الصفحة 86
ذلك ضعف الشخصية أمام الزينة والزخرف في العالم الخارجي، فراحت تأكل من ثماره وتجتر ذكرياتها على سبيله، وأنتج زاد الثمار والذكريات العقد النفسية التي هي في مجملها استعداد وجداني مكتسب دائم. يؤثر في سلوك المرء وشعوره ويفرغ عليهما طابعا خاصا، ومما لا شك فيه أن العقدة النفسية قد تنشأ من صدمة انفعالية عنيفة، أو قد تنشأ من صراع نفسي غير محسوم، أو قد تنشأ من تربية غير رشيدة، هذا كله له معالم على امتداد المسيرة الإسرائيلية التي أرغمتها العقد النفسية في نهاية المطاف على الخوف. حتى ولو لم يكن هناك داعيا إلى الخوف، وهذا كله نتيجة حقيقية. لمقدمة حقيقية. غيروا فيها اتجاههم الفطري.

وأصبحوا عالة على حركة وإنتاج الأمم من حولهم.

والباحث في المسيرة الإسرائيلية يجد أن المسيرة قد تأثرت بعقائد العالم الخارجي، ومن ثياب هذه العقائد اتخذت المسيرة ثوبا واحدا أضافت إليه معالم سماوية باهتة، تتفق مع أهوائهم وتنسجم مع العقد النفسية التي أفرزتها الأحداث على امتداد المسيرة، وفي نهاية المطاف رشحت ثقافات هذه العقائد على المدنية المعاصرة وهددت الإنسانية بالانهدام. ومهدت الطريق إلى المسيح الدجال. وفي إفرازات المسيرة الإسرائيلية يقول صاحب تفسير الميزان: إذا تأملت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، وأمعنت فيها. وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد كانت هذه الأمة لا تؤمن بما وراء الحس ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال المادي، وهم اليوم كذلك، وهذا الشأن هو الذي صبر عقولهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة. لا يعقلون إلا ما يجوزانه، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك، فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، وانقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبرائهم من جمال
الصفحة 87
المادة وزخرف الحياة، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا وفعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظ الحياة وإن كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم عليه مكثهم الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت استذلال المصريين، واسترقاقهم وتعذيبهم، وبالجملة: فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم والربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم، وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم، وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة. فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس، ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانية في أحكامها، وارتحال المعارف العالية والأخلاق الفاضلة من بيننا. فصار يهدد الإنسانية بالانهدام، وجامعة البشر بأشد الفساد وليعلمن نبأه بعد حين (1).

. فالمسيرة اكتسبت من العالم الوثني الشئ الكثير، وكان لهذا أثرا بالغا على سلوك الفرد وانفعالاته ودوافعه، ودفعت المسيرة في صراع نفسي غير محسوم أدى إلى تناقض حركتها قولا وفعلا، وهذا الاهتزاز النفسي رشح فيما بعد على الجامعة البشرية وهددها بالفساد، ولبيان المكتسبات الإسرائيلية من الأمم الوثنية الاستكبارية، نلقي بعض الضوء على أهم المحطات التي تزودت منها المسيرة الإسرائيلية.

1 - [ فتنة العجل ]

لا شك أن أبرز ظاهرة في خصائص الديانة المصرية القديمة هي

____________

(1) الميزان 296 / 8.
الصفحة 88
كثرة الآلهة، ولو ذرعنا المنطقة من منف إلى أسوان وبحثنا في كل مركز من مراكز العبادة، لوجدنا كائنات إلهية تتخذ صور الأبقار والتماسيح والكباش والكلاب الوحشية واللبؤات والعجول، وكثيرا من المخلوقات الأخرى ويطلق عليها عادة أسماء شتى في مختلف المدن، ورغم أن الآلهة تبعا لبلادها كانت تختلف في الشكل وفي الاسم. إلا أنه توجد عدة دلائل على أن المعتقدات الدينية كانت موحدة في أذهان المصريين أكثر مما نظن من واقع اختلاف أشكال الآلهة وأسمائهم (1) ويجل جميع قدماء المصريين البقرة لأنها معطية اللبن ولأنها الأم السماوية للشمس كما يعتقدون، وأطلقوا على البقرة اسم (صخور) وكثيرا ما كانوا يبنون لها المعابد ويكرسون لها قطعانا كاملة من أخواتها، وكذلك للآلهة التي تتخذ صورة الثور (مثل: مونتو، ومين، وآمون) وللثيران التي تتجسد فيها الآلهة (مثل: منفيس، أبيس، هليوبوليس) (2).

والعجل أبيس له بصمات واضحة على العقيدة المصرية القديمة، فهو رمز الاخصاب. واعتقد المصريون أن العجل أبيس اقترن بإله منف (بتاح) واندمج في (أوزيريس) فتكون منهما إله جنائزي. ومنذ ذلك الوقت اتخذ موت العجل أبيس أهمية بالغة، فيدفن بجنازة رسمية وسط جمع من الكهنة وغيرهم الذين كانوا يحضرون له الهدايا من كافة أرجاء المملكة، وكانوا يعتقدون أن أبيس عندما يموت يعود فيولد من جديد، ولهذا كان الكهنة يبحثون عنه بمجرد أن يموت، ويتوجهون إلى الحقول ويفحصون القطعان للعثور على ذلك الإله الذي يمكن التعرف عليه بعلامات خاصة فوق جلده، وعندما يعثرون عليه يحل الفرح محل الحزن ويتوج العجل الإلهي في الحظيرة المقدسة بمنف. حيث يعيش

____________

(1) الميزان 210 / 1.

(2) معجم الحضارة المصرية القديمة ص 32.
الصفحة 89
مع أمه يحيط به حريم الأبقار (1).

فالبقرة ترمز إلى الاخصاب. وعقيدتها تقول أنها في (أبيس) بمجرد أن تموت تبعث من جديد. وهي في (صخور) حاكمة السماء وجسمها الحقيقي، والروح الحية للأشجار، ومربية ملك مصر، وأم حورس، وربة الذهب، وشخصية متعددة الألوان بوسعها أن تأخذ صورة لبؤة، وهي ربة للسعادة والرقص والموسيقى (2).

فس هذه العقائد شربت قلوب الذين كفروا من بني إسرائيل حب العجول. وقبل أن تجف أقدامهم من عبور البحر مع موسى عليه السلام اتخذوا العجل إلها. قال تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) (3).

وعلى عقيدة بعث العجل بمجرد أن يموت، إنطلقوا في آشور وفي بابل تحت سقف السبي، يبحثون عن هوية جديدة تبعث عليها دولتهم، لتضاهي (حخور) حاكمة السماء وجسمها الحقيقي. وتكون كالروح الحية للأشجار كما تقول عقيدة الأبقار، وتحت سقف البحث عن هوية.

كانت يد الله تعمل في الخفاء وهم لا يشعرون، قال تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) (4) وذلك لأن نظام العالم هو نظام الأسباب والمسببات، والمسيرة لم تأخذ بأسباب التوبة والرجوع إلى الله، وإنما

____________

(1) المصدر السابق ص 3.

(2) المصدر السابق ص 96.

(3) سورة البقرة آية 92.

(4) سورة الأعراف آية 152.
الصفحة 90
أخذت بأسباب لا تحقق النجاة ولا تهدي طريقا إلا طريق الفتنة التي تقود أتباعها إلى جهنم.

2 - [ فتنة الدماء النقية ]

لا شك في أن الشيطان صد عن العبادة الحق التي تصل الإنسان بربه. وتحقق له السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وبرنامج الشيطان الذي صد به عن العبادة. هو نفس البرنامج الذي شوه به رموز هذه العبادة لينفق الناس من حولهم، فالله تعالى اصطفى من خلقه آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد. كما أخبر القرآن والسنة.

فهؤلاء من دون الناس الذين أخلصهم الله تعالى لعبادته، وباختصار:

اصطفى الله الأنبياء والرسل واختار سبحانه من عباده من يقوم بيان شريعته للناس. فهؤلاء أصحاب الدماء النقية، بمعنى أن الشيطان ليس له فيهم نصيب، والشيطان صد عن هذا السبيل بإلقاءاته. ومن معالم هذه الإلقاءات ظهور ثقافة تبناها الجبابرة والطواغيت على امتداد المسيرة البشرية. والعمود الفقري لهذه الثقافة. أن في عروق هؤلاء وأسرهم تجري دماء الآلهة، ووفقا لهذا الاعتقاد الذي فرضوه على شعوبهم. حكموا بالحديد وبالنار، وظل الحكم في هذه الأسر قرونا طويلة نتيجة لهذا الاعتقاد، وما أن تسقط أسرة حتى تقوم مكانها أسرة جديدة. تنطلق من هذا المستنقع الذي ابتليت به المسيرة البشرية.

وعلى هذا الاعتقاد كان الفراعنة وملوك آشور وملوك بابل والإغريق والبطالمة، وجميع هؤلاء احتكت بهم المسيرة الإسرائيلية.

وتأثرت ببرامجهم المادية والحسية، ولقد رشحت ثقافة تزكية الفرد والأسرة والقبيلة التي تحتويها هذه البرامج على المسيرة البشرية فيما بعد، ورد عليها القرآن الكريم. قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون
الصفحة 91
أنفسهم. بل الله يزكي من يشاء ولا تظلمون فتيلا. أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا) (1) وقال جل شأنه (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) (2).

وفي آشور وبابل لم يضع بني إسرائيل أعمدة الأسرة المختارة وإنما وضعوا أعمدة الشعب المختار الذي يدخر له الغيب أميرا مختارا يمتلكون به الأرض، وكانت الأرضية التي وضعوا عليها هذه الأعمدة قولهم: سيغفر لنا، ولكي يتفق هذا المدخل مع ما ارتكبوه من جرائم، نسبوا إلى الأنبياء ما لا يتفق مع عصمتهم ومكانتهم، بمعنى أن الخطأ إذا وقع فيه الأنبياء. فإن من دونهم يلتمس له الأعذار، وبعد أن أدخلوا أنفسهم في دائرة المغفرة، أدخلوا أنفسهم في دوائر التبشير التي أخبر بها الأنبياء عن ربهم، بمعنى إذا كان في بطن الغيب أمه اختارها الله لقيادة البشرية ادعوا أن الأمة أمتهم، وأن الأوصاف التي بينها الأنبياء تنطبق عليهم في بطن الغيب لكونهم شعب الله المختار. الذين ينفردون عن الناس ولهم أفضليتهم على جميع المخلوقات في نظر الخالق، وبهذا وبغيره جعلوا الكتاب المقدس ينطق. بعد أن حرفوا النصوص وتأولوها. وبعد أن وضعوها في غير مواضعها.

وقولهم سيغفر لنا. أشار إليه قوله تعالى: (وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك. وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق..) (3) قال ابن

____________

(1) سورة النساء آية 49.

(2) سورة النجم آية 32.

(3) سورة الأعراف آية 168.
الصفحة 92
كثير: يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض طوائف وفرقا، فيهم الصالح وغير ذلك، واختبرهم بالرخاء والشدة والرغبة والرهبة والعافية والبلاء لعلهم يرجعون، فخلف من بعدهم خلف لا خير فيهم وقد ورثوا دراسة التوراة، لا يشرف لهم شئ من الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ويقولون سيغفر لنا (1).

وقال في الميزان: قولهم " سيغفر لنا " قول جزافي لهم قالوه، ولا معول لهم فيه إلا الاغترار بشعبهم الذي سموه شعب الله. كما سموا أنفسهم أبناء الله وأحباءه، ولم يقولوا ذلك لوعد النفس بالتوبة، ولا أنهم قالوا ذلك رجاء للمغفرة الإلهية، فليس ما تظاهروا به رجاءا صادقا بل أمنية نفسانية كاذبة، وتسويل شيطاني موبق، فمن كان يرجو لقاء ربه، فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (2).

ومن باب قولهم سيغفر لنا فتحوا أبوابا قالوا عندها يوما: نحن أولياء الله من دون الناس، ويوما: نحن أبناء الله وأحبائه، ووضعوا هذه الأقوال داخل عقيدة تقول خطوطها العريضة: ليس علينا في الأميين سبيل، ومن هذا النسيج قاموا ببناء نظرية تفوقهم على البشر وانفراديتهم عن الناس وأفضليتهم على جميع المخلوقات في نظر الخالق، وانطلقوا وراء الأحبار يرددون القول بأنهم أمة فريدة تقف من الأمم موقف المختار الذي يتمتع بحقوق ليس لغيره، ولأنهم أمة فريدة فإن أمتهم عندما تموت تبعث من جديد، لأنها كالروح الحية للأشجار، وكالأم السماوية معطية اللبن لجميع المواليد ليؤمنوا بالعهد الألفي السعيد.

ومن الترديد وراء الأحبار انطلقوا إلى دائرة العمل، وخطوطها العريضة تقول: إن داوود إختاره الإله وعينه ملكا، ومملكة داوود هي

____________

(1) تفسير ابن كثير 2 / 265.

(2) الميزان 298 / 8.
الصفحة 93
عنوان ودعاء عهد الإله لإبراهيم، وأورشاليم اختارها الله عاصمة لهذا الملك، وعلى الجميع أن يخضعوا لهذه المملكة ولعاصمتها، لأن التعبد لله لا ينفصل عن الدولة وعاصمتها، وإذا كانت الدولة قد اندثرت على أيدي الغزاة، فإنها عندما اندثرت من على الأرض ولدت من جديد داخل صدور بني إسرائيل، وعليهم أن يعملوا لبسط نفوذ الدولة وفقا لنظرية تفوقهم على البشر وانفراديتهم عن الناس، حتى يأتي ابن داوود أمير السلام آخر الزمان. فهو وحده المسيح الذي سيعيد المجد لإسرائيل على أرض الواقع، وعلى الجميع أن يخضع من اليوم لمملكته الأزلية ولعاصمتها أورشاليم.

وهكذا جعلوا الكرامة الإلهية سهلة التناول، وزعموا أن هذه الكرامة وضعت على عاتق العنصر العبري. أكرمهم الله بها إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد، ولما كانت هذه الكرامة والسؤدد أمر جنسي خص بني إسرائيل، جعلوا الانتساب الإسرائيلي مادة الشرف وعنصر السؤدد. والمنتسب إلى إسرائيل له التقدم المطلق على غيره، لأن هذه الروح الباغية إذا دبت في قالب قوم. بعثتهم إلى إفساد الأرض وإماتة روح الإنسانية وآثارها الحاكمة في الجامعة البشرية، بينت الرسالة الخاتمة على نبيها الصلاة والسلام. أن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول. يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية. بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله وميثاقه والتقوى في الدين، فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة. وهي المحبة والولاية الإلهية التي لا تعدوا عباده المتقين، وأثرها النصرة الإلهية والحياة السعيدة التي تعمر الدنيا وتصلح بال أهلها وترفع درجات الآخرة، وبالجملة: إن الله تعالى لا يصطفي أحدا بالاستخلاف اصطفاءا جزافا. ولا يكرم أحدا إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد، والاستخلاف تحت سقف الامتحان والابتلاء يخضع لسنة الله الحاكمة. ومنها النقل والإقالة، ولا يخص الله
الصفحة 94
بحسن العاقبة إلا من يتقيه من عباده أينما وجدوا. ولقد رد القرآن الكريم على بني إسرائيل ومن حذى حذوهم من النصارى قولهم بأفضليتهم على البشر، فقال تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه. قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) (1). ورد على بني إسرائيل قولهم بأنهم مغفور لهم. وأن مسيرتهم نحو أهدافهم مسيرة يتعبدون فيها لله، فقال جل شأنه (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة. وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون) (2).

والخلاصة: لقد أخذت المسيرة الإسرائيلية بسنن الأولين، فأخذوا من عقائد البقر وعقائد الدماء النقية الأعمدة التي أقاموا عليها ديمومة الكرامة والحكم، والكتاب المقدس ينفي في أكثر من موضع مقولتهم بالدماء النقية. ويسجل أنهم سكنوا بين الأمم الوثنية واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء وأعطوا بناتهم لبنيهم. وعبدوا آلهتهم (3) وقال نحميا في سفره " رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات، ونصف كلام بينهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي، بل بلسان شعب وشعب " (4) فكيف يكون نقاء الدم تحت سقف هذه الأصول وغيرها:؟.

____________

(1) سورة المائدة آية 18.

(2) سورة البقرة آية 94.

(3) القضاه 3 / 5 - 7.

(4) نحميا 13 / 22 - 5 2.
الصفحة 95

3 - [ فتنة التأويل والتحريف ]

لا شك في أن تحريف الأصول السماوية عمود أساسي يقوم عليه فساد الدين الفطري، وهذا الفساد يهدد الإنسانية بالانهدام، لأن الفرد الذي يفسد دينه الفطري لا تتعادل قواه الحسية الداخلية. فيتبع القوى الخارجية التي تنسجم مع هواه وباتباعه لها يقوى جانبها في الصد عن سبيل الله، وتحريف المسيرة الإسرائيلية للكتاب ونسيانهم حظا من الدين وكذبهم على الله بواسطة القصص التي قصوها على الشعب، كل ذلك لا شك فيه واعترف به العهد القديم وعلماء الكتاب المقدس وأخبر به القرآن الكريم.

والتحريف كان لهدف. وهدفه ما استقر عليه القوم فيما يتعلق بشعب الله المختار، ففي اتجاه هذا الهدف أولوا ما ورد في النبي الخاتم (ص) من بشارات. ومن قبل أولوا ما ورد في المسيح ابن مريم عليه السلام. وقالوا: إن المسيح الموعود لم يجئ بعد وهم ينتظرون قدومه إلى اليوم، ليحكموا به الشعوب ويعود به ملك داوود عنوان ووعاء عهد الله لإبراهيم، ونظرا لأن الجرائم والآثام تحيط بالمسيرة الإسرائيلية. فإن التحريف رفع عن المسيرة هذا الحرج فنسبوا إلى الأنبياء ما لا يجوز في حقهم، فالأنبياء عندهم أول من سن عبادة العجول وأول من سن إقامة التماثيل وعبادة آلهة الأمم! وعلى هذه القاعدة فبما أنه لا يمكن أن تخرج نبيا من الأنبياء من تحت سقف الأنبياء. لارتكابه معصية بهذا الحجم. فكذلك لا يمكن أن تخرج الشعب من تحت سقف شعب الله المختار. لاتباعه ما سنه الأنبياء ولارتكابه الجرائم والمعاصي، وبالجملة: كان التحريف من أجل رفع حرج وقعت فيه المسيرة على امتداد تاريخها، وكان من أجل هدف التقطته المسيرة من ديار العالم الخارجي. ثم أضفت عليه بعض المعالم
الصفحة 96
السماوية الباهتة ليكون له مشروعية القبول.

وشهادة العهد القديم في نسيان بني إسرائيل حظا مما ذكروا به، جاء على لسان أرميا. قال: " أما وحي الرب فلا تذكروه بعد. لأن كلمة كل إنسان وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي " (1). وقال في تحريفهم وكذبهم على الله: " كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب " (2). وقال في ثقافة القص التي كذبوا على الله ليكون للشذوذ قاعدة: " الذين يأخذون لسانهم ويقولون قال - ها أنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة، يقول الرب: الذين يقصونها ويضلون شعبي بأكاذيبهم ومفاخراتهم. وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم. فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة " (3).

أما شهادة علماء الكتاب المقدس. ومنهم المفسر (هارسلي) يقول: لا شك في تحريف الكتاب المقدس. في متنه وأصله. يدلنا على ذلك اختلاف النسخ حيث الاختلاف آية الاختلاق. فقد أدخلت كلمات وقحة في المتون المطبوعة مما لا يناسب ساحة الوحي (4). ويقول الدكتور (همفري): إن تدخل الأوهام في العهد العتيق بين لحد يتضح للقارئ بأدنى تأمل. إنهم قضوا على البشارات المسيحية في العهد القديم). ويقول (كريزاستم): لقد انمحق الكثير من كتب الأنبياء.

حيث حرفتها اليهود على غفلة وعلى عمد. فمزقوا البعض منها.

____________

(1) أرميا 23 / 36.

(2) المصدر السابق 8 / 8.

(3) المصدر السابق 23 / 31.

(4) تفسيره في مقدمة كتاب يوشع 282 / 3 نقلا من كتاب المقارنات / د. الصادقي ص 89.

(5) كتاب همفري ص 17، 18، ط سنة 1841 نقلا من كتاب المقارنات ص 90.
الصفحة 97
وحرفوا ما تبقى (1).

أما شهادة القرآن الكريم بأن أهل الكتاب حرفوا أو نسوا حظا مما ذكروا به. فلقد جاءت في أكثر من آية. منها قوله تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)(2). ففي هذه الآية وصف تعالى هذه الطائفة بتحريف الكلم عن مواضعه. وذلك إما بتغيير مواضع الألفاظ بالتقديم والتأخير والإسقاط والزيادة. وإما بتفسير ما ورد عن موسى عليه السلام وعن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من المعنى الحق، وقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظأ مما ذكروا به) (3) قال في الميزان: إن أهل الكتاب إنما ابتلوا بما ابتلوا له لنسيانهم ميثاق الله سبحانه، ولم يكن إلا ميثاقا بالإسلام لله، وكان لازم ذلك أن يتقوا مخالفة ربهم ويتخذوه وكيلا في أمور دينهم يختارون ما يختاره لهم، ويتركون متابعة غير الله ورسله، لكنهم نبذوا الميثاق وراء ظهورهم فأبعدوا من رحمة الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه وفسروها بغير ما أريد بها، فأوجب ذلك أن نسوا حظا من الدين ولم يكن إلا حظا وسهما يرتحل بارتحاله عنهم كل خير وسعادة، وأفسد ذلك ما بقي بأيديهم من الدين، فإن الدين مجموع من معارف وأحكام مرتبط بعضها ببعض يفسد بعضه بفساد بعض آخر، سيما الأركان والأصول (4).

وإفسادهم للدين الفطري يتضح للقارئ بمجرد أن يتأمل عقيدتهم في الله ورسله عليهم السلام، فالتحريف جعل التوراة تشتمل

____________

(1) تفسيره التاسع على إنجيل متي نقلا من كتاب المقارنات ص 91.

(2) سورة النساء آية 46.

(3) سورة المائدة آية 13.

الميزان 239 / 5.
الصفحة 98
على أمور في التوحيد لا يصح إسنادها إلى الله تعالى. كالتجسيم والحلول في المكان ونحو ذلك، ونسب ما لا يجوز العقل نسبته إلى الأنبياء الكرام من أنواع الكفر والفجور والزلات، وهذا المنهج إذا إختلط بعقيدة سماوية أفسد ما بقي منها، ويقول د. جوستاف لوبون عن عقيدة اليهود: في وادي الفرات وفي مصر نشأت ديانة بني إسرائيل. أو على الأصح مختلف العبادات التي مارسها بنو إسرائيل، وذلك بين إقامتهم بفلسطين وعودتهم من السبي، حتى أن أسماء آلهتهم تدل على أصلها، وليست الآلهة الكبرى الشهوانية عشتروت التي كان العبريون يعبدونها. إلا زهراء فينوس بابل عشتار.. وحتى في دور السبي كان شعب إسرائيل قد بلغ من الغرق في الاشراك. ما كان يتعذر معه عزيمة ملك أو خطب نبي تخليصه منه.. ودام دين اليهود القائل بتعدد الآلهة بعباداته الكثيرة وطقوسه المتنوعة وأساطيره المتكاتفة (1). وقال د.

جوستاف لوبون عن عقيدة اليهود بعد دور السبي: لم يعبد بنو إسرائيل إلها يمكن أن يكون رب الأمم الأخرى، ثم يصل د. لوبون إلى نتيجة مفادها: لم تكن الديانة اليهودية في كل زمن. مطابقة لما نسميه اليوم باليهودية. ولا شبه بين إله اليهود الراهن وإله سيناء يهوه. فبنو إسرائيل كانوا يعبدون ألوهيمات في أثناء حياتهم البدوية التي قضتها أجيالهم الأولى. ولذلك لا ينبغي أن يطلب من هذا الشعب البسيط تعريف وثيق لموضوع عبادته (2).

