ينطلق المنكرون للإمام المهدي المنتظر عليه السلام من دوافع و منطلقات لا تنسجم مع منهج الإسلام العام في طرح العقائد و الدعوة إلى الإيمان بها ، فمنهج الإسلام الذي يعتمد و المنطق و الفطرة ، يقوم في جانب مهمٍ منه على ضرورة الإيمان بالغيب ، و تتكرر الدعوة في القرآن الكريم إلى ذلك ، إذ هناك عشرات الآيات[1] التي تتحدث عن الغيب و الدعوة إلى الإيمان به ، و المدحة عليه كما في قوله تعالى ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ) البقرة 2-3 ، و في الحديث النبوي الشريف[2] كذلك ، إذ هناك مئات الروايات و بصورٍ متنوعة و عديدة ، و كلها تؤكد الإيمان بالغيب و على أنه جزء لا يتجزأ من العقيدة ، و أنّ هذا الغيب سواء تعقّله الإنسان و أدرك جوانبه أو لم يستطع إدراك شيء منه و خفيت عليه أسراره ، فإنه مأمور بالإيمان ، غير معذورٍ بالإنكار ، بلحاظ أنّ مثل هذا الإيمان هو من لوازم الاعتقاد بالله تعالى ، و بصدق سفرائه و أنبيائه الذين يُنبئون و يُخبرون بما يُوحى إليهم ، كما هو الأمر في الإيمان بالملائكة و بالجن و بعذاب القبر و بسؤال الملكين ( منكر و نكير ) و بالبرزخ[3] و بغير ذلك من المغيّبات التي جاء بها القرآن الكريم أو نطق بها الرسول الأمين و نقلها إلينا الثقات المؤتمنون ، و إذن فكلّ تشكيك بشأنها – أي قضية المهدي (ع) – إنما يتعلق بأصل التصديق بالغيب ، و الكلام فيه يرجع إلى هذا الأصل .
و من هنا حاول المنكرون لعقيدة المهدي (ع) أن يهربوا ، و ينأوا بأنفسهم عن طائلة ذلك الاعتقاد ، فلجأوا إلى التشكيك بالأخبار الواردة بشأنه أو تضعيف أسانيدها كما فعل ابن خلدون في تاريخه في الفصل الثاني و الخمسين الذي عقده في أمر الفاطمي ، حيث ضعّف الأحاديث المروية في المهدي مع اعترافه بظهور المهدي (ع) آخر الزمان ، و بصحة بعض الأحاديث المروية بشأنه ، و تبعه عدد من المقلدين أمثال علي حسين السائح أُستاذ كلية الدعوة الإسلامية في ليبيا في بحثه ( تراثنا و موازين النقد )[4] إذ تعرّض فيه لموضوع المهدي المنتظر(ع) ، و تعلق بالخيوط العنكبوتية التي نسجها ابن خلدون حول عقيدة المهدي (ع) ، و حسب أنه لجأ إلى ركن شديد ، و أنه سيرقى عليها إلى السماء ، غافلاً عن أنه تشبث بأوهن البيوت .
و عندما اصطدم هؤلاء بعدم إمكانية ردّ تلك الروايات أو تضعيفها لكثرتها ، و تعدد طرقها ، و صحة أسانيد عدد كبير منها كما أثبتها أئمة الحديث[5] ، لجأوا مرة ً أخرى إلى إحاطة أمر المهدي(ع) بالأساطير التي اخترعوها ، كاختراعهم أُكذوبة السرداب التي لا أصل لها عند المعتقدين به ، و قد ناقشها الشيخ العّلامة الأميني مناقشة وافية أبان تخبط القوم الخصوم في الأساطير التي نسجوها تارةً في موقع السرداب – إذ اختلفوا فيه اختلافاً مضحكاً – و تارةً أُخرى في مواقف الشيعة و طقوسهم المزعومة حول السرداب[6] .
و لجأ آخرون إلى إنكار ولادته[7] الميمونة بإغراء ذوي المطامع[8] أو الطموح السياسي و الاجتماعي لتبني هذا الإنكار و الإفادة منه ، إلى غير ذلك من التعلقات الواهنة التي تسقط لدى عرضها على الحقائق الوفيرة ، فضلاً عن مقتضيات الأحاديث الصريحة الصحيحة .
