الصفحة 189
بولس. لتعمل من أجل ميراث بني إسرائيل الذي لم تفارق ثقافته فرقة الفريسيين أصحاب التفسير الشفهي (التلمود) على امتداد المسيرة، وبولس نفسه يثبت هذا الهدف بعد دخوله إلى الحي النصراني. قال " لي رجاء بأنه يحقق الله ما وعد به آبائنا وما زالت أسباط شعبنا الاثني عشر تواظب على العبادة ليل نهار راجية تحقيقه " (1).

ومنزلة هارون جاءت على لسان بولس عندما قال " إن الكاهن الأعلى كان يؤخذ من بين الناس، ويعين للقيام بمهمته نيابة عنهم في ما يخص علاقتهم بالله، وذلك لكي يرفع إلى الله التقدمات والذبائح...

ولم يكن أحد يتخذ لنفسه هذه الوظيفة الشريفة متى أراد، بل كان يتخذها من دعاه الله إليها كما دعا هارون " (2) وعلى هذه الخلفية. ذكر بولس أنه كان في طريقه إلى دمشق لإنجاز مهمة كلف بها. وهي القبض على بعض أتباع المسيح وسوقهم مقيدين إلى أورشاليم، وقال " وفيما هو منطلق إلى دمشق وقد اقترب منها. لمع حوله فجأة نور من السماء فوقع على الأرض. وسمع صوتا يقول له: شاول. شاول. لماذا تضطهدني؟ فسأل: من أنت يا سيد؟ فجاءه الجواب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده. والآن قم وأدخل المدينة فيقال لك ما يجب أن تفعله " (3).

وإذا كان بولس قد ذكر هنا أن المسيح أمره بدخول المدينة ليتلقى الأوامر. فإنه ذكر في موضع آخر أن المسيح عينه خادما له وحمله رسالة إلى الأمم. قال " فسألت: من أنت يا سيد؟ فأجاب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، أنهض وقف على قدميك فقد ظهرت لك لأعينك

____________

(1) أعمال الرسل 26 / 5 - 7.

(2) عبرانيين 5 / 1 - 5.

(3) أعمال الرسل 9 / 3 - 7.
الصفحة 190
خادما لي، وشاهدا بهذه الرؤيا التي تراني فيها الآن. وبالرؤى التي ستراني فيها بعد اليوم، وسأنقذك من شعبك ومن الأمم التي أرسلك إليها الآن... " (1) وعلى خلفية منزلة هارون ومشاهدته نور من السماء لمع حوله فجأة، كتب بولس رسائله " من بولس. وهو رسول لا من قبل الناس ولا بسلطة إنسان، بل بسلطة يسوع المسيح " (2) وقال * أيها الأخوة. إن الإنجيل الذي بشرتكم به ليس إنجيلا بشريا، فلا أنا تسلمته من إنسان ولا تلقنته تلقينا، بل جائني بإعلان من يسوع المسيح " (3)، وقال " أن المسيح قد أرسلني لا لأعمد. بل لأبشر بالإنجيل " (4). وقال " ونعمته الموهوبة لي لم تكن عبثا، إذ عملت جاهدا أكثر من الرسل الآخرين جميعا، إلا أني لم أكن أنا العامل بل نعمة الله التي كانت معي " (5).

ثالثا - " بولس والشريعة ":

على امتداد عهد المسيح عليه السلام. كان يقول " لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء. ما جئت لألغي بل لأكمل " (6)، وعندما جاء بولس وقاد المسيرة ألغى الشريعة. قال " كانت الشريعة هي مؤدبنا حتى مجئ المسيح لكي تبرر على أساس الإيمان، ولكن بعد ما جاء الإيمان تحررنا من سلطة المؤدب، فإنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، لأنكم جميع الذين تعمدتم في المسيح قد لبستم

____________

(1) أعمال الرسل 26 / 15 - 17.

(2) غلاطية 1 / 1.

(3) غلاطية 1 / 11.

(4) كورنثوس 1 / 17.

(5) كور 1 / 10.

(6) متي 5 / 17.
الصفحة 191
المسيح " (1)، وقال " أثبت الله لنا محبته. إذ ونحن ما زلنا خاطئين مات المسيح عوضا عنا، وما دمنا الآن قد تبررنا بدمه. فكم بالأحرى نخلص من الغضب الآتي، فإن كنا ونحن أعداء قد تصالحنا مع الله بموت ابنه.

فكم بالأحرى نخلص بحياته ونحن مصلحون " (2). وقال " يا إخواني.

فإنكم بواسطة جسد المسيح الذي مات. قد صرتم أمواتا بالنسبة للشريعة لكي تصيروا إلى آخر. إلى المسيح نفسه " (3). وقال " إن المسيح حررنا بالفداء من لعنة الشريعة. إذ صار لعنة عوضا عنا. لأنه قد كتب:

ملعون كل من علق على خشبة " (4).

وعلى هذا الأساس الذي وضعه بولس. ألغيت الشريعة التي جاء أنبياء بني إسرائيل ليبينوها للناس. وليحذرونهم من المخالفة والانحراف الذي يترتب عليه لعنهم إلى يوم القيامة، وبولس ألغى الشريعة تحت عنوان: أن المسيح مات عن العصاة في الوقت المعين. وما دام قد مات عوضا عن الجميع وصار لعنة لأجلهم. فمعنى ذلك أن الجميع قد ماتوا بالنسبة للشريعة. وعندما قام المسيح من بين الأموات صاروا إليه ولبسوا فيه. وما دام الأمر كذلك فلا فائدة ترجى من الشريعة. لأن الأحياء لا يعيشون بالشريعة وإنما بالذي مات عوضا عنهم ثم قام (5)!! ولم يكتفي بولس بإلغاء الشريعة. بل هدد العاملين بها. ولا ندري أي إيمان يكون بغير الكتب السماوية وتصديق الأنبياء. وهل عرفنا الإيمان إلا بالناموس الذي هو من أوامر الله.

____________

(1) غلا 3 / 23 - 29.

(2) روما 5 / 7 - 11.

(3) روما 7 / 4 - 5.

(4) غلا 3 / 13.

(5) أنظر: كور 5 / 16، غلا 3 / 23 - 29، روما 5 / 7 - 11.
الصفحة 192

رابعا - " بولس والتبشير بالنبي الخاتم (ص) ":

بعد أن ألغى بولس الشريعة. ودفع بالقافلة إلى حيث لا ضابط لها فيما تفعل أولا تفعل. وترتب على هذا ظهور الكثير من الأحبار والرهبان ليشرعوا للناس ويأكلوا أموال الناس بالباطل. وظهور الكثير من الفرق التي اتخذت عقيدة أرض الميعاد وثقافتها وقودا لها. وكان الحي النصراني هو الأرض الخصبة لهذه الفرق. نظرا لوجود الحي اليهودي مع الحي النصراني تحت سقف واحد ينتمي إلى بني إسرائيل بالاسم.

وبولس قام بالتعتيم على نبوة الرسالة الخاتمة. من خلال تصوره لعقيدة ميراث بني إسرائيل. بمعنى أنه تتبع الميراث من عند بدايته. ومن عند البداية ضرب الخط الذي يبعث الله منه النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. والوعد جاء ذكره في التوراة على النحو التالي " في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: لتلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات " (1).

