) عن شيخه واستاذه السيد المؤيد الامجد الآميرزا محمد الاسترابادي صاحب الكتب في الرجال وآيات الاحكام وغيرها ويحتمل الاتحاد وكون الوهم من الراوي لاتحاد الاسم والمكان والعمل، والله العالم، وهذا المقام من الشيخ المزبور غير بعيد فقد رأينا في ظهر نسخة من شرحه على الاستبصار وكانت من متملكاته، وكان في مواضع منها خطه وفي ظهره خط ولده المذكور ما صورته: انتقل مصنف هذا الكتاب وهوالشيخ السعيد الحميد بقية
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع ج 52 ص 176.
العلماء الماضين وخلف الكملاء الراسخين أعني شيخنا ومولانا ومن استفدنا من بركاته العلوم الشرعية من الحديث والفروع والرجال وغيره، الشيخ محمد بن الشهيد الثاني من دار الغرور إلى دار السرور ليلة الاثنين العاشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثين من هجرة سيد المرسلين، وقد سمعت منه قدس الله روحه قبيل انتقاله بأيام قلائل مشافهة، وهو يقول لي: إني أنتقل في هذه الايام، عسى الله أن يعينني عليها، وكذا سمعه غيري، وذلك في مكة المشرفة، ودفناه برد الله مضجعه في المعلى قريبا من زار خديجة الكبرى، حرره الفقير إلى الله الغني حسين بن حسن العاملي المشغري عامله الله بلطفه الخفي والجلي بالنبي والولي والصحب الوفي في التاريخ المذكور، ونقل في الدر المنثور هذه العبارة عن النسخة المذكورة التي كانت عنده، ورزقنا الله زيارته.
وفي أمل الآمل: الشيخ حسين بن الحسن العاملي المشغري كان فاضلا صالحا جليل القدر شاعرا أديبا قرء علي.
الحكاية الحادية والخمسون ما في كتاب الدمعة الساكبة لبعض الصلحاء من المعاصرين في آخر اللمعة الاولى، من النور السادس منه، في معجزات الحجة (عليه السلام).
قال: فالاولى أن يختم الكلام، بذكر ما شاهدته في سالف الايام، وهو أنه اصاب ثمرة فؤادي ومن انحصرت فيه ذكور أولادي، قرة عيني علي محمد حفظه الله الفرد الصمد، مرض يزداد آنا فآنا ويشتد فيورثني أحزانا وأشجانا إلى أن حصل للناس من برئه اليأس وكانت العلماء والطلاب والسادات الانجاب يدعون له بالشفاء في مظان استجابة الدعوات كمجالس التعزية وعقيب الصلوات.
فلما كانت الليلة الحادية عشرة من مرضه، اشتدت حاله وثقلت أحواله وزاد اضطرابه، كثر التهابه، فانقطعت بي الوسيلة، ولم يكن لنا في ذلك حيلة فالتجأت بسيدنا القائم عجل الله ظهوره وأرانا نوره، فخرجت من عنده وأنا في
غاية الاضطراب ونهاية الالتهاب، وصعدت سطح الدار، وليس لي قرار، وتوسلت به (عليه السلام) خاشعا، وانتدبت خاضعا، وناديته متواضعا، وأقول: يا صاحب الزمان أغثني يا صاحب الزمان ادركني، متمرغا في الارض، ومتدحرجا في الطول والعرض، ثم نزلت ودخلت عليه، وجلست بين يديه، فرأيته مستقر الانفاس مطمئن الحواس قد بله العرق لابل أصابه الغرق، فحمدت الله وشكرت نعماءه التي تتوالى فألبسه الله تعالى لباس العافية ببركته (عليه السلام).
الحكاية الثانية والخمسون العالم الفاضل السيد عليخان الحويزاوي في كتاب خير المقال عند ذكر من رأى القائم (عليه السلام) قال: فمن ذلك ما حدثني به رجل من أهل الايمان ممن أثق به
أنه حج مع جماعة على طريق الاحساء في ركب قليل، فلما رجعوا كان معهم رجل يمشي تارة ويركب أخرى، فاتفق أنهم أولجوا في بعض المنازل أكثر من غيره ولم يتفق لذلك الرجل الركوب، فلما نزلوا للنوم واستراحوا، ثم رحلوا من هناك لم يتنبه ذلك الرجل من شدة التعب الذي اصابه، ولم يفتقدوه هم وبقي نائما إلى أن ايقظه حر الشمس.
فلما انتبه لم ير أحدا، فقام يمشي وهو موقن بالهلاك، فاستغاث بالمهدي (عليه السلام) فبينما هو كذلك، فاذا هو برجل في زي أهل البادية، راكب ناقته قال: فقال:
يا هذا أنت منقطع بك؟ قال: فقلت: نعم، قال: فقال: أتحب أن ألحقك برفقائك؟ قال: قلت: هذا والله مطلوبي لا سواه، فقرب مني وأناخ ناقته، وأردفني خلفه، ومشى فما مشينا خطا يسيرة إلا وقد أدركنا الركب، فلما قربنا منهم أنزلني وقال: هؤلاء رفقاؤك ثم تركني وذهب.
[300]
الحكاية الثالثة والخمسون وفيه ومن ذلك ما حدثني به رجل من اهل الايمان من أهل بلادنا، يقال له: الشيخ قاسم، وكان كثير السفر إلى الحج قال: تعبت يوما من المشي، فنمت تحت شجرة فطال نومي ومضى عني الحاج كثيرا فلما انتبهت علمت من الوقت أن نومي قد طال وأن الحاج بعد عني، وصرت لا أدري إلى أين أتوجه، فمشيت على الجهة وأنا أصيح باعلى صوتي: ياباصالح قاصدا بذلك صاحب الامر (عليه السلام) كما ذكره ابن طاوس في كتاب الامان فيما يقال عند إضلال الطريق.
فبينا أنا اصيح كذلك وإذا براكب على ناقة وهو على زي البدو، فلما رآني قال لي: أنت منقطع عن الحاج؟ فقلت: نعم، فقال: اركب خلفي لالحقك بهم فركبت خلفه، فلم يكن إلا ساعة وإذا قد أدركنا الحاج، فلما قربنا أنزلني وقال لي: امض لشأنك! فقلت له: إن العطش قد اضر بي فأخرج من شداده ركوة فيها ماء، وسقاني منه، فوالله إنه ألذ وأعذب ماء شربته.
ثم إني مشيت حتى دخلت الحاج والتفت إليه فلم أره، ولا رأيته في الحاج قبل ذلك، ولا بعده، حتى رجعنا.
قلت: إن الاصحاب ذكروا أمثال هذه الوقائع في باب من رآه (عليه السلام) بناء منهم على أن إغاثة الملهوف كذلك في الفلوات، وصدور هذه المعجزات والكرامات لا يتيسر لاحد إلا لخليفة الله في البريات، بل هو من مناصبه الالهية كما يأتي في الفائدة الاولى، وأبوصالح كنيته عند عامة العرب، يكنونه به في أشعارهم، ومراثيهم وندبهم، والظاهر أنهم أخذوه من الخبر المذكور وأنه (عليه السلام) المراد من ابي صالح الذي هو مرشد الضال في الطريق، ولو نوقش في ذلك وادعي إمكان صدورها من بعض الصلحاء والاولياء فهو أيضا يدل على المطلوب إذ لايستغيث شيعته ومواليه (عليه السلام) إلا من هو منهم، وواسطة بينهم وبين إمامهم الغائب عنهم، بل هو من رجاله وخاصته وحواشيه وأهل خدمته، فالمضطر رأى من رآه (عليه السلام).
[301]
وقال الشيخ الكفعمي، رحمه الله، في هامش جنته عند ذكر دعاء أم داود:
قيل: إن الارض لا يخلو من القطب، واربعة أوتاد، وأربعين أبدالا وسبعين نجيبا وثلاثمائة وستين صالحا، فالقطب هو المهدي (عليه السلام)، ولا يكون الاوتاد أقل من أربعة لان الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود وتلك الاربعة اطنابها، وقد يكون الاوتاد أكثر من اربعة، والابدال أكثر من اربعين، والنجباء أكثر من سبعين والصلحاء اكثر من ثلاث مائة وستين، والظاهر أن الخضر وإلياس، من الاوتاد فهما ملاصقان لدائرة القطب.
وأما صفة الاوتاد، فهم قوم لا يغفلون عن ربهم طرفة عين، ولا يجمعون من الدنيا إلا البلاغ، ولا تصدر منهم هفوات الشر ولا يشترط فيهم العصمة من السهو والنسيان، بل من فعل القبيح، ويشترط ذلك في القطب.
وأما الابدال فدون هؤلاء في المراقبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكر، ولا يتعمدون ذنبا.
وأما النجباء فهم دون الابدال.
وأما الصلحاء، فهم المتقون الموفون بالعدالة، وقد يصدر منهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار والندم، قال الله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان، تذكروا فاذا هم مبصرون " (1) جعلنا الله من قسم الاخير لانا لسنا من الاقسام الاول لكن ندين الله بحبهم وولايتهم ومن أحب قوما حشر معهم.
وقيل: إذا نقص أحد من الاوتاد الاربعة وضع بدله من الاربعين وإذا نقص أحد من الاربعين وضع بدله من السبعين، وإذا نقص أحد من السبعين، وضع بدله من الثلاثمائة وستين، وإذا نقص أحد من الثلاثمائة وستين، وضع بدله من سائر الناس.
.................................................
* (هامش) *
(1) الاعراف: 201.
الحكاية الرابعة والخمسون حدثني العالم الفاضل الصالح الورع في الدين الآميرزا حسين اللاهيجي المجاور للمشهد الغروي أيده الله، وهو من الصلحاء الاتقياء، والثقة الثبت عند العلماء، قال: حدثني العالم الصفي المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره قدس الله روحه أن السيد الجليل بحر العلوم، أعلى الله مقامه، ورد يوما في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والسلام، فجعل يترنم بهذا المصرع:
جه خوش است صوت قرآن * ز تو دل ربا شنيدن فسئل رحمه الله عن سبب قراءته هذا المصرع، فقال: لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجة (عليه السلام) جالسا عند الرأس يقرء القرآن بصوت عال، فلما سمعت صوته قرأت المصرع المزبور ولما وردت الحرم ترك قراءة القرآن، وخرج من الحرم الشريف.