أما ما نسبوه إلى الأنبياء الكرام من أنواع الكفر والفجور، فكان الهدف منه تبرير أخطاء المسيرة، بمعنى أنهم إذا أجازوا على الأنبياء الوقوع في الزلات، تلتمس الأعذار لمن دونهم إذا وقعوا فيها أو في

____________

(1) اليهود في الحضارات الأولى / جوستاف لويون ص 58 وما بعدها.

(2) المصدر السابق ص 62 وما بعدها.
الصفحة 99
أشد منها، وإذا كان التحريف قد قطع شوطا كبيرا في نسبة الزلات إلى الأنبياء، إلا أن القارئ للعهد القديم يقع في حيرة عندما يجد نصوص أخرى تمتدحهم، وتزول الحيرة إذا علمنا أن القوم اعتمدوا في حركتهم على أشد الأمور فتكا وإثارة للفتنة، وهو تلبيس الحق بالباطل، ليكون عندهم لكل سؤال جواب.

فهارون عليه السلام. أشارت التوراة إلى تطهيره من المعاصي.

واختيار الله له ليكون مفسرا للشريعة، وغير ذلك من الأمور التي تبين وقع أقدامه على الطريق المستقيم (1)، وفي مقابل هذا ذكرت التوراة أن هارون هو الذي أقام العجل لبني إسرائيل وبني مذبحه، يقول العهد القديم " فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها هارون، فأخذ ذلك من أيديهم. وصوره بالأزميل.

وصنعه عجلا مسبوكا. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر، فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه " (2)! لم يشيروا إلى السامري الذي أضلهم وجاء ذكره في القرآن الكريم. لأن موقع السامري لا يرفع عن المسيرة حرج.

وفي موضع آخر من العهد القديم. افتروا على موسى وهارون عليهما السلام بفرية العصيان، ومن هذا: " فقال الرب لموسى وهارون من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل. لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي إعطيتهم إياها " (3). وفي موضع آخر نرى نصا يقول بأن الله كان يأمر وموسى يطيع، وكان الله معه في

____________

(1) أنظر سفر العدد 18 / 1، 19 / 1 والخروج 29 / 1 - 30.

(2) الخروج 32 / 2 - 6.

(3) عدد 12 / 20.
الصفحة 100
كل خطواته، لقد قالوا ليوشع بن نون عندما قاتلوا معه " كل ما أمرتنا به نعمله وحيثما ترسلنا نذهب. حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لك.

إنما الرب إلهك يكون معك كما كان مع موسى " (1).

وتناول العهد القديم سيرة سليمان عليه السلام، وبينما نجد نصوصا تمتدحه، نجد نصوصا أخرى تنسب إليه الزلات، فالنصوص التي امتدحته بينت كيف كان يحذرهم من مخالفة أوامر الله، وعندما قدم العهد القديم أمثال سليمان صدرها بقوله: أمثال سليمان بن داوود ملك إسرائيل. لمعرفة حكمة وأدب. لإدراك أقوال الفهم. لقبول تأديب المعرفة والعدل والحق والاستقامة. لتعطي الجهال ذكاء والشاب معرفة وتدبرا. يسمعها الحكيم فيزداد علما. والفهم يكتسب تدبيرا. لفهم المثل واللغز. أقوال الحكماء وغوامضهم. مخافة الرب رأس المعرفة " (2) وتقابل هذه النصوص نصوص أخرى منها قولهم: " وأحب سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون. موآبيات وعمونياث وأدوميات وصيدونيات وحيثيات. من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل لا تدخلوا إليهم وهم لا يدخلون إليكم. لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهة أخرى. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة " (3). وقال العهد القديم " إن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى " (4) وقال " فذهب سليمان وراء عشتروت آلهة الصيدونيين " (5) وقال " بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين " (6) وقال " وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن

____________

(1) يوشع 16 / 1.

(2) أمثال 1 / 1 - 7.

(3) ملوك أول 11 / 1.

(4) المصدر السابق 11 / 5.

(5) المصدر السابق 11 / 6.

(6) المصدر السابق 11 / 7.
الصفحة 101
لآلهتهن " (1). فمن هذه النصوص أخذوا تبريرا لاتجاه مسيرتهم نحو الآلهة المتعددة، ومن نص آخر أخذوا تبريرا للأسباب التي أدت إلى تمزيق مملكة سليمان إلى مملكتين، يقول " فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك، ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها. فإني أمزق المملكة عندك تمزيقا " (2).

وبوقود التحريف ظهرت التربية الغير رشيدة. التي أثرت على سلوك المسيرة وشعورها وأفرغت عليها طابعا خاصا فيما بعد.

4 - [ السقوط في الفتنة ]

حذر الأنبياء والرسل على امتداد المسيرة البشرية من إلقاءات الشيطان. وبينوا أن ما يلقيه الشيطان ما هو إلا فتنة تصيب الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. ليكونوا علامة سوء على امتداد الطريق كي يحذر الناس برامجهم وأطروحاتهم، والقرآن الكريم بشر الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ولم يتوبوا بعذاب جهنم، وفي عالم الفتن انطلقت المسيرة الإسرائيلية بعد عهد السبي تبشر بالمسيح المنتظر الذي يعيد مجد المملكة الداوودية، وتولى التلمود عملية التبشير، ولليهود تلمودان، الأول: التلمود الاورشاليمي. وقد وضعه أحبار اليهود في أورشاليم، والثاني: التلمود البابلي وقد وضعه أحبار اليهود في بابل، ويزعم كثير من اليهود أن موسى تسلم القانون المكتوب على ألواح الحجر، كما تسلم من الله تفسيرات وشروحا لهذا القانون. وهو ما يدعى بالقانون الشفهي (3)، وذكرت مصادر أخرى أن فرقة الفريسيين

____________

(1) المصدر السابق 11 / 8.

(2) المصدر السابق 11 / 12.

(3) الكنز المرصود في فضائح التلمود / د. محمد الشرقاوي ط مكتبة الوعي مصر ص 32.
الصفحة 102
اليهودية التي ظهرت قبل ميلاد المسيح ابن مريم عليه السلام بمائتي عام، هم الذين ابتدعوا القانون الشفهي. وهم الذين وضعوا التلمود (1).

ونظرا لما أنتجه التحريف من تناقض وما أنتجه التلمود من اختلافات. ارتقى الأحبار منزلة كبيرة بين الشعب، وكانت مهمتهم النزول على الشعب بتفسيراتهم للتلمود، وهي تفسيرات لا ينبغي أن يناقشها غيرهم، ومن أجل هذه المهمة رفعهم التفسير التلمودي إلى مكانة عالية، قال " إن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها ولا تغييرها " (2)، وقال " من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت. وليس كذلك من احتقر أقوال التوراة. ولا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط " (3)، وقال الحاخام روسكي: التفت يا بني إلى أقوال الحاخامات أكثر من التفاتك إلى شريعة موسى (4)، وجاء في كتاب كرافت المطبوع سنة 1590: إعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء (5)، وقال الحاخام في أقوال الحاخامات المناقض بعضها بعضا " إنها كلام الله مهما وجد فيها من تناقض، فمن لم يؤمن بها أو قال إنها ليست أقوال الله. فقد أخطأ في حق الله " (6).

ومن أقوال الحاخامات في شعب الله المختار: " تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله كما أن الابن جزء من

____________

(1) المصدر السابق ص 32.

(2) التراث الإسرائيلي / صابر طعيمة ص 401.

(3) الكنز المرصود ص 14.

(4) المصدر السابق 169.

(5) المصدر السابق ص 170.

(6) المصدر السابق 171.
الصفحة 103
والده (1)، ولهذا اختار الله الجنس العبري ليكون منه شعب الله المختار، وأعطى الله ميثاقه لهذا العنصر، وهو ليس عقدا بل عهدا لأنه جاء من جانب واحد، وهو عهد أزلي لا ينقض، وأنه تنفيذا لهذا الميثاق أخرج الله العنصر العبري من مصر وأنقذه من فرعون، وأهلك أهل فلسطين من أجله وأسكنهم أرضهم وملكها لهم، وإذا كان هذا الملك قد أفلت في عصر من العصور وآل للأمم، إلا أن هذا الملك لله أولا وأخيرا، ولقد قضى الله منذ الأزل أنه من نصيب شعبه، ومن ثم فلا خوف من ضياعه، وهذا العنصر العبري المختار سيظل لذلك يتطلع إلى أن يعيد الله هذا الملك لهذا الشعب كما قضى في كتابه، وسيكون تطلع هذا الشعب لإعادة هذا الملك بكل عقله وقلبه، وإنه لا يشك للحظة إنه سيستعيده.

وهو لا بد مسترجعه (2).

واختلفوا في المسيح المنتظر الذي سيستعيد مملكة داوود وعاء عهد الله لإبراهيم، فزعم يهود السامرة أن المسيح سيكون من سبط يوسف عليه السلام، وزعم يهود أورشاليم أنه سيكون من سبط يهوذا من نسل داوود (3). واتفقوا في أحداث مجئ المسيح. وقالوا " تطرح الأرض فطيرا وملابس من الصوف. وقمحا حبه بقدر كلاوي الثيران الكبيرة، وفي ذلك الزمان ترجع السلطة لليهود. وكل الأمم تخدم ذلك المسيح وتخضع له، وفي ذلك الوقت يكون لكل يهودي ألفان وثمانمائة عبد يخدمونه. وثلثمائة وعشرة أكوان تحت سلطته، ولكن لا يأتي المسيح إلا بعد القضاء على حكم الأشرار. ولذلك يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع امتلاك باقي الأمم في الأرض، كي تظل السلطة لليهود وحدهم، لأنه من الضروري أن تكون لهم السلطة أينما

____________

(1) الكنز المرصود ص 190.

(2) المصدر السابق ص 84.

(3) نقد التوراة / حجازي السقا ص 168.
الصفحة 104
حلوا، فإن لم يتيسر لهم ذلك اعتبروا منفيين وأسارى، وإذا تسلط غير اليهود على وطن اليهود. حق لهؤلاء أن يندبوا عليه ويقولون: يا للعار ويا للخراب ويستمر ضرب الذل والمسكنة على بني إسرائيل حتى ينتهي حكم الأجانب، وقبل أن يحكم اليهود نهائيا باقي الأمم يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم ويبقى اليهود سبع سنوات متواليات يحرقون الأسلحة التي كسبوها بعد النصر... ويعيش اليهود في حرب طاحنة مع باقي الشعوب في انتظار ذلك اليوم، وسيأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر المنتظر ويقبل المسيح إذ ذاك هدايا جميع الشعوب... وتكون الأمة اليهودية يومئذ في غاية الثراء.. وإن هذه الكنوز ستملأ بيوتا كثيرة لا يمكن حمل مفاتيحها وأقفالها إلا على ثلاثمائة حمار، وترى الناس كلهم حينئذ يدخلون في دين اليهود أفواجا.. ويتحقق أمل الأمة اليهودية بمجئ المسيح. وتكون هي الأمة المتسلطة على باقي الأمم عند مجئ المسيح " (1).

وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية، اكتسب التلمود في نفوس الجماعات الإسرائيلية قداسة وأهمية تفوقان كل مقدس وكل تصور. يقول د. طعيمة: والتلمود من بين جملة المصادر الدينية الإسرائيلية قد أصبح التوراة المهمة في عواطف القوم ومعتقداتهم، وهو جملة من القواعد والوصايا والشرائع والتعاليم الدينية والأدبية. والشروح والتفاسير والروايات المتعلقة بدين وتاريخ وجنس إسرائيل على مدى التاريخ، وكانت هذه التعاليم والقواعد والشرائع تتناقل وتدرس مشافهة من حين إلى آخر، ولما تعاظم شأن هذه التعاليم في نفوس الجماعات الإسرائيلية. وكثرة هذه التعاليم. قرر كبار الحاخامات أن يسجلوا هذه التعاليم حتى تضاف إلى ما لديهم من نصوص أو مستندات، وبدأت عملية التسجيل والتدوين

____________

(1) الكنز المرصود ص 197.
الصفحة 105
على مراحل متعددة. وفي مواقع مختلفة (1).

والخلاصة: لقد ركبت المسيرة طريق الانحراف الذي سلكته الأمم الوثنية، ومن هذا الطريق اكتسبت المسيرة مجموعة من النصائح الانفعالية. طرحتها ثقافات لا تصيب أصحابها إلا بصدمات نفسية، أو تجعلهم دائما وأبدا في صراع نفسي غير محسوم، وكان بين يدي المسيرة دوائر تبشير ودوائر تحذير. بينها الأنبياء والرسل وهم يخبرون بالغيب عن ربهم، ومن دائرة التبشير بشروا بمسيح تلده عذراء الزهد علامة من علاماته، ومن دائرة التحذير حذروا من مسيح يخرج آخر الزمان فتنة للناس. معه ماء وطعام. وذهب وأهواء، ولكن دوائر التحذير اختلطت بدوائر التبشير. عندما بدأ القوم يحرفون النصوص. وعندما أنستهم مناهج المادة والحس حظا مما ذكروا به، فالتقطوا من بين الخليط ما يتفق مع القاسية قلوبهم. وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، أقام الحجة على المسيرة البشرية، وأخبر أهل الكتاب بما كانوا يختلفون فيه، ولكن الذين كفروا منهم تكبروا وجادلوا في آيات الله، قال تعالى:

(إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) (2). قال ابن كثير:

نزلت الآية في اليهود، وذلك أنهم ادعوا أن المسيح منهم وأنهم يملكون به الأرض، فأمر الله نبيه. أن يستعذ من فتنة الدجال (3) وقال في الميزان:

أخبر سبحانه أن هؤلاء المجادلين لا ينالوا بغيتهم ولن ينالوا، وقال لرسوله. فلا يحزنك جدالهم، وحصر سبحانه السبب الموجب لمجادلتهم في الكبر، يريدون به إدحاض الحق الصريح، وأمره الله أن يستعذ منهم بما لهم من كبر. كما استعاذ موسى من كل متكبر مجادل.

____________

(1) التراث الإسرائيلي ص 395.

(2) سورة غافر آية 56.

(3) تفسير ابن كثير 84 / 4.
الصفحة 106
الصفحة 107

المسيح عليه السلام
وأعمدة الأروقة المتصدعة

الصفحة 108
الصفحة 109

المسح عليه السلام
وأعمدة الأروقة المتصدعة

أولا [ على طريق آل هارون ]

1 - [ الطريق إلى المسيح عليه السلام ]

ذكر العديد من المحققين أن اليهود في عهد السبي. انخرطوا في المجتمع. وبالذات أن بابل كانت من أغنى المناطق في بلاد ما بين البحرين، وهذا أتاح لهم العمل في الزراعة والتجارة والأعمال الخاصة، وفي النهاية أصبحوا مواطنين عاديين داخل الدولة يتمتعون بكافة الحقوق السياسية والاجتماعية، وعندما زالت دولة بابل وظهرت الدولة الفارسية التي خضعت لسيطرتها دول المنطقة، استفاد اليهود من سياسة الملك الفارسي (قورش). وكانت المبادئ العامة لهذه السياسة إعادة السكان المبعثرين حول نهر دجلة والفرات إلى أوطانهم، فهذه السياسة أحيت الأمل لدى اليهود في بابل في العودة مرة أخرى إلى فلسطين، وبدأت الزعامة الدينية في الظهور تصنع الأحداث وتقود المسيرة، وذكر العديد من المحققين أن اليهود كانوا في قديم الزمان يسمون فقهاءهم بالحكماء، نظير تعليمهم الشعب القانون الشفهي وإشرافهم عليه، وكان
الصفحة 110
لهؤلاء الحكماء من المدارس في بابل والمدائن والشام. ما لم يكن لأحد من الأمم مثله، وكان لهم في العصر الواحد كثير من الحكماء. في زمان دولة النبط البابليين والفرس ودولة اليونان ودولة الروم.

وبعد أن أحيت سياسة الملك الفارسي قورش الأمل في نفوس اليهود، اتفق السامريون والعبرانيون على إعادة كتابة التوراة في بابل، وشكل العلماء لجنة لهذا الغرض برآسة (عزرا)، وقد جمعت هذه اللجنة معلومات من التاريخ القديم للمسيرة الإسرائيلية. ومعلومات أرادوا إدخالها على النصوص الأصلية (1)، وقبل أن تكمل هذه اللجنة عملها.

صدر الأمر الفارسي لليهود بالرجوع إلى أرض كنعان، ويقول أبو الحسن السامري في تاريخه: إن الفارسيين لما سمحوا لليهود بالعودة. طلبوا منهم أن يتحدوا تحت رآسة واحدة. وتكون لهم عاصمة واحدة ليسهل التعامل معهم، فانقسم اليهود. وأصر يهود السامرة أن تكون الرآسة فيهم. وأن يكون هيكلهم في نابلس، وأصر يهود أورشاليم أن تكون الرآسة فيهم. وبكون هيكلهم مكان الهيكل القديم، واشتد العداء بين الفريقين وسجل العهد القديم هذا العداء. عندما شرعوا في بناء الهيكل في أورشاليم (2).

وبدأت خطوات المسيرة للقافلة الإسرائيلية بإعادة بناء الهيكل تحت حكم زربابل (3) (538 ق. م) ثم بدأ ما سمي بعصر الاصلاح تحت حكم عزرا (4) (458 ق. م) ثم قام نحميا ببناء السور (5)

____________

(1) نقد التوراة / د. حجازي السقا ص 74.

(2) أنظر عزرا إصحاح 4، 5.

(3) المصدر السابق 2 / 2.

(4) المصدر السابق 7 / 13.

(5) نحميا 2 / 1 - 9.
الصفحة 111
(445 ق. م) وانتهت مسيرة العهد القديم بسفر النبي ملاخى (1)، وكانت هناك فترة صمت لا يوجد فيها عهود جديدة. وقررت هذه الفترة بأربعمائة عام. ثم جاء العهد الجديد (2). والشواهد الكتابية للمسيرة الإسرائيلية (من 538 - ق. م) تنحصر في أسفار: عزرا، نحميا، استير، حبقون، زكريا، ملاخى، بالإضافة إلى رؤيا دنيال وما أخبر به حزقيال، وبالنظر في حركة المسيرة من خلال هذه الشواهد الكتابية، يجد الباحث أن المسيرة بدأت حركتها بالاختلاف. وعلى هذا الاختلاف ظهرت توراة سامرية تقول أن القبلة في جبل (جزريم)، وأخرى عبرانية تقول بأنها في جبل (عيبال)، وقال يهود السامرة أن المسيح المنتظر من سبط يوسف بن يعقوب، بينما قال أورشاليم أنه من سبط داوود.

وإذا أردنا أن نحكم على المسيرة من خلال الشواهد الكتابية، نجد (نحميا) يقول عند المقدمة: " في تلك الأيام رأيت في يهوذا قوما يدوسون معاصر في السبت... فخاصمت عظماء يهوذا وقلت لهم: ما هذا الأمر القبيح الذي تعملونه وتدنسون يوم السبت. ألم يفعل آباؤكم هكذا فجلب إلهنا علينا كل هذا الشر وعلى هذه المدينة، وأنتم تريدون غضبا على إسرائيل إذ تدنسون السبت " (3). ويقول " في تلك الأيام أيضا رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات، ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي، بل بلسان شعب وشعب، فخاصمتهم ولعنتهم " (4).

____________

(1) مفاتيح الأسفار الإلهية ص 45.

(2) المصدر السابق ص 45.

(3) نحميا 13 / 15 - 18.

(4) المصدر السابق 13 / 22 - 5 2.
الصفحة 112
أما عند النهاية. نجد في (ملاخى) الذي بسفره ينتهي العهد القديم، نجد إدانة واضحة للمسيرة ولقيادتها، قال: " قال لكم رب الجنود: أيها الكهنة المحتقرون اسمي. وتقولون: بم احتقرنا اسمك؟

تقربون خبزا نجسا على مذبحي وتقولون بم نجسناك " (1). ويقول " والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة. إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجدا لإسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعنة وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها لأنكم لستم جاعلين في القلب " (2). وقال لهم: " قال رب الجنود: من فيكم يغلق الباب بل لا توقدون على مذبحي مجانا، ليست لي مسرة بكم. قال رب الجنود: ولا أقبل تقدمة من أيديكم " (3).

وهكذا رأينا عند المقدمة كيف انحرفت المسيرة، ثم رأينا عند النتيجة كيف ضربها اللعن، وفي سفر (ملاخى) وهو آخر أسفار العهد القديم، نجد أن السفر بين للمسيرة قيادة الهدى التي يختتم بها الله المسيرة الإسرائيلية، وبشر بقيادة الهدى التي يختتم بها الله المسيرة البشرية، وفي تحديد قيادة الهدى للمسيرة الإسرائيلية، بين أن الباب الذي فتحه الله في سبط (لاوي). وجاء منه موسى وهارون وبنوه، هو نفس الباب الذي يأتي منه آخر قيادة هدى للمسيرة الإسرائيلية، لتنتقل القيادة بعد ذلك في اتجاه شعب آخر وأرض جديدة. قال (ملاخى) في قيادة الهدى التي ينبني على المسيرة انتظارها: " إني أرسلت إليكم هذه الوصية ليكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود: كان عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة

____________

(1) ملاخي 1 / 6.

(2) المصدر السابق 2 / 1 - 3.

(3) المصدر السابق 1 / 9 - 11.
الصفحة 113
الحق كانت في فيه، والإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة وأرجع كثيرين عن الإثم، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود، أما أنتم فحدتم عن الطريق وأعثرتم كثيرين بالشريعة، أفسدتم عهد لاوي، فأنا أيضا صيرتكم محتقرين ودنيئين عند كل شعب. كما إنكم لم تحفظوا طرقي بل حابيتم في الشريعة " (1).

من هذه النصوص نجد أن (ملاخى) ذكرهم بالبداية التي عندها نصب الله هارون كاهنا للشريعة وجعلها من بعده في بنيه، وهؤلاء هم ذروة سبط لاوي، ثم بين لهم أن عهد الله مع هؤلاء وليس مع غيرهم، فغيرهم حاد عن الطريق وأفسد في الأرض، ثم أخبرهم بأن الله سيرسل إليهم واحد من هذا السبط ليسوق قاعدة السبط ومن ورائها بقية الأسباط، " ها أنذا أرسل ملاكي فيهئ الطريق أمامي. ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرون به، وهو ذا يأتي، قال رب الجنود: ومن يحتمل يوم مجيئه. ومن يثبت عند ظهوره. لأنه مثل نار المحص ومثل أشنان القصار، فيجلس ممحصا ومنقيا للفضة، فينقي بني لاوي ويصفيهم كالذهب والفضة. ليكونوا مقربين للرب تقدمة بالبر، فتكون تقدمة يهوذا وأورشاليم مرضية للرب. كما في أيام القدم وكما في السنين القديم " (2).

وبعد أن أشار السفر إلى بعثة آخر الأنبياء في سبط لاوي، وهو المسيح عيسى بن مريم كما سنبين في موضعه، تحدث عن اليوم المخوف الذي ينهي المسيرة البشرية، وأخبرهم بأن الله قبل هذا اليوم.

سيبعث إلى البشرية النبي (إيليا) ومهمته هي فتح أبواب الرحمة. قبل أن

____________

(1) ملاخي 2 / 4 - 9.

(2) المصدر السابق 3 / 1 - 5.

الصفحة 114
يضرب الله المستكبرين وكل فاعلي الشر ويحرقهم، قال: " فهوذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشا، ويحرقهم اليوم الآتي. قال رب الجنود: فلا يبقى، لهم أصلا ولا فرعا، ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها ". ثم قال " هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن " (1).