ويقول بولس في هذا الوعد " فإنه قد كتب إن إبراهيم كان له إبنان. أحدهما من الجارية. والآخر من الحرة. أما ابن الجارية فقد ولد حسب الجسد. وأما ابن الحرة فإتماما للوعد " (2) وابن الجارية الذي يقصده بولس. هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وأمه هاجر عليها السلام. ومن ذريته بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. أما ابن الحرة الذي يقصده بولس. فهو إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. وأمه سارة عليها السلام، ومن أبنائه يعقوب ومن ذريته بعث الله أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام.

____________

(1) تكوين 15 / 18 - 20.

(2) غلا 4 / 22 - 24.
الصفحة 193
وبولس وهو يصيغ منهجه للتعتيم على النبوة الخاتمة، راعى أن يكون الحي النصراني خادما للحي اليهودي، بمعنى أنه قام بتحويل الدعوة المسيحية من السير إلى الأمام إلى السير نحو الخلف بلا سراج ينير، حتى تقف المسيرة عند الوراء أمام لوحة ميراث بني إسرائيل، ولا تملك المسيرة إلا أن تكون خادمة لهذا العنوان، وعلى امتداد هذه الخدمة يتم صحن كل شئ في خدمة الحي اليهودي بما في ذلك آيات التبشير بالنبوة الخاتمة.

لقد جرد بولس الحي النصراني من الشريعة التي يتمسك بها الحي اليهودي، وعلى هذا يصبح لا معنى وراء اعتناق اليهودي للنصرانية التي حررها بولس من الشريعة، ولأن النصرانية التي أسسها بولس تعمل تحت سقف الحي اليهودي. فإن وجود النصارى تحت هذا السقف يكون له معنى بأي صورة من الصور، وبولس نفسه يقول " لي رجاء بإن يحقق الله ما وعد به آباءنا. وما زالت أسباط شعبنا الاثني عشر تواظب على العبادة ليل نهار راجية تحقيقه " (1). وقد علمنا من قبل أن الأسباط الاثني عشر تخص الحي اليهودي، وأن التلاميذ الاثني عشر يخصوا دعوة المسيح فإنهم ذلك.

ودفع القافلة النصرانية لخدمة الأهداف اليهودية. نراها في أصول بولس التي تتحدث عن الميراث وتضرب من خلاله آيات التبشير بالنبوة الخاتمة. ومن ذلك قوله " قد سمعتم بتدبير نعمة الله الموهوبة لي لأجلكم. كيف كشف لي السر عن طريق الوحي. كما كتبت قبلا بإيجاز. ويمكنكم حينما تقرأون ما كتبته أن تدركوا اطلاعي العميق على سر المسيح. ذلك السر الذي لم يطلع عليه بنو البشر في الأجيال الماضية مثلما أعلن اللآت بوحي الروح لرسله القديسيين وأنبيائه، وهو:

____________

(1) أعمال الرسل 26 / 6 - 8.
الصفحة 194
أن الأمم هم شركاء اليهود في الميراث وأعضاء في الجسد معهم. ولهم أيضا حق الاستفادة من الوعد. وذلك في المسيح يسوع. وبفضل الإنجيل الذي صرت أنا خادما له " (1).

فالسر العميق بإيجاز شديد. هو أن الأمم الذين هم بلا شريعة.

يمكن أن يكون لهم نصيبا في الميراث إذا وقفوا مع النصارى وهم أيضا بلا شريعة. تحت سقف المسيح الذي حرر الناس من لعنة الشريعة إذ صار لعنه عوضا عنهم. لأنه قد كتب: ملعون كل من علق على خشبة.

فلكي تصل بركة إبراهيم إلى الأمم. لا بد أن يكون ذلك عن طريق قبول المسيح (2). وقبول المسيح من شروطه قبول الإنجيل الذي صار بولس خادما له. ومن المعلوم أن بولس لم يصاحب المسيح عليه السلام ولم يشر في رسائله أنه رآه أو تحدث معه أو شاهد معجزاته على عهد ا لدعوة.

ولما كان اليهود على امتداد مسيرتهم يتمسكون بعقيدة الشعب المختار أي الشعب ذو الدماء النقية الذي يرث الأرض التي كتبها الله لإبراهيم، فإن بولس ألحق النصارى بنسل إبراهيم ولكن عن طريق آخر هو طريق الروح، فقال " وقد وجهت الوعود لإبراهيم ونسله. ولا يقول " وللأنسال " كأنه يشير إلى كثيرين، بل يشير إلى واحد، إذ يقول " ولنسلك " يعني المسيح " (3) ثم يقول لاتباعه وهو يلحقهم بنسل المسيح " وأما أنتم أيها الأخوة، فأولاد الوعد على أمثال إسحاق، ولكن لما كان في الماضي المولود بحسب الجسد يضطهد المولود بحسب الروح، فكذلك أيضا يحدث الآن، إنما ماذا يقول الكتاب؟، اطرد الجارية

____________

(1) إفسوس 3 / 3 - 7.

(2) غلا 3 / 13 - 14.

(3) غلا 3 / 15 - 17.
الصفحة 195
وابنها. لأن ابن الجارية لا يرث مع ابن الحرة. إذن أيها الأخوة نحن لسنا أولاد الجارية بل أولاد الحرة " (1).

ولقد خلط بولس بين الأوراق عندما قال: " ولفظة هاجر. تطلق على جبل سيناء في بلاد العرب، وتمثل أورشاليم الحالية فإنها مع بنيها في العبودية، وأما الثاني. فرمزه الحرة التي تمثل أورشاليم السماوية.

التي هي أمنا " (2).

فمنهج بولس فيما يختص بالميراث، أثبت لليهود الحق فيه، لأنهم أولاد يعقوب بن إسحاق، وهم أصحاب شريعة موسى والأنبياء، والحي النصراني له الحق في الوعد على أمثال إسحاق. لأنه ينتسب إلى المسيح بالروح. كما يقول الإنجيل الذي صار بولس خادما له، والحي اليهودي مع الحي النصراني في عقيدة بولس. لا يمثلان أورشاليم التي يتجول فيها بولس وجميع فرق بني إسرائيل. فأورشاليم التي لعن الله أهلها الذين قتلوا الأنبياء وجعلوا بيته فيها مغارة لصوص، وجاءتها البعوث من كل مكان لتدمر ما فيها وتسبي أهلها. بعد أن عبدوا البعل وأقاموا المرتفعات للآلهة المتعددة، أورشاليم هذه لا تخص إلا هاجر وولدها إسماعيل وذريته العربية كما تقول عقيدة بولس، أما ما يخص بولس وأتباعه فهي أورشاليم السماوية. أورشاليم الجديدة التي جاء ذكرها في أسفار الأنبياء كما ذكرنا. ومن أوصافها " أرضها مربعة طولها يساوي عرضها. وهي متساوية الطول والعرض والارتفاع " (3). وقال مفسرو العهد الجديد: هي مكعبة، " ولن يدخلها شئ نجس ولا ما

____________

(1) غلا 4 / 18 - 31.

(2) غلا 4 / 25 - 26.

(3) رؤيا 21 / 16.
الصفحة 196
يصنع رجاسة أو كذب " (1). وأرضها أرض جديدة لا بحر فيها " (2).