و بالجملة فإن منهج المشككين لم يخرج عن مثل تلك المنطلقات و التوهمات أو المغالطات المنكرة ، فضلاً عن تعارضه مع الأصول المعتبرة الدينية و الروائية .
و لعل من المناسب أن نورد ضمن هذا المنهج ما ذهب إليه بعض المعاصرين من أمثال إحسان إلهي ظهير[9] و البنداري[10] و السائح ، و من احتذى حذوهم ، و قلدهم تقليداً أعمى من المنسوبين إلى الشيعة .
و ملخّص ما أثاروه و استندوا إليه أمور نذكرها كما وردت على ألسنتهم ، ثم نناقش أسس مدّعياتهم و منهجهم ،
و ذلك كما يأتي :
1-قالوا : إنّ الشيعة وقعوا في حيرة و اضطراب بعد وفاة الإمام العسكري(ع) ، و خاصة فيما يتعلق بولادة الإمام المهدي ( محمد بن الحسن ) ( ع) ، لوجود الغموض فيما وردت عنه من طريق الأئمة (ع) عندما سُئلوا عنه .
2-قالوا : إنّ الشيعة انقسموا و تفرقوا إلى أربعة عشرة فرقة في مسألة الإمام بعد وفاة الإمام الحسن العسكري ، و أن أمر الإمام المهدي لو كان واضحاً و مهماً و جزءاً من المذهب الجعفري لما جاز الإختلاف فيه ، و لما أمكن أن يبقى أمره سراً غامضاً .
3-زعموا أنّ الروايات التي تتحدث عن هوية الإمام المهدي (ع) ضعيفة و موضوعة و مختلفة ، سواء منها ما يتعلق بإسم أمه ، أم بتاريخ ولادته ، أم بما لا يمس ولادته ، أم بغيبته و سفرائه .
و قد ختم أحدهم تخرصاته زاعماً بأنه لم يرفض إماماً ثبت وجوده من أهل البيت (ع) ، إنما حصل عنده شكّ بولادة الإمام الثاني عشر ، لعدم توفر الأدلة الكافية – بحسب زعمه – أو لعدم قناعته بها أي بالأدلة المذكورة ، و ذكر أنه لا يستبعد أن يطيل الله عمر إنسان كما أطال عمر النبي نوح (ع) ، بالرغم من عدم الحاجة و الضرورة لذلك . و أنه يبحث عن الأدلة التي تثبت أن الله تعالى قد فعل هذا بشخص آخر ، لأنه لا يمكن أن يعتقد بحدوث هذا عن طريق القياس و التشبيه ، ثم قال : " و قد كان سيدنا الصادق يرفض القياس بالأمور الفرعية الجزئية فكيف في الأمور التاريخية و العقائدية " .
هذا ملخص ما أوردوه و انفتقت به عبقرياتهم و هم يحسبون أنهم جاءوا بما لم يتنبه إليه الأوائل .
و ردّاً على هذه الإشكالات ، و جواباً عن هذه الإثارات ، نقول :
أولاً : إنّ وجود الغموض في تحديد هوية الإمام المهدي (ع) ، و وقوع الحيرة لدى الشيعة – لو صحّ كما صوّره الخصم و ضخّمه – هو دليل على الخصوم و ليس لهم ، إذ عدم تحديد الهوية و الإصرار على بقاء الأمر سراً دليلٌ على وجود الإمام و الخوف عليه من الأعداء لا على عدم وجوده ، كما توهّموا .
فالأئمة عليهم السلام – كما وردت الروايات[11] - لم يريدوا الكشف عن النفاصيل المتعلقة بحياة الإمام المهدي (ع) و ولادته الميمونة ، لمعرفتهم بتكالب الأعداء في طلبه ، و جدّهم و تربّصهم به ، و قد كانوا يبثون العيون و يترصدون كلّ حركة للعثور على الإمام و التخلص منه ، بعد أن تيقنوا بالأمر و شاهدوا ترقّب الأُمة و تطلعها لمقدمه الشريف ليملأ الأرض قسطاً و عدلاً بعد أم مُلئت ظلماً و جوراً .