الحكاية الخامسة والخمسون رأيت في ملحقات كتاب أنيس العابدين، وهو كتاب كبير في الادعية والاوراد ينقل عنه العلامة المجلسي في المجلد التاسع عشر من البحار والآميرزا عبدالله تلميذه في الصحيفة الثالثة ما لفظه: نقل عن ابن طاوس رحمه الله أنه سمع سحرا في السرداب عن صاحب الامر (عليه السلام) أنه يقول: اللهم إن شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا وبقية طينتنا، وقد فعلوا ذنوبا كثيرة اتكالا على حبنا وولايتنا، فان كانت ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح عنهم فقد رضينا، وما كان منها فيما بينهم فاصلح بينهم وقاص بها عن خمسنا، وادخلهم الجنة، وزحزحهم عن النار، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك.
قلت: ويوجد في غير واحد من مؤلفات جملة من المتأخرين الذين قاربنا عصرهم والمعاصرين هذه الحكاية بعبارة تخالف العبارة الاولى وهي هكذا:
[303]
" اللهم إن شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا وولائنا يوم القيامة، ولا تؤاخذهم بما اقترفوه من السيئات إكراما لنا، ولا تقاصهم يوم القيامة مقابل أعدائنا فان خففت موازينهم فثقلها بفاضل حسناتنا ".
ولم نجد أحدا منهم إلى الآن أسند هذه الحكاية إلى أحد رواها عن السيد أورآها في واحد من كتبه، ولا نقله العلامة المجلسي ومعاصروه ومن تقدم عليه إلى عهد السيد، ولا يوجد في شئ من كتبه الموجودة التي لم يكن عندهم أزيد منها.
نعم الموجود في أواخر المهج وقد نقله في البحار أيضا هكذا: كنت أنا بسر من رأى، فسمعت سحرا دعاء القائم (عليه السلام) فحفظت منه [من] الدعاء لمن ذكره " الاحياء والاموات (1) وأبقهم أو قال وأحيهم في عزنا وملكنا وسلطاننا ودولتنا " وكان ذلك في ليلة الاربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
واظن وإن كان بعض الظن إثما أن ما نقلناه أولا مأخوذ من كلام الحافظ الشيخ رجب البرسي ونقل كلماته بالمعنى فانه قال: في أواخر مشارق الانوار بعد نقل كلام المهج إلى قوله " ملكنا " ما لفظه: ومملكتنا وان كان شيعتهم منهم وإليهم وعنايتهم مصروفة إليهم، فكأنه (عليه السلام) يقول:
اللهم إن شيعتنا منا ومضافين إلينا، وإنهم قد أساؤا وقد قصروا وأخطأوا
.................................................
* (هامش) *
(1) كذا في الاصل المطبوع وهكذا المصدر ص 368، لكنه ذكر قبل ذلك دعاء عن الحجة (عليه السلام) ولفظه:
" الهى بحق من ناجاك، وبحق من دعاك، في البر والبحر، تفضل على فقراء المؤمنين والمؤمنات، بالغناء والثروة، وعلى مرضى المؤمنين والمؤمنات، بالشفاء والصحة، وعلى أحياء المؤمنين والمؤمنات، باللطف والكرم، وعلى أموات المؤمنين والمؤمنات، بالمغفرة والرحمة، وعلى غرباء المؤمنين والمؤمنات بالرد إلى أوطانهم سالمين غانمين بحق محمد وآله الطاهرين " فكأنه يريد أنه سمع ذلك الدعاء وقد زيد فيه عند ذكر أحياء المؤمنين قوله " وأحيهم في عزنا وملكنا " الخ فتحرر.
[304]
رأونا صاحبا لهم رضا منهم، وقد تقبلنا عنهم بذنوبهم، وتحملنا خطاياهم لان معولهم علينا، ورجوعهم إلينا، فصرنا لاختصاصهم بنا، واتكالهم علينا كأنا أصحاب الذنوب، إذ العبد مضاف إلى سيده، ومعول المماليك إلى مواليهم.
اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا وطمعا في ولايتنا وتعويلا على شفاعتنا، ولا تفضحهم بالسيئات عند أعدائنا، وولنا أمرهم في الآخرة كما وليتنا أمرهم في الدنيا، وإن أحبطت أعمالهم، فثقل موازينهم بولايتنا، وارفع درجاتهم بمحبتنا. انتهى.
وهذه الكلمات كما ترى من تلفيقاته شرحا لكلمات الامام (عليه السلام) تقارب العبارة الشائعة، وعصره قريب من عصر السيد، وحرصه على ضبط مثل هذه الكلمات اشد من غيره، فهو أحق بنقلها من غيره لو صحت الرواية وصدقت النسبة وإن لم يكن بعيدا من مقام السيد بعد كلام مهجه، بل له في كتاب كشف المحجة كلمات تنبئ عن أمر عظيم ومقام كريم:
منها قوله: واعلم يا ولدي محمد ألهمك الله ما يريده منك، ويرضى به عنك أن غيبة مولانا المهدي صلوات الله عليه التي تحيرت المخالف وبعض المؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت امامته، وإمامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جده محمد وعليهم أجمعين لانك إذا وقفت على كتب الشيعة وغيرهم، مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني ومثل كتاب الشفاء والجلاء، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، والكتب التي
أشرت إليها في الطوائف، وجدتها أو أكثرها تضمنت قبل ولادته أنه يغيب (عليه السلام) غيبة طويلة، حتى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة، كان طعنا في لمامة آبائه وفيه، فصارت الغيبة حجة لهم (عليهم السلام) وحجة له على مخالفيه في ثبوت إمامته، وصحة غيبته، مع أنه (عليه السلام) حاضر مع الله على اليقين، وإنما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة له ولرب العالمين.
ومنها قوله فيه: وان أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الاسرار عليك
[305]
عرفتك من حديث المهدي صلوات الله عليه ما لا يشتبه عليك، وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات ومن الروايات فانه صلى الله عليه وآله حي موجود على التحقيق، ومعذور عن كشف أمره إلى أن يأذن له تدبير الله الرحيم الشفيق، كما جرت عليه عادة كثير من الانبياء والاوصياء، فاعلم ذلك يقينا واجعله عقيدة ودينا، فان أباك عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس السماء.
ومنها قوله: واعلم يا ولدي محمد زين الله جل جلاله سرائرك وظواهرك بموالاة أوليائه ومعادة أعدائه أنني كنت لما بلغتني ولادتك بمشهد الحسين (عليه السلام) في زيارة عاشورا قمت بين يدي الله جل جلاله مقام الذل والانكسار والشكر لما رأفني به من ولادتك من المسار والمبار، وجعلتك بأمر الله جل جلاله عبده مولانا المهدي (عليه السلام) ومتعلقا عليه، وقد احتجنا كم مرة عند حوادث حدث لك إليه ورأيناه في عدة مقامات في مناجات، وقد تولى قضاء حوائجك بانعام عظيم في حقنا وحقك لا يبلغ وصفي إليه.
فكن في موالاته والوفاء له، وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله و مراد رسوله ومراد آبائه (عليهم السلام) ومراده (عليه السلام) منك، وقدم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات، والصدقه عنه قبل الصدقة عنك وعمن يعز عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك، وقدمه (عليه السلام) في كل خير يكون وفاء له، ومقتضيا لاقباله عليك وإحسانه إليك، واعرض حاجاتك عيه كل يوم الاثنين ويوم الخميس، من كل اسبوع بما يجب له من ادب الخضوع.
ومنها قوله بعد تعليم ولده كيفية عرض الحاجة إليه (عليه السلام): واذكر له أن أبا قد ذكر لك أنه أوصى به إليك، وجعلك باذن الله جل جلاله عبده، وأنني علقتك عليه فانه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه.
ومما أقول لك يا ولدي محمد ملا الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لاهل الصدق، والتوفيق في معرفة الحق: أن طريق تعريف الله جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات الله وسلامه عليه على قدرته جل جلاله ورحمته:
فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الوسائل عمن سماه قال:
كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي به إلى ربه قال: فكتب إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك فان الجواب يأتيك.
ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب الخرائج عن محمد بن الفرج قال: قال لي علي بن محمد عليهما السلام: لذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها، وضع الكتاب تحت مصلاك، ودعه ساعة ثم أخرجه وانظر فيه، قال: ففعلت فوجدت ما سألته عنه موقعا فيه، وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه، والطريق مفتوحة إلى إمامك لمن يريد الله جل جلاله عنايته به، وتمام إحسانه إليه.
ومنها قوله في آخر الكتاب: ثم ما أوردناه بالله جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه (عليه السلام) في النبوة والرسالة، وورد الجواب في المنام، بما يقتضي حصول القبول والانعام، والوصية بأمرك، والوعد ببرك وارتفاع قدرك انتهى.
وعليك بالتأمل في هذه الكلمات، التي تفتح لك أبوابا من الخير والسعادت ويظهر منها عدم استبعاد كل ما ينسب إليه من هذا الباب، والله الموفق لكل خير وثواب.
الحكاية السادسة والخمسون قال العالم الفاضل المتبحر النبيل الصمداني الحاج المولى رضا الهمداني في المفتاح الاول من الباب الثالث من كتاب مفتاح النبوة في جملة كلام له في أن الحجة (عليه السلام) قد يظهر نفسه المقدسة لبعض خواص الشيعة: أنه (عليه السلام) قد اظهر نفسه الشريفة قبل هذا بخمسين سنة لواحد من العلماء المتقين المولى عبدالرحيم الدماوندي الذي ليس لاحد كلام في صلاحه وسداده.
قال: وقال هذا العالم في كتابه: إني رأيته (عليه السلام) في داري في ليلة مظلمة جدا بحيث لا تبصر العين شيئا واقفا في جهة القبلة وكان النور يسطع من وجهه المبارك حتى أني كنت أرى نقوش الفراش بهذا النور.
[307]
الحكاية السابعة والخمسون في كتاب المقامات للعالم الجليل المحدث السيد نعمة الله الجزائري حكاية أخرى: حدثني رجل من أوثق إخواني في شوشتر في دارنا القريبة من المسجد الاعظم قال: لما كنا في بحور الهند تعاطينا عجائب البحر، فحكى لنا رجل من الثقات قال: روى من أعتمد عليه أنه كان منزله في بلد على ساحل البحر، وكان بينهم وبين جزيرة من جزائر البحر مسير يوم أو أقل، وفي تلك الجزيرة مياههم وحطبهم وثمارهم، وما يحتاجون إليه، فاتفق أنهم على عادتهم ركبوا في سفينة قاصدين تلك الجزيرة، وحملوا معهم زاد يوم.