" ويطل عليها جبل ضخم عال " (3). " ولا يوجد بها هيكلا "، (4). " وبنزول أورشاليم من عند الله يكتب الله عليها اسمه الجديد " (5). " ويصير بيت الله وسط الناس " (6). وذكر سفر الرؤيا أن المبعوث إلى أورشاليم الجديدة هو الشاهد " الأمين الصادق " (7).

ففي عقيدة بولس أن أورشاليم هذه لا تخص هاجر وولدها. وإنما تخص بولس وأتباعه (!!). ونتيجة لخلط الأوراق حدث الضلال على امتداد المسيرة، ولم يجني الحي النصراني إلا السراب الذي لا يروي ظمأ ولا يسمن ولا يغني من جوع، وبتأمل أحداث آخر الزمان نجد أن المسيرة النصرانية التي زودها بولس بوقوده لتكون في خدمة الأهداف اليهودية، ستكون معلقة في الهواء. حيث لا أرض طالت ولا سماء، بينما يكون اليهود في هذا الوقت تحت قيادة أمير السلام ابن داوود ينعمون بما لديهم من مادة وميراث كما يعتقدون، ويقول بولس عن مكان النصارى في أحداث آخر الزمان " إننا نحن الباقين أحياء إلى حين عودة الرب لن نسبق الراقدين. لأن الرب نفسه سينزل من السماء حالما يدوي أمر الجميع. وينادي رئيس ملائكة ويبوق في بوق إلهي، عندئذ يقوم الأموات في المسيح أولا، ثم إننا نحن الباقين أحياء نختطف جميعا في السحب للاجتماع بالرب في الهواء، وهكذا نبقى مع الرب

____________

(1) رؤيا 21 / 27.

(2) رؤيا 21 / 1.

(3) رؤيا 21 / 10.

(4) رؤيا 21 / 22.

(5) رؤيا 3 / 3.

(6) رؤيا 21 / 3.

(7) رؤيا 3 / 3 - 20.
الصفحة 197
على الدوام. لذلك عزوا بعضكم بعضا بهذا الكلام " (1). وبهذا الكلام ينتهي الأمر بفوز اليهود بالميراث الذي كان بولس يرجو من الله أن يحققه. بعد أن وعد به آبائه من بني إسرائيل. وظلت أسباط الشعب الاثني عشر تواظب على العبادة ليل نهار. راجية تحقيقه. وينتهي الأمر أيضا بالحي النصراني وسط السحاب في الهواء، ليملأ كفيه بالسحاب أو بالهواء.

وبعد إلقاء بعض الضوء على أطروحة بولس داخل الحي النصراني، نسجل هنا أقوال بعض علماء مقارنة الأديان، يقول يواكيم برنز " لقد كان بولس سباقا إلى قبول فكرة انفصال المسيحية عن اليهودية. ومهد بإنشاء العقيدة المناسبة " (2)، ويقول د. جوستاف لوبون " إن بولس أسس باسم يسوع دينا لا يفقهه يسوع لو كان حيا، ولو قيل للحواريين الاثني عشر إن الله تجسد في يسوع ما أدركوا هذه الفضيحة ولرفعوا أصواتهم محتجين " (3)، ويقول د. شارل جنيبر رئيس قسم الأديان بجامعة باريس " لقد تجاهل بولس فكرة عيسى الناصري ولم يتجه إلا إلى عيسى المصلوب، فتصوره شخصية إلهية تسبق العالم نفسه في الوجود. رجل سماوي احتفظ الله به إلى جانبه، أمدا طويلا، حتى نزل إلى الأرض لينشئ فيها حقا لبشرية جديدة يكون هو دمها، وهذه العقيدة تنتهي إذا سمح لنا باستخدام هذا التعبير. إلى ثمرة تبعث كثيرا على الاستغراب. هي أن عيسى يصور لنا ابنا لله. ولكن فكرة الله بالنسبة لبولس تدخل ضمن ميراثه من العقيدة اليهودية، فكيف إذن يتأتى تصور أن يكون لله ابن. وهذا لا يمت بصلة إلى العقيدة اليهودية " (4)، ويقول

____________

(1) تسالونيكي 4 / 16.

(2) باباوات من الحي اليهودي / يواكيم برنز ص 74.

(3) حياة الحقائق / جوستاف لوبون ص 187.

(4) المسيحية ونشأتها وتطورها / شارل جنيبر ص 105.
الصفحة 198
الكردنال دانيلو: " إن المسيحيين المخلصين يعتبرون بولس خائنا، وتصفه وثائق مسيحية بالعدو. وتتهمه بالتواطئ التكتيكي " (1).

خامسا - " فرض العقيدة البوليسية ":

وضع بولس الذي كان ينتمي إلى طائفة الفريسيين خميرته داخل الحي النصراني الذي يقف تحت السقف اليهودي، ولم تكن خميرة بولس ضارة باليهود وإنما كانت في خدمتهم، ثم اتسعت الخميرة بعد ذلك بفضل المراكز الثقافية التي كانت فرقة الفريسيون تشرف عليها، وهذه المراكز قامت أعمدتها على تعاليم الماسونية، وكان بولس يتردد على هذه المراكز (2)، وكان يصدر أوامر صارمة إلى تلاميذه بأن يقتدوا به، وأن يعتزلوا كل من يخالفهم وأن ينتبهوا إلى مثيري الانقسامات حول تعاليمه.

وذكر المحققون أن بولس كان نشيطا دائم الحركة ذا قوى لا تكل وذا نفس لا تمل، وكان شديد الذكاء بارع الحيلة قوي الفكر، يدبر الأمور لما يريد، ويسدد السهام لغاياته ومآربه فيصيبها، استطاع أن يحمل أكثر الناس على نسيان ماضيه وأن يندمجوا في شخصه حتى يصير هو كل شئ. وهم لا يستطيعون رد قوله، ولقد خطى بولس خطواته الواسعة مستفيدا من حداثة عهد الناس بالمسيحية. وبعلاقته بالكهنة والحكام وأصحاب السلطة، وأخذ بولس في التطواف في الأقاليم. يقوم بالدعاية ويلقي الخطب. ويكتب الرسائل. حتى أن رسائله كانت هي الرسائل التعليمية بما اشتملت عليه من مبادئ في الاعتقاد وبعض

____________

(1) حقيقة التبشير / أحمد عبد الوهاب ص 59.

(2) أنظر: كتابنا عقيدة الدجال ط دار الهادي بيروت.
الصفحة 199
الشرائع العملية (1).

وبالنظر في رسائل بولس لمعرفة منهجه في نشر دعوته نجده يقول في رسالة " كونوا جميعا أيها الأخوة مقتدين بي. ولاحظوا الذين يسلكون بحسب القدرة التي ترونها فينا. فإن كثيرين ممن يسلكون بينكم. وقد ذكرتهم بكم مرارا. واذكرهم الآن أيضا، إنما هي أعداء لصليب المسيح " (2) ويقول في رسالة أخرى وقد ضج من الذين تصدوا لتعاليمه " أتوسل إليكم أيها الأخوة. أن تنتبهوا إلى مثيري الانقسامات والعثرات خلافا للتعليم الذي تعلمتم. وأن تبتعدوا عنهم " (3) وفي رسالة يقول " أوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح. إن تعتزلوا عن كل أخ يسلك سلوكا فوضويا لا يوافق التعليم الذي تلقيتم منا " (4) ويبدو أن المعارضين لتعاليمه قد تصدوا لهذه التعاليم في بداية الأمر. مما أدى إلى أن يلوح لهم بولس بقبضته الحديدية مهددا لهم بالعقاب. يقول في رسالة من رسائله " لي ثقة بكم في الرب. إنكم لن تعتنقوا رأيا آخر.