و كيف لا يحرص الأئمة عليهم السلام على حياته العزيزة ، و قد فعل سلاطين الجور الأفاعيل ، و ارتكبوا الحماقات و الشناعات بحق أهل البيت و ذرية الرسول الأكرم (ص) ، إذ طاردوهم و سجنوهم و أذاقوهم التشريد و القتل أخذاً بالظنِة و التُهمة و الوشاية المغرضة ، و دونك التاريخ فاقرأ في ( مقاتل الطالبين ) الأصفهاني العجب العجاب .
و إذن فكيف يكون الحال و قد اطّلع هؤلاء السلاطين على الروايات في صحاح المسلمين و مسانيدهم عن المهدي (ع) من العترة الطاهرة ، و من ذرية فاطمة عليها السلام و من أولاد الحسين عليه السلام تحديداً ، و أنه سيظهر ليملأها قسطاً و عدلاً ، فهذه المعرفة اليقينية قد خلقت شعوراً قوياً لدى الحكام الظلمة بأنّ عروشهم ستنهار . و كان هذا الهاجس هو الذي يفسّر لنا تلك الإجراءات الغريبة و غير الاعتيادية التي اتخذتها السلطة الحاكمة عند سماع نبأة وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام مباشرة ، و ليس هناك من تفسير معقول سوى اعتقادهم بوجود الإمام الثاني عشر الحجة ابن الحسن ، و أنه الإمام الموعود كما نطقت به الأخبار المتواترة لدى السنة و الشيعة ، و لذا أسرعوا إلى دار الإمام عليه السلام و اتخذوا مثل تلك الإجراءات الاستثنائية بدءاً من التفتيش الواسع و الدقيق ، إلى حبس جواري الإمام و إخضاعهن للفحص [12] ، كل ذلك في محاولة يائسة للقبض على الإمام . و لاعجب فقد حصل ذلك من نظرائهم ، و حدّثنا القرآن الكريم عن فعل فرعون للقبض على النبي موسى عليه السلام فنجاه الله من الكيد .
و من هنا نفهم السبب في إخفاء الإمام الصادق عليه السلام هوية المهدي و التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر .
و ليست الحيرة بعد ذلك و الإضطراب إلا حالة طبيعية في ظل مثل تلك الظروف و الملابسات الخاصة التي رافقت قضية المهدي عليه السلام في وجوده و ولادته ، و شغب السلطة و تمويهاتهم و إعلامهم الزائف ، و إذن فليست ( الحيرة ) إلا بسبب تلك الظروف و الملابسات ، فضلاً عن أن الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام قد أشارت إلى وقوع مثل هذه الحيرة و الفتنة و التفرق ، كما نقل ذلك ابن بابويه القمي في ( التبصرة ) ، و الشيخ النعماني في ( الغيبة ) الباب الثاني عشر .
ثانياً : قولهم بضعف الروايات و اختلاقها ، و لا ندري هل أنهم يفرّقون بين الضعيف و الموضوع أم هما عندهم سواء ؟ ثم لماذا هذا الخلط المقصود بين مسألة وجود الإمام الحجة (ع) الثابتة بالطرق الصحيحة و بين بعض الروايات التي تلابس ( حدث الولادة ) ؟ و العجب من ركوب هؤلاء جميعاً هذه الجرأة المفضوحة إذا إنّ روايات المهدي (ع) لم تروها كتب الشيعة فحسب ، و لم ترد عن طرقهم فقط ، و إنما روتها الصحاح و المسانيد و الجوامع الحديثية المعتبرة كصحيح أبي داود ، و صحيح البخاري و شروحه ، و مسند أحمد بن حنبل ، و جامع الطبراني ، و جمعها السيوطي في العرف الوردي [13] من عدة طرق ، و حكى تواترها البرزنجي في الإشاعة [14] و كذا الشوكاني في التوضيح[15]، و نقل ذلك أخيراً الشيخ منصور علي ناصف في غاية المأمول [16] .