فلما توسطوا البحر، أتاهم ريح عن ذلك القصد، وبقوا على تلك الحالة تسعة أيام حتى أشرفوا على الهلاك من قلة الماء والطعام، ثم إن الهوى رماهم في ذلك اليوم على جزيرة في البحر، فخرجوا إليها وكان فيها المياه العذبة والثمار الحلوة، وأنواع الشجر، فبقوا فيهانهارا ثم حملوا منها ما يحتاجون إليه وركبوا سفينتهم، ودفعوا.
فلما بعدوا عن الساحل، نظروا إلى رجل منهم بقي في الجزيرة فناداهم ولم يتمكنوا من الرجوع فرأوه قد شد حزمة حطب، ووضعها تحت صدره، وضرب البحر عليها قاصدا لحوق السفينة، فحال الليل بينهم وبينه وبقي في البحر.
وأما أهل السفينة، فما وصلوا إلا بعد مضي أشهر، فلما بلغوا أهلهم أخبروا أهل ذلك الرجل فأقاموا مأتمه، فبقوا على ذلك عاما أو أكثر، ثم رأوا أن ذلك الرجل قدم إلى أهله، فتباشروا به، وجاء إليه أصحابه فقص عليهم قصته.
فقال: لما حال الليل بيني وبينكم بقيت تقلبني الامواج وأنا على الحزمة يومين حتى أوقعتني على جبل في الساحل، فتعلقت بصخرة منه، ولم أطق الصعود إلى جوفه لارتفاعه، فبقيت في الماء وما شعرت إلا بأفعى عظيمة، اطول من المنار
[308]
وأغلظ منها، فوقعت على ذلك الجبل، ومدت رأسها تصطاد الحيتان من الماء فوق رأسي فأيقنت بالهلاك وتضرعت إلى الله تعالى فرأيت عقربا يدب على ظهر الافعى فلما وصل إلى دماغها لسعتها بابرته، فاذا لحمها قد تناثر عن عظامها، وبقي عظم ظهرها واضلاعها كالسلم العظيم الذي له مراقي يسهل الصعود عليها.
قال: فرقيت على تلك الاضلاع حتى خرجت إلى الجزيرة شاكرا لله تعالى على ما صنع فمشيت في تلك الجزيرة إلى قريب العصر، فرأيت منازل حسنة مرتفعة البنيان إلا أنها خالية لكن فيها آثار الانس.
قال: فاستترت في موضع منها فلما صار العصر رأيت عبيدا وخدما كل واحد منهم على بغل فنزلوا وفرشوا فرشا نظيفة، وشرعوا في تهيئة الطعام، وطبخه، فلما فرغوا منه رأيت فرسانا مقبلين، عليهم ثياب بيض، وخضر، ويلوح من وجوههم الانوار فنزلوا وقدم إليهم الطعام.
فلما شرعوا في الاكل قال أحسنهم هيئة، وأعلاهم نورا: ارفعوا حصة من هذا الطعام لرجل غائب، فلما فرغوا ناداني يا فلان بن فلان أقبل فعجبت منه فأتيت إليهم، ورحبوا بي فأكلت ذلك الطعام، وما تحققت إلا أنه من طعام الجنة فلما صار النهار ركبوا بأجمعهم، وقالوا لي: انتظر هنا، فرجعوا وقت العصر وبقيت معهم أياما فقال لي يوما ذلك الرجل الانور: إن شئت الاقامة معنا في هذه الجزيرة أقمت، وإن شئت المضي إلى أهلك، ارسلنا إلى معك من يبلغك بلدك.
فاخترت على شقاوتي بلادي فلما دخل الليل أمر لي بمركب وأرسل معي عبدا من عبيده، فسرنا ساعة من الليل وأنا أعلم أن بيني وبين أهلي مسيرة أشهر وأيام، فما مضى من الليل قليل منه إلا وقد سمعنا نبيح الكلاب، فقال لي ذلك الغلام: هذا نبيح كلابكم، فماشعرت إلا وأنا واقف على باب داري فقال: هذه دارك انزل إليها.
فلمانزلت، قال لي: قد خسرت الدنيا والآخرة، ذلك الرجل صاحب
الدار (عليه السلام) فالتفت إلى الغلام فلم أره. وأنا في هذا الوقت بينكم نادما على ما فرطت. هذه حكايتي. وأمثال هذه الغرائب كثيرة لا نطول الكلام بها.
قلت: قد ذكرنا حكاية عن كتاب نور العيون (1) تقرب من هذه إلا أن بينهما اختلاف كثير، والله العالم بالاتحاد والتعدد.
الحكاية الثامنة والخمسون حدثني جماعة من الاتقياء الابرار، منهم السيد السند، والحبر المعتمد العالم العامل والفقيه النبييه، الكامل المؤيد المسدد السيد محمد ابن العالم الاوحد السيد أحمد ابن العالم الجليل، والحبر المتوحد النبيل، السيد حيدر الكاظمي أيده الله تعالى وهو من أجلاء تلامذة المحقق الاستاذ الاعظم الانصاري طاب ثراه وأحد أعيان أتقياء بلد الكاظمين عليهما السلام وملاذ الطلاب والزوار والمجاورين، وهو وإخوته وآباؤه أهل بيت جليل، معروفون في العراق بالصلاح والسداد، والعلم والفضل والتقوى، يعرفون ببيت السيد حيدر جده سلمه الله تعالى.
قال فيما كتبه إلي وحدثني به شفاها أيضا: قال محمد بن أحمد بن حيدر الحسني الحسيني: لما كنت مجاورا في النجف الاشرف لاجل تحصيل العلوم الدينية وذلك في حدود السنة الخامسة والسبعين بعد المائتين والالف من الهجرة النبوية كنت أسمع جماعة من أهل العلم وغيرهم من أهل الديانة، يصفون رجلا يبيع البقل وشبهه أنه رأى مولانا الامام المنتظر سلام الله عليه، فطلبت معرفة شخصه حتى عرفته، فوجدته رجلا صالحا متدينا وكنت أحب الاجتماع معه، في مكان خال لاستفهم منه كيفية رؤيته مولانا الحجة روحي فداه، فصرت كثيرا ما أسلم عليه واشتري منه مما يتعاطى ببيعه، حتى صار بيني وبينه نوع مودة، كل ذلك مقدمة لتعرف خبره المرغوب في سماعه عندي حتى اتفق لي أني توجهت إلى مسجد السهلة للاستجارة فيه، والصلاة والدعاء في مقاماته الشريفة ليلة الاربعاء.
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع ص 259: الحكاية التاسعة والعشرين، والظاهر بل المسلم اتحادهما.
[310]
فلما وصلت إلى باب المسجد رأيت الرجل المذكور على الباب، فاغتنمت الفرصة وكلفته المقام معي تلك الليلة، فأقام معي حتى فرغنا من العمل الموظف في مسجد سهيل وتوجهنا إلى المسجد الاعظم مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة في ذلك الزمان، حيث لم يكن في مسجد السهلة معظم الاضافات الجديدة من الخدام والمساكن.
فلما وصلنا إلى المسجد الشريف، واستقر بنا المقام، وعملنا بعض الاعمال الموظفة فيه، سألته عن خبره والتمست منه أن يحدثني بالقصة تفصيلا، فقال ما معناه:
إني كنت كثيرا ما أسمع من أهل المعرفة والديانة أن من لازم عمل الاستجارة في مسجد السهلة أربعين ليلة اربعاء متوالية، بنية رؤية الامام المنتظر (عليه السلام) وفق لرؤيته، وأن ذلك قد جربت مرارا فاشتاقت نفسي إلى ذلك، ونويت ملازمة عمل الاستجارة في كل ليلة أربعاء، ولم يمنعني من ذلك شدة حر ولا برد، ولا مطر ولا غير ذلك، حتى مضى لي ما يقرب من مدة سنة، وأنا ملازم لعمل الاستجارة وأبات (1) في مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة.
ثم إني خرجت عشية يوم الثلثاء ماشيا على عادتي وكان الزمان شتاء، وكانت تلك العشية مظلمة جدا لتراكم الغيوم مع قليل مطر فتوجهت إلى المسجد وأنا مطمئن بمجيئ الناس على العادة المستمرة، حتى وصلت إلى المسجد، وقد غربت الشمس واشتد الظلام وكثر الرعد والبرق، فاشتد بي الخوف وأخذني الرعب من الوحدة لاني لم أصادف في المسجد الشريف أحدا اصلا حتى أن الخادم المقرر للمجيئ ليلة الاربعاء لم يجئ تلك الليلة.
فاستوحشت لذلك للغاية ثم قلت في نفسي: ينبغي أن اصلي المغرب وأعمل عمل الاستجارة عجاله، وأمضي إلى مسجد الكوفة فصبرت نفسي، وقمت إلى
.................................................
* (هامش) *
(1) قال الفيروز آبادي: بات يفعل كذا يبيت ويبات بيتا ومبيتا وبيتوتة: أي يفعله ليلا وليس من النوم، ومن أدركه الليل فقد بات.
[311]
صلاة المغرب فصليتها، ثم توجهت لعمل الاستجارة، وصلاتها ودعائها، وكنت أحفظه.
فبينما أنا في صلاة الاستجارة إذ حانت مني التفاتة إلى المقام الشريف المعروف بمقام صاحب الزمان (عليه السلام)، وهو في قبلة مكان مصلاي، فرأيت فيه ضياء كاملا وسمعت فيه قراءة مصل فطابت نفسي، وحصل كمال الامن والاطمينان، وظننت أن في المقام الشريف بعض الزوار، وأنا لم أطلع عليهم وقت قدومي إلى المسجد فأكملت عمل الاستجارة، وأنا مطمئن القلب.
ثم توجهت نحو المقام الشريف ودخلته، فرأيت فيه ضياء عظيما لكني لم ار بعيني سراجا ولكني في غفلة عن التفكر في ذلك، ورأيت فيه سيدا جليلا مهابا بصورة أهل العلم، وهو قائم يصلي فارتاحت نفسي إليه، وأنااظن أنه من الزوار الغرباء لاني تأملته في الجملة فعلمت أنه من سكنة النجف الاشرف.