وكل من يثير البلبلة بينكم سيتلقى عقاب ذلك كائنا من كان " (5).

واستغل بولس علاقته للملوك وأصحاب السلطة في ضرب المعارضة، فأمر أتباعه بالدخول تحت سقف السلطة وذلك بالدعاء للحكام والخضوع لقانونهم، في الوقت الذي كان اليهود يخضعون فيه لقانونهم المستمد من الشريعة تحت رعاية الكهنة والشيوخ، قال بولس في رسائله " ذكر المؤمنين أن يخضعوا للحكام والسلطات ويطيعوا

____________

(1) المقارنات / د. محمد الصادقي ص 64.

(2) فليبي 3 / 17 - 18.

(3) روما 16 / 17.

(4) تسالونيكي 3 / 6 - 8.

(5) غلاطية 5 / 10.
الصفحة 200
القانون " (1) وقال " أطلب قبل كل شئ. أن تقيموا الطلبات الحارة والصلوات والتضرعات والتشكرات لأجل جميع الناس، ولأجل الملوك وأصحاب السلطة لكي نعيش حياة مطمئنة هادئة " (2).

سادسا - " الطريق إلى الأمم ":

وضع بولس منهجه وسط ساحة زمنية تربط بين دعوتين إلهيتين.

الدعوة الإلهية إلى بني إسرائيل والدعوة الإلهية الخاتمة إلى البشرية كافة، وبولس في منهجه أعطى للمسيح صفة الديمومة. أي صفة الألوهية. وربط أتباعه بهذه الصفة... ومعنى هذا أنه أغلق باب التوبة.

بمعنى: إذا كانوا مع المسيح والمسيح فيهم. فما الجدوى من وراء التوبة؟ وترتب على ذلك عدم التفات أتباعه إلى آية تدعو إلى الرجوع إلى الله.

وبولس عندما جرد مسيرته من الشريعة الموسوية. ألقى داخل ساحات الأمم حيث الشرائع المتعددة للعقائد المتعددة. التي يشرف عليها كهنة الوثنية والملوك الذين أقاموا ملكهم على ثقافة تقول: أن في عروقهم تجري دماء الآلهة، ودخول بولس إلى ساحة الأمم كان معولا آخر ضرب به تعاليم المسيح عليه السلام، وكان المسيح قد حدد ساحة بني إسرائيل دون غيرها لدعوته. وجاء في إنجيل متي أن امرأة كنعانية طلبت من المسيح أن يشفي ابنتها المجنونة، لكنه لم يجيبها بكلمة، وعندما قال له التلاميذ " اصرفها لأنها تصيح وراءنا. أجابهم: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (3)، وقال متي هنري في تفسيره أي

____________

(1) تيطس 3 / 1.

(2) ثيموثاوس 2 / 2 - 3.

(3) متي 15 / 25.
الصفحة 201
أنتم تعلمون أني لم أرسل إلا لهذه الغاية. وهذه المرأة ليست من خراف بيت إسرائيل. فهل ترضون بأن أتعدى حدود ارساليتي " (1).

وترتب على دخول بولس إلى الساحة الأممية. أن الحي النصراني الذي يشرف عليه بولس. امتص كثيرا من العقائد والثقافات الوثنية، ومع هذه الأحمال رتعت الأهواء التي تلبست بالدين وأغلقت باب التوبة، فلم يقف على أبواب التوبة من هضم الوثنية ومن إعتقد بأن المسيح حرره من لعنة الناموس وأن المسيح عندما قام من بين الأموات صار إليه ولبس فيه، وفي امتصاص المسيحية للوثنية يقول ديورانت في قصة الحضارة: " إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها (2) بعد أن هضمت تقاليد العقل الوثني فكرة المسيح الإله (3) وقصارى القول: أن المسيحية كانت آخر شئ ابتدعه العالم الوثني القديم (4).

وعلى الساحة الوثنية تعددت الآراء لعدم استقرار الفطرة على ما فطرها الله عليه، وانعقدت المجامع المسيحية للبحث عن ثوب يخفي العرى المعيب، فكان مجمع نيقية (325 م) وتصدى المجتمعون فيه إلى عقيدة الوحدانية التي قال بها آريوس، وأقر المجمع عقيدة المسيح الإله، ثم جاء مجمع القسطنطينية (381 م) ليقر ألوهية الروح القدس، ثم مجمع أفسس (431 م) وأقر أن المسيح له طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، ثم مجمع خلقيدونية (451 م) وأقر أن المسيح له طبيعتان ومشيئتان، وتوالت المجامع لتزيل الإشكال، فما يلبث الإشكال حتى يصير ألف إشكال.

____________

(1) متي هنري 27 / 1.

(2) قصة الحضارة / ديورانت مجلد 11، ب 27، ف 2، ص 276.

(3) المصدر السابق مجلد 11، ف 5، ب 28، ص 320.

(4) المصدر السابق مجلد 11، ف 2، ب 27، ص 276.
الصفحة 202
لقد كانت فتنة. اجتمعت أطرافها عند عنوان: أرض الميعاد، وروي أن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال " وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال " (1).

سابعا - " الخاتمة ":

أقام الله حجته على بني إسرائيل بإرساله الأنبياء والرسل إليهم، وقام الأنبياء والرسل بإرشاد القافلة الإسرائيلية إلى ما فيه سعادتهم وأخبروهم بما يستقبلهم من أحداث في بطن الغيب وهم يخبرون بالغيب عن الله تعالى، وحذروهم من مقدمات يترتب عليها فتن تقودهم إلى نتيجة لعن الله أتباعها إلى يوم القيامة، وبشروهم بأبواب يفتحها الله لطف منه تعالى بعباده، وعلى الأبواب هداة عينهم الله وحدد أوصافهم، وأخبروهم أن من أخذ بالأسباب للوقوف على هذه الأبواب واتبع الذين عينهم الله وحددهم وعمل صالحا فقد نجا.

وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية صار الصالح والطالح تحت سقف الامتحان والابتلاء. لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، وانقسمت المسيرة على نفسها، وانتهى الاختلاف والافتراق بعد العلم إلى عبادة البعل وأقامت المرتفعات لآلهة الأمم المتعددة، وعلى هذه الرقعة اقتتلوا فيما بينهم على الملك، ونتيجة لظلمهم بعث الله عليهم البعوث، وتم سبي مملكة إسرائيل بواسطة آشور. وسبي مملكة يهوذا بواسطة بابل، وبعد السبي الأول وقع اليهود تحت حكم خمسة دول: فارس (538 - 333 ق. م) اليونان (333 - 323 ق. م) مصر (323 - 204 ق. م) سوريا (204 - 167 ق. م) فترة المكابين - وهي فترة استقل فيها اليهود من

____________

(1) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني 69 / 24).
الصفحة 203
الناحية العملية (167؟ 63 ق. م) روما (63 - ق. م - 633 م) وأثناء حكمها جاء الفتح الإسلامي.