وإيليا النبي. وضعه اليهود وفقا لعلم حساب الحروف، ومجموع هذا الاسم يشير إلى اسم النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. الذي يختتم به الله المسيرة البشرية (2).

وبهذه الخاتمة انتهى العهد القديم ليبدأ العهد الجديد، الذي يتحدث عن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام.

2 - [ على أبواب المسيح عليه السلام ]

1 - " آل عمران ":

انقسم اليهود حول المسيح المنتظر، ففريق قال إنه يأتي من نسل يوسف. وقال آخرون إنه يأتي من نسل داوود، وذكر (ملاخى) أن الله جعل عهده في سبط (لاوي بن يعقوب). وذكر العهد القديم أن من أبناء لاوي (نحشوم) وولد له (عمرام) وولد لعمرام موسى وهارون ومريم (3) ومن هذا النسل اختار الله تعالى الهداة الذين يسوقون المسيرة الإسرائيلية إلى الصراط المستقيم.

____________

(1) المصدر السابق 4 / 1 - 6.

(2) أنظر كتاب بشارة نبي الإسلام / د. حجازي السقا.

(3) العدد 26 / 60.
الصفحة 115
ولقد كشف يهود أورشاليم برامجهم وثقافاتهم التي تدعو إلى انتظار ابن داوود الذي يعيد مملكة داوود التي تعتبر عنوانا لعهد الله لإبراهيم، وهذه البرامج والثقافات تخالف نصوص قطعية في العهد القديم حدد فيها من أي سبط يأتي المسيح المنتظر، وإذا نظر الباحث في نسل داوود كما جاء في العهد القديم، يجد أن فاتحة النسل جاءت من الزنا كما ذكر العهد القديم، فيهوذا بن يعقوب زنى بامرأة ابنه المسماة (ثامارا) وأنجب منها فارص، وفارص أنجب حصرون، وحصرون أنجب أرام، وأرام أنجب عميناداب، وعميناداب أنجب نحشون، ونحشون أنجب سلمون، وسلمون أنجب بوعز، وبوعز أنجب عوبيد، وعبيد أنجب يس، ويس أنجب داوود، ولما كانت المقدمة بها زنا كما ذكر العهد القديم، فإن هذه المقدمة لا تؤهل النسل في الدخول في جماعة الرب كما ذكر العهد القديم أيضا، وهو قوله " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر. لا يدخل منه أحد في جماعة الرب " (1).

وعندما بعث المسيح بن مريم عليهما السلام. وهو من نسل (عجرام) كما سنبين في موضعه. كانت ثقافة التفسير الشفهي للتوراة تغمر الساحة وتمد أتباعها بوقود انتظار بن داوود، وعندما لم يأت المسيح لليهود بما تشتهي أنفسهم رفضوه وتآمروا عليه، وبعد عصر المسيح عليه السلام أراد النصارى إثبات دعوة المسيح أمام اليهود، فألحقوا المسيح بنسل داوود، ليجعلوا اليهود بهذا الالحاق من الخارجين على المسيح عليه السلام، وترتب على هذا الالحاق إشكال، هو أنهم جعلوا للمسيح عليه السلام أربعة أجداد من الزنا، ومن كان كذلك فقد خرج من حزب الله كما صرح العهد القديم، والأجداد

____________

(1) تثنية 23 / 1 - 2.
الصفحة 116
الأربعة هم: مؤاب. فارص. بن عمي. سليمان، (أما مؤاب وبن عمى) فهما ابنا لوط. ذكر العهد القديم. أن لوطا زنا سكرانا بابنتيه فولدت له الكبرى مؤاب وولدت الصغرى بن عمى (1)، ومن الأول جاء الموابيون ومن الثاني جاء العمونيون، والعهد القديم يقول (لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد " (2) (وأما فارص) فولد من ثامارا بعد أن زنى بها يهوذا (3) (وأما سليمان) فولد من بت شبع امرأة أوريا حيث زنا بها داوود (4) - وحاشاه! والعهد القديم يقول " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر " (5).

فوقها لهذه النصوص يكون الذين ألحقوا المسيح عليه السلام بنسل داوود، قد أخرجوه في الحقيقة من جماعة الرب إلا الأبد، لأنه لا يدخل جماعة الرب كل ولد زنا ولا سيما المؤابيين وبني عمي وهو منهما، ومما يزيد الإشكال إشكالا أنهم على الرغم من هذا النسب اعتبروا المسيح عليه السلام ابنا لله أو إلها متجسدا في الناسوت وتلك مصيبة كبرى.

وفي إشكال نسب المسيح يقول موريس بوكاي: تطرح شجرتا النسب اللتان يحتوي عليهما إنجيلا متي ولوقا، مشاكل تتعلق بالمعقولية وبالاتفاق مع المعطيات العلمية، ومن هنا فهي مشاكل تتعلق بالصحة، وهي مشاكل تحرج جدا المعلقين المسيحيين.. وبادئ ذي بدء يجب ملاحظة أن هذين النسبين من جهة الرجال كما ذكر إنجيلا متي ولوقا،

____________

(1) تكوين 19 / 30 - 38.

(2) تثنية 23 / 2 - 3.

(3) تكوين 38 / 6 - 0 3.

(4) صموئيل 12 / 7 - 23.

(5) تثنية 23 / 1 - 2.
الصفحة 117
معدوم المعنى فيما يتعلق بالمسيح، ولو كان من الضروري إعطاء المسيح نسبا وهو وحيد مريم أمه وليس له أب بيولوجي، فيجب أن يكون ذلك النسب من جهة مريم فقط (1).

ولقد تضارب إنجيل متي مع إنجيل لوقا في نسب المسيح إلى داوود، فبينما يذكر متي أن من داوود إلى المسيح 26 جيلا، يذكر لوقا إنه 41 جيلا، وبينما يذكر متي أن يوسف النجار ابن يعقوب، يذكر لوقا إنه ابن هالي، وبينما يذكر متي أن المسيح من ولد سليمان بن داوود، يذكر لوقا إنه من ولد ناثان بن داوود، وبينما يذكر متي أن شلتائيل ابن يكنيا، يذكر لوقا إنه ابن نيري، وبينما يذكر متي أن ابن زور بابل يدعى أبيهود، يذكر لوقا إنه يدعى ريسا (2). وبالجملة: النسب في العهد القديم به ولد زنا، والنصوص القاطعة تفيد أن من جاء من هذا الطريق لا يدخل جماعة الرب، وبعد بعثة المسيح انطلق متي ولوقا في إنجيل كل منهما. من دائرة المسيح إلى دائرة نسب داوود التي ذكرها العهد القديم، لإثبات أن المسيح بن مريم عليه السلام. هو ابن داوود المذكور عند اليهود. فجاء الانطلاق من دائرة إلى دائرة محرجا أمام النصوص.

والقرآن الكريم ينسب المسيح إلى أمه نسبة الولادة، وينسبه إلى الله نسبة الخلقة، ولقد طهر الله تعالى المسيح عن العهر عبر الأصلاب والأرحام وعما ينافي الطهارة إطلاقا بكلمة واحدة، وهي قوله عند ولادته (وجعلني مباركا أينما كنت) (3) أي أينما كنت قبل الولادة في رحم أمي وجداتي حتى أمي الأولى حواء، وفي صلب أبيها والآباء حتى

____________

(1) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة / موريس بوكاي ص 105.

(2) أنظر متي الإصحاح الأول، لوقا الإصحاح الثالث.

(3) سورة مريم آية 31.
الصفحة 118
آدم الأول، فقد كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسني الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسني من مدلهمات ثيابها، فقد كنت مباركا أينما كنت وحيثما كنت، لم أر صلب زان ولا رحم زانية، أو صلب مشرك جهول ورحم مشركة.

وجميع الأنبياء والرسل خرجوا من شجرة واحدة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولقد اصطفى الله الأنبياء وآلهم على العالمين كما في قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (1) اصطفى سبحانه آدم عليه السلام لأنه أول خليفة له في الأرض، واصطفى نوح عليه السلام لأنه أول الخمسة أولي العزم من الرسل، وهو أيضا الأب الثاني للنوع الإنساني بعد الطوفان، لقوله تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) (2) واصطفى سبحانه آل إبراهيم. وهم إسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل عليهم السلام. وإسماعيل والطاهر من ذريته وسيدهم محمد (ص)، وقد جاء ذكره في دعاء إبراهيم وإسماعيل عند رفعهما قواعد بيت الله الحرام بمكة. (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) إلى قوله تعالى (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) (3) واصطفى الله آل عمران. وآل عمران من ذرية إبراهيم عليه السلام، ولكن الله أفردهم في آية الاصطفاء ليكون في هذا إشارة بأن الله تعالى قدمهم على الناس في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم.

وآية الاصطفاء في خطوطها العريضة إعلان للبشر بأن هؤلاء

____________

(1) سورة آل عمران آية 33.

(2) سورة الصافات آية 77.

(3) سورة البقرة آية 129.
الصفحة 119
الطيبين الذين خصهم الله والحق بهم من اختارهم، هم في الحقيقة خير أمة أخرجت للجنس البشري. ليقودوه على فترات إلى صراط الله العزيز الحميد، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية كان عهد الله في سبط (لاوي) وذروة هذا السبط هو عمرام، وولد لعمرام موسى وهارون ومريم كما ذكر العهد القديم، وأمر الله بني إسرائيل بالطاعة لكهانة هارون ومن بعده لكهانة بنيه، وعلى امتداد المسيرة امتحن الله تعالى بني إسرائيل بهذه الذرية وبجملة عهوده ووصاياه تعالى، وشاء الله أن تختتم المسيرة بآل عمران، فجاءت الخاتمة يحمل عمودها الفقري نفس الأسماء التي وردت في المقدمة، لعل القافلة أن تتذكر وتنصت إلى أقوال ملاخى وغيره، ولا تلتفت لأقوال الفرق العديدة التي أفرزها التفسير الشفهي للتوراة.

إن المقدمة جاء ذكرها في العهد القديم. بقوله " إن امرأة عمرام يوكابد. ولدت لعمرام هارون وموسى ومريم " (1) أما الخاتمة فقد جاء ذكرها في القرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) (2) وقال تعالى: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها) (3) فالخاتمة أمام اليهود تحمل عناوين المقدمة، واليهود كانوا يعلمون أن مريم بنت عمران في حاضرهم تنتسب إلى عمران في ماضيهم. لكنهم ركبوا مراكب الاستكبار، ومن الدليل على ذلك. أن التشريع الوارد في سفر العدد.

يحتم أن تتزوج كل بنت من أسراتها إن أرادت الزواج من يهودي، لقوله " وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل، تكون امرأة لواحد من عشرة سبط أبيها، لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب

____________

(1) العدد 26 / 60.

سورة آل عمران آية 35.

سورة التحريم آية 12.
الصفحة 120
آبائه " (1) أي إن من هو من سبط روابين مثلا. يتزوج من سبطه ولا يتزوج من سبط شمعون. وهكذا، والنبي زكريا طبقا للشريعة تزوج من امرأة من بنات هارون فقد جاء في الإنجيل " كان في أيام هيرودوس ملك اليهودية. كاهن اسمه زكريا من فرقة إبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات " (2) والعذراء مريم أم المسيح عليهما السلام. يحكي لوقا إنها كانت قريبة لأليصابات، ومعنى ذلك إنها تكون من نفس السبط الذي منه اليصابات، ولما ثبت أن اليصابات من بنات هارون. فإنه يثبت بالضرورة أن مريم عليها السلام من بنات هارون.

ومن الدليل أيضا على أن اليهود كانوا يعرفون حقيقة النسب، أنهم أفسحوا للمسيح الطريق ليلقي بمواعظه داخل الهيكل. ذكر يوحنا: أن المسيح حضر إلى الهيكل. وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم (3).

وذكر لوقا: دخل المسيح المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ (4) وما كان اليهود ليسمحوا بذلك إلا لعلمهم أن المسيح الذي تربت أمه في الهيكل بعد أن كفلها زكريا الذي ينسب لهارون. يحمل العلم الذي علموا موضعه على امتداد المسيرة والقرآن الكريم أخبر في آياته أن اليهود كانوا يعرفون هذا. وأن الحجة قامت عليهم بما علموا وبما قدمه المسيح وحمله إليهم، وقال تعالى بعد أن وضعت العذراء ولدها (فأتت به قومها تحمله. قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) (5) قال صاحب الكشاف: قوله " يا أخت هارون " إنما عنى هارون النبي، وكانت من أعقابه في طبقة

____________

(1) العدد 36 / 8.

(2) لوقا 1 / 5.

(3) يوحنا 8 / 1 - 6.

(4) لوقا 4 / 16.

(5) سورة مريم آية 27.
الصفحة 121
الأخوة، وعن أبي طلحة والسدي في قوله " يا أخت هارون " أي أخي موسى. وكانت من نسله (1).

لقد كانت شرافة النسب تقتضي القول: أنها أخت موسى لا هارون، لأفضلية موسى على هارون، ولكن جاء انتسابها لهارون دون أبيها عمران ودون موسى. لتكون الحجة عليهم دافعة وهم يتلون الكتاب ويفسرونه التفسير الذي لا يقره أبناء هارون.

والخلاصة: لقد وضع اليهود النسب الذي يتفق مع أهوائهم، ثم شيدوا على هذا النسب فتن لا تقود إلا إلى الدجال، ولقد بينت الرسالة الخاتمة أن للدجال كنى وأسماء تستقيم مع فتنته. منها: ابن داوود، أبو يوسف (2) والنصارى الذين دونوا نسب المسيح لم يلتفتوا إلى أن المسيح ليس له أب بيولوجي، وأن نسبته إلى يوسف النجار لا جدوى من ورائها، لأن النسب يجب أن يكون من جهة العذراء فقط، لكنهم عملوا خلاف ذلك، واتبعوا النسب الذي وضعه اليهود، اعتقادا منهم أن متابعة اليهود في هذا، فيه إدانة لليهود الذين لم يؤمنوا بدعوة المسيح عليه السلام، ولكن هذا النسب الذي تجاهل سبط لاوي الذي على ذروته آل عمران، قاد الذين ينتظرون المسيح ابن داوود أو المسيح ابن يوسف، إلى فتنة وصفتها الرسالة الخاتمة بأنها أعظم فتنة منذ ذرأ الله ذرية آدم.

2 - " الأعمدة المتصدعة وآل هارون ":

وقبل بعثة المسيح عليه السلام كانت المسيرة قد ارتوت من مياه الأمم الذين تعاقبوا على حكم فلسطين، وكان لهذا الارتواء أثرا بالغا في بناء الشخصية الإسرائيلية بعد عهد السبي، والدول التي تعاقبت على

____________

(1) تفسير ابن كثير 118 / 3.

(2) بيان الأئمة ص 104. الفتن والملاحم / ابن كثير ص 133 بيان الأئمة ص 104
الصفحة 122
حكم فلسطين بعد السبي هي: فارس (538 - 333 ق. م)، اليونان (333 - 343 ق. م) مصر (323 - 204 ق. م)، سور يا (204 - 167 ق. م)، المكابين (167 - 63 ق. م) وفيها كان اليهود مستقلين من الناحية العملية، روما (63 ق. م) وامتد حكم الرومان حتى (633 م) (1). وعلى امتداد هذه الفترة كان لليهود تجهيزاتهم التي أقاموها للحفاظ على تعاليمهم التي تقود إلى أهدافهم، وكان الحي اليهودي يذخر بالفرق المتعددة ومن أهم هذه الفرق: (الفريسيين) وهؤلاء أهم فرق اليهود وأكثرهم خطرا، ويتمسكون بالتفسير الشفهي (التلمود) وتقليد الشيوخ السابقين (2). ولقد حذر المسيح عليه السلام من هذه الفرقة (3). ومنهم جاء القديس بولس الذي قاد المسيرة المسيحية فيما بعد. وسنبين ذلك في موضعه، (الصدوقيين) وهؤلاء يتمسكون بالناموس المكتوب (4)، (والأسنيين) وهؤلاء يمارسون حياة رهبانية وهم يمثلون اليهودية السرية (5)، (الهيروديين) وهم حزب سياسي يريد إرجاع السلطة إلى عائلة هيرودس (6)، (الغيورين) وهؤلاء حزب قومي مستقل يؤيد استعمال العنف والقسوة (7)، وكان يوجد داخل الحي اليهودي العديد من المؤسسات أهمها: (المجمع اليهودي) وهو مبنى يجتمع فيه اليهود لقراءة الأسفار، وهو كان للتعليم (8)، (السنهدرين) وهم السلطة

____________

(1) مفاتيح الأسفار ص 55، 56.

(2) مفاتيح الأسفار ص 56.

(3) متي 24 / 10.

(4) مفاتيح الأسفار الإلهية ص 56.

(5) المصدر السابق 56.

(6) المصدر السابق 57.

(7) المصدر السابق 57.

(8) المصدر السابق ص 58.
الصفحة 123
القضائية والدستورية العليا عند اليهود (1)، (العشارين) وهم يهود يجمعون الضرائب للرومان (2)، (الكتبة) وهم طبقة من الشعب مهمتهم شرح الناموس، ولقد أكثروا من التقاليد الشفاهية. وحددوا قواعد تشمل النواحي العملية للحياة اليومية، وهم يسمون بالمحامين والمعلمين والربيين (3)، (الناموس الشفاهي) وهو مجموعة التعليقات والتفاسير التي تدور حول ناموس موسى (4) ويشرف عليه كبار الحاخامات.

فتحت حكم الأمم تشكلت الشخصية الإسرائيلية بعد السبي، وهذا التشكيل حمل معالم الشخصية الإسرائيلية قبل وأثناء السبي، وقبل بعثة المسيح عليه السلام كانت الفرق الإسرائيلية المتعددة تتصارع على رقعة الاختلاف والجميع يتجه نحو هدف واحد، وهذا الهدف نسجته الفتن المتعددة. وفي النهاية ارتدى ثياب أمير السلام. الذي يعيد مجد مملكة داوود الوعد الإلهي لإبراهيم. وهذه الثياب يشرف على صيانتها العديد من المؤسسات التي تتمركز حول التفسير الشفهي للناموس (التلمود). وفي هذه الأجواء المشحونة بالرفض لكل منهج لا يخلص اليهود من حكم الأجانب، لطف الله تعالى بعباده وبعث إليهم من يقيم عليهم الحجة ويسوقهم إلى صراط الله العزيز الحميد، لينظر سبحانه إلى عباده كيف يعملون تحت سقف الامتحان والابتلاء.

وعند خاتمة المسيرة الإسرائيلية، بعث الله تعالى النبي يحيى والنبي عيسى، وكل منهما يحمل معالم جفاف المسيرة، ليتدبر فيها أصحاب العقول والأفهام، وليعلموا أن القيادة ستنزع من أيديهم وتكون

____________

(1) المصدر السابق ص 58.

(2) المصدر السابق 58.

(3) المصدر السابق 58.

(4) المصدر السابق 58.
الصفحة 124
لشعب آخر من أبناء إبراهيم، ومعالم الجفاف أن النبي يحيى ولد لأب اشتعل رأسه شيبا ولأم عاقر، أما المسيح عليه السلام فولد لعذراء لم يمسسها بشر، لقد جاء يحيى من طريق أبوين الذرية لهما أمر غير معهود. ليكون مصدقا بعيسى عليه السلام الذي جاء من جهة كلمة الايجاد (كن)، وذلك لأن سائر الأفراد من الإنسان يجري ولادتهم على مجرى الأسباب العادية المألوفة، ولكن ولادة المسيح عليه السلام لم تجر هذا المجرى. لأنه فقد بعض الأسباب العادية. لهذا كان وجوده بمجرد كلمة التكوين (كن) ولم يتخلل هذا الوجود الأسباب العادية.

لهذا كان الباب الذي دخل منه آخر أنبياء بني إسرائيل، باب يدعو المسيرة إلى التدبر والإيمان. وليحذروا المخالفة لأنها ستنتج على آخر الطريق فتنة، ومعنى أن يغلقوا على أنفسهم باب الفتنة. أن قيادة المسيرة البشرية لن تكون من داخل الأبواب المغلقة، إنما ستنتقل إلى مكان أوسع وأرحب، والله تعالى يورث الأرض لمن يشاء من عباده.

في نهاية المسيرة جاءت دعوة زكريا عليه السلام، وكان متزوجا من اليصابات من بنات هارون (1) ويقول إنجيل لوقا فيهما إنهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه " (2). وقال " لم يكن لهما ولد. إذ كانت اليصابات عاقرا وكلاهما قد تقدم في السن كثيرا " (3). وذكر لوقا: بينما كان زكريا يؤدي خدمته الكهنوتية أمام الله سأله الولد. فظهر له ملاك وقال له: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت. وزوجتك ستلد لك ابنا تسميه يوحنا. وسوف يكون عظيما أمام الرب، والقرآن الكريم ذكر هذه المعجزة في قوله تعالى: (قال رب إني

____________

(1) لوقا 1 / 5.

(2) المصدر السابق 1 / 6.

(3) المصدر السابق 1 / 8 - 16.
الصفحة 125
وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا. فهب لي من لدنك وليا يرثني وبرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) (1).

وجاء يحيى وريث زكريا وآل يعقوب، ليكون حجة على مسيرة خرج معظمها عن سبيل آل يعقوب، وبدأ يحيى دعوته، جاء في إنجيل متي " في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان (يحيى) يكرز في برية اليهودية قائلا: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات. فإن هذا هو الذي قيل عنه بأشعيا النبي القائل: صوت صارخ في البرية. أعدوا طريق الرب.

اصنعوا سبله مستقيمة " (2)، ويقول متي هنري في تفسيره: كانت مهمة يوحنا دعوة الناس للتوبة عن خطاياهم، فقوله " توبوا " هي في الأصل اليوناني " تأملوا أو فكروا مليا " أي: ليكن لكم فكرا آخر لتصلحوا أخطاء الماضي، تأملوا طرقكم. جددوا أذهانكم، لقد أخطأتم التفكير فأعيدوا التفكير وأحسنوا التفكير (3).

ولكن القوم لم يتأملوا ولم يفكروا وعكفوا على أطروحة أرض الميعاد التي كتبها الله لإبراهيم دون قيد وشرط. ورفعت فرقة (الفريسيين) أعلام الصد عن سبيل الله. يقول إنجيل متي " ولما رأى يوحنا كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون اليه ليتعمدوا قال لهم: يا أولاد الأفاعي. من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي. فأثمروا ثمرا يليق بالتوبة ولا تغللوا أنفسكم قائلين: لنا إبراهيم أبا. فإني أقول لكم:

إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم، وها إن الفأس قد

____________

(1) سورة مريم آية 4 - 7.

(2) إنجيل متي 3 / 1 - 4.

(3) متي هنري 58 / 1.
الصفحة 126
ألقيت على أصل الشجرة. فكل شجرة لا تثمر ثمرا جيدا تقطع وتطرح في النار " (1)، ويقول متي هنري في تفسيره: نرى يوحنا يوجه حديثه إلى هؤلاء القوم بمنتهى الصراحة والأمانة، وما قاله يوجهه في نفس الوقت إلى كل الجموع.. فاللقب الذي ناداهم به هو " يا أولاد الأفاعي ". ولقد أعطاهم المسيح نفس هذا اللقب، لقد كانوا كالأفاعي إذ كانت لهم صورة التقوى والمظهر الخلاب. إلا أنهم مملوئين سما مشحونين خبثا وعداوة لكل ما هو حسن، وكانوا أولاد الأفاعي نسل وذرية الأفاعي، فكان السم يسري في دمهم وعظامهم. وكانوا يفتخرون بأنهم ولدوا من إبراهيم، ولكن يوحنا بين لهم أنهم من نسل الحية وإن إبليس هو أبوهم (2). وقال لهم يوحنا (يحيى): " إن كنتم أولاد إبراهيم. فلا تفتكروا إنكم لا تحتاجون إلى التوبة وإنه لا شئ هنالك تتوبون عنه وإن علاقتكم بإبراهيم لص اهتمامكم بالعهد الذي قطع معه يجعلانكم مقدسين.