فشرعت في زيارة مولانا الحجة سلام الله عليه عملا بوظيفة المقام، وصليت صلاة الزيارة، فلما فرغت أردت أكلمه في المضي إلى مسجد الكوفة، فهبته وأكبرته، وأنا أنظر إلى خارج المقام، فأرى شدة الظلام، وأسمع صوت الرعد والمطر، فالتفت إلي بوجهه الكريم برأفة وابتسام، وقال لي: تحب أن تمضي إلى مسجد الكوفة؟ فقلت: نعم يا سيدنا عادتنا أهل النجف إذا تشرفنا بعمل هذا المسجد نمضي إلى مسجد الكوفة، ونبات فيه، لان فيه سكانا وخداما وماء.
فقام، وقال: قم بنا نمضي إلى مسجد الكوفة، فخرجت معه وأنا مسرور به وبحسن صحبته فمشينا في ضياء وحسن هواء وأرض يابسة لا تعلق بالرجل وأنا غافل عن حال المطر والظلام الذي كنت أراه، حتى وصلنا إلى باب المسجد وهو روحي فداه معي وأنا في غاية السرور والامن بصحبته، ولم أر ظلاما ولا مطرا.
فطرقت باب الخارجة عن المسجد، وكانت مغلقة فأجابني الخادم من الطارق؟
فقلت: افتح الباب، فقال: من أين أقبلت في هذه الظلمة والمطر الشديد؟ فقلت: من مسجد السهلة، فلما فتح الخادم الباب التفت إلى ذلك السيد الجليل فلم أره وإذا
بالدنيا مظلمة للغاية، واصابني المطر فجعلت أنادي يا سيدنا يامولانا تفضل فقد فتحت الباب، ورجعت إلى ورائي اتفحص عنه وأنادي فلم أر أحدا اصلا وأضر بي الهواء والمطر والبرد في ذلك الزمان القليل.
فدخلت المسجد وانتبهت من غفلتي وكأني كنت نائما فاستيقظت وجعلت ألوم نفسي على عدم التنبه لما كنت ارى من الآيات الباهرة، وأتذكر ما شاهدته وأنا غافل من كراماته: من الضياء العظيم في المقام الشريف مع أني لم أر سراجا ولو كان في ذلك المقام عشرون سراجا لما وفي بذلك الضياء وذكرت أن ذلك السيد الجليل سماني باسمي مع أني لم أعرفه ولم أره قبل ذلك.
وتذكرت أني لما كنت في المقام كنت أنظر إلى فضاء المسجد، فأرى الظلام الشديد، واسمع صوت المطر والرعد، وإني لما خرجت من المقام مصاحبا له سلام الله عليه، كنت أمشي في ضياء بحيث أرى موضع قدمي، والارض يابسة والهواء عذب، حتى وصلنا إلى باب المسجد، ومنذ فارقني شاهدت الظلمة والمطر وصعوبة الهواء، إلى غير ذلك من الامور العجيبة، التي أفادتني اليقين بأنه الحجة صاحب الزمان (عليه السلام) الذي كنت أتمنى من فضل الله التشرف برؤيته، وتحملت مشاق عمل الاستجارة عند قوة الحر والبرد لمطالعة حضرته سلام الله عليه فشكرت الله تعالى شأنه، والحمد لله.
الحكاية التاسعة والخمسون وقال أدام الله أيام سعادته في كتابه إلي: حكاية اخرى اتفقت لي ايضا وهي
أني منذ سنين متطاولة كنت أسمع بعض أهل الديانة والوثاقة يصفون رجلا من كسبة أهل بغداد أنه رأى مولانا الامام المنتظر سلام الله عليه، وكنت أعرف ذلك الرجل، وبيني وبينه مودة، وهو ثقة عدل، معروف باداء الحقوق المالية، وكنت أحب أن أساله بيني وبينه، لانه بلغني أنه يخفي حديثه ولا يبديه إلا لبعض الخواص ممن يأمن إذاعته خشية الاشتهار، فيهزأ به من ينكر ولادة المهدي وغيبته
[313]
أو ينسبه العوام إلى الفخر وتنزيه النفس، وحيث إن هذا الرجل في الحياة لا أحب أن أصرح باسمه خشية كراهته (1).
وبالجملة فاني في هذه المدة كنت أحب أن اسمع منه ذلك تفصيلا حتى اتفق لي أني حضرت تشييع جنازة من أهل بغداد في أواسط شهر شعبان من هذه السنة، وهي سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الالف من الهجرة النبوية الشريفة في حضرة الامامين: مولانا موسى بن جعفر وسيدنا محمد بن علي الجواد سلام الله عليهما وكان الرجل المزبور في جملة المشيعين، فذكرت ما بلغني من قصته، ودعوته وجلسنا في الرواق الشريف، عند باب الشباك النافذ إلى قبة مولانا الجواد (عليه السلام)، فكلفته بأن يحدثني بالقصة، فقال ما معناه:
.................................................
* (هامش) *
(1) ومن عجيب الاتفاق أنى لما اشتغلت بتأليف هذه الرسالة صادف أيام الزيارة المخصوصة فخرجت من سامراء ولما دخلت بلد الكاظمين عليهما السلام نزلت على جنابه سلمه الله فسألته عما عنده من تلك الوقائع، فحدثني بهذه الحكاية.
فسألته أن يكتب إلى فقال اني سمعتها منذ سنين ولعله سقط عنى منها شئ وصاحبها موجود نسأله مرة أخرى حتى نكتبها كما هي الا أن لقائي أياه صعب جدا فانه منذ اتفقت له هذه القصة قليل الانس بالناس اذا جاء من بغداد للزيارة يدخل الحرم ويزور ويقضى وطره ويرجع إلى بغداد ولا يطلع عليه أحد فيتفق أنى لا أراه في السنة الامرة أو مرتين في الطريق.
فقلت له سلمه الله: انى أزور المشهد الغروى وأرجع إلى آخر الشهر ونرجو من الله أن يتفق لقاؤكم اياه في هذه المدة.
ثم قمت من عنده ودخلت منزلى فدخل على سلمه الله بعد زمان قليل من هذا اليوم وقال كنت في منزلى فجاءني شخص وقال: جاؤا بجنازة من بغداد في الصحن الشريف وينتظرونك للصلاة عليه فقمت وذهبت معه ودخلت الصحن وصليت عليها واذا بالمؤمن الصالح المذكور وهو فيهم، إلى آخر ما ذكره أيده الله تعالى وهذه من بركات الحجة (عليه السلام)، منه رحمه الله.
[314]
إنه في سنة من سني عشرة السبعين، كان عندي مقدار من مال الامام (عليه السلام) عزمت على إيصاله إلى العلماء الاعلام في النجف الاشرف، وكان لي طلب على تجارها فمضيت إلى زيارة أمير المؤمنين سلام الله عليه في إحدى زياراته المخصوصة واستوفيت ما أمكنني استيفاؤه من الديون التي كانت لي وأوصلت ذلك إلى متعددين من العلماء الاعلام من طرف الامام (عليه السلام) لكن لم يف بما كان علي منه، بل بقي علي مقدار عشرين توماما فعزمت على إيصال ذلك إلى احد علماء مشهد الكاظمين.
فلما رجعت إلى بغداد أحببت اداء ما بقي في ذمتي على التعجيل، ولم يكن عندي من النقد شئ فتوجهت إلى زيارة الامامين عليهما السلام في يوم خميس، وبعد التشرف بالزيارة، دخلت على المجتهد دام توفيقه وأخبرته بما بقي في ذمتي من مال الامام (عليه السلام) وسألته أن يحول ذلك علي تدريجا ورجعت إلى بغداد في أواخر النهار حيث لم يسعني لشغل كان لي، وتوجهت إلى بغداد ماشيا لعدم تمكني من كراء دابة.
فلما تجاوزت نصف الطريق رأيت سيدا جليلا مهابا متوجها إلى مشهد الكاظمين عليهما السلام ماشيا، فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال لي: يا فلان وذكر اسمي لم لم تبق هذه الليلة الشريفة ليلة الجمعة في مشهد الامامين؟ فقلت: يا سيدنا عندي مطلب مهم منعني من ذلك، فقال لي: ارجع معي وبت هذه الليلة الشريفة عند الامامين عليهما السلام وارجع إلى مهمك غدا إنشاء الله.
فارتاحت نفسي إلى كلامه، ورجعت معه منقادا لامره، ومشيت معه بجنب نهر جار تحت ظلال أشجار خضرة نضرة، متدلية على رؤوسنا، وهواء عذب، وأنا غافل عن التفكر في ذلك، وخطر ببالي أن هذا السيد الجليل سماني باسمي مع أنه لم أعرفه، ثم قلت في نفسي: لعله هو يعرفني وأنا ناس له.
ثم قلت في نفسي: إن هذا السيد كأنه يريد مني من حق السادة وأحببت أن أوصل إلى خدمته شيئا من مال الامام الذي عندي، فقلت له: يا سيدنا عندي من حقكم بقية لكن راجعت فيه جناب الشيخ الفلاني لاؤدي حقكم باذنه
[315]
وأناأعني السادة فتبسم في وجهي، وقال: نعم، وقد أوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الاشرف أيضا. وجرى على لساني أني قلت له: ما أديته مقبول؟
فقال: نعم، ثم خطر في نفسي أن هذاالسيد يقول بالنسبة إلى العلماء الاعلام " وكلائنا " واستعظمت ذلك: ثم قلت: العلماء وكلاء على قبض حقوق السادة وشملتني الغفلة.
ثم قلت: يا سيدنا قراء تعزية الحسين (عليه السلام) يقرؤن حديثا أن رجلا رأى في المنام هودجا بين السماء والارض فسال عمن فيه، فقيل له: فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى، فقال: إلى أين يريدون؟ فقيل: زيارة الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة ليلة الجمعة، ورأى رقاعا تتساقط من الهودج، مكتوب فيها أمان من النار لزوار الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة، هذا الحديث صحيح؟ فقال عليه السلارم: نعم زيارة الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة.
قال: وكنت قبل هذه الحكاية بقليل قد تشرفت بزيارة مولانا الرضا (عليه السلام) فقلت له: يا سيدنا قد زرت الرضا علي بن موسى عليهما السلام وقد بلغني أنه ضمن لزواره الجنة، هذا صحيح؟ فقال (عليه السلام): هو الامام الضامن، فقلت: زيارتي مقبولة؟
فقال (عليه السلام): نعم مقبولة.