وفي خاتمة الدعوة الإلهية إلى بني إسرائيل. بعث الله إليهم المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، وعلى امتداد دعوته قامت الفرق اليهودية التي وقعت في فتنة الميراث وملحقاتها بالصد عن سبيل الله، وصدع المسيح عليه السلام بالحق فبين لهم ما اختلفوا فيه وبشرهم بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وهو يخبرهم بأن ملكوت الله سينزع من أيديهم ويسلم إلى شعب آخر، وتكاتفت المجامع اليهودية من أجل القضاء على المسيح ودعوته، ولكن الله كف أيديهم عنه ورفعه إليه، وبعد رفع المسيح اضطهد اليهود تلاميذه وكان قد أخبرهم بهذا الاضطهاد والقتل، وفي هذه الآونة ظهر بولس على الساحة. وكان من أشد أعداء الدعوة، وبولس ينتمي إلى طائفة الفريسيين وهي طائفة متطرفة حذر المسيح تلاميذه من تعاليمها، وعندما بدأ بولس يمارس الدعوة باسم المسيح " حاول أن ينضم إلى التلاميذ فخافوا منه. إذ لم يصدقوا أنه صار تلميذ " (1)، وبدأ بولس مهمته التي غير فيها دين المسيح، وصارت المسيحية الحاضرة مطبوعة بطابعة منسوبة إليه.

وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية. دمر هيكل سليمان في عهد نبوخذ ناصر (586 ق. م) ثم دمر الهيكل الذي أعاده عزرا ونحميا (135 ق. م) وبعد أن أعيد بناؤه تم تدميره بواسطة الإمبراطور تيطس (70 م) وقام الإمبراطور هادريان بطرد اليهود من أورشاليم (135 م) وألغى الإمبراطور ثيودوسيوس الحاخامية اليهودية (435 م).

وأصبح الطريق مفتوحا أمام الدعوة الخاتمة على نبيها وآله الصلاة وأذكى السلام. (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره

____________

(1) أعمال الرسل 9 / 26.
الصفحة 204
ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (1).

وبعد رفع المسيح عليه السلام. لم يعرف إلا النزر اليسير عن تلاميذه، وكان عليه السلام قد أخبرهم بأنهم سيضطهدون ويقتلون، وفي هذه الآونة ظهر بولس على الساحة، وكان من أشد الناس على الدعوة، وكان يعمل بكل ما في وسعه لاعتقال المؤمنين بها، وبولس ينتمي إلى طائفة الفريسيين. وهي طائفة تقوم ثقافتها على التفسير الشفهي للناموس (التلمود). وقد حذر المسيح عليه السلام تلاميذه من تعاليم هذه الطائفة، ودخل بولس إلى النصرانية بحجة أنه رأى المسيح على طريق دمشق، وأن المسيح عينه تلميذا له، وعندما ذهب بولس إلى أورشاليم اتجه نحو التلاميذ لينال منهم شرعية الدعوة أمام الجموع، وجاء في سفر أعمال الرسل " أنه حاول أن ينضم إلى التلاميذ. فخافوا منه. إذ لم يصدقوا أنه صار تلميذ " (2)، ولكن بولس مارس الدعوة بما له من ذكاء.

وما له من جاه. عند شيوخ اليهود وملوك وحكام الأقاليم، وبدأ بولس في تنفيذ برنامجه. فألغى الشريعة داخل الحي النصراني. وشكك في أحقية إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام في الميراث، وعلى هذا الأصل صد عن سبيل النبي الخاتم وبشاراته في التوراة والإنجيل، ثم توجه بقافلته نحو الأمم، وهو ما لم يفعله المسيح عليه السلام، ودخول بولس بدعوته إلى ساحة الأمم يعطي: كره لتعاليم المسيح أولا، وإنشاء قاعدة تكون في خدمة أهدافه القريبة وأهداف اليهود البعيدة ثانيا، والصد عن سبيل الدعوة الخاتمة ثالثا، وذلك لأن المسيح لم يتقدم إلى الساحة الأممية لأن منهجه يخاطب بني إسرائيل، وكان

____________

(1) سورة الصف آية 8 - 9.

(2) أعمال الرسل 9 / 26.
الصفحة 205
المسيح يبشر في نفس الوقت بالنبي الأمي وأمته الأمية، وهذا يعطي أن الدعوة الخاتمة دعوة عامة. متوجهة إلى البشرية كافة، وبولس بصفته كان متفوقا في الديانة اليهودية كما قال عن نفسه، كان يعلم أن الرسالة الخاتمة ستخاطب الأمم، لهذا تقدم نحو الأمم ليضع وقوده الذي يسير القافلة نحو أهداف محددة، ويكون عائقا أمام دعوة محددة. وبعد جهد متواصل، أصبح بولس عنوانا للمسيحية، وصارت المسيحية الحاضرة مطبوعة بطابعه منسوبة إليه، ومما يذكر أن الشواهد الكتابية لهذه المسيرة هي: أناجيل:

متي، مرقص، لوقا، يوحنا، أعمال الرسل، الرؤيا.

وبالجملة: بعد سبي اليهود. حكم فلسطين خمسة دول هي:

فارس (538 - 333 ق. م) واليونان (333 - 323 ق. م) ومصر (323 - 204 ق. م) وسوريا (204 - 167 ق. م) ثم فترة المكابين (1) (167 - 63 ق. م) وروما (63 ق. م - 633 ميلادية).

وأهم الأحداث التي وقعت في الحي اليهودي: تدمير هيكل سليمان في عهد نبوخذ ناصر (586 ق. م) وتدمير الهيكل الذي أعاده عزرا ونحميا (135 ق. م) وبعد إعادة بناء الهيكل. دمره الإمبراطور تيطس (75 ميلادية) وقام الإمبراطور هادريان بطرد اليهود من أورشاليم (عام 135 ميلادية) وألغى الإمبراطور ثيودوسيوس الحاخامية اليهودية عام (435 ميلا دية).

وأصبح الطريق مفتوحا أمام الدعوة الخاتمة ليقيم الله بها حجته على العالمين. (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (2)

____________

(1) هي فترة استقل اليهود فيها من الناحية العملية.

(2) سورة الصف آية 8 - 9.
الصفحة 206
الصفحة 207

... وجاء الحق

الصفحة 208
الصفحة 209

وجاء الحق

أولا - [ الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب ]

على أعتاب الدعوة الإلهية الخاتمة كانت الساحة الإنسانية ترتع فيها أعلام المادية. التي لا يريد أصحابها إلا الحياة الدنيا وزينتها. ولا يرجون بعثا ولا نشورا. ولا يعبأون بشئ من الفضائل المعنوية والروحية، وفي مقابل أصحاب المادة. رفع دعاة الروح أعلامهم.

وانطلقوا في مسيرة يرفضون فيها الكمالات الجسمية التي أظهرها الله تعالى في مظاهر النشأة المادية. لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان، وسارت القافلة البشرية تحت هذه الأعلام التي لا تحقق السعادة في الدنيا، لأن حملة الأعلام المادية أبطلوا النتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليه، وحملة أعلام الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها.

كانت المسيرة البشرية في حاجة وسط يقف بين الطرفين.