فانظر إلى جهل المشككين كيف رموا ما صحّ و تواتر عند الجمهور المسلمين من السنة و الشيعة بالوضع الاختلاق و اعجب لجرأتهم و شغبهم ! إذ لا يصح بعد ذلك شيء مما تناقله الرواة من حوادث التاريخ ، و أسماء الأعلام ، و آراء المذاهب المختلفة .
ثالثا : استدل بعضهم على نفي وجود الإمام المهدي (ع) و ولادته بقوله : إن الشيعة اختلفوا و انقسموا –على حد زعمه – إلى سبعة عشرة فرقة بعد وفاة الحسن العسكري (ع) ، و هذا يدل – بحسب زعمه – على عدم وجود الإمام !!
و لعل من المناسب أن ننبه إلى أن الاختلاف حول موضوع أو قضية أو شخص لا يستلزم العدم ، إذ لو جرينا على هذا المنطق لما قامت عقيدة ، و لا ثبت دين ، و لا استقام شأن من الشؤون ، فالاختلاف قائم دائم في العقائد ، و في التواريخ ، و في الشخصيات ، و في الحوادث الواقعة ، و في الفروع ، و في سائر الأمور ، و قد تفرق أبناء الفرقة الواحدة إلى فرقٍ و طوائف و اتجاهات و آراء كما حدث عند المعتزلة و الخوارج و الأشاعرة[17] وغيرهم . . ثمّ ألم تسمع بما تناقله أهل الحديث من الرواية المشهورة و هي قوله (ص) : " . . . و تفترق أُمتي على ثلاث و سبعين فرقة " [18] .
و نتسائل هنا حول أي شيء كان الإفتراق ؟ و هل يستلزم ذلك نفي ما تفرقوا ( فيه ) لهذا السبب ؟! و إذن لا تبقى عقيدة ، و لا تسلم حقيقة ، و لا يستقيم أمرٌ بسبب وقوع الافتراق و الانقسام في ذلك بحسب المنطق .
و السؤال الأهم ، ما هي هذه الفرق التي انقسم إليها الشيعة بعد وفاة الإمام العسكري (ع) ؟ و ما هي تسمياتهم ؟ و من هم زعماء و رجال هذه الفرق المزعومة ؟
لقد قال الشهرستاني في الملل و النحل " و أما الذين قالوا بإمامة الحسن –العسكري(ع)- : فافترقوا بعد موته إحدى عشرة فرقة ، و ليست لهم ألقاب مشهورة ، و لكنا نذكر أقاويلهم . . " [19] . و إذن هو لا يعرف أسماؤهم و لا رجالهم ، و هم حسب زعمه إحدى عشرة فرقة ، أما هؤلاء المقلدون الكذابون من أمثال إحسان إلهي و من تابعه أخيرا فقد زادوا العدد فرقاً أخرى ليس لهم اسم و لا رسم ، حتى أوصلها أحد هؤلاء المفضوحين إلى سبع عشرة فرقة !! و أنى لهم بعرفتها و هي من مختلقاتهم ؟ و لذا لم يذكر أحد منهم زعيماً أو رجلاً معروفاً في التاريخ من هذه ( السبع عشرة ) فرقة ، بل و لم يجرأ أحد هؤلاء المفترين على الشيعة أن يشير إلى مكان أو زمان وجودهم .
و يحسن أن ننقل تعليقة العلامة عبدالحسين شرف الدين في الفصول المهمة حول هذه الكذبة التي أطلقها الشهرستاني في ملله ، قال العلامة مُعقباً : " و ليته أسند شيئاً من الأقاويل التي نقلها عن تلك الفرق إلى كتاب يتلى أو شخص خلقه الله تعالى ! و ليته أخبرنا عن بلاد واحدة من تلك الفرق أو زمانها أو اسمها ! فبالله عليك ، هل سمعت بفرق متخاصمة ، و نحل آراؤها متعاركة لا يُعرف لهم في الأحياء و الأموات رجلٌ أو امرأة ؟! و لا يوجد في الخارج لهم مسمى و لا اسم ؟!! " [20] .