وكان معي في طريق الزيارة رجل متدين من الكسبة، وكان خليطا لي وشريكا في المصرف، فقلت له: يا سيدنا إن فلانا كان معي في الزيارة زيارته مقبولة؟ فقال: نعم، العبد الصالح فلان زيارته مقبولة، ثم ذكرت له جماعة من كسبة أهل بغداد كانوامعنا في تلك الزيارة وقلت: إن فلانا وفلانا و ذكرت أسماءهم كانوا معنا، زيارتهم مقبولة؟ فأدار (عليه السلام) وجهه إلى الجهة الاخرى وأعرض عن الجواب، فهبته وأكبرته وسكت عن سؤاله فلم أزل ماشيا معه على الصفة التي ذكرتها حتى دخلنا الصحن الشريف ثم دخلنا الروضة المقدسة، من الباب المعروف بباب المراد، فلم يقف على باب الرواق، ولم يقل شيئا حتى وقف على باب الروضة من عند رجلي الامام موسى
[316]
(عليه السلام)، فوقفت بجنبه، وقلت له: يا سيدنا اقرء حتى أقرأ معك، فقال:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، وساق على باقي أهل العصمة (عليهم السلام) حتى وصل إلى الامام الحسن العسكري (عليه السلام).
ثم التفت إلي بوجه الشريف، ووقف متبسما وقال: أنت إذا وصلت إلى السلام على الامام العسكري ما تقول؟ فقلت: أقول: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان، قال: فدخل الروضة الشريفة، ووقف على قبر الامام موسى (عليه السلام) والقبلة بين كتفيه.
فوقفت إلى جنبه، وقلت: يا سيدنا زرحتى أزور معك، فبدأ (عليه السلام) بزيارة أمين الله الجامعة المعروفة فزار بها وأنا أتابعه، ثم زار مولانا الجواد (عليه السلام)، ودخل القبة الثانية قبة محمد بن علي عليهما السلام ووقف يصلي فوقفت إلى جنبه متأخرا عنه قليلا، احتراما له، ودخلت في صلاة الزيارة فخطر ببالي أن أسأله أن يبات معي تلك الليلة لاتشرف بضيافته وخدمته، ورفعت بصري إلى جهته، وهو بجنبي متقدما علي قليلا فلم أره.
فخففت صلاتي، وقمت وجعلت أتصفح وجوه المصلين والزوار لعلي أصل إلى خدمته، حتى لم يبق مكان في الروضة والرواق إلا ونظرت فيه، فلم ارله اثرا أبدا، ثم انتبهت وجعلت أتأسف على عدم التنبه لما شاهدته من كراماته وآياته من انقيادي لامره [مع] ما كان لي من الامر المهم في بغداد، ومن تسميته إياي مع أني لم أكن رأيته ولاعرفته، ولما خطر في قلبي أن أدفع إليه شيئا من حق الامام (عليه السلام) وذكرت له أني راجعت في ذلك المجتهد الفلاني لادفع إلى السادة باذنه، قال لي ابتداء منه: نعم وأوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف الاشرف.
ثم تذكرت أني مشيت معه بجنب نهر جار تحت أشجار مزهرة متدلية على رؤوسنا، وأين طريق بغداد وظل الاشجار الزاهرة في ذلك التاريخ، وذكرت أيضا أنه سمى خليطي في سفر زيارة مولانا الرضا باسمه، ووصفه بالعبد الصالح، وبشرني
[317]
بقبول زيارته وزيارتي ثم لنه أعرض بوجهه الشريف عند سؤالي إياه عن حال جماعة من أهل بغداد من السوقة كانوا معنا في طريق الزيارة، وكنت أعرفهم بسوء العمل، مع أنه ليس من أهل بغداد، ولا كان مطلعا على أحوالهم لولا أنه من أهل بيت النبوة والولاية، ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.
ومما افادني اليقين بأنه المهدي (عليه السلام) أنه لما سلم على أهل العصمة (عليهم السلام) في مقام طلب الاذن، ووصل السلام إلى مولانا الامام العسكري، التفت إلي وقال لي: أنت ما تقول إذا وصلت إلى هنا؟ فقلت: أقول: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان، فتبسم ودخل الروضة المقدسة ثم افتقادي إياه وهو في صلاة الزيارة لما عزمت على تكليفه بأن أقوم بخدمته وضيافته تلك الليلة، للى غير ذلك مما أفادني القطع بأنه هو الامام الثاني عشر صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين والحمد لله رب العالمين.
وينبغي أن يعلم أن هذا الرجل والرجل المتقدم ذكره في القصة السابقة هما من السوقة، وقد حدثاني بهذين الحديثين باللغة المصحفة التي هي لسان أهل هذا الزمان، فاللفظ مني، مع المحافظة التامة على المعنى، فهو حديث بالمعنى وكتب أقل أهل العلم: محمد بن أحمد بن الحسن الحسيني الكاظمي مسكنا.
قلت: ثم سألته أيده الله تعالى عن اسمه وحدثني غيره ايضا أن اسمه الحاج علي البغدادي وهو من التجار وأغلب تجارته في طرف جدة ومكة وما والاها، بطريق المكاتبة، وحدثني جماعة من أهل العلم والتقوى من سكنة بلدة الكاظم (عليه السلام) بأن الرجل من أهل الصلاح والديانة والورع، والمواظبين على اداء الاخماس والحقوق وهو في هذا التاريخ طاعن في السن (1) (أحسن الله عاقبته.
.................................................
* (هامش) *
(1) يقال: طعن في السن: شاخ وهرم.
* " (فائدتان) " *
* " الاولى " *
روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الحسن بن أحمد المكتب والطبرسي في الاحتجاج مرسلا أنه خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري:
يا علي بن محمد السمري اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فانك ميت ما بينك وما بين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد الامد، وقسوة القلوب وامتلاء الارض جورا، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1).
وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار والجواب عنه من وجوه:
الاول: أنه خبر واحد مرسل، غير موجب علما، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره (عليه السلام)، فكيف يجوز الاعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله، وهو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه، فكيف بغيره والعلماء الاعلام تلقوها بالقبول، وذكروها في زبرهم وتصانيفهم، معولين عليها معتنين بها.
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع غيبة الشيخ ص 257 وقد أخرجه في البحار باب أحوال السفراء ج 51 ص 361 عن غيبة الشيخ وكمال الدين (ج 2 ص 193). فراجع.
[319]
الثاني: ما ذكره في البحار بعد ذكر الخبر المزبور ما لفظه: لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة، وإيصال الاخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء لئلا ينافي الاخبار التي مضت وسيأتي فيمن رآه (عليه السلام) والله يعلم (1).
الثالث: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء، قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل المازندراني: فقلت للسيد شمس الدين محمد وهو العقب السادس من أولاده (عليه السلام): يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الامر (عليه السلام) أنه قال: لما أمر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت إنه (عليه السلام) إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته، وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى أنالشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدث بذكره، وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الاعداء، وبلادنا نائية عنهم، وعن ظلمهم وعنائهم، الحكاية (2).
وهذا الوجه كما ترى يجري في كثير من بلاد أوليائه (عليهم السلام).
الرابع: ما ذكره العلامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات (3) المشهورة الصادرة منه (عليه السلام) في حقه ما لفظه: وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى، مع جهالة المبلغ، ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم والاخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه باظهاره لهم، وأن المشاهدة المنفية أن يشاهد الامام (عليه السلام) ويعلم أنه الحجة (عليه السلام) حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك.
وقال رحمه الله في فوائده في مسالة الاجماع بعد اشتراط دخول كل من
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع ج 52 ص 151 باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى.
(2) راجع ج 52 ص 172 " باب نادر فيمن رآه (عليه السلام) ".
(3) ذكرها المجلسي رحمه الله في باب ما خرج من توقيعاته (عليه السلام) راجع ص 174 178 من هذا المجلد.
[320]
لا نعرفه: وربما يحصل لبعض حفظة الاسرار من العلماء الابرار العلم بقول الامام (عليه السلام) بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه (عليه السلام) فيبرزه في صورة الاجماع، جمعا بين الامر باظهار الحق والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق، انتهى.
ويمكن أن يكون نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي.
الخامس: ما ذكره رحمه الله فيه أيضا بقوله: وقد يمنع ايضا امتناعه في شأن الخواص وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار.
ولعل مراده بالآثار الوقائع المذكورة هنا وفي البحار أوخصوص ما رواه الكليني في الكافي والنعماني في غيبته والشيخ في غيبته بأسانيدهم المعتبرة عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، وما بثلاثين من وحشة (1).
وظاهر الخبر كما صرح به شراح الاحاديث أنه (عليه السلام) يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته، وقيل: إن المراد أنه على هيئة من سنه ثلاثون أبدا وما في هذا السن وحشة وهذا المعنى بمكان من البعد والغرابة، وهذه الثلاثون الذين يستأنس بهم الامام (عليه السلام) في غيبته لا بد أن يتبادلوا في كل قرن إذ لم يقدر لهم من العمر ما قدر لسيدهم (عليه السلام) ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمنا وليا يتشرفون بلقائه.
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع الكافي في ج 1 ص 340، غيبة النعماني ص 99، غيبة الشيخ ص 111 وقد ذكره المجلسي رضوان الله عليه في ج 52 ص 153 و 157، وقال: يدل على
كونه (عليه السلام) غالبا في المدينة وحواليها وعلى أن معه ثلاثين من مواليه وخواصه، ان مات أحدهم قام آخر مقامه.
أقول: ويؤيده ما رواه الشيخ في غيبته ص 111 عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ان لصاحب هذا الامر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم مات ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه الانفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره الا المولى الذي يلي أمره.
[321]
وفي خبر علي بن إبراهيم بن مهزيار الاهوازي المروي في إكمال الدين وغيبة الشيخ (1) ومسند فاطمة (عليها السلام) لابي جعفر محمد بن جرير الطبري وفي لفظ الاخير أنه قال له الفتى الذي لقيه عند باب الكعبة، وأوصله إلى الامام (عليه السلام): ما الذي تريد يا أبا الحسن؟ قال: الامام المحجوب عن العالم، قال: ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم. الخبر.
وفيه إشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شئ يحجبه عن إمامه (عليه السلام) وهو من الاوتاد أو من الابدال، في الكلام المتقدم عن الكفعمي، رحمه الله.
وقال المحقق الكاظمي في أقسام الاجماع الذي استخرجه من مطاوي كلمات العلماء، وفحاوي عباراتهم، غير الاجماع المصطلح المعروف: وثالثها أن يحصل لاحد من سفراء الامام الغائب عجل الله فرجه، وصلى عليه، العلم بقوله إما بنقل مثله له سرا، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاها، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطلع عليه، والاعلان بنسبة القول إليه، والاتكال في إبراز المدعى على غير الاجماع من الادلة الشرعية، لفقدها.