ويقودهما إلى الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان، وسط لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك الطرف. وإنما يقف بين الجانبين جانب الجسم
الصفحة 210
وجانب الروح، وبه يقاس ويوزن كل من طرفي الافراط والتفريط، ليكون شهيدا على سائر الناس الواقعة في الأطراف.

ومن لطف الله تعالى ورحمته بالعباد، بعث سبحانه النبي الخاتم، النبي الأمي العربي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليقود أمة تحمل للبشرية دينا يهدي الناس إلى وسط الطرفين. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

- [ دعوة أهل الكتاب ]

أولا - (الدعوة إلى التوحيد الحق):

توجهت الدعوة الإلهية الخاتمة إلى البشرية كافة، وأن أهل الكتاب بينهم من يعرفون الحق ومعارف الدين، وفيهم رهبان وزهاد يعرفون عظمة ربهم ولا يستكبرون، وفيهم الباحث عن الحقيقة، توجهت الدعوة إليهم من طرق عديدة لتحيطهم بالحجة من كل مكان.

وبين الله تعالى لهم أن رسوله الخاتم (ص). هو النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وقال تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من إتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه وبهديهم إلى صراط مستقيم) (1)، والمعنى: أن الرسول يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه، وأن دعوته تدعو إلى الصراط المستقيم المهيمن على الطرق كلها.

____________

(1) سورة المائدة آية 15.
الصفحة 211
ونظرا لأن مسيرة اليهود رشحت عليها عقائد الأمم الوثنية، وحمل التوحيد على امتداد مسيرتهم بصمات الآلهة المتعددة، حتى صار الإله في نهاية المطاف إلها خاصا ببني إسرائيل دون غيرهم من الأمم، ونظرا لأن الأحبار والرهبان بدلوا الدين الذي بعث به عيسى عليه السلام، ونسبوا إلى المسيح ما لا يجوز وقالوا بألوهيته، وأطاعتهم القافلة النصرانية من غير قيد وشرط، فإن الدعوة الخاتمة صححت هذه المفاهيم في أكثر من آية، ومنها قوله تعالى لرسوله (ص) (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (1)، والمعنى: تعالوا إلى كلمة عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسر هذه الكلمة بقوله " أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا شئ، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة كل الرسل منذ ذرأ الله ذرية آدم، ثم قال (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، أي لا يسجد بعضنا لبعض، أو يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، أو نحرم الحلال ونحل الحرام، فنحن وأنتم ما أمرنا إلا لنعبد الله وحده، الذي إذا حرم شئ فهو الحرام. وما حلله فهو الحلال. وما شرعه إتبع. وما حكم به نفذ.

تعالى الله سبحانه وتقدس وتنزه عن الشركاء. والنظراء. والأعوان.

والأضداد. لا إله إلا هو ولا رب سواه، فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.

____________

(1) سورة آل عمران آية 64.
الصفحة 212

ثانيا - (الدعوة إلى اتباع قبلة الرسالة الخاتمة):

عندما بعث النبي الخاتم (ص)، كان الاختلاف بين اليهود على تحديد القبلة اختلاف ثابتا لا شك فيه، ونسيانهم للجبل المقدس الذي يجب أن يتوجهوا إليه. نسيان مسطور فيما بين أيديهم من كتاب، قال أشعيا وهو يحذرهم بأن الرب قال لهم " أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسي فإني أعينكم للسيف " (1). وهذا النسيان ترى معالمه على التوراتين: السامرية والعبرية، فبينما تقول التوراة السامرية أن القبلة في اتجاه جبل " جرزيم "، تقول التوراة العبرانية إنها في اتجاه جبل " عيبال "، والمسيح عليه السلام شهد بوجود هذا الاختلاف في عهد بعثته، وبشرهم بأن العبادة لن تكون في المستقبل لا في اتجاه هذا الجبل ولا في اتجاه أورشاليم، وذلك لأن الله سينزع من أيديهم القيادة ويسلمها إلى شعب آخر (2). وما ذكره المسيح عليه السلام بخصوص القبلة، جاء عندما كان متوجها إلى أورشاليم، فقالت له امرأة سامرية " يا سيدي أرى إنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون أن في أورشاليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، فأجابها يسوع: صدقيني يا امرأة ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشاليم " (3). وقبل البعثة الخاتمة. لم يكن في أورشاليم هيكلا. بعد أن دمر الإمبراطور تيطس آخر هيكل عام 75 ميلادية، ولم يكن في أورشاليم حاخامية لليهود. بعد أن ألغى الإمبراطور ثيودوسيوس الحاخامية عام 435 ميلادية وترتب على ذلك تفرق اليهود في الأرض.

ولما كانت الدعوة الإلهية المتوجهة إلى بني إسرائيل قد نزل

____________

(1) أشعيا 65 / 11.

(2) متي 21 / 42 - 45.

(3) يوحنا 4 / 22.
الصفحة 213
عليها الستار بعد بعثة عيسى عليه السلام، لأنه آخر أنبياء بنو إسرائيل عليهم السلام، ولما كان عيسى عليه السلام يسجد لله في اتجاه أورشاليم، ولما كانت الدعوة الإلهية اللاحقة تبدأ من حيث انتهت الدعوة الإلهية التي سبقتها، باعتبار أن الدعوة الإلهية للناس منذ ذرأ الله ذرية آدم دعوة واحدة، صراطها واحد وغاياتها واحدة، فتبدأ دعوة اللاحق من الرسل من حيث انتهت دعوة السابق من الرسل، ثم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ويكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، لأنه تعالى له الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، ولما كان أهل الكتاب يعلمون من كتب أنبيائهم أن الدعوة الخاتمة لها صفات خاصة بها، وأنها ستبين لهم ولغيرهم الاتجاه الذي يجب أن يسجد نحوه الناس لله، فإن الله تعالى عندما بعث رسوله الخاتم (ص). أمره بالتوجه إلى قبلة بيت المقدس، والمعنى الذي يستشف من هذا الحدث هو أن الدعوة الإلهية دعوة واحدة. وأن الحلقات فيها ترتبط بعضها ببعض، وتحت هذا السقف تقام الحجة على الذين اختلفوا في الدين والذين جعلوا الدين دينا خاص بهم، وتحت هذا السقف ينظر الله إلى عباده كيف يعملون. ومن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.

وعندما كانت القبلة في اتجاه بيت المقدس، تدبر في الأحداث الذين يعرفون الحق ومعارف الدين والزهاد من أهل الكتاب وأصغوا لصوت الحق، وتكاتم البعض ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وانطلقوا يصدون عن سبيل الله، وبعد أن أقامت الدعوة حجتها على بني إسرائيل في هذا الأمر، أمر تعالى رسوله (ص) بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بمكة، وأخبره بأن أهل الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم، قال تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
الصفحة 214
عليكم شهيدا. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) إلى قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها. فول وجهك شطر المسجد الحرام. وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره. وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون. ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم) (1) قال المفسرون. والمعنى: إنما شرعنا لك يا محمد أولا التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت. ممن ينقلب على عقبيه، وإن كان صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة لأمرا عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم. فأيقنوا بتصديق الرسول. وبأن كل ما جاء به هو الحق الذي لا مرية فيه. وبأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وله تعالى أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء. وهذا بخلاف ما يقوله الذين في قلوبهم مرض. فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، ثم أخبره تعالى بأن صلاتهم إلى بيت المقدس لن يضيع ثوابها عند الله، وأمره تعالى بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وأخبره أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن الله سيوجهه إلى هذه القبلة: مما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسوله الخاتم (ص). وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وأخبر تعالى أن الرسول لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوا قبلته كفرا وعنادا، وإنه لن يتبع قبلتهم لأن ذلك عن أمر الله تعالى. له الحكمة التامة والحجة البالغة، ثم أشار تعالى إلى اختلافهم فيما بينهم في تحديد قبلتهم

____________

(1) سورة البقرة آية 142 - 145.
الصفحة 215
القديمة، وهو قوله " وما بعضهم بتابع قبلة بعض "، وأمره تعالى أن يستمسك بأمر الله ولا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وقال جل شأنه (ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (1)، والمعنى: أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول، ومن ذلك توجهه شطر المسجد الحرام، كما يعرف أحدهم ولده.