و الظاهر أن أحدهم قد أدرك خطأه و اشتباهه فقال أخيراً : إني لم أرفض إماماً ثبت وجوده من أهل البيت عليهم السلام ، و إنما حصل عندي شك بولادة الإمام الثاني عشر . زاعماً أن السبب هو عدم قدرة توفر الأدلة الكافية ، أو عدم قناعته بالأدلة !!
و السؤال الذي نثيره هنا هو ، عن أي نوعٍ من الأدلة يبحث هؤلاء ؟ و هل هناك أدلة أقوى من إطباق الطائفة و علماء الأمة و رواتها الثقات عاى مثل هذا الأمر ، أعني ولادة الإمام الحجة ابن الحسن عليه السلام ؟ إذ ليس هناك من سبيل إلى ثبوت مثل هذه الأمور إلا الخبر الصحيح ، و توفر الشواهد ، و قيام القرائن و المؤيدات من العقل و المنطق ، و قد ثبت من كل هذه الجهات .
و لعل من المناسب الإشارة إلى ما حققه السيد ثامر العميدي في كتابه ( دفاع عن الكافي ) الجزء الأول ، و أثبت ولادة الإمام و استمرار وجوده الشريف بالروايات و الأحاديث الصحيحة ، ثم بالنقل التاريخي المتواتر ، كما أورد اعترافات و شهادات الفقهاء و المحدثين و المفسرين و المؤرخين و أهل التحقيق و الأدباء و الكتاب ، و كلهم من أهل السنة بولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع) ، و نقل ذلك عنهم بدءاً من بداية القرن الرابع الهجري كالروياني في المسند ، و سهل بن عبدالله البخاري ( ت /341هـ ) في سر السلسلة العلوية ، و الخوارزمي ( ت/387 هـ) في مفاتيح العلوم طبعة ليدن 1895 ميلادية .
كما أورد إعترافات من رجال القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر ، و منهم :
· -أبو نعيم الأصفهاني ( ت/430 هـ) في الأربعين حديثا .
· -يحي بن سلامة الخصفكي الشافعي (ت/568 هـ) .
· -تذكرة الخواص لابن الجوزي .
· -محي الدين بن عربي ( ت/638 هـ) في الفتوحات المكية على ما نقله الشعراني في اليواقيت و الملك المؤيد .
· -أبي فداء اسماعيل بن علي ( ت/732 هـ) في المختصر في أخبار البشر .
· -ابن الصباغ المالكي ( ت/855 هـ) في الفصول المهمة .
· -جلال الدين السيوطي ( ت/911 هـ) في احياء الميت .
· -ابن طولون الحنفي مؤرخ دمشق ( ت/953 هـ) في كتابه الأئمة الإثنا عشر .
· -أحمد بن يوسف أبو العباس القرماني الحنفي ( ت/ 1019 هـ) في كتابه أخبار الدول .
· -الشبرواي الشافعي ( ت/ 1171 هـ) في الإتحاف بحب الأشراف .
· -محمد أمين السويدي ( ت/ 1246 هـ) في سبائك الذهب .
· الزركلي ( ت / 1396 هـ) في الأعلام .
و هذا الكم الكبير من الروايات و النقول و الشواهد و الشهود ألا تكفي للإقتناع بوجود شخص و ولادته ؟
و إذا لم يكن ذلك كله كافياً و دليلاً ، فلازمه بالضرورة الشك في كل الحوادث الماضية و الشخصيات العلمية و التاريخية و ما جرى في غابر الزمن البعيد و القريب و عند ذاك لا يصح شيء ، و لا يثبت شيء ، فهل هذا يرضي مثل هؤلاء المتطفلين على البحث و التحقيق ؟
و أما إذا كان الأمر من جه تعقل الموضوع ، فدونك ( بحث حول المهدي ) للشهيد الصدر- و هو هذا الكتاب الذي بين يديك –فهو الشافي الكافي ، و الحجة الدامغة و البرهان القاطع لمن يفكر بعقله ، و لا يتعبد بما نقله و حكاه ذوو الأغراض المعروفه و المغالطجات المفضوحة أمثال ظهير و البنداري و غيرهم .