ولا يوجد هنالك داع لتجديد أذهانكم وإصلاح طرقكم، ولا تفتكروا بأنكم ستنجحون حتى وإن كنتم لا تتوبون... أو وأن الله سيتغاضى عن عدم توبتكم لأنكم أولاد إبراهيم " (3) ويقول متي هنري " يقولون لنا إبراهيم أبا. ولذلك لنا الحق في امتيازات العهد الذي قطعه الله معهم..

يا لغباوتهم في هذا الادعاء الذي لا أساس له، لقد توهموا بأنهم وقد صاروا أولاد إبراهيم. فإنهم هم شعب الله الوحيد في هذا العالم، ولقد بين لهم يوحنا جهلهم الفاضح في هذا الادعاء الباطل والغرور الكاذب.

فقال " مهما افتكرتم أن تقولوا في أنفسكم. أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاد إبراهيم، إن امتحانكم دقيق جدا وقريب جدا، الآن قد وضعت الفأس وقد رفعت أمام أنظاركم ووضعت على أصل الشجرة،

____________

(1) إنجيل متي 7 / 3 - 11.

(2) متي هنري في تفسيره 66 / 1.

(3) المصدر السابق ص 69 / 1.
الصفحة 127
الآن ستوضعون في كفة الميزان لحظة واحدة، الآن قد تحددت نهايتكم للهلاك الذي لا يمكن أن تفلتوا منه إلا بالتوبة العاجلة الصادقة، الآن قد منحكم الله آخر فرصة للاختبار، إما أن تنتهزوا الفرصة الآن. أو تضيع من أيديكم إلى الأبد، وبين كيف أن القصاص منهم سيكون صارما إن لم ينتهزوا الفرصة، الحقيقة يوضحها يوحنا بوضع الفأس على أصل الشجرة، ليبين لهم أن الله قضى أن كل شجرة مهما ارتفعت بمواهبها وأمجادها. ومهما بدت خضراء بمظهرها الخارجي، أن لم تصنع أثمارا صالحة تليق بالتوبة فإنها تقطع، لا يعترف بها كشجرة في كرم الله، تصبح غير جديرة بأن تحتل مكانا هناك وتلقى في النار، وهي أليق مكانا للأشجار الجافة لأنها لا تصلح لشئ آخر، إن لم تصلح للأثمار تصلح للنار (1).

ويقول متي هنري: لقد كانوا عصابة الأفاعي كلهم متساوون في الشر، ورغم أنهم كانوا أعداء بعضهم لبعض. إلا إنهم كانوا متحالفين في الشر، إن نسل الشرير هو نسل الأفاعي، ولقد كان الانذار الذي وجهه لهم يوحنا " من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي " يتضمن أنهم كانوا في خطر الوقوع تحت طائلة الغضب الآتي. وأنه لا أمل لهم في النجاة منه، لأن قلوبهم قد قست، الفريسيين بسبب تمسكهم بمظهر الديانة. والصدوقيون بسبب كثرة مناقشتهم عن الديانة، حتى كان يصبح كل مجهود لمحاولة التأثير عليهم مقضيا عليه بالفشل، لقد كان هناك غضبا آتيا. ومن واجب كل واحد أن يهرب من هذا الغضب. ومن رحمة الله أنه يحذر للهروب من هذا الغضب.

لقد كان يحيى (يوحنا) يتحدث بالحق الذي تحدث به آل يعقوب، وكان عليه السلام يقف على أرضية آل عمران (آل هارون)،

____________

(1) تفسير متي هنري 68، 69، 70 / 1.

الصفحة 128
قال متي هنري: وكان يوحنا كاهنا على طقوس هارون (1) وبينما كان يدعو الشعب للتوبة والإيمان بالله وسلوك سبيل آل هارون، كان يعلن أمامهم أنه يمهد الطريق للمسيح عيسى ابن مريم. ويقول " لست المسيح. بل أنا رسول يمهد له الطريق " (2). وكان الشعب قد علم من قديم. على لسان الأنبياء والرسل ببشارة تقول " ها العذراء تحبل وتلد ابنا " (3).

وعندما ولدت العذراء وشب ولدها عليه السلام، يقول إنجيل متي " جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليتعمد منه " (4) ولأن حبل النبوة حبل واحد. وحلقات الأنبياء يكمل بعضها بعضا، قال يوحنا للمسيح: " هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر " (5). وكان المسيح عليه السلام آخر أنبياء الشجرة الإسرائيلية التي جعلها الله حجة على المسيرة الإسرائيلية، وانتهت حياة نبي الله زكريا ونبي الله يحيى نهاية دموية، روى أن القوم عندما عقدوا العزم على قتل زكريا. هرب منهم فانفرجت له شجرة فدخل جوفها ثم التأمت عليه، وعندما علم القوم نشروا الشجرة فقطعوها وقطعوه نصفين، أما يحيى عليه السلام. فسجنوه. ثم قتلوه. ثم قطعوا رأسه. وحملت إلى ملك بني إسرائيل ليقدمها هدية لامرأة كان قد افتتن بها (6)

____________

(1) متي هنري 57 / 1.

(2) إنجيل يوحنا 3 / 28.

(3) أشعيا 7 / 14.

(4) متي 3 / 13.

(5) متي 3 / 16.

(6) متي هنري 466 / 1.
الصفحة 129

ثانيا [ دعوة المسح عليه السلام ]

1 - [ أصول الدعوة ]

تجري دعوة المسيح عليه السلام في اتجاهين يصبان في هدف واحد، الاتجاه الأول: دعوة بني إسرائيل وتصحيح عقائدهم واتجاهاتهم وسوقهم إلى صراط الله العزيز الحميد، وهذا الاتجاه ينطلق من التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، والاتجاه الثاني: هو التبشير بنبي الإسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، وهذا الاتجاه ينطلق من بشارات الأنبياء السابقين، ويبشر به المسيح عليه السلام وفقا لسنة الإخبار بالغيب عن الله، وهي سنة جارية. فكل نبي يخبر بالذي يليه، ويمكن القول بأن دعوة المسيح عليه السلام دعوة تربط بين الدعوة الإلهية التي حملها بنو إسرائيل. وبين الدعوة الإلهية التي يبعث بها النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، والدعوة الإلهية منذ ذرأ الله ذرية آدم هي دعوة واحدة. ولا تدعو النبوة إلا إلى دين واحد وهو التوحيد، وعلى هذا فإذا كذب الناس أحد الأنبياء فقد كذبوا كل الأنبياء في الحقيقة.

وأصول دعوة المسيح عليه السلام في قوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي
الصفحة 130
من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) (1).

فالذي حكاه تعالى عن عيسى عليه السلام ملخص دعوته، وقد أعلن أصل دعوته بقوله " أني رسول الله إليكم " فأشار إلى أنه لا شأن له إنه حامل رسالة من الله إليهم، ثم بين متن ما أرسل إليهم لأجل تبليغه في رسالته بقوله " مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول " الخ.

فقوله " مصدقا لما بين يدي من التوراة " بيان أن دعوته لا تغاير دين التوراة. ولا تناقض شريعتها بل تصدقها ولم تنسخ من أحكامها إلا يسيرا، والنسخ بيان انتهاء أمد الحكم وليس بإبطال. ولذا جمع عليه السلام بين تصديق التوراة ونسخ بعض أحكامها فيما حكاه الله تعالى من قوله (مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (2)، ولم يبين لهم إلا بعض ما يختلفون فيه، كما في قوله (قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون) (3).

وبالجملة: فالمسيح يحمل رسالة من الله إلى بني إسرائيل، وهذه الرسالة لا تناقض التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، بل هو مصدقا لما علمه الله من التوراة النازلة على موسى، وأنه عليه السلام جاء لنسخ بعض الأحكام المحرمة المكتوبة عليهم، كما في قوله تعالى: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (4). وما حرم عليهم أشار إليه قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) (5).

____________

(1) سورة الصف آية 6.

(2) سورة آل عمران آية 50.

(3) سورة الزخرف آية 63.

(4) سورة آل عمران آية 50.

(5) سورة النساء آية 160.
الصفحة 131
والأناجيل الحاضرة أشارت إلى أن دعوة المسيح موجهة إلى بني إسرائيل دون غيرهم. جاء في إنجيل متي قول المسيح " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (1) وأشارت إلى أن الدعوة لا تغاير دين التوراة ولا تناقض شريعتها بل تصدقها. وإنها تنسخ بعض الأحكام التي انتهى أمد حكمها. جاء في إنجيل متي قول المسيح " لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء. ما جنت لألغي بل لأكمل " (2) ويقول متي هنري في تفسيره: إن المسيح في كل النواحي خضع للناموس وأكمله.

أكرم والديه وقدس السبت وصلى وأعطى صدقه. وأطاع طاعة كاملة (3).

وكان المسيح عليه السلام يحمل المعجزات التي تؤيد صدق دعوته. ومنها النفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله. وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. وينبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وكان عليه السلام يحمل معجزة العلم بالكتاب والحكمة. وهو قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) (4) وما جاء به المسيح عليه السلام. أصاب علماء بني إسرائيل بالدهشة. وعلى الرغم من هذا حاولوا قتله. جاء في إنجيل يوحنا " صعد يسوع إلى الهيكل وبدأ يعلم الناس. فدهش اليهود وتساءلوا: كيف يعرف هذا الكتاب وهو لم يتعلم. فأجابهم يسوع: ليس تعليمي من عندي بل من عند الذي أرسلني. ومن أراد أن يعمل بمشيئة الله يعرف ما إذا كان تعليمي من عند الله أو أنني أتكلم من عندي. من يتكلم من عنده يطلب المجد لنفسه.

أما الذي يطلب المجد لمن أرسله فهو صادق لا إثم فيه. أما أعطاكم

____________

(1) متي إصحاح 15 / 25.

(2) المصدر السابق 5 / 17.

(3) تفسير متي هنري ص 142 / 1.

(4) سورة آل عمران آية 48.
الصفحة 132
موسى الشريعة ولكن ما أحد منكم يعمل بالشريعة. لماذا تسعون إلى قتلي؟ " (1). وجاء في إنجيل متي " بهت الجميع من تعاليمه لأنه يعلمهم كمن له سلطان " (2).

كان هذا هو الشطر الأول من دعوته عليه السلام، أما الشطر الثاني فهو قوله " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " ومن المعلوم أن البشرى هي الخبر الذي يسر المبشر ويفرحه. ولا يكون إلا بشئ من الخير يوافيه ويعود إليه، والخير المترقب من بعثة النبي أحمد ودعوته. هو انفتاح باب من الرحمة الإلهية على الناس فيه سعادة دنياهم وعقباهم، من عقيدة حقة أو عمل صالح أو كليهما.

وقال صاحب الميزان: ويعود معنى كلامه " إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا.. " الآية. إلى: أني رسول الله إليكم أدعو إلى شريعة التوراة ومنهاجها - ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم - وهي شريعة سيكملها الله ببعث نبي يأتي من بعدي اسمه أحمد، وهو كذلك. فإمعان التأمل في المعارف الإلهية التي يدعو إليها الإسلام، يعطي أنها أدق مما في غيره من الشرائع السماوية السابقة، وخاصة ما يندب إليه من التوحيد. الذي هو أصل الأصول الذي يبتني عليه كل حكم ويعود إليه كل من المعارف الحقيقية، وكذا الشرائع والقوانين العملية التي لم تدع شيئا مما دق وجل من أعمال الإنسان الفردية والاجتماعية. إلا عدلته وحدت حدوده وقررته على أساس التوحيد ووجهته إلى غرض السعادة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات

____________

(1) يوحنا 7 / 14 - 20.

(2) متي 7 / 29.
الصفحة 133
ويحرم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (1).

وقوله " اسمه أحمد " دلالة السياق على تعبير عيسى عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم بأحمد، وعلى كونه اسما له يعرف به عند الناس، كما كان يسمى بمحمد ظاهرة لا سترة عليها، ويدل عليه قوله حسان:

صلى الإله ومن يحفف بعرشه * * والطيبون على المبارك أحمد

ومن أشعار أبي طالب قوله:

وقولوا لأحمد أنت أمرء * * خلوف اللسان ضعيف السبب
ألا إن أحمد قد جاءهم * * بحق ولم يأتهم بالكذب

وقوله مخاطبا للعباس وحمزة وجعفر وعلي بنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

كونوا فدى لكم أمي وما ولدت * * في نصر أحمد دون الناس أتراسا

ومن شعره فيه صلى الله عليه وآله وسلم وقد سماه باسمه الآخر محمد:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * * نبيا كموسى خط في أول الكتب

ويستفاد من البيت أنهم عثروا على وجود البشارة به صلى الله عليه وآله وسلم. في الكتب السماوية التي كانت عند أهل الكتاب يومئذ ذاك، ويؤيده أيضا إيمان جماعة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وفيهم قوم من علمائهم كعبد الله بن سلام وغيره، وقد كانوا يسمعون هذه الآيات القرآنية التي تذكر البشارة به صلى الله عليه وآله وسلم،

____________

(1) سورة الأعراف آية 157.
الصفحة 134
وذكره في التوراة والإنجيل. فتلقوه بالقبول ولم يكذبوه. ولا أظهروا فيه شيئا من الشك والترديد (1) وخلو الأناجيل الدائرة اليوم من بشارات عيسى عليه السلام بما فيها من الصراحة. فالقرآن الكريم في غنى عن تصديقها. لأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وهو المعجزة الباقية، والبشارات بنبي الإسلام (ص) لا يخلو الكتاب المقدس منها، وبعض هذه البشارات حرفت وغيرت إما بتغيير لفظ أو محل. وإما بزيادة أو نقصان. أو غير ذلك.

ولقد ذكر العهد القديم بشارات إذا تدبرها الباحث وجد أنها لا تستقيم إلا مع البعثة الخاتمة، وسنلقي ضوءا على هذه البشارات في موضعها، أما العهد الجديد فلقد بشر بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع، وبشر بشريعته تحت عنوان " اقترب ملكوت السماوات "، وكان المسيح عليه السلام يقول لتلاميذه " أكرزوا قائلين: إنه اقترب ملكوت السماوات " (2)، ومعنى الملكوت الذي أشار إليه المسيح:

السلطنة والحكم، ويشير إليه قول الله تعالى لرسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم (قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله. قل فأنى تسحرون. بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون. ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) (3)، وقال المفسرون: الملكوت هو الملك. بمعنى: السلطنة والحكم، وقد فسر تعالى ملكوته بقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فسبحانه الذي بيده ملكوت كل شئ) (4)، فكون ملكوت كل شئ بيده

____________

(1) الميزان 253 / 19.

(2) متي 10 / 7.

(3) سورة المؤمنون آية 88 - 91.

(4) سورة يس آية 83.
الصفحة 135
أن ملكه تعالى محيط بكل شئ ونفوذ أمره ومضي حكمه ثابت على كل شئ، والنظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية، قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعد. يؤمنون) (1).

فالمسيح عليه السلام بشر بالنبي الخاتم الذي تحقق شريعته الاستكمال الإنساني، ويقوم دينه على التوحيد الذي لا يرى غير الله من يملك أي شئ، وينطلق في دعوته من ينبوع دين الله في فطرة الإنسان نفسه. إلى صفحة الكون الواسع العريض التي تعليه على الوجود. إن الإيمان بالله أمر فطري ولا يحتاج إلى معجزة لتثبته، فدعوته من الفطرة وإلى الفطرة، ويؤكد هذا المعنى أن المسيح عليه السلام أشار إلى الفطرة وهو يتحدث عن ملكوت الله، جاء في إنجيل متي " في تلك الساعة تقدم التلاميذ إلى يسوع يسألونه: من هو الأعظم إذن في ملكوت السماوات؟ فدعا إليه بولد صغير وأوقفه وسطهم وقال: الحق أقول لكم إن كنتم لا تتحولون وتصيرون مثل الأولاد الصغار. فلن تدخلوا ملكوت السماوات أبدا " (2) ويقول متي هنري في تفسيره: قوله " إن لم ترجعوا " وحسب الترجمة الإنجليزية " يجب أن تتجددوا " أو " تتغيروا، أي: يجب تجديد ذهنكم. يجب أن يكون لكم شكل آخر وطبع آخر وأفكار أخرى، سواء عن أنفسكم أو عن ملكوت السماوات، يجب أن ترجعوا إلى أنفسكم، يجب أن تصيروا مثل الأولاد (3).

لقد دعا المسيح عليه السلام إلى طرح الاعتقادات الباطلة التي

____________

(1) سورة الأعراف آية 185.

(2) متي 18 / 1 - 3.

(3) متي هنري 106 / 2.
الصفحة 136
أنتجتها المسيرة وعليها شبت الأجيال، وعلى ثقافتها سارعوا في الأرض فسادا طمعا في نشر شباك التهويد والتوثين على الفطرة، وبين أن هناك الشباك ستكون عائقا أمام صاحبها عندما يبعث نبي شريعة الملكوت، ولأجل هذا فلا بد من طرح الشباك لكي تستقبل الفطرة زادها، وشباك الاعتقادات الباطلة هذه، أشار إليها النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. بقوله " ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " (1).

والمسيح عليه السلام كان يمهد الطريق أمام نبي الدعوة الخاتمة.

وأقام الحجة على أصحاب شباك التعتيم في المسيرة الإسرائيلية. لكي يستقبلوا وتستقبل أجيالهم الدعوة التي ما زالت في بطن الغيب. على أرضية ذات شكل آخر وطبع آخر وأفكار أخرى، ولكي يزيل المسيح عليه السلام شباك التعتيم، كان يكلم الشعب بطريقة ضرب الأمثال لهم لعلهم يفقهون، جاء في إنجيل متي " فتقدم إليه التلاميذ وسألوه: لماذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجاب: لأنه قد أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أما أولئك فلم يعط لهم ذلك، فإن من عنده يعطي المزيد فيفيض. وأما من ليس عنده ينتزع منه، لهذا السبب أكلمهم بأمثال، فهم ينظرون دون أن يبصروا ويسمعوا دون أن يسمعوا أو يفهموا، ففيهم قد تمت نبوءة أشعيا حيث يقول: سمعا تسمعون ولا تفهمون، ونظرا تنظرون ولا تبصرون، لأن قلب هذا الشعب قد صار غليظا. وصارت آذانهم ثقيلة السمع. وأغمضوا عيونهم. لئلا يبصروا بعيونهم. ويسمعوا بآذانهم. ويفهموا بقلوبهم. ويرجعوا إلي فأشفيهم " (2) يقول متي هنري:

أجابهم المسيح أنه علم بالأمثال، لأن بها تصبح الأمور أكثر وضوحا

____________

(1) رواه الإمام مسلم ك القدر بكل مولود يولد على الفطرة (الصحيح 52 / 8).

(2) متي 13 / 10 - 15.
الصفحة 137
وسهولة، للذين يريدون أن يتعلموا. وفي نفس الوقت تصبح أكثر صعوبة وغموضا للجهلاء بإرادتهم، إن للتلاميذ معرفة وأما الشعب فليس لهم معرفة، لأن قلب هذا الشعب قد ثقل، ولا غرابة لمن كان قلبه هكذا إذا صارت الآذان ثقيلة السمع، ولأنهم مصرين على أن لا يروا النور آتيا إلى العالم حينما أشرق شمس البر، بل أغلقوا نوافذهم.

لأنهم أحبوا الظلمة أكثر من النور. إن النظر والسمع والفهم لازمه للرجوع والتجديد (1).

وفي أوامر المسيح للتلاميذ " أكرزوا قائلين إنه اقترب ملكوت السماوات " (2) يقول متي هنري: هذا هو رأس الموضوع، ويجب أن يتوسعوا في شرحه، ليعرف الناس أن ملكوت المسيا (3) يجب أن يؤسس الآن حسبما جاء في الكتب، الأمر الذي يتطلب أنهم يجب أن يتوبوا عن خطاياهم. ويتركوها لكي يؤهلوا لامتيازات هذا الملكوت، والتوبة تتفق مع تطبيق هذا التعليم الخاص باقتراب الملكوت، لذلك يجب أن ينتظروا وأن يسمعوا عن هذا المسيا الذي طال انتظاره. أكثر مما سمعوا. يجب أن يكونوا مستعدين لقبول تعاليمه والإيمان به والخضوع له، لقد كانت المناداة بهذا كنور الصباح الذي يبشر بقرب شروق الشمس (4).

كانت هذه إشارات إلى رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، يتبينها كل باحث عن الحقيقة. عند تدبره لأحداث المسيرة الإسرائيلية وما أنتجته من فتن واختلافات، وعند تدبره لمنهج البعثة

____________

(1) متي هنري 433 / 1 وما بعدها.

(2) متي 10 / 7.

(3) المسيا / إشارة إلى نبي الإسلام. راجع كتاب: المسيا المنتظر نبي الإسلام / د. أحمد حجازي السقا.

(4) متي هنري 323 / 1.
الصفحة 138
الخاتمة. وما قدمه للبشرية من زاد ودواء يشفى من كل داء. وسنقدم المزيد من هذه البشارات في موضعها.

والخلاصة: كان الشطر الأول من دعوة المسيح عليه السلام، يتعلق الحجة التي تهدي إلى صراط الله، وكان الشطر الثاني من الدعوة هو تجهيز الماضي وحاضر الدعوة، لاستقبال دعوة جديدة في أرض جديدة، وعلى هذا فدعوة المسيح دعوة رابطة، تهدي مسيرة إلى مسيرة، لينطلق الجنس البشري تحت سقف الامتحان والابتلاء. لينظر الله كيف يعملون.

2 - [ الدعوة والمفاصلة ]

بدأ المسيح عليه السلام في بث دعوته داخل بني إسرائيل. واختار عليه السلام اثني عشر رجلا ليلازموه ويرسلهم ليبشروا بملكوت السماوات، ولم تكن مهمة المسيح مهمة سهلة داخل الحي اليهودي.

لأن هذا الحي عج بالعديد من الفرق والمؤسسات التي تتجه نحو هدف واحد. حددته الأطروحات والثقافات التي تقول بشعب الله المختار.

وتنتظر المسيح بن داود ليعيد الميراث الذي أعطاه الله لإبراهيم، ولم تكن مهمة المسيح أن يأتي لهؤلاء بما تهوى أنفسهم، وإنما كانت مهمته أن يدعوهم إلى عبادة الله عبادة خالصة، وأن يعيدهم إلى الطريق الذي يخلو من جميع بصمات الأمم، ذكر إنجيل مرقص أن المسيح سئل " أية وصية هي أول الكل؟ وأجاب يسوع: إن أول كل الوصايا هي: إسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى " (1) وهذه الوصية أشار إليها القرآن الكريم. في قوله تعالى: (ووصى بها

____________

(1) مرقص 12 / 28 - 34.
الصفحة 139
إبراهيم بنيه ويعقوب. يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) (1). وفي الآية إشارة إلى أن الدين هو الإسلام كما قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) (2).

لم تكن المهمة سهلة في الحي اليهودي الذي أغلق الأبواب حتى لا تدخل الاستقامة. كما قال أشعيا: " قد ارتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا. لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تستطيع الدخول وصار الصدق معدوما " (3) وعلى الرغم من هذا العسر وهذا الصد عن السبيل، حددت الدعوة للمسيح دائرة عمله، وهي قوله: " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (4). ولهذا قال لتلاميذه " إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (5).