وبالجملة كان التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، امتحان لأهل الكتاب الذين علموا من أبنائهم أن قيادة الدعوة الإلهية ستنتقل من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل. وأن عنوان هذه الدعوة ورسولها هو النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان امتحان أيضا للذين اتبعوا النبي (ص) من العرب وغيرهم، لأن صرف التوجه عن بيت المقدس سيثير شكوك البعض، وسيغذي أهل الكتاب والذين في قلوبهم مرض هذه الشكوك وهم يصدون عن سبيل الله، وتحت سقف هذا الامتحان ينظر الله إلى عباده كيف يعملون.

ثالثا - [ اتباع إبراهيم عليه السلام ]

بعد عهد السبي تاجر اليهود بالميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، وانطلقوا في اتجاه هذا الهدف بالعمل على إقامة مملكة داوود وعاصمتها أورشاليم، بعد أن تبنوا عقيدة تقول أن مملكة داوود هي وعاء للعهد الإبراهيمي، وعلى امتداد مسيرتهم وبخهم الأنبياء على هذا الاعتقاد، فقال لهم حزقيال تقولون " إن إبراهيم كان واحدا وقد ورث الأرض.

ونحن كثيرون لنا أعطيت الأرض ميراثا... تأكلون بالدم وترفعون

____________

(1) سورة البقرة آية 146.

الصفحة 216
أعينكم إلى أصنامكم وتسفكون الدم. أفترثون الأرض؟ " (1) وقال لهم يوحنا (يحيى) تقولون " لنا إبراهيم أبا. فإني أقول لكم إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم " (2) وقال لهم المسيح عليه السلام " لو كنتم أولاد إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم " وقال " أنتم أولاد أبيكم إبليس. وشهوات أبيكم ترغبون في أن تعملوا. فهو من البدء كان قاتلا للناس " (3).

وعندما بعث النبي الخاتم (ص)، تحدث أهل الكتاب بعقيدتهم الخاصة بالميراث، وعملوا على نشر الثقافة التي تصب في وعاء هذه العقيدة، واليهود في مصادر الإسلام أعلنوا أنهم في انتظار المسيح الذي يملكون به الأرض، والنصارى تحدثوا بما وضعه بولس في عقولهم.

وهو أن الأمم شركاء لليهود في الميراث، ووفقا لهذا الاعتقاد بدؤوا في التحرك لوقف تحرك الدعوة الخاتمة في اتجاه الأمم، وشيد اليهود والنصارى صروحهم على إبراهيم عليه السلام، فبينما زعم الحي اليهودي أن إبراهيم كان يهوديا، زعم الحي النصراني أن إبراهيم كان نصرانيا، وفي زحمة هذه الثقافات. قالت اليهود ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى ليست اليهود على شئ، وهذه الأقوال والاعتقادات شهد بها القرآن الكريم ورد عليها وأقام على هؤلاء وهؤلاء الحجة الدامغة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه. قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق. يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) (4) والمعنى: لو كنتم كما تدعون أبناؤه وأحباؤه. فلم أعددت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم " بل

____________

(1) حزقيال 33 / 23 - 25.

(2) متي 3 / 7 - 11.

(3) يوحنا 8 / 37.

(4) سورة المائدة آية 18. (8)
الصفحة 217
أنتم بشر ممن خلق " أي لكم أسوة بأمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده. فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.

وقال تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا. قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق)(1) وقبل هذه الآيات بين تعالى أن الدين الحق الذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده، كان هو الإسلام الذي كان عليه إبراهيم حنيفا، ويستنتج من ذلك أن أهل الكتاب على عهد البعثة الخاتمة، كانوا قد انتهى بهم المطاف إلى أرضية الاختلافات والانشعابات. التي أفرزتها اختراعاتهم وهوساتهم. بعد أن صبغوا دين الله بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، وروي أن اليهودي عبد الله بن صوريا قال للرسول (ص): ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك (2). فقال الله لرسوله (قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) أي: قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا. فإنها الملة الواحدة التي كان عليها جميع أنبيائكم. وما كان صاحب هذه الملة وهو إبراهيم من المشركين.

ثم ذكر لهم أن الدعوة الخاتمة تؤمن بالله وما أنزل إليها وهو القرآن وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر ما أوتي موسى وعيسى وخصهما بالذكر لأن المخاطبة مع اليهود

____________

(1) سورة البقرة آية 135.

(2) تفسير ابن كثير 186 / 1.
الصفحة 218
والنصارى، ثم ذكر ما أوتي النبيون من ربهم لتشمل الشهادة جميع الأنبياء فيستقيم قوله بعد ذلك " لا نفرق بين أحد منهم ". ثم قال تعالى:

(فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) أي. فإن آمنوا بما آمنتم به من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه.

من الآيات السابقة يمكن أن نستشف الثقافة التي كان اليهود والنصارى يبثونها على عهد الرسالة الخاتمة. فلقد ادعوا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، ويبدو أن القرآن عندما ضرب العمود الفقري لثقافتهم هذه، قرروا بأن يعمل كل حي من أحيائهم على إنفراد، ويمكن أن نستشف ذلك من قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب) (1) قال المفسرون: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله (ص)، وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى: (وهم يتلون الكتاب) أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد (2)، وبالجملة: قد كان أوائل اليهود والنصارى على شئ، وهذا لا تخلو منهم كتبهم لإقامة الحجة عليهم على امتداد المسيرة، ثم ابتدع الذين من بعدهم وتفرقوا، ثم جاء العلماء الذين وضعوا التفسير الشفهي للتوراة (التلمود) وعنده انقسم اليهود إلى فرق وأحزاب، وانتهى الأمر بأن وقف الحي اليهودي داخل دائرة حددها

____________

(1) سورة البقرة آية 113.

(2) ابن كثير 155 / 1.
الصفحة 219
الأحبار، ووقف الحي النصراني داخل دائرة حددها بولس لخدمة أصحاب الدائرة الأولى، فالثقافة التي تخرج من مدونات خدمة النصارى لليهود تقول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه، أما الثقافة التي يقول كل منهم أن الآخر ليس على شئ، فهي نتيجة لحجة البعثة الخاتمة ومواجهتها للأطراف مجتمعين، فالدعوة الخاتمة أرشدتهم إلى الحق ليتفكروا ويتدبروا، وبدلا من أن يرجعوا إلى كتبهم التي لا تخلو من حق ويعرضونها على منهج البعثة الخاتمة، إنطلقوا من التفسير الشفهي وهذا التفسير لا يقيم حقا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لأنه مقابلة للفاسد بالفاسد.