و لعل من الأمور التي تدلك على المفضوحة هو قولهم : " لا نستبعد أن يطيل الله عمر إنسان . . . و لكن لا يمكن الإعتقاد بحدوث هذا عن طريق القياس ، و قد كان سيدنا الصادق يرفض القياس في الفروع ، فكيف في الأمور التاريخية و العقائدية ؟؟ " .
و قد فاتهم أن القياس هنا أمر وارد ، و دليل معتبر عند أهل المنطق و أهل النظر في مثل هذه الموارد التي قد لا يدركها الإنسان إلا عن طريق التشبيه و القياس ، و هو اسلوب علمي ، و منهج قرآني ( و يضرب الله الأمثال للناس ) / إبراهيم : 25 ، و قال تعالى حاكيا قول المنكرين لبعض الأمور الإعتقادية كالمعاد كما في الآية المباركة : ( و ضرب لنا مثلاً و نسي خلقه قال من يحي العظام و هي رمييم * قل يحيها الذي أنشئها أول مرة ) / يس : 78 .
فانظر كيف يتنكب المتطفلون عن المنهج القرآني و العلمي ؟ و انظر إلى عدم تفرقتهم بين القياس في أحكام الشريعة المنهي عنه ، لعدم إحراز علة الحكم التي بنى الشارع عليها حكمه ، و بين القياس في مجال المعقولات الذي لا شبهة فيه .
و هكذا نخلص القول أنّ أصحاب هذا المنهج التشكيكي ليس بأيديهم حجة و لا برهان ، و لا يملكون سنداً علمياً أو تاريخياً مقبولاً و منطقياً في نفيهم و تشكيكاتهم ، و إنما هي مجرد ظنون و أوهام ، أو افتراضات و حدوس تتهاوى أمام الأدلة و البراهين المتينة ، الروائية و التاريخية و العقلية كما سطّرها و حققها المثبتون لولادة الإمام المهدي (ع) و استمرار وجوده الشريف المبارك .
و لا يضير ذلك ما أُحيطت به روايات ولادته التي اختلفت من بعض الوجوه ، و محاولة هذا النفر استغلالها بصورةٍ غير أمينة و لا دقيقة للتشويش على أصل الموضوع ، و هو ولادة الحجة ابن الحسن محمد المهدي (ع) ، و قد ثبت من الطريق الاعتيادي الذي تثبت به الولادات ، و هو شهادة القابلة حكيمة بنت الإمام الجواد ، و عمة الإمام العسكري ، و صحّة الرواية عنها بأسانيد معتبرة صحيحة[21] .
و إذا كان هناك من نقل روايات أُخرى سواء في زواج الإمام أبي محمد الحسن العسكري من ( نرجس ) أُمّ الإمام المهدي (ع) أم في اسمها ، أم في ولادة المهدي و ما جرى و لابس تلك الولادة المباركة ، أم في الإختلاف في تاريخ الولادة " فإن المشهور على ما نقلة الثقات من الشيعة و السُنة ، هو ولادته سنة 255 هـ في الخامس عشر من شعبان ، و أنّ أُمّه هي ( نرجس ) و كانت جارية عند إحدى أخوات الإمام علي الهادي (ع) ، فطلبها الإمام العسكري و تزوجها ، و ولدت منه الإمام المهدي ، كما صرح به الإمام العسكري بسند صحيح لا خدشة فيه " [22] . وقد بشّر الإمام العسكري أصحابه و شيعته خاصة بالمولود المبارك ، و أنه الخلف الحجة الموعود و الإمام من بعده[23] .