ولأن الحي اليهودي يزخر بالثقافات التي أنتجتها العقائد الوثنية، ويزخر بالانحرافات التي أنتجها التحريف والتأويل لنصوص الكتاب، كان لا بد من المفاصلة بين الحق وبين الباطل داخل الحي اليهودي، ليعرف الشعب أين تكون القدوة الصالحة وتقام عليه الحجة، فالساحة شربت من قديم ثقافة يشير إليها قول أشعيا " صارت القرية الآمنة زانية.. كان العدل يبيت فيها وأما الآن فالقاتلون " وقوله " رؤسائك متمردون ولغفاء اللصوص. كل واحد منهم يحب الرشوة

____________

(ا) سورة البقرة آية 133.

(2) سورة آل عمران آية 19.

(3) أشعيا 59 / 11.

(4) متي 15 / 25.

(5) متي 10 / 6.
الصفحة 140
ويتبع العطايا " (1) وعندما بعث المسيح تم الفصل بين ثقافة والتمرد والرشوة وقدوتها. وبين العقيدة التي تتميز بالزهد ويسهر عليها قدوة صالحة، ذكر الإنجيل أن المسيح قال لتلاميذه " مجانا أخذتم مجانا أعطوا. لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم. ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا " (2).

ونظرا لتعدد الفرق والمؤسسات داخل الحي اليهودي، ونظرا لوجود تعاليم تلبست بالدين وأصبحت خطرا على الفطرة. وتهدد المسيرة البشرية بالفتن المهلكة، فإن حركة المسيح لتصحيح المسار.

تميزت من بدايتها بالمفاصلة بين الحق وبين الباطل حتى داخل البيت الواحد، ليهلك من هلك عن بينة، ذكر متي أن المسيح قال " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها. والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أبا وأما أكثر مني فلا يستحقني. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني " (3)، ولأن الدعوة الإلهية دعوة واحدة. ولأن المفاصلة بين الحق وبين الباطل من الأمور الفطرية. فلقد روى أن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " (4).

ولما كانت المفاصلة تقتضي أن يكون القول موافق للعمل، أمر المسيح تلاميذه بأن لا يقتفوا أثر الكتبة الفريسيين وغيرهم من علماء

____________

(1) أنظر أشعيا 1 / 2 - 23.

(2) متي 1 / 9 - 11.

(3) متي 10 / 34 - 38.

(4) رواه مسلم ك الإيمان (الصحيح 49 / 1).
الصفحة 141
الشعب، وقال " لا تعملوا مثل ما يعملون. لأنهم يقولون ولا يفعلون.

بل يحزمون أحمالا ثقيلة لا تطاق ويضعونها على أكتاف الناس، ولكنهم هم لا يريدون أن يحركوها بطرف الإصبع، وكل ما يعملونه فإنما يعملونه لكي يلفتوا نظر الناس اليهم، فهم يعرضون عصائبهم ويطيلون أطراف أثوابهم. ويحبون أماكن الصدارة في الولائم وصدور المجالس في المجامع، وأن تلقى عليهم التحيات في الساحات. وأن يدعوهم الناس: يا معلم يا معلم، أما أنتم فلا تقبلوا أن يدعوكم أحد: يا معلم لأن معلمكم واحد وأنتم جميعا أخوة " (1) فالطريق الأول إتبع الأهواء وفصل بها بين القول والعمل، وأنتج برامج وثقافات لا تتفق بصورة مع كرسي موسى وهارون عليهما السلام، فجاء الطريق الثاني بالمفاصلة التي عليها يسير كل طريق نحو هدفه.

3 - [ الدعوة وبرامج التحريف ]

بدأ المسيح عليه السلام في بث دعوته داخل الحي اليهودي، وعندما أظهر المعجزات التي أيد الله تعالى بها دعوته كانوا يقولون:

" فمن أين له هذه كلها " (2) وآمن بيسوع كثيرون من اليهود عندما شاهدوا المعجزات (3) ولكن فرقة الفريسيين أصحاب التفسير الشفهي. الذي يهدف إلى انتظار المسيح ابن داوود ليعيد مملكة داوود، وقفوا من الدعوة ومعجزاتها في موقف الصد عن سبيل الله، يذكر متي أن الفريسيين قالوا: إن المسيح لا يطرد الشياطين إلا ببلعز بول رئيس الشياطين (4) وأمام حركات الصد عن سبيل الله. يذكر متي: أن المسيح

____________

(1) متي 23 / 4 - 9.

(2) المصدر السابق 13 / 57.

(3) يوحنا 11 / 45.

(4) متي 12 / 24.
الصفحة 142
بدأ يوبخ المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته. لكون أهلها لم يتوبوا (1) وبدأ اليهود يتحدثون بالعقائد التي دونوها على امتداد مسيرتهم وأظهروا تقاليد شيوخهم. فقال لهم المسيح: " أنتم بهذا تلغون ما أوصى به الله محافظة على تقاليدكم. أيها المراؤون. أحسن أشعيا إذ تنبأ عنكم فقال: هذا شعب يكرمني بشفتيه أما قلبه فبعيد عني جدا، إنما باطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم ليست إلا وصايا الناس " (2) وبدأ علماء الشريعة يدلون بدلوهم للصد عن دعوة المسيح عليه السلام، فقال لهم:

" الويل أيضا لكم يا علماء الشريعة. فإنكم تحملون الناس أحمالا مرهقة وأنتم لا تمسونها بإصبع من أصابعكم، الويل لكم. فإنكم تبنون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم. فأنتم إذن تشهدون موافقين على أعمال آبائكم، فهم قتلوا الأنبياء. وأنتم تبنون قبورهم، لهذا السبب أيضا قالت حكمة الله. سأرسل إليهم أنبياء ورسلا فيقتلون منهم ويضطهدون، حتى أن دماء جميع الأنبياء المكفولة منذ تأسيس العالم. يطالب بها هذا الجيل.

من دم هابيل إلى دم زكريا الذي قتل بين المذبح والمحراب، أقول لكم. نعم إن تلك الدماء يطالب بها هذا الجيل، الويل لكم يا علماء الشريعة، فإنكم خطفتم مفتاح المعرفة، فلا أنتم دخلتم ولا تركتم الداخلين يدخلون " (3) وإذا كان المسيح قد الحق الجيل الذي لم يشاهد الأحداث. بالجيل الذي شارك في الأحداث وسفك فيها دماء الأنبياء.

فإن النبي الخاتم قي قال " إذا عملت الخطيئة في الأرض. كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها " (4). وقال " لا تقتل نفسا ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل

____________

(1) المصدر السابق 11 / 20.

(2) متي 14 / 6 - 9.

(3) لوقا 11 / 46 - 52.

(4) رواه أبو داوود حديث رقم 4345.
الصفحة 143
من دمها لأنه أول من سن القتل " (1) وقال تعالى في كتابه الكريم: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (2).

كما بدأوا في طرح ثقافة أنهم الأحق بميراث إبراهيم. لأنهم أولاد إبراهيم، وكان يوحنا المعمدان قد رد قولهم من قبل وقال " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فأثمروا ثمرا يليق بالتوبة ولا تغللوا أنفسكم قائلين: لنا إبراهيم أبا. فإني أقول لكم: إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم " (3). ومن قبل يوحنا رد حزقيال عليهم قولهم وقال " قال الرب: إن الساكنين في هذه الخرب في أرض إسرائيل يتكلمون قائلين: إن إبراهيم كان واحدا وقد ورث الأرض. ونحن كثيرون لنا أعطيت الأرض ميراثا، لذلك قل لهم: هكذا قال السيد الرب. تأكلون بالدم وترفعون أعينكم إلى أصنامكم وتسفكون الدم. أفترثون الأرض؟ " (4) وفي عهد المسيح بدؤا بالصد عن سبيل الله بهذه الثقافة، يذكر يوحنا أن المسيح قال لمن آمن به من اليهود " إن ثبتم في كلمتي كنتم حقا تلاميذي. وتعرفون الحق والحق يحرركم، فرد اليهود: نحن أحفاد إبراهيم ولم نكن عبيدا لأحد. كيف تقول لنا إنكم ستصيرون أحرارا " (5) فالقوم ليسوا في حاجة إلى الثبات على الإيمان الذي يعرفهم الحق ويحررهم من صدأ المادة وبريق الأهواء، واكتفوا بالوقوف في أروقة آبائهم الذين تاجروا بثياب إبراهيم، وذكر يوحنا أن

____________

(1) رواه مسلم ك القسامة ب إثم من سن القتل (الصحيح 107 / 5).

(2) سورة المائدة آية 32.

متي 3 / 7 - 11.

حزقيال 33 / 23 - 25.

يوحنا 8 / 30 - 34.
الصفحة 144
المسيح قال لهم " (أنا أعرف إنكم أحفاد إبراهيم. ولكنكم تسعون إلى قتلي. لأن كلمتي لا تجد لها مكانا في قلوبكم " وقال " لو كنتم أولاد إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم " وقال لهم " لماذا لا تفهمون كلامي؟

لأنكم لا تطيقون سماع كلمتي. أنتم أولاد أبيكم إبليس وشهوات أبيكم ترغبون في أن تعملوا، فهو من البدء كان قاتلا للناس، ولم يثبت في الحق لأنه خال من الحق. لأنه كذاب وأبو الكذاب " (1).

وواجه المسيح فرقة الكتبة وفرقة الفريسيين الذين يسهرون على ثقافة شعب الله المختار الذي يرث إبراهيم من دون خلق الله، وفيهم يقول متي هنري في تفسيره: كان الكتبة والفريسيين قساة.. لم يصروا على دقائق الناموس ولم يكتفوا بالتشديد في مراعاتها، بل أضافوا إليه بعض الإضافات وفرضوا اختراعاتهم وتقاليدهم تحت أشد العقوبات، وتظاهروا كثيرا بالعظمة والرآسة وافتخروا بذلك أيما افتخار، وكانوا يحتلون المراكز الرئيسية التي تقدم إليهم على أساس أنهم أعظم الناس وأفضلهم، وأحبوا أن يحييهم الناس عند التقائهم بهم في الشوارع، ولقد سرهم جدا أن يشار إليهم بالبنان ويقال: قفوا بعيدا هذا فريسي قادم. وأن يحيوا بهذا اللقب الرفيع " سيدي. سيدي " (2) وجاء في إنجيل متي أن المسيح قال للكتبة والفريسيين " الويل لكم أيها الكتبة والفريسيين المراؤون، فإنكم تنظفون الكاس والصفحة من الخارج، ولكنهما من الداخل ممتلئتان. مما كسبتم بالنهب والطمع " " الويل لكم.. فإنكم كالقبور المطلية بالكلس تبدو جميلة من الخارج. ولكنها من الداخل ممتلئة بعظام الموتى وكل نجاسة، كذلك أنتم أيضا تبدون للناس أبرار ولكنكم من الداخل ممتلؤون بالرياء والفسق " (3) الويل لكم أيها الكتبة

____________

(1) يوحنا 8 / 37 - 40.

(2) تفسير متي هنري 279 / 2 بتصرف.

(3) متي 23 / 25 - 28.
الصفحة 145
والفريسيون المراؤون، فإنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الأبرار وتقولون: لو عشنا زمن آبائنا لما شاركناهم في سفك دماء الأنبياء، فبهذا تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قاتلي الأنبياء. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تفلتون من عقاب جهنم " (1) " الويل لكم أيها الكتبة والفريسيين المراؤون، فإنكم تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس فلا أنتم تدخلون ولا تدعون الداخلين يدخلون " (2) " الويل لكم.. فإنكم تطوفون البحر لتكسبوا متهودا واحدا. فإذا تهود جعلتموه أهلا لجهنم ضعف ما أنتم عليه " (3) فمن هذه النصوص نتبين أن القوم شهدوا على أنفسهم بأنهم أبناء قتلة الأنبياء. وعلى الرغم من ذلك فأنهم يقفون تحت مظلة الميراث الذي كتبه الله للأنبياء! ومن تحت هذه المظلة صدوا عن سبيل الله زمن المسيح عليه السلام، ووضعوا العراقيل في وجه الدعوة الخاتمة التي تحمل شريعة ملكوت الله، ويقول متي هنري في تفسيره: أغلقوا ملكوت السماوات. بتمسكهم بالناموس الطقسي وطمسهم النبوات.. وبتأثيرهم على عقول الشعب لرفض تعاليم المسيح. لقد كانوا ألد الأعداء لتجديد النفوس وكانوا في غاية النشاط لتضليل النفوس. وانضمامها إلى زمرتهم. وكانوا يستخدمون كل حيلة.

ويكتبون ويتكلمون ويعملون بلا كلل أو ملل. ويجعلون الدخيل تلميذا لهم يتشبع بآرائهم، وهكذا يصنعونه ابنا لجهنم (4).

وكانت فرقة الفريسيين أنشط الفرق في الدعوة إلى ثقافة شعب الله المختار. وقد خصهم المسيح بقوله كما ذكر إنجيل لوقا " الويل لكم أيها الفريسيين. فأنكم تحبون تصدر المقاعد الأولى في المجامع وتلقي

____________

(1) المصدر السابق 23 / 29 - 23.

(2) المصدر السابق 23 / 13 - 14.

(3) المصدر السابق 23 / 15.

(4) متي هنري 287 / 2 بتصرف.
الصفحة 146
التحيات في الساحات العامة، الويل لكم، فإنكم تشبهون القبور المخفية يمشي الناس عليها وهم لا يعلمون " (1).

بالجملة: قال المسيح عليه السلام لليهود " يا أولاد الأفاعي.

كيف تقدرون وأنتم أشرار أن تتكلموا كلاما صالحا، لأن الفم يتكلم بما يفيض به القلب، فالإنسان الصالح من الكنز الصالح في قلبه يطلع ما هو صالح، والإنسان الشرير يطلع ما هو شرير " (2) ولقد سجل القرآن الكريم قسوة قلوبهم في مواضع عديدة. منها قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) (3). كما وصف المسيح رؤوس الفرق وأتباعهم بقوله " فهم عميان يقودون عميانا وإذا كان الأعمى يقود أعمى يسقطان معا في حفرة " (4) وحذر تلاميذه من هذه الفرق ومن تعاليمهم التي وصفها بالخميرة، وذلك عندما كانوا يسيرون معه ونسوا أن يتزودوا بالخبز، يقول متي في إنجيله " ولما وصل تلاميذه إلى الشاطئ الآخر كانوا قد نسوا أن يتزودوا خبزا فقال لهم المسيح:

انتبهوا خذوا حذركم من خمير الفريسيين والصدوقيين، فبدأوا يحاجون بعضهم بعضا قائلين: هذا لأننا لم نتزود خبزا " " فقال لهم المسيح:

كيف لا تفهمون أني لم أكن أعني الخبز حين قلت لكم خذوا حذركم من خمير الفريسيين والصدوقيين، عندئذ أدرك التلاميذ أنه لم يكن يحذرهم من خمير الخبز بل من تعاليم الفريسيين والصدوقيين " (5) يقول متي هنري في تفسيره: أدرك التلاميذ أن المقصود بالخمير تعاليم وطرق الفريسيين والصدوقين الفاسدة والسيئة. التي دبروا أن تكون قابلة

____________

(1) لوقا 11 / 43.

(2) متي 12 / 33 - 36.

(3) سورة المائدة آية 13.

(4) متي 15 / 6.

(5) المصدر السابق 16 / 5 - 12.
الصفحة 147
للانتشار في عقول البشر كالخمير، لقد كان أصحاب هذه الفرقة قادة للشعب. وقد ذاع صيتهم جدا بين الناس. الامر الذي جعل خطر عدواهم بأخطائهم أشد هولا، ونحن نستطيع القول: أننا في عصرنا الحاضر يمكننا تشبيه موجة الكفر والإلحاد وتسلط روح المادية بخمير الصدوقيين، والبدع والهرطقات بخمير الفريسيين (1).

ورغم هذه التحذيرات، انطلقت قافلة النصارى بعد ذلك وراء القديس بولس. الذي يعود إليه تأسيس المسيحية الحاضرة التي تنادي بحق اليهود في ميراث إبراهيم بصفتهم شعب الله المختار، وبولس في رسائله كان يقول " إنني كنت فريسيا. أي تابعا للمذهب الأكثر تشددا في ديانتنا " (2) وسيأتي الحديث عن ذلك في موضعه.

4 - [ التبشير بالانتقال ]

على امتداد المسيرة تاجرت القافلة الإسرائيلية بهيكل أورشاليم وميراث إبراهيم، ولم يأتيهم نبي من الأنبياء إلا وتصدى لهذه المتاجرات، وبين لهم أن الله تعالى لا يصطفي أحدا بالاستخلاف اصطفاءا جزافا ولا يكرم أحدا إكراما مطلقا من غير شرط وقيد، ومن هؤلاء (أرميا) فلقد قال لهم كما ورد في العهد القديم (قال الرب...

أصلحوا طرقكم وأعمالكم فأسكنكم في هذا الموضع. لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين: هيكل الرب هيكل الرب هو. لأنكم إن أصلحتم إصلاحا طرقكم وأعمالكم. إن أجريتم عدلا بين الإنسان وصاحبه. إن لم تظلموا الغريب واليتيم والأرملة ولم تسفكوا دما زكيا في هذا الموضع، ولم تسيروا وراء آلهة أخرى لاذائكم. فإني أسكنكم في هذا

____________

(1) متي هنري 49 / 2.

(2) أعمال الرسل 26 / 5 - 7.
الصفحة 148
الموضع في الأرض " وبعد أن بين أرميا شرط الاستخلاف بين أن مسيرتهم لم تكن في اتجاه شرط الله " أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبا. وتنجزون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها. ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي باسمي عليه. وتقولون قد أنقذنا. حتى تعلموا كل هذه الرجاسات، هل صار هذا البيت الذي دعى باسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم " (1).

وعندما بعث فيهم المسيح عليه السلام. منذ ادعاءاتهم وطردهم من الهيكل. يقول متي في إنجيله " ثم دخل يسوع الهيكل وطرد من ساحته جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون. وقلب موائد الصارفة.

ومقاعد باعة الحمام. وقال لهم: قد كتب أن بيتي بيتا للصلاة يدعى، أما أنتم فقد جعلتموه مغارة لصوص " (2).

فالقوم تاجروا بالهيكل على امتداد المسيرة. في الوقت الذي جعلوا فيه البيت مغارة لصوص. كما جاء على لسان أرميا في العهد القديم وعلى لسان المسيح في العهد الجديد، والقوم كانوا يعلمون أن سلوكهم في اتجاه عبادة المادة. يعني انتقال القيادة إلى غيرهم. وأن أعلام الاستخلاف سيرفعها قوم آخرين. لينظر الله كيف يعملون تحت سقف الامتحان والابتلاء. ونصوص سلب أعلام الاستخلاف من أيديهم كثيرة. منها قول أرميا: قال الرب " ها أنذا أنساكم نسيانا وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها. وأجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى " (3).

فهذا النص يفيد رفض الله لهم وأبدية العار والخزي عليهم. فافهم

____________

(1) أرميا 7 / 4 - 11.

(2) متي 21 / 12 - 14.

(3) أرميا 23 / 40.
الصفحة 149
ذلك. ثم يقول أرميا " وأجعلك تخدم أعداءك في أرض لم تعرفها.

لأنكم أضرمتم نارا بغضبي تتقد إلى الأبد " (1). وهذا النص يفيد غضب الله على القاسية قلوبهم إلى الأبد، وقبل أرميا قال أشعيا. قال الرب " هو ذا من أجل آثامكم بعتم. ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم " (2).

والقوم كانوا يعرفون إلى أين ستنتقل أعلام الاستخلاف، لكنهم عتموا على هذه البشارات بالتحريف أو بالتغيير. ولقد ذكر أشعيا وغيره هذه البشارات. وفيها رمز إلى المكان الجديد بأسماء عديدة منها: العاقر التي لم تلد. وهذا الاسم يعود وفقا للأوصاف التي ذكرت في أشعيا على بيت الله الحرام بمكة شرفها الله، يقول " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد. أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل، قال الرب: أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك. لا تمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتارك لأنك تمدين إلى اليمين وإلى اليسار. ويرث نسلك أمما ويعمر مدنا خربة. لا تخافي لأنك لا تحزنين " (3). " قال وليك الرب: لأنه كمياه نوح هذه لي. كما حلفت أن لا تعبر بعد مياه نوح على الأرض. هكذا حلفت أن لا أغضب عليك ولا أزجرك. فإن الجبال تزول والآكام تتزعزع. أما إحساني فلا يزول عنك. وعهد سلامي لا يتزعزع، (4).

فالنصوص تحدثت عن خراب أبدي داخل الحي اليهودي، وأخبرت عن سلام أبدي لأبناء العاقر التي لم يبدأ أنبيائها بعد في إقامة حجة الله على المسيرة البشرية، ثم يقول أشعيا في ندائه الذي يدعو فيه

____________

(1) المصدر السابق 17 / 2 - 4.

(2) أشعيا 50 / 1.

(3) أشعيا 54 / 1 - 4.

(4) المصدر السابق 54 / 7 - 10.
الصفحة 150
المسيرة البشرية للتوجه إلى البناء الجديد، الذي بنى الله بالأثمد حجارته. وأسسه بالياقوت الأزرق. وجعل كل تخومه حجارة كريمة (1) فيقول: " أيها العطاشى جميعا هلموا إلى الحياة. وبالذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا. هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن " (2) ويقول أشعيا موجها حديثه إلى مسيرة الحي الإسرائيلي " أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسي (3) فإني أعينكم للسيف وتجثون كلكم للذبح. لأني دعوت فلم تجيبوا. تكلمت فلم تسمعوا. بل عملتم الشر في عيني الرب واخترتم ما لم أسر به. لذلك هكذا قال السيد الرب: هوذا عبيدي يأكلون وأنتم تجوعون. هوذا عبيدي يشربون وأنتم تعطشون. هوذا عبيدي يفرحون وأنتم تحزنون. هوذا عبيدي يترنمون من طيبة القلب وأنتم تصرخون من كآبة القلب. ومن انكسار الروح تولولون. وتخلفون اسمكم لعنة لمختاري فيميتك السيد الرب. ويسمي عبيده اسما آخر.

فالذي يتبرك في الأرض. يتبرك بإله الحق. والذي يحلف في الأرض يحلف بإله الحق " (4).

وبالجملة: لقد أخبرهم أشعيا بأن القيادة ستنتقل إلى أمة لا يزول إحسان الله عنها، وأخبرهم بأن قبلة هذه الأمة ليست في جبل من جبال الحي اليهودي. وإنما ستكون على أرض جديدة وتحت سماء جديدة ولها اسم جديد، قال " ها أنذا خالق سماوات جديدة وأرضا جديدة. فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال " (5) وهذه النصوص التي

____________

(1) أشعيا 54 / 11 - 13.

(2) المصدر السابق 55 / 1 - 2.

(3) يشير إلى اختلافهم في تحديد الجبل الذي توضع عليه البركة. أي الجبل الذي يحدد القبلة.

(4) أشعيا 65 / 11 - 15.

(5) المصدر السابق 65 / 17.
الصفحة 151
ذكرها أشعيا في العهد القديم. فسرتها رؤيا يوحنا في العهد الجديد.

ففي وصفه للبيت الجديد يقول يوحنا " لم أجد في المدينة هيكلا " (1).