وحينئذ فيجوز له إذا لم يكن مأمورا بالاخفاء، أو كان مأمورا بالاظهار لا على وجه الافشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج، بصورة الاجماع، خوفا من الضياع وجمعا بين امتثال لامر باظهار الحق بقدر الامكان، وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، ولا ريب في كونه حجة أما لنفسه فلعلمه بقول الامام (عليه السلام)، وأما لغيره فلكشفه عن قول الامام (عليه السلام) ايضا غاية ما هناك أنه يستكشف قول الامام (عليه السلام) بطريق غير ثابت، ولا ضير فيه، بعد حصول الوصول إلى ما أنيط به حجية الاجماع، ولصحة هذا الوجه وإمكانه شواهد تدل عليه:
منها كثير من الزيارات والآداب والاعمال المعروفة التي تداولت بين الامامية ولا مستند لها ظاهرا من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار
.................................................
* (هامش) *
(1) ونقله المجلسي رحمه الله في ج 52 ص 9 و 32 فراجع.
[322]
الائمة (عليهم السلام) وأسرارهم، ولا أمارة تشهد بأن مشنأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء لجمعها وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها، نعم لا نضائق في ورود الاخبار في بعضها.
ومنها ما رواته والد العلامة وابن طاووس عن السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي إلى آخر ما مر في الحكاية السادسة والثلاثين (1).
ومنها قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار، وتفسير الائمة (عليهم السلام) وغيرها.
ومنها ما سمعه منه علي بن طاووس في السرداب الشريف (2).
ومنها ما علم محمد بن علي العلوي الحسيني المصري في الحائر الحسيني وهو بين النوم واليقظة، وقد أتاه الامام (عليه السلام) مكررا وعلمه إلى أن تعلمه في خمس ليال وحفظه ثم دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف بالعلوي المصري وغير ذلك.
ولعل هذا هو الاصل أيضا في كثير من الاقوال المجهولة القائل، فيكون المطلع على قول الامام (عليه السلام) لما وجده مخالفا لما عليه الامامية أو معظمهم، ولم يتمكن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحق ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله لعدم قيام الادلة الظاهرة باثباته، ولعله الوجه أيضا فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الاقوال أو تقويتها بحسب الامكان، نظرا إلى احتمال كونها قول الامام (عليه السلام) ألقاها بين العلماء، كيلا يجمعوا على الخطاء، ولا طريق لا لقائها حينئذ إلا بالوجه المذكور.
وقال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الانبياء في جواب من قال: " فإذا كان الامام (عليه السلام) غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع ص 271 273 مما سبق في هذا المجلد.
(2) راجع ص 302 306.
[323]
بين وجوده وعدمه الخ ": قلنا الجواب أول ما نقوله: إنا غير قاطعين على أن الامام لا يصل إليه أحد، ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع عليه الخ.
وقال أيضا في جواب من قال: إذا كانت العلة في استتار الامام، خوفه من الظالمين، واتقاءه من المعاندين، فهذه العلة زائلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهرا لهم: بعد كلام له وقلنا ايضا إنه غير ممتنع أن يكون الامام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئا من اسباب الخوف، وإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره.
وله في كتاب المقنع في الغيبة كلام يقرب مما ذكره هناك.
وقال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له: والذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنا أولا لانقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لاكثرهم ولا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه، فإن كانظاهرا له فعلته مزاحة، وإن لم يكن ظاهرا علم أنه إنما لم يظهر له لامر يرجع إليه، وإن لم يعلمه مفصلا لتقصير من جهته الخ (1).
وتقدم كلمات للسيد علي بن طاووس تناسب المقام خصوصا قوله مع أنه (عليه السلام) حاضر مع الله جل جلاله على اليقين وإنماغاب من لم يلقه عنهم، لغيبته عن حضرة المتابعة له، ولرب العالمين (2).
وفيمانقلنا من كلماتهم وغيرها مما يطول بنقله الكتاب كفاية لرفع الاستبعاد وعدم حملهم الخبر على ظاهره، وصرفه إلى أحد الوجوه التي ذكرناها.
.................................................
* (هامش) *
(1) وقد مر نقله في ج 51 ص 196 مستوفى، عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي قدس سره ص 75.
(2) راجع ص 304 مما سبق.
[324]
السادس أن يكون المخفي على الانام، والمحجوب عنهم، مكانه (عليه السلام) ومستقره الذي يقيم فيه، فلا يصل إليه أحد، ولا يعرفه غيره حتى ولده، فلا ينافي لقاءه ومشاهدته في الاماكن والمقامات التي قد مر ذكر بعضها، وظهوره عند المضطر المستغيث به، الملتجئ إليه التي انقطعت عنه الاسباب وأغلقت دونه الابواب.
وفي دعوات السيد الراوندي ومجموع الدعوات للتلعكبري وقبس المصباح للصهرشتي في خبر أبي الوفاء الشيرازي أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم:
وأما الحجة، فإذا بلغ منك السيف للذبح، وأومأ بيده إلى الحلق، فاستغث به فانه يغيثك، وهو غياث وكهف لمن استغاث، فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان أنا مستغيث بك، وفي لفظ: وأما صاحب الزمان فإذا بلغ منك السيف هنا، ووضع يده على حلقه، فاستعن به فانه يعينك.
ومما يؤيد هذا الاحتمال ما رواه الشيخ والنعماني في كتابي الغيبة عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إن لصاحب هذا الامر غيبتين إحداهما يطول، حتى يقول بعضهم مات، ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب حتى لا يبق ى على أمره من اصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده، ولا غيره إلا الذي [يلي] أمره (1).
وروى الكليني عن إسحاق بن عمار قال أبوعبدالله (عليه السلام): للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والاخرى طويلة: الغيبة الاولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه.
ورواه النعماني وفي لفظه بدون الاستثناء في الثاني، ورواه بسند آخر عنه (عليه السلام) قال: للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والاخرى طويلة الاولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة [شيعته، والاخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة] مواليه في دينه (2).
.................................................
* (هامش) *
(1) راجع غيبة الشيخ ص 111، غيبة النعماني ص 89، وقد اخرجه المجلسي رحمه الهل في ج 52 ص 153 فراجع. (2) الكافي ج 1 ص 340، غيبة النعماني ص 89.
وليس في تلك القصص ما يدل على أن أحدا لقيه (عليه السلام) في مقر سلطنته ومحل إقامته.
ثم لا يخفى على الجائس في خلال ديار الاخبار أنه (عليه السلام) ظهر في الغيبة الصغرى لغير خاصته ومواليه أيضا، فالذي انفرد به الخواص في الصغرى هو العلم بمستقره، وعرض حوائجهم عليه (عليه السلام) فيه، فهو المنفي عنهم في الكبرى، فحالهم وحال غيرهم فيها كغير الخواص في الصغرى، والله العالم.
* (الثانية) *
أنه قد علم من تضاعيف تلك الحكايات أن المداومة على العبادة، والمواظبة.
على التضرع والانابة، في أربعين ليلة الاربعاء في مسجد السهلة أو ليلة الجمعة فيها أو في مسجد الكوفة أو الحائر الحسيني على مشرفه السلام أو أربعين ليلة من اي الليالي في اي محل ومكان، كما في قصة الرمان المنقولة في البحار طريق إلى الفوز بلقائه (عليه السلام) ومشاهدة جماله، وهذا عمل شائع، معروف في المشهدين الشريفين، ولهم في ذلك حكايات كثيرة، ولم نتعرض لذكر أكثرها لعدم وصول كل واحد منها إلينا بطريق يعتمد عليه، إلا أن الظاهر أن العمل من الاعمال المجربة، وعليه العلماء والصلحاء والاتقياء، ولم نعثر لهم على مستند خاص وخبر مخصوص، ولعلهم عثروا عليه أو استنبطوا ذلك من كثير من الاخبار التي يستظهر منها أن للمداومة على عمل مخصوص من دعاء أو صلاة أو قراءة أو ذكر أو أكل شئ مخصوص أو تركه في أربعين يوما تأثير في الانتقال والترقي من درجة إلى درجة، ومن حالة إلى حالة، بل في النزول كذلك، فيستظهر منها أن في المواظبة عليه في تلك الايام تأثير لانجاح كل مهم أراده.
ففي الكافي: ما أخلص عبد الايمان بالله وفي رواية ما أجمل عبد ذكر الله أربعين صباحا إلا زهده في الدنيا، وبصره داءها ودواء وأثبت الحكمة
[326]
في قلبه [وأنطق بها لسانه] (1).
وفي النبوي المروي في لب اللباب للقطب الراوندي: من أخلص العبادة لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (2).
وفي أخبار كثيرة ما حاصلها: النطفة تكون في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو للحلبى أن يجعل الله ما في بطنها ذكرا سويا يدعو ما بينه وبين تلك الاربعة اشهر.
وفي الكافي أنه قيل للكاظم (عليه السلام): إنا روينا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من شرب الخمر لم يحتسب له صلاته أربعين يوما إلى أن قال: إذا شرب الخمر بقي في مشاشه أربعين يوما، على قدر انتقال خلقته، ثم قال: كذلك جميع غذاء أكله وشربه يبقى في مشاشه أربعين (3).
وورد أن من ترك اللحم أربعين صباحا ساء خلقه، لان انتقال النطفة في أربعين يوما، ومن أكل اللحم أربعين صباحا ساء خلقه، ومن أكل الزيت وادهن به لم يقربه الشيطان أربعين يوما، ومن شرب السويق أربعين صباحا امتلات كتفاه قوة، ومن أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه.
وفي أمالي الصدوق في خبر بهلول النباش والتجاؤه إلى بعض جبال المدينة وتضرعه وإنابته أربعين يوما، وقبول توبته في يوم الاربعين، ونزول الآية فيه وذهاب النبي صلى الله عليه وآله عنده، وقراءتها عليه، وبشارته بقبول التوبة، ثم قال صلى الله عليه وآله لاصحابه: هكذا تدارك الذنوب كما تداركها بهلول.
وورد ان داود (عليه السلام) بكى على الخطيئة أربعين يوما.
وأحسن من الجميع شاهدا أنه تعالى جعل ميقات نبيه موسى أربعين يوما
.................................................
* (هامش) *
(1) الكافي ج 2 ص 16 باب الاخلاص الرقم 6.