و أخيراً لابد من التنبيه أيضاً إلى أن منهج هؤلاء المنكرين في قضية الإمام المهدي (ع) يقوم على أُسلوب كان قد اتبعه المستشرقون من قبل في معالجتهم و مناقشاتهم لعقائد الإسلام ، و نبوة النبي محمد (ص) خاتم الأنبياء ، ولِماَ جاء في القرآن الكريم من المفاهيم و الأفكار و الأحكام ، و هذا الأسلوب يتمثل – كما يرى المستشرق المنصف آربري[24]- " باقتطاع النصوص من سياقها ، و بالتحليل السطحي . . . " هذا فضلاً عن المغالطات و المفارقات المنهجية كالإحالة إلى المصادر بصورةٍ غير دقيقة و غير أمينة[25] ، و كالتدليس و الكذب في نسبة الآراء ، إذ يوردون نصوصاً ثم يذكرون المصادر جملةً ، على سبيل التمويه ، و الأنكى و الأعجب أنهم –و بحسب تحليلهم السطحي – يطرحون فهمهم لبعض المطالب على أنه و الرأي عند المذهب أو الطائفة و هو فهم غير دقيق ، ثم يحاولون أن يحشدوا النصوص و يقسروها لتتلائم مع تصوارتهم و أفهامهم هُم ، و ليس مع ما ذهب إليه المذهب أو مع ما كان مقبولاً و معتمداً .
و أرى لزاماً عليّ التبيه أيضاً إلى أمرٍ مهم ، ذكره العلامة محمد تقي الحكيم في كتابه الأصول العامة للفقه المقارن قائلاً : "إن مجتهدي الشيعة لا يُسوغون نسبة أي رأي يكون وليد الإجتهاد إلى المذهب ككل ، سواء كان في الفقه أم الأصول أم الحديث ، بل يتحمل كل مجتهد مسؤولية رأيه الخاص نعم ما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته "[26] .
و من هنا يكون من المجازفة في القول تعميم الرأي الإجتهادي ما لم يحظ بالقبول و الشهرة . و كذلك الأمر في المجالات الأخرى فإنه لو ذهب أحد المفسرين أو الإخبارين إلى رأي ، أو أخذ برواية ، أو أبدى وجهة نظر معينة ، و حتى لو اعتمد نظرية أو فكرة ، فإنه لا يصح تحميل المذهب أو الطائفة ذلك ، بل يكون من المنطقي نسبة الرأي إليه ، و تحمله هو اعتماده على هذه الرواية ، أو تلك ، مع ضرورة الأخذ بنظر الإعتبار منهجه الروائي الخاص .
و يكون حين حينئذ على الباحث العلمي أن يحصر رأي المذهب من مجموع آراء الفقهاء و العلماء ، و استناداً إلى المنهج العام ، لديهم بما في ذلك منهجهم في قبول الأخبار و الروايات و الأسانيد ، و كذلك يشترط الرجوع إلى ما أصلوه من المفاهيم و الآراء بالرجوع إلى المصادر الأصلية و الأساسية لديهم .
و عليه فبدون ذلك ، أعني بدون الالتفات إلى هذه الملاحظة المهمة ، فإن الباحثين سيقعون بلا أدنى شك في الخلط و المجازفة و الاشتباه ، و لا يُعفون حينئذ من سوء القصد و محاولة المشاغبة و التشويش و هو دأب عليه أسلافهم من المستشرقين و خصوم الإسلام أو الحاقدين على أهل البيت عليهم السلام ، و على مدرستهم الأصلية في الإسلام الحنيف ، كما هو شأن إحسان إلهي ظهير و الجبهان ، و البنداري و غيرهم في القديم و الحديث .
و تبقى كلمة أخيرة فيما يتعلق بالمهدي الموعود عليه السلام بعد ثبوت ولادته الميمونة و وجوده المبارك ، و هي مسألة تعقل و عقلانية استمرار وجوده الشريف و ثبوت ذلك منذ الغيبة الصغرى ، و حتى انقطاع السفارة ثم وقوع الغيبة الكبرى .
و هنا سيجد القارئ الكريم و الباحث الطالب للحقيقة سيجد فيما كتبه السيد الشهيد ، و وضحه من هذه المطالب ، و ما ساقه من الأدلة العقلية و المنطقية و العلمية ما يشفي الغليل ، و يزيل أوهام و تعلقات المشككين .