وقال عن البناء الجديد " رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة لا بحر فيها، لأن السماء والأرض القديمتين قد زالتا، وأنا رأيت المدينة المقدسة أورشاليم الجديدة (2). نازلة من عند الله مجهزة كأنها عروس مزينة لعريسها. وسمعت صوتا هاتفا من العرش " الآن صار بيت الله وسط الناس " (3)، ثم يقول يوحنا في رؤياه " وكانت أرض المدينة مربعة طولها يساوي عرضها " (4)، قال مفسرو الكتاب المقدس: أي مكعبة (5) ثم أخبر يوحنا أن أعلام الدعوة الجديدة بيد " الأمين الصادق " (6) وهذا الاسم يشير إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وهو أيضا مختصر لسيرته الشريفة قبل البعثة وبعدها، وجاء ذكر الأمين الصادق في رؤيا يوحنا مرتين. المرة الأولى يشير فيها إلى النبي (ص) وإلى دعوته التي يقول فيها لأهل الكتاب وغيرهم. " نصيحتي إليك أن تشتري مني ذهبا نقيا صنفته النار فنفتني حقا. وثياب بيضاء ترتديها فتستر عريك المعيب. وكحلا لشفاء عينيك فيعود إليك البصر. إني أوبخ وأؤدب من أحبه. لذا كنا حارا وتب " (7)، أما المرة الثانية التي ورد فيها اسم " الأمين الصادق " فقد جاءت عندما تحدث يوحنا عن معارك آخر الزمان، وورود الاسم في هذا الموضع يشير إلى المهدي المنتظر، ولقد روي عن النبي

____________

(1) رؤيا يوحنا 21 / 22.

(2) إشارة إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة.

(3) رؤيا 21 / 1 - 4.

(4) المصدر السابق 21 / 16.

(5) أنظر كتابنا المسيح الدجال ط دار الهادي بيروت، ط دار الفتح للإعلام العربي القاهرة.

(6) ا لرؤيا 3 / 14.

(7) المصدر السابق 3 / 18 - 20.
الصفحة 152
صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " (1) وقال " لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي " (2) وفي ذكر أحداث آخر الزمان يقول يوحنا في رؤياه " وإذا حصان أبيض يسمى راكبه " الأمين الصادق " الذي يقضي ويحارب بالعدل " (3) وفي الحديث الشريف قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا. ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " (4) وسيأتي الحديث عن المهدي في موضعه.

فالقوم على امتداد مسيرتهم كانوا على علم بأن الله سينزع الملك من أيديهم ويسلمه إلى أمة أخرى لينظر الله إلى قافلتها ماذا تفعل تحت سقف الامتحان والابتلاء، وعندما بعث الله تعالى المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. كانت بعثته آخر ورقة أخرجها الله من الشجرة الإسرائيلية على أنبيائها ورسلها الصلاة والسلام، ولقد أخبرهم المسيح بهذا الانتقال وبشرهم بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وأخبرهم أن دعوة البعثة الخاتمة تقضي بوقوف الاستكمال الإنساني. فعدم نسخ الدين وثبات الشريعة. يستوجب أن الاستكمال الفردي والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره الدين الخاتم في بيانه وتشريعه.

وباختصار شديد أخبرهم أن شريعة الرسالة الخاتمة هي حكم الله الذي

____________

(1) رواه أبو داوود والحاكم بسندين صحيحين (التاج الجامع للأصول 343 / 5) (أبو داوود 107 / 4) (كنز العمال 264 / 14).

(2) قال في الفتح الرباني. رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي بمعناه ونحوه وقال حديث حسن صحيح وأورده الحاكم وصححه (الفتح 49 / 24).

(3) رؤيا يوحنا 19 / 11.

(4) رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك 557 / 4).

الصفحة 153
له ملك السماوات والأرض وإليه مصير الأمور، فمن آمن بها وخضع لها استظل بأمن صاحب الملكوت سبحانه وتعالى.

وإخبار المسيح عليه السلام بانتقال القيادة من أمة إلى أمة، جاء في أكثر من موضع في الأناجيل الحاضرة، ومن ذلك. عندما سألته امرأة عن الاتجاه الحقيقي للقبلة بعد أن اختلف اليهود في تحديدها، فبينما تصرح التوراة العبرانية أن القبلة في جبل (عيبال) تصرح التوراة السامرية أن القبلة في جبل (جرزيم)، وكان لهذا الاختلاف أثرا عميقا في المنازعات التي دارت بين يهود السامرة وبين يهود أورشاليم. على امتداد المسيرة الإسرائيلية..

جاء في كتاب سيرة المسيح (1): أن المسيح مر بالسامرة. فأرسل خبرا إلى قرية السامرة قصد أن يبيت فيها مع تلاميذه، فهاج التعصب السامري لما سمعوا بقدومه ومعه جماعة من اليهود متجهين إلى أورشاليم ليؤدوا فيها فروض الدين، لأن السامريين يتمسكون بوجوب تأديتها في جبلهم المقدس (2)، وهياج التعصب سجله لوقا في إنجيله فقال " وأرسل (المسيح) أمام وجهه رسلا. فذهبوا ودخلوا قرية للسامريين حتى يعدوا له، فلم يقبلوه لأن وجهه كان متجها نحو أورشاليم " (3) ويقول يوحنا في إنجيله أن امرأة سامرية قالت يومئذ للمسيح يا سيدي. أرى إنك نبي. آباؤنا سجدوا في هذا الجبل. وأنتم تقولون إن في أورشاليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، فأجابها يسوع: صدقيني يا امرأة. ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الأب لا في

____________

(1) سيرة المسيح ط كنيسة قصر الدوبارة القاهرة.

(2) المصدر السابق ص 327.

(3) لوقا 9 / 51.
الصفحة 154
هذا الجبل ولا في أورشاليم " (1)..

إن الخطوط العريضة لهذا النص تفيد انتقال القبلة من مكان إلى مكان آخر. فوق أرض جديدة. وتحت سماء جديدة. تتحرك أعلامها لفتح الطريق أمام الفطرة. فيشتري الناس بلا فضة وبلا ثمن. ذهبا نقيا.

وثياب بيضاء تستر العري المعيب. وكحلا يشفي العين فيعود البصر من جديد.

وبعد ذكر خبر انتقال القبلة بشرهم المسيح عليه السلام بشريعة الله الذي له ملكوت كل شئ، وهي الشريعة التي كان يوحنا المعمدان يبشرهم بها من قبل، كما بشرهم المسيح عليه السلام بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، جاء في إنجيل متي. أن المسيح دخل هيكل أورشاليم " وفيما هو يمشي في الهيكل. أقبل إليه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ وقالوا له: بأي سلطان تفعل ما تفعله؟ ومن منحك هذه السلطة؟ فأجابهم يسوع قائلا: وأنا أيضا أسألكم أمرا واحدا. فإن أجبتموني أقول لكم أنا كذلك بأي سلطة أفعل ما أفعله، من أين كانت معمودية يوحنا من السماء أم من الناس؟ فتشاوروا فيما بينهم قائلين: إن قلنا له أنها من السماء. يقول لنا فلماذا لم تصدقوه، وإن قلنا من الناس نخشى أن يثور علينا جمهور الشعب لأنهم كانوا يعتبرون يوحنا نبيا فأجابوه: لا ندري. فرد قائلا: ولا أنا أقول لكم بأي سلطة أفعل ما أفعل " (2). يقول متي هنري في تفسيره: عندما عجزوا عن الاعتراف بالمعرفة. اعترفوا بالجهل. ثم يلاحظ أيضا أنهم كانوا كاذبين عندما قالوا: لا نعلم لأنهم كانوا يعرفون أن معمودية يوحنا (يحيى) كانت من الله. لقد برهنوا على أنهم ليسوا جديرين بالتحدث معهم. لأن أناسا هذه

____________

(1) يوحنا 4 / 22.

(2) متي 21 / 23 - 28.
الصفحة 155
حالتهم لا يمكن اقتناعهم بالحق (1) ثم أخبرهم المسيح عليه السلام بنبوءة فيما بين أيديهم من الكتاب فقال لهم كما جاء في إنجيل متي " ألم تقرؤا في الكتاب: الحجر الذي رفضه البناة هو نفسه صار حجر الزاوية الأساسي. من الرب كان هذا وهو عجيب في أنظارنا. لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع من أيديكم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره. فأي من يقع على هذا الحجر يتكسر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا " (2).

والمسيح عليه السلام كان يشير بموضع الحجر الذي رفضه البناة إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. فلقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله. فجعل الناس يطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانا أحسن من هذا ألا هذه اللبنة. فكنت أنا تلك اللبنة " (3) وعنه أنه قال " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي. كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها. إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها. فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بنيانك. فكنت أنا اللبنة " (4) وفي رواية " فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " (5) وفي رواية " فأنا موضع اللبنة. جئت فختمت الأنبياء " (6).

وموضع الحجر الذي ورد على لسان المسيح ولسان محمد عليهما الصلاة والسلام وهما يضربان الأمثال للناس. جاء ذكره أيضا على لسان

____________

(1) متي هنري 221 / 2.

(2) متي 21 / 42 - 45.

(3) رواه مسلم (الصحيح 64 / 7).

(4) رواه مسلم (الصحيح 64 / 7).

(5) رواه مسلم (الصحيح 65 / 7).

(6) رواه مسلم (الصحيح 65 / 7).
الصفحة 156
داوود عليه السلام في تسبيحة من تسبيحاته، جاء في العهد القديم أن داوود قال " (أحمدك لأنك استجبت لي وصرت لي خلاصا. الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية... آه يا رب خلص! آه يا رب انقذ.. مبارك الآتي باسم الرب.. الرب هو الله. وقد أنار لنا... إلهي أنت. فأحمدك إلهي.. احمدوا الرب لأنه صالح. لأن إلى الأبد رحمته " (1).

لقد علم القوم بما في بطون الأيام. وذلك عندما بشرهم الأنبياء وهم يخبرون بالغيب عن ربهم جل وعلا، عرفوا ذلك من داوود بعد أن أقام مملكته. وعرفوه من أشعيا قبل سبي الأسباط العشرة (2).

وعرفوه من دنيال وحزقيال أثناء سبي مملكة يهوذا (3)، وعرفوه من زكريا (4) ويوحنا (يحيى) الذي ورث زكريا وورث آل يعقوب. وعندما بعث فيهم المسيح آخر أبناء آل عمران وآخر وريث لآل يعقوب، قال لهم كما أخبر الله في كتابه (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد..) (5) فبين لهم ما اختلفوا فيه وأقام عليهم الحجة بالكتاب، ثم بشرهم بخاتم الأنبياء والمرسلين فأقام عليهم الحجة بالبلاغ وبما هو مسطور عندهم في الكتاب وشهد به الله تعالى في قوله (الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) (6).

وبعد أن أتم المسيح عليه السلام دعوته بشطريها. شطر دعوة

____________

(1) مزامير 118 / 22.

(2) أشعيا 28 / 16.

(3) دانيال 2 / 35.

(4) زكريا 4 / 7.

(5) سورة الصف آية 6.

(6) سورة الأعراف آية 157.
الصفحة 157
بني إسرائيل إلى التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى. وتبيينه لهم بعض ما يختلفون فيه، وشطر التبشير بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وإخبارهم بأن ملكوت الله سينزع من أيديهم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره، ورد في إنجيل مرقس أن أحد التلاميذ قال للمسيح وهو يغادر الهيكل الأورشاليمي " يا معلم أنظر. ما أجمل هذه الحجارة وهذه المباني العظيمة. فأجاب يسوع: لن يترك منها حجر فوق حجر إلا ويهدم " (1) وتحققت نبوءة المسيح عليه السلام. فلقد حاصر تيطسى الروماني أورشاليم سنة (70 م) حتى سقطت في يده وهدم الهيكل وأشعل فيه النار فلم يبق فيه حجر على حجر لم ينقض. وفي عام (125 م) طرد الإمبراطور (هادريا) اليهود من أورشاليم. وفي عام (435 ميلادية) ألغى الإمبراطور (تيودوسيوس) الحاخامية اليهودية، وفي عام (614 م) تخلت فلسطين نهائيا عن زعامة اليهود. وفتحت الابواب لشعب آخر ليقود المسيرة تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله كيف يعملون. وسيأتي ذلك في موضعه.

____________

(1) مرقس 13 / 2.
الصفحة 158

(ثالثا) [ الشك والتقدم إلى الخلف ]

في زمن المسيح عليه السلام بلغت الأحداث ذروتها، عندما عزم اليهود على قتل المسيح لأنه لم يأت لهم بما تهوى أنفسهم. وفضح علمائهم الذين عكفوا على تقاليد آبائهم. وكشف مخططاتهم التي تسعى لتهويد الفطرة بما لم ينزل به الله سلطانا، ولقد سجلت الأناجيل محاولات اليهود العديدة للفتك بالمسيح وكيف كان اليهود يخافون من تنفيذ محاولاتهم. نظرا لأن الجموع كانوا يعتبرون المسيح عليه السلام رسولا نبيا مبعوثا من الله تعالى، يقول متي في إنجيله " ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيين المثلين الذين ضربهما المسيح. أدركوا أنه كان يعنيهم هم ومع أنهم كانوا يسعون إلى القبض عليه. فقد كانوا خائفين من الجموع لأنهم كانوا يعتبرونه نبيا " (1). وسجلت الأناجيل أن المسيح عليه السلام كان يتخفى من اليهود. ولا يظهر لهم عندما يصل إلى علمه أنهم يبحثون عنه. ذكر يوحنا في إنجيله أن المسيح عليه السلام أمر تلاميذه بأن يشاركوا اليهود عيد الخيام " وبعدما ذهب أخوته إلى العيد.

ذهب هو أيضا كما لو كان متخفيا لا ظاهرا، وأخذ اليهود يبحثون عنه في العيد. ويسألون: أين ذاك الرجل. وثارت بين الجموع مناقشات

____________

(1) متي 21 / 45.
الصفحة 159
كثيرة حوله فقال بعضهم: إنه صالح. وقال آخرون: لا بل إنه يضلل الشعب. ولكن لم يجرؤ أحد أن يتكلم عنه علنا خوفا من اليهود " (1).

وبالجملة: جاء في إنجيل يوحنا " بدأ يسوع ينتقل في منطقة الجليل متجنبا التجول في منطقة اليهود، لأن اليهود كانوا يسعون إلى قتله " (2).

فالنصوص تفيد أن المسيح عليه السلام كان يتحرك بين الجموع. يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويأمر تلاميذه بمشاركة اليهود الأعياد التي سنها أنبياء بني إسرائيل، وكان الجموع يعلمون أن المسيح نبيا ليس له من الأمر شيئا إلا أنه يحمل رسالة الله إلى بني إسرائيل.

وإنه عليه السلام كان يأخذ بالأسباب لدفع الضرر عنه، فكان يتخفى من اليهود ولا يدخل منطقتهم. إلا بعد أن يأخذ بالأسباب لتحقيق أمنه وأمن تلاميذه، وذكر الإنجيل كيف كان المسيح يضج من استكبار القوم وصدهم عن سبيل الله، رغم ما يقدمه إليهم من علم ومعجزة، وكان يقول " أيها الجيل غير المؤمن إلى متى أبقى معكم. إلى 0000 أحتملكم " (3). وشأنه في هذا كشأن جميع إخوته الأنبياء. كانوا يشعرون بالحزن عندما لا يأخذ الناس بأسباب الحياة الكريمة التي تحقق لهم السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وكانوا يشكون حزنهم إلى الله تعالى.

ورغم حركة المسيح عليه السلام الواضحة كل الوضوح. إلا أن القوم أحاطوه بعد عهد البعثة بهالات تخرجه من دائرة البشرية إلى الألوهية، ووضعوا في الأناجيل نصوصا رشحت بهذا المعنى، وعندما جاء بولس وقاد المسيرة أصبحت ألوهية المسيح عمودا لدعوته، وبين

____________

(1) يوحنا 7 / 10 - 13.

(2) يوحنا 7 / 1.

(3) يوحنا 8 / 41.
الصفحة 160
النصوص التي تقول بنبوة المسيح وبين التي تقول بألوهيته تعددت الفرق والمذاهب، وكان هذا على حساب الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولما كان للدين الفطري شهود وأمناء على امتداد المسيرة البشرية، ولما كانت النبوءة هي التي تفسر التاريخ وليس العكس، فإننا لكي نمسك بخيط الأحداث. لا بد أن نتتبع الأحداث وفقا لنصوص أصول النبوة، فننظر إلى الأحداث وحركتها في الأناجيل. ثم نضع ذلك تحت الضوء القرآني، فبهذا وحده نصل إلى الحقيقة في مدونات أهل الكتاب، واضعين في الاعتبار أن الحق لا يخص بوجه وعلى أي تقدير، فهو بين السطور حجة على كل من قرأ وإن عتمت على السطور سحب التحريف والتأويل، وهو ظاهر في الكون الواسع وإن حاصرته أدوات الزينة والإغواء، وهو داخل النفس الإنسانية لأن الإنسان مجبول على قبول الحق والخضوع الباطني أمامه. وإن طوقت الأهواء النفس، فالحق واضح المعالم في كل مكان وزمان لأنه حجة بذاته، والحق ينتصر في الدنيا ظاهرا أو باطنا. لأن الله تعالى أوجب على نفسه أن يفنى الباطل بالحق.

ولما كان النصارى يؤمنون بألوهية المسيح. وأن أحد تلاميذه قد خانه وسلمه إلى أعدائه. فجردوه من ثيابه. وبصقوا في وجهه. وضربوه على رأسه بعد أن أوسعوه سخرية، ثم ساقوه إلى الصلب. وصلبوا معه لصين. وكان اللصان يسخران منه (1) ولما كان القرآن الكريم قد نفى ما ادعاه النصارى في حق المسيح، وقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) (2) وقال (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) (3) وقال في قصة الصلب (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه

____________

(1) أنظر: متي 27 / 28 - 44.

(2) سورة المائدة آية 17.

(3) سورة المائدة آية 73.
الصفحة 161
لهم) (1) فإننا سنلقي ضوءا على الأحداث كما ذكرت في الأصول.

لتظهر الحقيقة من تحت السحب وتكون واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، وأول ضوء نلقيه سيكون على التلاميذ. لقولهم أن أحدهم قد خان المسيح. فإذا لم يظهر الخائن تحت الضوء. تصبح الدعوى منهدمة من أساسها ولا يبقى إلا الحق.

1 - [ أضواء على أقوال المسيح في تلاميذه ]

قال تعالى في كتابه الكريم: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي. قالوا آمنا وإشهد بأننا مسلمون) (2) قال المفسرون: المراد بهذا الوحي وحي إلهام. كقوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) (3). وقوله: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا...) (4) فالحواريين ألهموا الإيمان فامتثلوا ما ألهموا. وقيل:

ويحتمل أن يكون المراد. وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله. واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك فقالوا: (آمنا بالله وأشهد بأننا مسلمون).

وعلى هذا فالحواريين ألهموا الإيمان أولا واستجابوا. فوهبهم الله تعالى للمسيح ليبشروا بين يديه، والمسيح عليه السلام أخبر بهذه الهبة الإلهية له. فقال في آخر أيامه على الأرض وهو يدعو ربه " أظهرت اسمك للناس الذي وهبتهم لي من العالم. كانوا لك فوهبتهم لي، وقد عملوا بكلمتك وعرفوا الآن أن كل ما وهبته لي فهو منك، لأني نقلت

____________

(1) سورة النساء آية 157.

(2) سورة المائدة آية 111.

(3) سورة القصص آية 7.

(4) سورة النحل آية 68.
الصفحة 162
إليهم الوصايا التي أوصيتني بها فقبلوها.. وآمنوا أنك أرسلتني، من أجل هؤلاء أصلي إليك، لست أصلي الآن من أجل العالم. بل من أجل الذين وهبتهم لي لأنهم لك " (1). وفي آخر أيامه عليه السلام دعا ربه قائلا: " أريد لهؤلاء الذين وهبتهم لي أن يكونوا معي حيث أكون أنا فليشهدوا مجدي الذي أعطيتني " (2).

من النصوص السابقة علمنا أن القاعدة التي وقف عليها التلاميذ. هي قاعدة الإيمان بالله ورسوله. ولما كنا نبحث عن التلميذ الذي خان المسيح، فلا بد من الوقوف على عدد التلاميذ الذين وقفوا على قاعدة الإيمان من يومهم الأول وحتى يومهم الأخير، بمعنى أنهم إذا كانوا عند البداية اثنا عشر تلميذا. فيجب أن يكونوا عند الخاتمة إحدى عشر تلميذا. على اعتبار أن منهم خائن واحد.

جاء في إنجيل مرقس أن المسيح " عين اثني عشر ليلازموه ويرسلهم ليبشروا. وتكون لهم سلطة على طرد الشياطين " (3) فعلى هذا يكون عند المقدمة اثني عشر تلميذا، فإذا نظرنا عند الخاتمة يوم القيامة. نجد أنهم لم ينقصوا تلميذا واحدا، جاء في إنجيل متي أن المسيح قال للتلاميذ " الحق أقول لكم. إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد. متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده. تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا. تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " (4). قال صاحب سيرة المسيح في تفسيره: أجاب المسيح بما يفيد أنهم ينالون

____________

(1) إنجيل يوحنا 17 / 6 - 10.

(2) يوحنا 17 / 24.

(3) مرقس 13 / 3 - 15.

(4) متي 19 / 27 - 0 3.
الصفحة 163
التفاتا خصوصيا من العناية الإلهية في هذه الدنيا، ثم في الدهر الآتي يرثون الحياة الأبدية (1).

فوفقا لهذه الأصول لا يوجد خائن بين التلاميذ الذين آمنوا بالله ورسوله. وأشهدوا الله ورسوله بأنهم مسلمين كما جاء في القرآن، والذين عملوا بكلمات الله. وقبلوا ما أوصى الله به المسيح كما ذكرت الأناجيل، وبشهادة الإنجيل إنهم عند البداية كانوا اثنا عشر تلميذا.

وعند الخاتمة يدين الاثني عشر تلميذا أسباط إسرائيل الاثني عشر.

ويرثون مع المسيح الحياة الأبدية. فأين الخائن الذي وضعوا على عاتقه قصة الصلب وعلى الصلب نشأت المذاهب والفرق، هناك نص في إنجيل لوقا يقول: " ودخل الشيطان في يهوذا الملقب بالإسخريوطي وهو في عداد الاثني عشر " (2). ولكن هذا يعارضه ما جاء في إنجيل مرقس أن المسيح " عين اثني عشر ليلازموه ويرسلهم ليبشروا، وتكون لهم سلطة على طرد الشياطين " (3). فكيف تكون ليهوذا الإسخريوطي سلطة على طرد الشياطين أعطاها له المسيح، وبهذه السلطة مارس الدعوة والتبشير تحت رعاية المسيح، ثم يخترقه الشيطان بعد ذلك فيقوم بتسليم المسيح لأعدائه، فيجردوه من ثيابه ويسخرون منه ويبصقون عليه كما ذكر في الإنجيل، ورغم المقدمة التي فتحها يهوذا وما ترتب عليها من نتائج صدت عن سبيل الله. ومزقت أمة النصارى إلى فرق وأحزاب، تحدثنا نصوصا أخرى بأن يهوذا (وهو ضمن الاثني عشر تلميذا) دعا له المسيح دعاء ينال به التفاتة خصوصية من العناية الإلهية في هذه الدنيا، ويرث به الحياة الأبدية بعد أن يدين التلاميذ الاثني عشر أسباط إسرائيل الاثني عشر.

____________

(1) سيرة المسيح / ط كنيسة قصر الدوبارة القاهرة ص 402.

(2) لوقا 22 / 4.

(3) مرقس 3 / 15.
الصفحة 164
من هذه النصوص نرى أن المقدمة لا تنسجم مع النتيجة، ونرى أن اختيار المسيح ليهوذا وإعطائه السلطة على طرد الشياطين منذ البداية. ثم اختراق الشيطان ليهوذا بعد ذلك، نرى أن هذا في حد ذاته يهدم قولهم بألوهية المسيح. لأن العلم ووضع الشئ في محله قد اهتز اهتزازا كبيرا في دائرة يهوذا الإسخريوطي في حياته الدنيا، وأن العدل قد اهتز اهتزازا كبيرا في دائرته في الحياة الأبدية، ولا ندري كيف يجلس يهوذا ضمن الاثني عشر تلميذا ليدين أسباط إسرائيل الاثني عشر على اختلافهم وتفرقهم من بعد ما جاءهم العلم، في الوقت الذي فيه يهوذا عمودا فقريا لاختلاف النصارى وتفرقهم بعد أن جاءهم العلم.