(2) وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن حلية الاولياء كما في السراج المنير ج 3 ص 323.
(3) الكافي ج 6 ص 402.
[327]
وفي النبوي أنه ما أكل وما شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه.
وفي تفسير العسكري (عليه السلام) كان موسى (عليه السلام) يقول لبني إسرائيل: إذا فرج الله عنكم، وأهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من عند ربكم يشمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله، فلما فرج الله عنهم أمره الله عزوجل أن يأتي للميعاد ويصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل، إلى أن قال: فأوحى الله إليه: صم عشرا آخر وكان وعد الله أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة.
بل ورد أن النبي صلى الله عليه وآله أمر أن يهجر خديجة أربعين يوما قبل يوم بعثته.
ومن الشواهد التي تناسب المقام ما روي بالاسانيد المعتبرة عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من دعا إلى الله تعالى أربعين صباحا بهذا العهد كان من أنصار قائمنا فان مات قبله، أخرجه الله من قبره وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة، ومحي عنه ألف سيئة، وهو: اللهم رب النور العظيم، الدعاء (1).
وفي إكمال الدين في حديث حكيمة في ولادة المهدي صلوات الله عليه أنه (عليه السلام) لما ولد وسجد، وشهد بالتوحيد والرسالة، وإمامة آبائه (عليهم السلام) قالت: فصاح أبومحمد الحسن (عليه السلام) فقال: يا عمة تناوليه فهاتيه، قالت: فتناولته وأتيت به نحوه فلما مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي، سلم على أبيه، فتناوله الحسن (عليه السلام) والطير ترفرف على رأسه، فصاح بطير منها فقال: احمله واحفظه ورده إلينا في كل أربعين يوما فتناوله الطير وطار به في جو السماء، واتبعه سائر الطيور فسمعت أبا محمد (عليه السلام) يقول: استودعك الذي استودعته أم موسى (عليه السلام) فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فان الرضاع محرم عليه إلا من ثديك إلى أن قال: قالت حكيمة:
فلما أن كان بعد أربعين يوما رد الغلام ووجه إلي ابن أخي فدعاني فدخلت عليه فاذا أنا بصبي يمشي بين يديه إلى أن قال: قالت حكيمة: فلم أزل ارى ذلك
.................................................
* (هامش) *
(1) أخرجه المجلسي رحمه الله في باب الرجعة تحت الرقم 111 عن مصباح الزائر راجع ص 95 من هذا المجلد الذي بين يديك.
[328]
الصبي كل أربعين يوما إلى أن رأيته رجلا قبل مضي أبي محمد (عليه السلام) الخبر (1).
واعلم أنا قد ذكرنا في الفصل الاول من المجلد الثاني من كتابنا دار السلام أعمالا مخصوصة عند المنام للتوصل إلى رؤية النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين (عليه السلام) والائمة (عليهم السلام) في المنام، وأكثرها مختص بالنبي وبعضها بالوصي صلوات الله عليهما، ولعله يجري في سائر الائمة ما جرى لهما صلوات الله عليهما لبعض عمومات المنزلة، وبذلك صرح المحقق الجليل المولى زين العابدين الجرفادقاني رحمه الله في شرح المنظومة حيث قال: في شرح قوله في غايات الغسل:
ورؤية الامام في المنام * لدرك ما يقصد من مرام أنه يدل عليه النبوي المروي في الاقبال في أعمال ليلة النصف من شعبان " فأحسن الطهر إلى أن قال: ثم سأل الله تعالى أن يراني من ليلته يراني ". ولكن فيه مضافا إلى استهجان خروج المورد عن البيت إلا بتكلف لا يخفى أن الظاهر بل المقطوع أن نظر السيد رحمه الله إلى ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله في الاختصاص عن ابي المغرى عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سمعته يقول: من كانت له إلى الله حاجة وأراد أن يرانا، وأن يعرف موضعه، فليغتسل ثلاث ليال يناجي بنا، فانه يرانا ويغفر له بنا، ولا يخفى عليه موضعه، الخبر (2).
قوله (عليه السلام): " يناجي بنا " اي يناجي الله تعالى بنا، ويعزم عليه ويتوسل إليه بنا أن يرينا إياه، ويعرف موضعه عندنا (3) وقيل أي يهتم برؤيتنا، ويحدث نفسه
بنا، ورؤيتنا ومحبتنا، فانه يراهم أويسألنا ذلك.
وفي الجنة الواقية للشيخ إبراهيم الكفعمي: رأيت في بعض كتب أصحابنا
.................................................
* (هامش) *
(1) أخرجه المجلسى رحمه الله في باب ولادته وأحوال أمه (عليه السلام) راجع ج 51 ص 14، كمال الدين ج 2 ص 102.
(2) راجع الاختصاص ص 90.
(3) في نسخة الاختصاص المطبوع: " وأن يعرف موضعه عند الله ".
[329]
أنه من أراد رؤية احد من الانبياء والائمة (عليهم السلام) أو الوالدان في نومه فليقرء:
والشمس، والقدر، والجحد، والاخلاص، والمعوذتين ثم يقرء الاخلاص مائة مرة ويصلى على النبي صلى الله عليه وآله مائة مرة، وينام على الجانب الايمن على وضوئه فانه يرى من يريده إنشاء الله تعالى، ويكلمهم بما يريد من سؤال وجواب.
ورأيت في نسخة أخرى هذا بعينه غير أنه، يفعل ذلك سبع ليال بعد الدعاء الذي أوله: اللهم أنت الحي الذي الخ، وهذا الدعاء رواه السيد علي بن طاوس في فلاح السائل، مسندا عن بعض الائمة (عليهم السلام) قال: إذا أردت أن ترى ميتك، فبت على طهر، وانضجع على يمينك، وسبح تسبيح فاطمة (عليها السلام).
وقال الشيخ الطوسي في مصباحه: ومن أراد رؤيا ميت في منامه فليقل [في منامه]: اللهم أنت الحي الذي لا يوصف، والايمان يعرف منه، منك بدأت الاشياء وإليك تعود فما أقبل منها كنت ملجأه ومنجاه، وما أدبر منها لم يكن له ملجا ولا منجا منك إلا لليك، فأسألك بلا إله إلا أنت، وأسألك ببسم الله الرحمن الرحيم وبحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله سيد النبيين، وبحق علي خير الوصيين، وبحق فاطمة سيدة نساء العالمين، وبحق الحسن والحسين الذين جعلتهما سيدي شباب أهل الجنة أجمعين أن تصلي على محمد وآله وأهل بيته، وأن تريني ميتي في الحال التى هو فيها فانك تراه إنشاء الله تعالى.
ومقتضى لطلاق صدر الخبر أن يكون للداعي إذا عمل بهذه النسخة أن يبدل آخر الدعاء بما يناسب رؤية الامام الحي والنبي الحي بل الظاهر أن يكون له ذلك إن أراد رؤية كل واحد من الانبياء والائمة (عليهم السلام) حيا كان أو ميتا.
بل في كتاب تسهيل الدواء، بعد ذكر الدعاء المذكور، وذكر مشايخنا رضوان الله عليهم أن من أراد أن يرى أحدا من الانبياء أو أئمة الهدى صلوات الله عليهم فليقرء الدعاء المذكور إلى قوله أن تصلي على محمد وآل محمد ثم يقول:
أن تريني فلانا ويقرء بعده سورة والشمس، ووالليل، والقدر، والجحد، والاخلاص
[330]
والمعوذتين، ثم يقرء مائه مرة سورة التوحيد فكل من اراده يراه ويسال عنه ما أراده، ويجيبه إنشاء الله.
وحيث بلغ بنا الكلام إلى هذا المقام، فالاولى أن نتبرك بذكر بعض الاعمال المختصرة للغاية المذكورة، بناء على ما احتملناه وصرح به المحقق المذكور، وهو من أعاظم العلماء الذين عاصرناهم.
فمنها ما في فلاح السائل للسيد علي بن طاوس لرؤيا أمير المؤمنين (عليه السلام) في المنام، قال: إذا أردت ذلك، فقل عند مضجعك " اللهم إني اسألك يا من لطفه خفي، وأياديه باسطة لا تنقضي، أسألك بلطفك الخفي، الذي ما لطفت به لعبد إلا كفي، أن تريني مولاي علي بن أبي طالب (عليه السلام) في منامي.
وحدثني بعض الصلحاء الابرار طاب ثراه أنه جربه مرارا.
ومنها: ما في المصباح للكفعمي وتفسير البرهان عن كتاب خواص القرآن عن الصادق (عليه السلام) أن من أدمن قراءة سورة المزمل رأى النبي صلى الله عليه وآله وسأله ما يريد وأعطاه الله كل ما يريد من الخير.
ومنها ما رواه الاول أن من قرأ [سورة] القدر عند زوال الشمس مائة مرة رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه.
ومنها ما في المجلد الاول من كتاب المجموع الرائق للسيد الجليل هبة الله بن ابي محمد الموسوي المعاصر للعلامة رحمه الله أن من ادمن تلاوة سورة الجن رأى النبي صلى الله عليه وآله وسأله ما يريد.
ومنها ما فيه أن من قرء سورة الكافرون نصف الليل من ليلة الجمعة، رأى النبي صلى الله عليه وآله.
ومنها قراءة دعاء المجير على طهارة سبعا عند النوم، بعد صوم سبعة أيام، رواه الكفعمي في جنته.
ومنها قراءة الدعاء المعروف بالصحيفة المروي في مهج الدعوات خمس مرات على طهارة.
ومنها ما رواه الكفعمي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من قرء سورة القدر بعد صلاة الزوال وقبل الظهر، إحدى وعشرين مرة، لم يمت حتى يرى النبي صلى الله عليه وآله.
ومنها ما في بعض المجاميع المعتبرة أن من اراد أن يرى سيد البريات في المنام فليصل ركعتين بعد صلاة العشاء بأي سورة أراد، ثم يقرء هذا الدعاء مائة
مرة بسم الله الرحمن الرحيم يا نور النور، يا مدبر الامور، بلغ مني روح محمد وأرواح آل محمد تحية وسلاما.
ومنها ما في جنة الكفعمي عن كتاب خواص القرآن أنه من قرء ليلة الجمعة بعد صلاة يصليها من الليل الكوثر ألف مرة، وصلى على محمد وآل محمد ألف مرة رأى النبي صلى الله عليه وآله في نومه.
تلك عشرة كاملة وباقي الاعمال والاوراد والصلوات يطلب من كتابنا المذكور فان فيه ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين (1).