[1] راجع : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن مادة (غيب) ، و راجع التفاسير و منها تفسير ابن كثير المجلد الأول في تفسير أول سورة البقرة .
[2] راجع كتاب الفتن و علامات الساعة في الصحاح و المسانيد و السنن ، راجع مثلا : التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول / الشيخ منصور علي ناصف 5: 300 و ما بعدها .
[3] راجع : التاج الجامع للأصول 1 : 25 .
[5] راجع : دفاع عن الكافي / ثامر هاشم العميدي 1 : 203 و ما بعدها ، فقد أوردمناقشة العلماء و أئمة الحديث لتضعيفات ابن خلدون و المقلدين لرأي ابن خلدون ، كما ناقش هو تلك التضعيفات مناقشة علمية متينة أبان فيها تهافتهم و عدم تبصّرهم و معرفتهم بفن الرواية و أصول الدراية .
[6] راجع : الغدير 3: 308-309 ، و راجع ما أورده العميدي من مناقشات متينة لهذه الفرية في دفاع عن الكافي 1 : 593 ، و راجع : سيرة الأئمة الاثني عشر / هاشم معروف الحسني 2 : 559 .
[7] راجع : دفاع عن الكافي : 1: 569 فقد أورد المؤلف شهادات و اعترافات و إثباتات وافية عن علماء أهل السنة من القرن الرابع الهجري إلى القرن الرابع عشر في إثبات ولادة الإمام المهدي و استمرار حياته و وجوده الشريف .
[8] راجع : الارشاد / الشيخ المفيد : ص 345 ، و راجع أيضاً سيرة الأئمة الاثني عشر / الحسني / 2 : 534 – 538 في قضية جعفر الكذاب .
[9] راجع الشيعة و التشيع – فرق و تاريخ : ص 261 و 301 /الطبعة الثانية 1384 هـ - باكستان .
[10] راجع التشيع بين مفهوم الأئمة و المفهوم الفارسي / الطبعة الثانية – دار عمار – الأردن .
[11] راجع العيبة للنعماني من أعلام القرن الرابع الهجري / الباب 12 ، الغيبة الكبرى / السيد محمد الصدر / البحث التمهيدي .
[12] الإرشاد / الإرشاد المفيد : ص 345 .
[13] راجع الحاوي للفتاوي / السيوطي 2 : 213 و ما بعدها .
[14] الإشاعة لأشراط الساعة ، ص 87-122/ الباب الثالث .
[15] التوضيح في تواتر ما جاء من الأحاديث في المهدي و الدجال و المسيح ، كما في غاية المأمول .
[16] غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول 5 : 360 .
[17] راجع : مقالات الإسلامين للأشعري ، و الملل و النحل للشهرستاني ، و فرق النوبختي و غيرها .
[18] راجع هذه الرواية و غيرها في سنن ابن ماجه 2: 1321 / 3991 كتاب الفتن – باب افتراق الأمم .
[19] الملل و النحل 1: 151 و 152 .
[20] الفصول المهمة في تأليف الأمة : ص 169 .
[21] أُصول الكافي : الجزء الأول – كتاب الحجة ، و راجع إثبات الوصية / المسعودي : ص 219 .
[22] راجع المصدرين السابقين ، و تفصيلات وافية عن الموضوع في دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 546 و ما بعدها .
[23] راجع دفاع عن الكافي المصدر السابق في ما نقله بطرق صحيحة معتبرة عن الكافي و غيره .
[24] راجع المستشرقون و الإسلام / الدكتور عرفان عبدالحميد : ص 19 .
[25] راجع إحسان إلهي ظهير في كتابه الشيعة و التشيع –فرق و تاريخ ، و مَن تابعه فيما أشاروا إليه من كتاب الإمامة و التبصرة من الحيرة لابن بابويه القمي ( والد الصدوق) (ت/329) ففيه أدلة ضدهم ، و راجع ما انتقوه من فرق الشيعة للنوبختي ، و فيه غير ما ذهبوا إليه .
[26] الأصول العامة للفقه المقارن : ص 596 ، الطبعة الثانية 1979 ميلادي ، دار الأندلس – بيروت .