وإذا نظرنا في القرآن الكريم وتدبرنا آياته الكريمة، نجد أن الله تعالى امتدح الحواريون في أكثر من موضع، واعتبر شهادتهم حجة على المسيرة الإسرائيلية. وحاذى سبحانه بين قاعدة الحواريين وبين قاعدة الذين آمنوا في الدعوة الخاتمة على نبيها الصلاة والسلام، وفي آيات أخرى، ربط الحواريين والذين آمنوا في الدعوة الخاتمة برباط واحد هو رباط الشهادة لله.

أما المحاذاة بين الحواريين وبين الذين آمنوا. ففي قوله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله. قال الحواريون نحن أنصار الله) (1). والمراد بنصرتهم لله. أن ينصر الذين آمنوا النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. في سلوك السبيل الذي يسلكه إلى الله على بصيرة، ثم جاءت محاذاة الحاضر بالماضي في الدعوة الإلهية. فقال تعالى: (كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله. قال الحواريون نحن أنصار الله) ومعنى أن الحواريين أنصار الله. أي أنهم أنصارا لعيسى

____________

(1) سورة الصف آية 14.
الصفحة 165
عليه السلام في سلوك سبيل الله وتوجهه إلى الله، وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله.

وأما ربط الحواريين والذين آمنوا برباط واحد هو رباط الشهادة لله، ففي قوله تعالى: (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) (1) ابن كثير في تفسيره: أن الشاهدين هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2). والشاهدين ذكروا في أكثر من موضع بالأناجيل.

وأفاض سفر الرؤيا في أوصافهم، وتفسيرات علماء أهل الكتاب كلها تشير إلى أنهم الأمة الخاتمة. ومنهج هذه الأمة بينه (الأمين الصادق) كما جاء في سفر الرؤيا. بأنه يقدم الذهب النقي الذي صفته النار، ويقدم الثياب البيضاء التي تستر العري المعيب. والكحل الذي يشفي العينين فيعود إليهما البصر من جديد.

وبهذا تنسجم المقدمة مع النتيجة. تنسجم خاتمة دعوة إلهية إلى بني إسرائيل مع مقدمة دعوة إلهية للبشرية جمعاء، وعلى هذا يمكن القول أن مقدمة التلميذ الخائن الذي وهبه الله للمسيح. ثم صد عن سبيل الله بعد ذلك. لا تنسجم مع النتيجة التي جاءت في النصوص الكتابية، وعلى هذا الضوء يسقط الاتهام الذي تم توجيهه إلى قاعدة الحواريين.

2 - [ الوصايا الأخيرة ]

سارت دعوة المسيح عليه السلام بين الصخور وبين القلوب القاسية لتقيم حجتها، وعلى امتداد الطريق تعددت الأعداء، وتحالف

____________

(1) سورة آل عمران آية 52.

(2) تفسير ابن كثير 365 / 1.
الصفحة 166
اليهود مع خصومهم من الهيرودسيين أنصار الملك هيرودس. لكي يمسكوا المسيح بكلمة تدينه أمام السلطة الرومانية، يقول إنجيل مرقص " أرسلوا إليه بعضا من الفريسيين ومحازبي هيرودس لكي يوقعوه بكلمة يقولها. فجاؤوا وقالوا له: يا معلم نحن نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد لأنك لا تراعي مقامات الناس. بل تعلم طريق الله بالحق. أيحل أن تدفع الجزية للقيصر أم لا؟ أندفعها أم لا ندفع؟ ولكنه إذ علم ريائهم قال لهم: لماذا تجربونني؟ احضروا إلى دينارا لأراه، فأحضروا إليه دينارا، فسألهم: لمن هذه الصورة وهذا النقش؟ فقالوا له: للقيصر. فرد عليهم قائلا: اعطوا ما للقيصر للقيصر وما لله لله. فذهلوا منه " (1).

فلقد تظاهر جنود الملك بالتدين ودخلوا مع الفريسيين أشد فرق اليهود تعصبا في دائرة واحدة، وانطلقوا إلى المسيح عليه السلام يحملون إليه سؤالا يقوم عليه اقتصاد الدولة الرومانية، وكانوا بهذا السؤال يريدون أن يوقعوا بالمسيح عليه السلام في شباكهم ليسلموه إلى الحاكم. بحجة أنه يناهض النظام ويضرب اقتصاده في مقتل، ولكن المسيح تفادى الصدام مع أصحاب القلوب القاسية بالإجابة التي أذهلتهم.

وعلى هذا المنوال بدأت التحالفات بين اليهود وبين خصومهم لاصطياد المسيح عليه السلام، وعندما ضاقت الحلقات، بدأ المسيح عليه السلام يخبر بالغيب عن ربه جلا وعلا. فحدث اليهود بما سيفعلوه للفتك به وكيف سينجيه الله من أيديهم، وحدث التلاميذ بأنه سيبقى معهم وقتا قليلا وإنهم لن يقدروا أن يذهبوا معه إلى حيث يذهب، وقال لهم إن عنده أمور كثيرة يريد أن يتحدث معهم فيها.

ولكن الوقت لن يسعفه لإتمام ذلك. وسوف يرسل الله إليهم. المحمد.

____________

(1) مرقص 12 / 13 - 17.
الصفحة 167
أو المحمود. روح الحق الذي يرشد إلى الحق كله. لأنه لا يقول شيئا من عنده. بل يخبر بما يسمعه. وتفصيل أقوال المسيح لليهود وللتلاميذ بين دفتي الأناجيل.

فعندما اشتد صد اليهود عن سبيل الله. وبدأوا يعدون العدة للفتك بالمسيح. قال لهم المسيح " أنا باق معكم وقتا قليلا. ثم أعود إلى الذي أرسلني. عندئذ تسعون في طلبي ولا تجدونني. ولا تقدرون أن تذهبوا إلى حيث أكون " (1). ومن الطبيعي أن اليهود لا يستطيعون الصعود إلى السماء. وبعد أن أخبر المسيح عليه السلام اليهود بأمور مستقبلية. قال لتلاميذه " يا أولادي الصغار. سأبقى عندكم وقتا قصيرا بعد. ثم تطلبونني. ولكني أقول لكم ما سبق أن قلته لليهود. إنكم لا تقدرون أن تأتوا حيث أنا ذاهب. وصية جديدة أنا أعطيكم. أحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا. تحبون بعضكم بعضا. بهذا يعرف الجميع إنكم تلاميذي إن كنتم تحبون بعضكم بعضا. فسأله سمعان بطرس: يا سيد أين تذهب؟ أجابه يسوع: لا تقدر أن تتبعني الآن حيث أذهب ولكنك ستتبعني فيما بعد " (2) أي أنه لن يقدر أن يتبعه فيما ستسفر عنه الأحداث. حيث ينتهي الأمر بكف الله أيدي اليهود عن المسيح.

ورفعه إليه، وهذا معنى قوله " لا تقدر أن تتبعني الآن " ثم أخبره بأنه سيتبعه فيما بعد في الحياة الأبدية يوم القيامة. ولا يخلو النص من الإشادة بالاثني عشر. ومعنى أن المسيح يحبهم ويأمرهم بحب بعضهم بعضا. أن طريق الخيانة مغلق على هذا الدرب.

ويذكر القرآن الكريم. أن الله تعالى أخبر المسيح عليه السلام بعملية الرفع التي تحدث بها مع اليهود ومع التلاميذ فيما بعد، قال

____________

(1) إنجيل يوحنا 7 / 34.

(2) إنجيل يوحنا 13 / 34 - 36.
الصفحة 168
تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة)(1). قال المفسرون: المراد بالتوفي هنا النوم. كما قال تعالى (وهو الذي يتوفاكم بالليل) (2). وروي أن النبي (ص) كان يقول إذا قام من النوم " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا " (3). والمراد بالرفع إلى الله: أي رفعه إلى السماء. إذ لا مكان لله من سنخ الأمكنة الجسمانية، والآية من قبيل قوله تعالى في ذيل الآية (ثم إلي مرجعكم)، فالمراد برفعه إليه: رفعه بروحه وجسده حيا إلى السماء لأنها محل نزول البركات وسكن الملائكة المكرمين، ومعنى قوله (ومطهرك من الذين كفروا) أي: إبعاده من الكفار وصونه عن مخالطتهم والوقوع في مجتمعهم المتقذر بقذارة الكفر والجحود، ومعنى قوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فالمراد باتباعه: هو الاتباع على الحق. الاتباع المرضي لله سبحانه، وعلى ذلك يكون الذين اتبعوه هم الحواريين والمستقيمين من النصارى قبل ظهور الإسلام، كما أن المسلمين بعد ظهور الإسلام أتباعه على الحق. قال في الميزان: ومحصل الآية. أن متبعيك من النصارى والمسلمين ستفوق حجتهم على حجة الكافرين بك من اليهود إلى يوم ا لقيامة " (4).

فبعد هذا البيان الوافي الشافي. بدأ المسيح عليه السلام يحدث الجميع بما ستنتهي إليه الأحداث. وأخبرهم بأنهم لن يقدروا أن يتبعوه حيث يذهب. وقال لتلاميذه أنهم سيتبعوه فيما بعد. سيتبعوه بالحجة الدامغة التي تفوق حجة الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم يتبعوه في

____________

(1) سورة آل عمران آية 55.

(2) سورة الأنعام آية 60.

(3) تفسير ابن كثير 366 / 1.

(4) الميزان 208 / 3.
الصفحة 169
الحياة الأبدية بعد أن يفصل الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.

ولأن معجزة الرفع إلى السماء سيكفر بها البعض وسيتأولها البعض الآخر ويضعها في غير موضعها. ولأنه على طريق هذه المعجزة فتن عديدة صنعها اليهود وتنتهي جميعا إلى الدجال. فإن من عدل الله ورحمته أنه أقام الحجة داخل الحي اليهودي. فجاءهم المسيح بالعلم الذي يبين بداية ونهاية المعجزة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، والله تعالى أوجب على نفسه فتح الطريق لعباده وهدايتهم إليه. وهو قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم) (1). ولما كان الحواريون في الصدارة من بعد المسيح. فلقد أخبرهم المسيح بأنهم سيشاهدون معجزة الرفع ليحدثوا الذين آمنوا بالحقيقة عندما يرى الناس الشبيه على الصليب، وجاء في إنجيل يوحنا أن المسيح قال للتلاميذ وهو يعدهم للقيام بالدعوة " الحق الحق أقول لكم: إنكم سترون السماء مفتوحة.

وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان " (2) فهذا النص يفيد أنهم كانوا في بعض الأوقات يشاهدون نزول الملائكة بالوحي على امتداد البعثة، ثم شاهدوا معجزة الرفع التي تنسجم مع طريق نزول الوحي على المسيح، ليردوا الوحي والرفع إلى قدرة الله تعالى وهم يبينون للناس حقيقة الأحداث التي تجري حولهم، فلا يسقط في فتنتها إلا الذين صنعوا الفتن من القاسية قلوبهم ومن شابههم.

وذكر الإنجيل أن المسيح بشر قبل رفعه (بالمعزي) الذي سيرسله الله ليشهد الشهادة الحق. التي يشهدها التلاميذ للمسيح. لتفوق حجتهم على حجة الكافرين به إلى يوم القيامة، ذكر يوحنا أن المسيح

____________

(1) سورة التوبة آية 115.

(2) إنجيل يوحنا 1 / 51.
الصفحة 170
قال: " وعندما يأتي المعزي.... روح الحق " (1) " فهو يؤدي إلي الشهادة وتؤدونها لي أنتم أيضا. لأنكم معي من البداية، قلت لكم هذا لكي لا تتزعزعوا، ستطردون خارج المجامع. بل سيأتي وقت يظن فيه من يقتلكم أنه يؤدي خدمة لله " (2). " قلت لكم هذا حتى متي جاء وقت حدوثه تذكرون أنه سبق أن أخبرتكم به. ولم أقل لكم هذا منذ البداية لأني كنت معكم. أما الآن فإني عائد إلى الذي أرسلني ولا أحد منكم يسألني: أين تذهب؟ عندما أخبرتكم بهذا ملأ الحزن قلوبكم. ولكني أقول لكم الحق: من الأفضل لكم أن أذهب. لأني إن كنت لا أذهب.

لا يأتيكم المعزي... وعندما يجئ يقدم للعالم البرهان على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة " (3) " ما زال عندي أمور كثيرة أقولها لكم.

ولكنكم الآن تعجزون عن احتمالها. ولكن عندما يأتيكم روح الحق.

يرشدكم إلى الحق كله. لأنه لا يقول شيئا من عنده. بل يخبركم بما يسمعه. ويطلعكم على ما سوف يحدث " (4).

و (المعزي) الذي بشر به المسيح قبل رفعه إلى السماء، ترجمة للكلمة الإغريقية " البارقليط " ومعناها في قاموس اللغة اليونانية:

" المعزي. المحامي. الشفيع. المحمد. المحمود " وورد اسم " بار قليط. فارقليط. باراكليت. والمعزي. والمحامي. والمؤيد، في تراجم إنجيل يوحنا. ويقول الدكتور / حجازي السقا: والحق أن المسيح نطق لفظ " بيرقليط " وهو يترجم: أحمد. ويقول النصارى أن المسيح نطق " باراقليط " وعلى ذلك فليس هو أحمد. أي أن الخلاف في الكسرة والفتحة. فعلى الكسرة يكون اسم أحمد. وعلى الفتحة لا يكون اسم

____________

(1) المصدر السابق 15 / 26.

(2) المصدر السابق 16 / 1 - 3.

(3) المصدر السابق 16 / 4 - 9.

(4) المصدر السابق 16 / 12.
الصفحة 171
أحمد. بل صفته هي المعزي. وهم يعتمدون رواية الفتحة. ثم قدم الدكتور حجازي السقا الدليل على أن بيريكليت اسم والاسم هو أحمد.

فمن أراد الوقوف على هذا البحث فعليه بمصدره (1).

لقد بشرهم عيسى عليه السلام بالمعزي. أو بالمحامي الذي يدافع عن الفطرة ويشهد الشهادة الحق في أحداث يعجزون عن احتمالها. وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة " (2) وقال " أنا أولى الناس بابن مريم. الأنبياء أولاد علات. وليس بيني وبينه نبي " (3) وفي لسان العرب في معنى " أولاد علات " أي إنهم لأمهات مختلفة ودينهم واحد.

وبنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى (4).

وبشرهم المسيح بالمعزي أو بأحمد أو بالمحمود أو بالشفيع روح الحق. الذي يرشدهم إلى الحق كله. لأنه لا يقول شيئا من عنده. فما من شفيع إلا بعد إذن الله تعالى. قال تعالى: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه) (5). وقال: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (6). وقال: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (7). و قال:

(لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. وقالوا اتخذ الله ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. إن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ

____________

(1) أنظر كتاب نقد التوراة / د. حجازي السقا ص 207 وما بعدها.

(2) رواه مسلم (الصحيح 96 / 7).

(3) رواه مسلم (الصحيح 96 / 7).

(4) لسان العرب مادة علل ص 3080.

(5) سورة يونس آية 3.

(6) سورة البقرة آية 255.

(7) سورة سبأ آية 23.
الصفحة 172
ولدا. إن كل من في السماوات والأرض إلا أتى الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا. فإنما يسرنا ه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا. وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) (1).

وبعد أن بشرهم المسيح عليه السلام. رفع عينيه نحو السماء وقال " أنا مجدتك على الأرض وأنجزت العمل الذي كلفتني " (2) " أظهرت اسمك للناس الذين وهبتهم لي من العالم. كانوا لك فوهبتهم لي، وقد عملوا بكلمتك وعرفوا الآن أن كل ما وهبته لي فهو منك. لأني نقلت إليهم الوصايا التي أوصيتني بها فقبلوها.. وآمنوا إنك أرسلتني من أجل هؤلاء أصلي إليك " (3).

وبتحذير المسيح من الذين يدعون النبوة. وبتبشيره بروح الحق الذي يرسله الله إلى العالم قبل يوم القيامة. تنتهي دعوة المسيح عليه السلام في بني إسرائيل. وإذا كان العهد القديم قد انتهى بتبشير ملاخى " هانذا أرسل إليكم إيليا النبي قيل يوم الرب اليوم العظيم المخوف.

فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم لئلا آتي وأخرب الأرض بلعن " (4) فإن العهد الجديد انتهت آخر بشاراته بالمعزي فأخبرهم المسيح عليه السلام بأن المعزي سيطلعهم على ما سوف يحدث.

وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال له تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في

____________

(1) سورة مريم آية 87.

(2) يوحنا 17 / 5.

(3) استثنى النص يهوذا. ولقد بينا أن الخائن لا وجود له في نصوص أخرى.

(4) ملاخى 4 / 5 - 6.
الصفحة 173
الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (1) وقال: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) (2). إلى آخر هذه الآيات التي ضرب الله فيها الكافرين والظالمين بلعن. بعد أن كفروا وكذبوا واستكبروا ولم يؤمنوا بالبعثة الخاتمة. التي جعلها الله تعالى رحمة للعالمين، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة. يهودي أو نصراني. ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به.

إلا كان من أصحاب النار " (3).

3 - [ الشك المريب ]

بعد أن تكاتفت مؤسسات الباطل من أجل الصد عن سبيل الله، بلغت الأحداث ذروتها برفع المسيح عليه السلام، ليكون رفعه آية للذين يؤمنون بأن القوة جميعا لله، ويكون في الرفع عقوبة للذين ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم جزاءا بما قدموا. لتلقى بهم العقوبة في طريق الضنك حتى ينتهي بهم المقر. تحت أعلام المسيح الدجال آخر الزمان، ورفع المسيح عليه السلام جاء ذكره في مزامير داوود وهو يخبر بالغيب عن ربه. قال " لأنك قلت أنت يا رب ملجئي.

لا يلاقيك الشر ولا تدنو ضربة من خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك " (4). وذكر تعالى في القرآن الكريم أنه حفظ المسيح عليه السلام

____________

(1) سورة البقرة آية 159.

(2) سورة النساء آية 51.

(3) رواه مسلم (الصحيح 93 / 1).

(4) مزامير 91 / 9 - 10.
الصفحة 174
على امتداد دعوته. وذلك في قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس) - إلى قوله تعالى - (وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين) (1).

وقال تعالى في رفع المسيح عليه السلام (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا. وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما. وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) (2).

ومن هذه الآيات نعلم (أولا): أن المسيح عليه السلام لم يتوف بأيديهم لا صلبا ولا غير مصلوب، بل شبه لهم، أي أخذوا غير المسيح عليه السلام فقتلوه أو صلبوه (ثانيا) إن الذين اختلفوا في عيسى أو في قتله لفي شك منه. والشك نقيض اليقين (ثالثا) إن ما قالوه ترجع أصوله إلى الظن. أي إلى التخمين.

وقوله تعالى: (وما قتلوه يقينا) أي ما قتلوه قتل يقين. أو. ما قتلوه أخبرك خبر يقين " بل رفعه الله إليه " أي إلى السماء " وكان الله عزيزا حكيما " ومعنى العزيز. أي الممتنع فلا يغلبه شئ. وقيل: هو القوي الغالب كل شئ. ومعنى حكيما: أي الذي يحكم الأشياء ويتقنها. فهو تعالى حكيم في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم.

____________

(1) سورة المائدة آية 110.

(2) سورة النساء آية 155 - 158.
الصفحة 175
ولما كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة. فإنه أقام الحجة على الذين شاهدوا شبيه المسيح على الصليب حتى لا يلتبس عليهم الأمر.

ويعتقدوا بأن الشبيه هو المسيح، فلقد أوجب تعالى على تفسير أن يبين لعباده ما يتقون. قال تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) (1). والمسيح عليه السلام وتلاميذه من بعده أقاموا الحجة على المسيرة أثناء الدعوة وعند ذروة الأحداث وبعدها. ثم بعث النبي الخاتم (ص) وبين للناس الذي هم فيه مختلفون.

ومن بين فرق النصارى يوجد من يعتقد بأن المسيح عليه السلام لم يصلب وإنما صلب رجل آخر شبه به. يقول بتراند راسل " كانت طائفة الدوسيين قد ذهبوا إلى أن المسيح لم يكن هو الذي صلب. بل بديل أشبه به. وقد ظهر رأي مماثل لذلك في الإسلام " (2).

وعند البحث عن القاعدة التي ينتسب إليها الشبيه الذي ألقي عليه شبه المسيح عليه السلام، لا نجد إلا قاعدتين لا ثالث لهما. إما أن يكون من الفريق الذي صد عن سبيل الله، وأما أن يكون من التلاميذ الذين أقروا بنصرتهم للمسيح وسلكوا السبيل الذي يسلكه إلى الله، فإذا افترضنا أن الشبيه ينتمي إلى الفريق الكافر بالدعوة. نجد أن هذا الافتراض يؤدي إلى هدم الدعوة من رأس، وذلك لأن الشبيه في هذه الحالة سيعلن على الذين أشرفوا على محاكمته وعلى الجموع بعد ذلك.

أنه ليس المسيح حتى يحاكموه ثم يصلبوه، وقد يستغل شيوخ اليهود هذا الاقرار. فيدمرون دعوة المسيح ويغرسون أعمدة دعوتهم على لسان الشبيه، ويترتب على ذلك فتنة الذين آمنوا بالمسيح وانتصار الباطل على الحق وهذا محال. لأن الرفع كان بقدرة العزيز الحكيم الذي له الحكمة

____________

(1) سورة التوبة آية 115.

(2) حكمة الغرب / بتراندراسل ص 242.
الصفحة 176
البالغة والحجة الرافعة. الحكيم في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور.

وبالجملة: لم يعلن الشبيه عن اسمه ولم يذكر في أي موطن من المواطن أنه ليس المسيح. كما جاء في الأناجيل. وعلى هذا فلا بد أن يكون الشبيه من القاعدة الثانية. قاعدة التلاميذ. الذين قالوا " نحن أنصار الله " وقالوا (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) (1) ويؤكد ذلك الأحاديث التي وردت في كتب التفسير. ومنها ما روي أن المسيح عليه السلام قال لتلاميذه " يا معشر الحواريين. أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه. فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا. فقال له المسيح: هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة البيت إلى السماء، وفي رواية " وألقى عليه شبه عيسى حتى كأنه هو. وفتحت روزنة من سقف البيت.

وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم فرفع إلى السماء " (2).

فإلقاء الشبه على واحد من التلاميذ فيه حفظ للدعوة. لأن حركته على امتداد المحنة هي حركة التلميذ الذي امتحن الله قلبه بالإيمان. فلن يتكلم ولن يتحرك إلا وفقا لتعاليم المسيح. ووفقا لتوصياته التي تخص هذه المحنة بالذات. لينجو الذين آمنوا ويسقط الذين كفروا في الفتنة.

ويمكن أن يصل الباحث إلى أن الذي صلب لم يكن المسيح عليه السلام. إذا تدبر في الأحداث ودقق النظر في أقوال الشبيه. ونحن سنلقي الضوء على حركة الرجل الذي صلب كما جاءت في الأناجيل.

وإذا كانت الأناجيل قد قدمتها على أساس أنها حركة المسيح. فإن على الباحث أن يقرأها ويتدبرها على أساس أنها صادرة من الشبيه. وفي

____________

(1) سورة آل عمران آية 52.