ولنختم هذه المقالة الشريفة بذكر ندبة أنشأها السيد السند الصالح الصفي إمام شعراء العراق، بل سيد الشعراء في الندب والمراثي على الاطلاق، السيد حيدر ابن السيد سليمان الحلي، المؤيد من عند الملك العلي، وقد جمع أيده الله تعالى بين فصاحة اللسان، وبلاغة البيان، وشدة التقوى، وقوة الايمان، بحيث لورآه احد لا يتوهم في حقه القدرة على النظم، فكيف بأعلى مراتبه.
أنشأها بأمر سيد الفقهاء السيد المهدي القزويني النزيل في الحلة في السنة التي صار عمر باشا واليا على أهل العراق، وشدد عليهم، وأمر بتحرير النفوس لاجراء القرعة، واخذ العسكر من أهل القرى والامصار سواء الشريف فيه والوضيع والعالم فيه والجاهل، والعلوي فيه وغيره، والغني فيه والفقير، فاشتد عليهم الامر وعظم البلاء، وضاقت الارض، ومنعت السماء، فأنشأ السيد هذه الندبة المشجية فرأى واحد من صلحاء المجاورين في النجف الاشرف الحجة المنتظر (عليه السلام) فقال
.................................................
* (هامش) *
(1) يريد كتابه دار السلام فراجع.
[332]
له ما معناه: قد أقلقني السيد حيدر قل له: لا يؤذيني فان الامر ليس بيدي ورفع الله عنهم القرعة في أيامه وبعده بسنين، وهي هذه:
يا غمرة من لنا بمعبرها * موارد الموت دون مصدرها
يطفح موج البلا الخطير بها * فيغرق العقل في تصورها
وشدة عندها انتهت عظما * شدائد الدهر مع تكثرها
ضاقت ولم يأتها مفرجها * فجاشت النفس من تحيرها
الآن رجس الضلالة استغرق * الارض فضجت إلى مطهرها
وملة الله غيرت فغدت * تصرخ لله من مغيرها
من مخبري والنفوس عاتبة * ماذا يؤدي لسان مخبرها
لم صاحب الامر عن رعيته * أغضى فغضت بجور أكفرها
ما عذره نصب عينه أخذت * شيعته وهو بين اظهرها
يا غيرة الله لا قرار على * ركوب فحشائها ومنكرها
سيفك والضرب إن شيعتكم * قد بلغ السيف حز منحرها
مات الهدى سيدي فقم وأمت * شمس ضحاها بليل عيثرها (1)
واترك منايا العدى بأنفسهم * تكثر في الروع من تعثرها
لم يشف من هذه الصدور سوى * كسرك صدر القنا بموغرها (2)
وهذه الصحف محو سيفك للا * عمار منهم امحى لاسطرها (3)
فالنطف اليوم تشتكي وهي في الا * رحام منها إلى مصورها
فالله يا ابن النبي في فئة * ما ذخرت غيركم لمحشرها
ماذا لاعدائها تقول إذا * لم تنجها اليوم من مدمرها
.................................................
* (هامش) *
(1) العيثر وهكذا العثير التراب والعجاج، وما قلبت من تراب بأطراف سابع رجلك اذا مشيت لا يرى للقدم أثر غيره. وقد عيثر القوم: اذا اثاروا العيثر.
(2) أوغر صدره: أحماه من الغيظ وأوقده.
(3) امحى بتشديد الميم اصله: انمحى فادغم النون في الميم.
[333]
اشقة البعد دونك اعترضت * أم حججت منك عين مبصرها
فهاك قلب قلوبنا ترها * تفطرت فيك من تنضرها
كم سهرت أعين وليس سوى * انتظارها غوثكم بمسهرها
أين الحفيظ العليم للفئة * المضاعة الحق عند افخرها
تغضي وأنت الاب الرحيم لها * ما هكذا الظن في ابن أطهرها
إن لم تغثها لجرم أكبرها * فارحم لهاضعف جرم اصغرها
كيف رقاب من الجحيم بكم * حررها الله في تبصرها
ترضى بأن تسترقها عصب * لم تله عن نأيها ومزهرها
إن ترض يا صاحب الزمان بها * ودام للقوم فعل منكرها
ماتت شعار الايمان واندفنت * ما بين خمر العدى وميسرها
أبعد بها خطة تزاد لها * لا قرب الله دار مؤثرها
الموت خير من الحياة بها * لو تملك النفس من تخيرها
ما غر أعداءنا بربهم * وهو مليئ بقصم أظهرها
مهلا فلله من بريته * عوائد جل قدر أيسرها
فدعوة الناس إن تكن حجبت * لانها ساء فعل أكثرها
فرب جرى حشى لواحدها! * شكت إلى الله في تصورها
توشك أنفاسها وقد صعدت * أن تحرق القوم في تسعرها
وله أيد الله تعالى ندبة أخرى تجري في هذا المجرى، تورث في العين قذي، وفي القلب شجى:
أقائم بيت الهدى الطاهر * كم الصبر فت حشى الصابر
وكم يتظلم دين الا * له إليك من النفر الجائر
يمد يدا تشتكي ضعفها * لطبك في نبضها الفاتر
ترى منك ناصره غائبا * وشرك العدى حاضر الناصر
فنوسع سمعك عتبا يكاد * يثيرك قبل ندا الآمر
[334]
نهزك لا مؤثرا للقعود * على وثبة الاسد الخادر
ونوقض عزمك لابائتا * بمقلة من ليس بالساهر
ونعلم أنك عما تروم * لم يك باعك بالقاصر
ولم تخش من قاهر حيث ما * سوى الله فوقك من قاهر
ولا بد من أن نرى الظالمين * بسيفك مقطوعة الدابر
بيوم به ليس تبقى ضباك * على دارع الشرك والحاسر
ولو كنت تملك أمر النهوض * أخذت له أهبة الثائر
وإنا وإن ضر ستنا الخطوب * لنعطيك جهد رضى العاذر
ولكن نرى ليس عند الاله * أكبر من جاهك الوافر
فلو نسأل الله تعجيله * ظهورك في الزمن الحاضر
لوافتك دعوته في الظهور * بأسرع من لمحة الناظر
فثقف عدلك من ديننا * قنا عجمتها يد الاطر
وسكن أمنك منا حشى * غدت بين خافقتي طائر
إلام وحتى م تشكو العقام * لسيفك أم الوغى العاقر
ولم تتلظى عطاش السيوف * إلى ورد ماء الطلى الهامر (1)
أما لقعودك من آخر * أثرها فديتك من ثائر
وقدها يميت ضحى المشرقين * بظلمة قسطلها المائر
يردن بمن لا يغير الحمام * أو درك الوتر بالصادر
ولك فتى حنيت ضلعه * على قلب ليث شرى هامر (2)
يحدثه اسمر حاذق * بزجر عقاب الوغا الكاسر
بأن له أن يسر مستميتا * لطعن العدى أوبة الظافر
فيغدو أخف لضم الرماح * منه لضم المها العاطر
.................................................
* (هامش) *
(1) الهامر: الهاطل السيال.
(2) من قولهم همر الفرس الارض: ضربها بحوافره شديدا.
[335]
أولئك آل الوغى الملبسون * عدوهم ذلة الصاغر
هم صفوة المجد من هاشم * وخالصة الحسب الفاخر
كواكب منك بليل الكفاح * تحف بنيرها الباهر
لهم أنت قطب وغى ثابت * وهم لك كالفلك الدائر
ظماء الجياد ولكنهم * رؤا المثقف والباتر
كماة تلقب أرماحهم * برضاعة الكبد الواغر
وتسمى سيوفهم الماضيات * لدى الروع بالاجل الحاضر
فان سددوا السمر حكوا السماء * وسدوا الفضاء على الطائر
وإن جردوا البيض فالصافنات * تعوم ببحر دم زاخر
فثمة طعن قنا لا تقيل * أسنتها عثرة الغادر
وضرب يؤلف بين النفوس * وبين الردى ألفة القاهر
الا أين أنت أيا طالبا * بماضي الذحول وبالغابر
وأين المعد لمحو الضلال * وتجديد رسم الهدى الداثر
وناشر راية دين الاله * وناعش جد التقى العاثر
ويابن العلى ورثوا كابرا * حميد المآثر عن كابر
ومدحهم مفخر المادحين * وذكرهم شرف الذاكر
ومن عاقدوا الحرب أن لا تنام * عن السيف عنهم يد الشاهر
تدارك بسيفك وتر الهدى * فقد أمكنتك طلى الواتر
كفى أسفا أن يمر الزمان * ولست بناه ولا آمر
وأن ليس أعيننا تستضئ * بمصباح طلعتك الزاهر
على أن فينا اشتياقا إليك * كشوق الربا للحيا الماطر
عليك إمام الهدى غرما * غدا البر تلقى من الفاخر
لك الله حلمك غر النعام * فأنساهم بطشة القادر
[336]
وطول انتظارك فت القلوب * وأغضى الجفون على عائر
فكم ينحت الهم أحشاءنا * وكم تستطيل يد الجائر
وكم نصب عينك يا ابن النبي * نساط بقدر البلا الفاتر
وكم نحن في كهوات الخطوب * نناديك من فمها الفاغر
ولم تك منا عيون الرجا * ء بغيرك مقعودة الناظر
أصبرا على مثل حز المدى * ونفحة جمر الغضا الساغر
اصبرا وهذي تيوس الضلال * قد أمنت شفرة الجازر
اصبرا وسرب العدى واقع * يروح ويغدو بلا ذاعر
نرى سيف أولهم منتضى * على هامنا بيد الآخر
به تعرق اللحم منا وفيه * تشظى العظام يد الكاسر
وفيه يسوموننا خطة * بها ليس يرضى سوى الكافر
فنشكو إليهم ولا يعطفون * كشكوى العقيرة للعاقر
وحين البطان التقت حلقتاه * ولم نر للبغي من زاجر (1)
عججنا إليك من الظالمين * عجيج الجمال من الناحر
تمت الرسالة الشريفة بيد مؤلفها العبد المذنب المسيئ حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في عصر يوم الاحد الثالث عشر من شوال المكرم سنة 1302 في بلدة سر من رأى حامدا مصليا مستغفرا، اللهم وفقه وكل المؤلفين والبانين للخير بحق محمد وآله.
.................................................
* (هامش) *
البطان للقتب: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير ويقال: " التقت حلقتا البطان " للامر اذا اشتد، وهو بمنزلة التصدير للرحل.