(2) أنظر: تفسير ابن جرير وتفسير البغوي وتفسير ابن كثير في قوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه).
الصفحة 177
خاتمة المطاف سيقف الباحث على حقيقة مفادها أن الحركة كانت للشبيه ولم تكن للمسيح. ومن العجيب أن الأحداث على امتداد المحنة. حملت سؤالا واحدا. توجه به مجلس الشيوخ المؤلف من رؤساء الكهنة والكتبة وتوجه به الحاكم بيلاطس إلى الرجل الذي صلب. وكان هذا السؤال يحمل صيغة واحدة هي: هل أنت المسيح؟

ومن الأعجب أن رؤساء الكهنة والكتبة. كانوا يعرفون المسيح. فلقد شاهدوه في الهيكل وهو يلقي بمواعظه. وتحدث إليهم وتحدثوا إليه في أكثر من مكان. كما ذكرت الأناجيل (1). كما أن جنود الدولة كانوا يعرفونه أيضا. وقد ذهبوا إليه وسهم بعض اليهود يسألونه عن الجزية.

هل يعطونها للدولة أم لا. وكانوا يريدون من وراء ذلك أن يوقعوه تحت عقوبة مناهضة السلطة الرومانية، ولقد أجابهم المسيح يومئذ بقوله " ما لقيصر لقيصر وما لله لله " كما ذكرت الأناجيل (2).

وتبدأ الأحداث أن رؤساء الكهنة والفريسيون بعد أن عقدوا العزم على القبض على المسيح عليه السلام، بعثوا إليه بمجموعة وأوكلوا إليها هذا العمل. وذكرت الأناجيل أن يهوذا الخائن كان معهم، ويذكر إنجيل يوحنا أنهم عندما اقتربوا من المسيح " تقدم نحوهم وقال:

من تريدون؟ أجابوه: يسوع الناصري. فقال لهم: أنا هو " " فلما قال أنا هو. تراجعوا وسقطوا على الأرض " (3) من هذا النص نعلم أن رؤساء الكهنة بعثوا بمجموعة للقبض على المسيح لم يكن فيها أحدا يعرف

____________

(1) أنظر: دخول المسيح إلى أورشاليم (متي 21 / 1 - 17)، وتوبيخه للفريسيين وعلماء الشريعة (لوقا 11 / 37 - 54) ومحاولة اليهود رجم المسيح (يوحنا 10 / 21 - 39)، طرد الباعة من الهيكل (متي 21 / 12 - 17، مرقس 11 / 15 - 18، لوقا 19 / 45).

(2) أنظر (متي 22 / 15 - 12، مرقس 12 / 13 - 17، لوقا 20 / 20 - 26).

(3) يوحنا 18 / 4 - 7.

الصفحة 178
المسيح وهو الذي ذاع صيته في الآفاق، وشاهده الخاص والعام وهو يحاضر في الهيكل أو وهو يقدم معجزاته، ولم يكن بين المجموعة من يعرف المسيح سوى تلميذه الخائن يهوذا، ولكن النص لم يكشف السبب الذي أدى إلى تراجعهم وسقوطهم على الأرض، وإذا تدبرنا ما حدث لهم نجد إما أن يكون المسيح عليه السلام قد رفع في هذه اللحظة فأصابتهم الدهشة وتراجعوا وسقطوا على الأرض. وإما أن يكون شبيه المسيح هو الذي تقدم نحوهم وقال لهم: من تريدون؟ وبين قولهم: يسوع الناصري. وقوله: أنا هو. بدأت تتغير ملامحه لتشبه ملامح المسيح، فتراجعوا وسقطوا على الأرض من هول المفاجأة. في الوقت الذي كان المسيح عليه السلام قد رفع فعلا. وبالجملة: إما أنهم شاهدوا عملية الرفع وأعقبها مباشرة وجدوا أنفسهم أمام الشبيه. وعلى هذا ظل الشك رداءا لهم على امتداد الأحداث، وإما أن شاهدوا التلميذ أولا ثم شاهدوا تغيير ملامحه بعد ذلك، فلبسهم الشك على امتداد الأحداث، وفي كل من الصورتين تقام الحجة عليهم وعلى من خلفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

عقب القبض على شبيه المسيح. كان الشك عنوانا رئيسيا في كل محاكمة وقف أمامها الشبيه. جاء في إنجيل متي " وانعقد المجلس اليهودي الأعلى بحضور رؤساء الكهنة والشيوخ كلهم. وبحثوا عن شهادة زور على المسيح ليحكموا عليه بالموت. ولكنهم لم يجدوا..

أخيرا تقدم اثنان وقالا: هذا قال: إني أقدر أن أهدم هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام. فوقف رئيس الكهنة وسأله: أما تجيب بشئ على ما يشهد به هذان عليك؟ ولكن يسوع ظل صامتا فعاد رئيس الكهنة يسأله قال:

أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح؟! فأجابه يسوع:

أنت قلت. وأقول لكم أيضا إنكم منذ الآن سوف ترون ابن الإنسان
الصفحة 179
جالسا عن يمين القدرة. ثم آتيا على سحب السماء، (1). وقوله جالسا عن يمين القدرة فيه إشارة إلى رفع المسيح بقدرة الله إلى السماء. وقوله " ثم آتيا على سحب السماء " فيه إشارة إلى نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان. وروي أن النبي الخاتم (ص) قال وهو يبين قتال آخر الزمان بين جند الحق وبين جند الباطل "... فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم. من كان عنده فضل طعام فليعد به على أخيه. وصلوا حتى ينفجر الفجر وعجلوا الصلاة ثم أقبلوا على عدوكم. ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه. فينزل ابن مريم. فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة (2). فيقولون من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وكلمته عيسى... " (3) وروي أن المسيح سينزل واضعا كفيه على أجنحة ملكين (4).

ومن الدليل أن الشبيه كان يتنبأ بنزول عيسى عليه السلام أنه عندما أخبرهم بمجئ المسيح على سحب السماء. يذكر إنجيل متي. أنهم ضربوه ولطمه بعضهم قائلين " تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك " (5).

وظل الشك رداءا للقوم على امتداد الليل. ويقول لوقا في إنجيله " ولما طلع النهار. اجتمع مجلس شيوخ الشعب المؤلف من رؤساء الكهنة والكتبة وقالوا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا!! فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون. وإن سألتكم لا تجيبوني. ألا إن ابن الإنسان من الآن سيكون جالسا عن يمين قدرة الله " (6)..

____________

(1) متي 26 / 60 - 64.

(2) لأمة / أي درع. ويقال سلاح.

(3) رواه الطبراني وابن عساكر (تواتر أحاديث نزول المسيح ص 253).

(4) رواه الطبراني وابن عساكر (التواتر ص 164) (تفسير ابن كثير 583 / 1).

(5) متي 26 / 68.

(6) لوقا 22 / 66 - 70.
الصفحة 180
وفي هذا النص سألوه: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فكان رده " إن قلت لكم لا تصدقون " والشبيه على امتداد محاكمته لم يقل أنه المسيح. فكانوا إذا سألوه هل أنت المسيح؟ قال لمن سأله " أنت قلت " لكنه هنا يقول لهم: إن قلت لكم لا تصدقون.

ثم انتقلوا به من الحي اليهودي إلى مقر الحاكم بيلاطس.

يقول إنجيل متي " ووقف يسوع أمام الحاكم فسأله الحاكم: أأنت ملك اليهود؟ أجابه: أنت قلت. وكان رؤساء الكهنة والشيوخ يوجهون ضده الاتهامات وهو صامت لا يرد. فقال له بيلاطس: أما تسمع ما يشهدون به عليك. لكن يسوع لم يجب الحاكم ولو بكلمة حتى تعجب الحاكم كثيرا " (1).

وعندما علم بيلاطس أن المسيح تابع وفقا لتقسيم الدولة لسلطة هيرودس. أحاله اليه. وكان هيرودس في أورشاليم وقتئذ. وذكر إنجيل لوقا بأنه كان في اشتياق لرؤية المسيح ليشاهد معجزاته. وقال " من هو هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأمور. وكان يرغب في أن يراه " (2) وعندما وقف الشبيه في حضرة هيرودس طلب منه أن يرى آية ما تجري على يديه. ولكن الشبيه لا يستطيع أن يقدم معجزة لأنه تلميذا للمسيح عليه السلام. والمسيح وحده هو الذي يحيي الموتى بإذن الله ويشفي المرضى بإذن الله. يذكر إنجيل لوقا " ولما رأى هيرودس يسوع فرح جدا لأنه كان يتمنى من زمان طويل أن يراه بسبب سماعه الكثير عنه. ويرجو أن يرى آية ما تجري على يديه. فسأله في قضايا كثيرة. أما هو فلم يجبه عن شئ. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف. فاحتقره

____________

(1) متي 27 / 11 - 14.

(2) لوقا 9 / 9.
الصفحة 181
هيرودس وجنوده وسخر منه " (1).

وفي هذا النص كفاية على أن الذي تحدث معه هيرودس لم يكن المسيح عليه السلام، وإنما كان شبيهه، فهيرودس كان يتمنى أن يرى المسيح. ويرجو أن يرى آية، والله تعالى أيد المسيح عليه السلام بأكثر من آية، وكان عليه السلام تجري معجزاته في المدن ويوبخ الذين شاهدوها ولم يتوبوا. يقول متي في إنجيله " ثم بدأ يسوع يوبخ المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته لكون أهلها لم يتوبوا " (2) وهيرودس سأل آية. ومن تعاليم المسيح قوله كما جاء في إنجيل مرقس " ليس الأصحاء هم المحتاجين إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لأدعو أبرارا بل خاطئين " (3) وكان يقول كما جاء في إنجيل متي " ما رأيكم في إنسان قد جاء لكي يخلص الهالكين. ما رأيكم في إنسان كان عنده مئة خروف فضل واحد منها. أفلا يترك التسعة والتسعين في الجبال. ويذهب يبحث عن الضال. الحق أقول لكم: إنه إذا وجده فإنه يفرح به أكثر من فرحه بالتسعة والتسعين التي لم تضل " (4) فوفقا لهذه النصوص لا يوجد مانع يحول بين هيرودس وبين ما يرجو أن يراه على أيدي المسيح عليه السلام. والدعوة الإلهية في عصر النبوة تفتح للآيات طرقا عديدة ليؤمن الناس بما وراء المعجزة. ولكن ما حدث في وجود هيرودس وجليسه يدعو إلى العجب. فهيرودس الذي قال عن المسيح يوما " من هو هذا الذي أسمع عنه هذه الأمور. وكان يرغب في أن يراه " (5).

وعندما رآه فرح جدا لأنه كان يرجو أن يرى آية ما تجري على

____________

(1) لوقا 23 / 8 - 12.

(2) متي 11 / 20.

(3) مرقس 2 / 17.

(4) متي 18 / 11 - 14.

(5) لوقا 9 / 9.
الصفحة 182
يديه، وقد علم أن المسيح لن يحول بينه وبين طلبه، لأنه جاء ليدعو الخطائين ويبحث عن الضالين ويقدم المعجزات ويوبخ الذين لم يؤمنوا مهما كان شأنهم، لأنه صادق ولا يبالي بأحد لأنه لا يراعي مقامات الناس. لأنه يعلم طريق الله بالحق، ولكن النصوص أوردت نتيجة اجتماع هيرودس بالمسيح بما لا تستقيم مع المقدمة، فهيرودس سأله في قضايا كثيرة. أما هو فلم يجبه عن شئ، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف. واحتقره هيرودس وجنوده وسخر منه، وهذا الموقف الذي دثره الصمت. لا يمكن أن يفهم إلا على أرضية شبيه المسيح، لأن الشبيه لا يملك أن يقدم آية. فالآيات لله يؤيد بها رسله وهم يقيمون الحجة على الناس، والمسيح عليه السلام أقام حجته ورفعه الله إلى السماء، وبعد المسيح عليه السلام اختبر الله تعالى القافلة الإسرائيلية الاختبار الذي يليق بخاتمة المسيرة، بعد أن ابتلعت العديد من الفتن على امتداد الطريق.

لقد جلس شبيه المسيح في دائرة الصمت الذي لا يضر، دائرة الصمت فيها والكلام محسوبان بدقة بالغة، حتى لا تنهار الدعوة من رأس. ولكن تفوق حجة الذين آمنوا على حجة الكافرين إلى يوم القيامة، وكان عزاء الشبيه وهو يتلقى من الناس الأذى والسخرية، أنه ينصر دين الله، ومن حوله صدى صوت المسيح عليه السلام عندما قال وهو يخاطب التلاميذ " طوبى لكم متى أهانكم الناس واضطهدوكم وقالوا فيكم من أجلي كل سوء كاذبين. افرحوا وتهللوا فإن مكافأتكم في السماوات عظيمة. فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم " (1). والشبيه كان تحت جميع الضربات التي تم توجيهها إليه. متعلقا بالثواب الذي سيناله في الآخرة، فقد قال أمام الحاكم بيلاطس " ليست مملكتي من

____________

(1) متي 5 / 11 - 13.

الصفحة 183
هذا العالم " (1). وهو بهذا يشير إلى قول المسيح عليه السلام لتلاميذه " متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " (2).

فالشبيه في دائرة الصمت هو في حقيقة الأمر في دائرة المنتصر.

وهو في هذه الدائرة يؤدي فريضة الصوم في أسمى معانيها. وقد سئل المسيح عليه السلام يوما " لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين وأما تلاميذك فلا يصومون؟ فأجابهم: هل يقدر أهل العرس أن يصوموا والعريس بينهم. ما دام العريس بينهم لا يقدرون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيام يكون العريس فيها قد رفع من بينهم. فيومذاك يصومون " (3).

إن للصوم معاني وللصوم مراتب بعد رفع المسيح. والشبيه في دائرة الصمت كان يؤدي فريضة. تحفظ للدعوة مكانها في عالم تقذر بقذارة الكفر والطغيان، وفي مصادر الإسلام كان الشبيه يعلم أنه سيقتل لا محالة حين يشبه للقوم في صورة عيسى عليه السلام (4). وفي مصادر النصارى كان التلاميذ يعلمون أن في اتباع المسيح مشقة لا يتحملها إلا مؤمن، ومن هذه المشاق عقوبة الصلب لكل من يلعنه المجتمع، ورغم قسوة هذه العقوبة. إلا أن المسيح عليه السلام قال " إن أراد أحد أن يسير ورائي فلينكر نفسه. ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني " (5). وحمل الشبيه صليبه. وفي نهاية المطاف نكس رأسه وأسلم الروح.

وأصابت الفتنة المهلكة الذين يسارعون في الأرض الفساد. ففي

____________

(1) يوحنا 18 / 36.

(2) متي 19 / 27 - 30.

(3) مرقص 2 / 19.

(4) أنظر تفسير ابن كثير لدى قوله تعالى: (وما قتلوه...).

(5) لوقا 9 / 23.
الصفحة 184
البداية لم يتدبروا الأحداث وسخروا من المصلوب " وسخر منه أيضا رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ قائلين: خلص غيره أما نفسه فلا يقدر أن يخلص. أهو ملك إسرائيل. فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به " (1)، " وعلق بيلاطس لافتة على الصليب مكتوب عليها: يسوع الناصري ملك اليهود، فقرأ اللافتة كثيرون من اليهود.. فقال رؤساء كهنة اليهود لبيلاطس: لا تكتب ملك اليهود. بل إن هذا الإنسان قال أنا ملك اليهود.. " (2) وفي النهاية انطلق اليهود نحو طريق طويل. يعملون فيه من أجل ملك اليهود الذي يأتي آخر الزمان وتطرح له الأرض فطيرا وملابس من الصوف وقمحا حبه بقدر كلاوي الثيران الكبيرة. كما ذكر التلمود، وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، تلى على أسماع الجميع حقيقة الأحداث. ومنه قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما. وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته. ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) (3). قال المفسرون في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته) قيل: أي قبل موت عيسى عليه السلام إذا نزل لقتل المسيح الدجال. وقيل: كل كتابي لا يموت إلا وعند احتضاره يتجلى له ما كان جاهلا به فيؤمن به. لكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له. لقوله تعالى في أول السورة: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) (4).

____________

(1) متي 27 / 43.

(2) يوحنا 19 / 19.

(3) سورة النساء آية 157.

(4) سورة النساء آية 18.
الصفحة 185
فقبل ساعة الموت لا بد من الأخذ بأسباب البحث عن الحقيقة، ولا بد أن تكون فاتحة هذا البحث مستندة على مساند الفطرة. لأنه كما تكون البداية تكون النهاية. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.

4 - [ التقدم إلى الخلف ]

أخبر المسيح عليه السلام تلاميذه بأنهم سيضطهدون وسيطردون خارج المجامع. وإنه سيأتي وقت يظن فيه من يقتلهم أنه يؤدي خدمة لله (1) وفي آخر الدعوة قال المسيح لتلاميذه " حين أرسلتكم بلا صرة مال ولا كيس زاد ولا حذاء. هل احتجتم إلى شئ. فقالوا: لا فقال لهم: أما الآن فمن عنده صرة مال فليأخذها وكذلك من عنده حقيبة زاد. ومن ليس عنده فليبيع رداءه ويشتر سيفا " (2) لقد كان عليه السلام يعدهم للدفاع عن أنفسهم. وكما نزل الستار على أبناء هارون من بعد موسى وهارون. وهم الذين عينتهم الدعوة الإلهية لتفسير الشريعة، وكما ضاعت أصواتهم في ساحات الضوضاء والغوغاء فلم ترى معالمهم في السطور التي احتوتها الأصول، كذلك نزل الستار على تلاميذ المسيح عليه السلام من بعد رفع المسيح، وضاعت أصواتهم على موائد المجامع. ولم تكن لهم معالم في سطور القرارات التي أصدرتها المجامع عبر تاريخها. ولم يعرف من سيرة تلاميذ المسيح عليه السلام إلا ما أخبرت به الدعوة الإلهية الخاتمة. روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كونوا كأصحاب عيسى. نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير. موت في طاعة خير من حياة في معصية " (3) وبعد اضطهاد الأصحاب جاء العصر الذي اضطهد فيه الأتباع

____________

(1) أنظر: يوحنا 16 / 1 - 3.

(2) لوقا 22 / 35 - 37.

(3) رواه ابن عساكر عن ابن مسعود. والطبراني عن معاذ (كنز العمال 216 / 1).
الصفحة 186
والذين على أثر المسيح. قال تعالى: (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد...) (1). قال المفسرون:

قيل: كان الأخدود بنجران. وكان بها بقايا قوم على دين عيسى بن مريم، وأراد ملك من ملوك حمير كان قد تهود أن يحملهم على اليهودية ويدخلهم فيها، فجمع من كان بنجران على دين المسيح ثم عرض عليهم دين اليهودية، فأبوا عليه واختاروا القتل. فاتخذ لهم أخدودا وجمع فيه الحطب وأشعل فيه النيران. فمنهم من أحرق بالنار ومنهم من قتل بالسيف، وقوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله..) أي ما كرهوا من أولئك المؤمنين إلا إيمانهم بالله. فأحرقوهم لأجل إيمانهم. وقيل: أن لأصحاب الأخدود وقائع متعددة وقعت بالحبشة واليمن والعجم والإشارة في الآية إلى جميعها. وذكر ابن كثير أنه في زمن قسطنطين. ألقى النصارى الذين كانوا على دين المسيح عليه السلام في أخدود وقتلوا جميعا بالنار (2). ومن الثابت أن قسطنطين هو الذي دعا إلى مؤتمر نيقية عام 325 م. وهو الذي اعتمد قانون الإيمان النصراني الذي يقول بألوهية المسيح. كما سنبين في موضعه.

وبالجملة: تم اضطهاد وقتل الذين سلكوا سبيل عيسى عليه السلام. ونزل عليهم الستار كما نزل من قبل على أبناء هارون في صدر المسيرة الإسرائيلية. ورغم نزول الستار إلا أن آثار أقدامهم واضحة على امتداد الطريق. لأنها أصل من أصول الدعوة يقام به الحجة على كل من يتدبر في الأصول. وهذا الأصل يقود إلى الدعوة الخاتمة التي جعلها الله حجة على البشرية جمعاء.

____________

(1) سورة البروج آية 4 - 8.

(2) ابن كثير في تفسيره 495 / 4.
الصفحة 187
بعد حرق الذين آمنوا بالله العزيز الحميد. ظهرت أول رسائل في اللاهوت المسيحي. جاء في تاريخ الكنيسة " إن أقدم رسالة في اللاهوت المسيحي مصدرها بولس " (1) وهذا يعني أن العمود الفقري للنصرانية التي تقول بلاهوت المسيح يعود وضع خميرته ورعاية أعمدته إلى بولس، ويعني أيضا أن المسيرة النصرانية انطلقت منذ ذلك الحين بوقود بولس. بعد أن أقيمت عليهم الحجة على امتداد المسيرة الإسرائيلية وحتى زمن المسيح عليه السلام. بأنه لا إله إلا الله، وإنه سبحانه الأول والآخر والظاهر والباطن، وله وحده ميراث السماوات والأرض وجميع موجودات العالم تنتهي في وجودها وآثارها إليه جل شأنه.

ولما كان بولس تعود إليه الخميرة الأولى للمسيرة المسيحية الحاضرة، فإن البحث يقضي بضرورة إلقاء بعض الضوء عليه وعلى اجتهاداته. فيما يتعلق بالعمل بالشريعة الموسوية والتبشير بالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، على إعتبار أن دعوة المسيح عليه السلام كانت تقوم على هذين الاتجاهين.

أولا - " من هو بولس "؟:

يقول بولس عن نفسه " إن اليهود جميعا يعرفون نشأتي من البداية. فقد عشت بين شعبي في أورشاليم منذ صغري. وما داموا يعرفونني من البداية فلو أرادوا لشهدوا. ليشهدوا إنني كنت فريسيا أي تابعا للمذهب الأكثر تشددا في ديانتنا " (2) ويقول " كنت متفوقا في الديانة اليهودية على كثيرين من

____________

(1) تاريخ الكنيسة / لويرم ص 83.

(2) أعمال الرسل 26 / 5 - 7.
الصفحة 188
أبناء جيلي في أمتي. لكوني غيورا أكثر منهم جدا على تقاليد آبائي " (1).

ولقد علمنا فيما سبق أن المسيح عليه السلام حذر من الفريسيين ومن خميرهم. أي من تعاليمهم (2). ولقد كان الفريسيون من أشد الناس خطرا على دعوة المسيح على امتداد بعثته وبعدها، وبولس نفسه يشهد بذلك. قال " كنت أعتقد أنه يجب أن أبذل غاية جهدي لأقاوم اسم يسوع الناصري، وقد عملت على تنفيذ خطتي في أورشاليم. بتفويض خاص من رؤساء الكهنة، فألقيت من السجن عددا كبيرا من القديسيين، وكنت أعطي صوتي بالموافقة عندما كان المجلس يحكم بإعدامهم، وكم عذبتهم في المجامع كلها لأجبرهم على التجديف. وقد بلغ حقدي عليهم درجة جعلتني أطاردهم في المدن في خارج البلاد " (3) وقال " كنت أضطهد كنيسة الله متطرفا إلى أقصى حد. ساعيا إلى تخريبها " (4).

ثانيا - " كيفية اعتناق بولس للنصرانية ":

بما أن بولس كان متفوقا في الديانة اليهودية كما ذكر. فإنه كان يعلم بمنزلة هارون وبنيه في الشريعة اليهودية، والراصد لحركة بولس في اتجاه النصرانية. يجد أنه ادعى لنفسه منزلة هارون لتكون مدخله إلى الحي النصراني، وبعد الدخول ادعى لنفسه أن منهجه لم يتسلمه من إنسان بل من الله، وإنه اطلع على السر الذي لم يطلع عليه بنو البشر في الأجيال الماضية، وقال إن النعمة الموهوبة إليه لم تكن عبثا. لأنه عمل جاهدا أكثر من الرسل الآخرين، ومن تحت هذا السقف خرجت عقيدة

____________

(1) غلاطية 1 / 14.

(2) أنظر: متي 12 / 22 - 37، متى 16 / 5 - 12، مرقس 8 / 14 - 21، لوقا 11 / 37 - 54.

(3) أعمال الرسل 26 / 10 - 12.

(4) غلاطية 1 / 13.