وفي مجال عمل كل حي منفردا عن الآخر. قام كل منهما بوضع جميع الأنبياء داخل الحي الخاص به، ورد القرآن عليهم قولهم، قال تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) (1)، والمعنى: قال كل من الفريقين إن إبراهيم ومن ذكر بعده منهم، فقال تعالى: (قل أأنتم أعلم أم الله)، أي فإن الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب أن موسى وعيسى وكتابهما بعد إبراهيم. فإذا كان تشريع اليهودية أو النصرانية بعد إبراهيم ومن ذكر معه، فكيف يكون إبراهيم والذين ذكروا معه هودا أو نصارى؟

وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا

____________

(1) سورة البقرة آية 140.
الصفحة 220
والله ولي المؤمنين، ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم. وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون، با أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون. يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) (1).

لقد أنكر الله عليهم قولهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها، وشهد سبحانه بأن إبراهيم كان متحنفا عن الشرك قاصدا إلى الإيمان وما كان من المشركين، وأخبر سبحانه بأن أحق الناس بمتابعة إبراهيم. الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي. يعني محمدا (ص) والذين آمنوا. لأنهم على الإسلام الذي اصطفى الله به إبراهيم، وكذا كل من اتبعه دون أن يكفر بآيات الله ويلبس الحق بالباطل، ثم أخبر تعالى بأن طائفة من أهل الكتاب تود أن تضل الذين آمنوا بإلقاء الشبهات بينهم، وإنهم يضلون أنفسهم أولا. لأن الإنسان لا يفعل شيئا من خير أو شر إلا لنفسه كما قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) (2)، ثم قال سبحانه (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها، وإنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم وعلى غيرهم، كنبوة النبي (ص)، وكون عيسى عبدا لله ورسولا منه، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني، وإن يد الله مبسوطة، وإن الله غني، وإن الدجال فتنة فيه تصب جميع الفتن، إلى غير ذلك. وقوله تعالى: (وأنتم تشهدون) والشهادة هو الحضور والعلم عن حس، دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله. إنكارهم كون النبي (ص) هو النبي الموعود الذي بشر

____________

(1) سورة آل عمران آية 65 - 71.

(2) السجدة آية 46.
الصفحة 221
به التوراة والإنجيل، مع مشاهدتهم انطباق الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه، وأيضا إنكارهم ما يبنيه لهم النبي الخاتم (ص) من آيات ربهم التي تنطق بها كتبهم. التي بين أيديهم ويشهد القرآن بها، ثم قال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) والمعنى لم تظهرون الحق في صورة الباطل؟ وقوله: (وأنتم تعلمون) دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس والكتمان ما هو في المعارف الدينية، غير ما يشاهد من الآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.

ولما كان الله تعالى قد أنكر عليهم كفرهم بآيات الله وهم يشهدون، فإنه تعالى بين في آية أخرى من آيات القرآن الكريم، أن جدالهم في آيات الله بغير سلطان أتاهم، رغبة منهم في إدحاض الحق الصريح بهذا الجدال، قد أوقعهم في فتنة المسيح الدجال، ففي قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير)(1)، أخرج ابن أبي حاتم عن كعب. أن هذه الآية نزلت في اليهود فيما ينتظرونه من أمر الدجال، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قال اليهود. يكون منا ملك آخر الزمان. البحر إلى ركبتيه. والسحاب دون رأسه. يأخذ الطير بين السماء والأرض. معه جبل خبز ونهر، وقال أبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود. وذلك إنهم ادعوا أن المسيح (الدجال) منهم وإنهم يملكون به الأرض، فقال الله لنبيه (ص) آمرا له: أن يستعذ من فتنة الدجال (2).

وبالجملة بينت الدعوة الإلهية الخاتمة. أن الرقعة التي يقف

____________

(1) سورة غافر آية 56.

(2) أنظر تفسير ابن كثير 84 / 4، تفسير الميزان 348 / 17.
الصفحة 222
عليها أهل الكتاب ويطالبون من فوقها الميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، رقعة لا علاقة لها بإبراهيم ولا بالأنبياء الذين جاؤوا من بعده، لأنها رقعة أوجدها الاختلافات والانشعابات، وهذا لا يستقيم مع الدين الإلهي، لأن الدين واحد كما أن الإله المعبود بالدين واحد وهو دين إبراهيم عليه السلام، وهذا الدين هو الذي تتمسك به الدعوة الإلهية الخاتمة، ولما كان القوم لا علاقة لهم بإبراهيم، وشهد بذلك حزقيال وأشعيا ويوحنا والمسيح عليه السلام، وشهد بذلك القرآن الكريم الذي أنزل على محمد (ص)، فالنتيجة هي أن القوم لا علاقة لهم بميراث إبراهيم في الدنيا والآخرة، ولما كان القوم ما زالوا يعتقدون بأن القدر يخبئ لهم أمير سيخرج آخر الزمان يمتلكون به الأرض. فإن الدعوة الخاتمة أخبرت بأن المسيح الدجال سيخرج آخر الزمان، وأنه سيرفع شعار أرض الميعاد، وأن أكثر أتباعه من اليهود، ويلحق بهم الذين أخذوا بذيول اليهود، ثم الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب شبرا بشبر وذراعا بذراع..

رابعا - [ البيان والإنذار ]:

أقامت الدعوة الإلهية الخاتمة حجتها على أهل الكتاب، وبينت لهم أن الله تعالى منذ بعث نوح عليه السلام لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل سبحانه رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) (1) وبينت الدعوة الخاتمة أن جميع الأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من

____________

(1) سورة الحديد آية 21.
الصفحة 223
رسول إلا نوحي إليه إنه لا إله إلا أنا فاعبدون). وإن إبراهيم عليه السلام لم يدع غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، ومن ترك طريقة إبراهيم عليه السلام يكون قد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، وبينت الدعوة أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه بالإسلام وبنيه وصوا أبناءهم به من بعدهم، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) (2).

وبينت الدعوة الخاتمة بأنها تؤمن بكل نبي أرسل، وأخبرت أن كل من سلك طريقا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، قال تعالى لرسوله (ص) (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (3)، وأعلنت الدعوة من يومها الأول أنها على ملة إبراهيم عليه السلام قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن إتبع ملة إبراهيم حنيفا) (4)، وقال جل شأنه لرسوله (ص) (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)(5).

____________

(1) سورة الأنبياء آية 25.

(2) سورة البقرة آية 131.

(3) سورة آل عمران آية 162.

(4) سورة النحل آية 123.

(5) سورة الأنعام آية 162.
الصفحة 224
لقد بينت الدعوة الإلهية الخاتمة للبشرية العقيدة الحقة، وأقامت الحجة على أهل الكتاب ليتفكروا وليتدبروا. ليعلموا أن دين إبراهيم برئ من جميع العقائد التي عليها بصمات العجول وآلهة الأمم المتعددة، وأن دين إبراهيم لا علاقة له بعقائد التثليث وألوهية المسيح، ولم تكن مهمة إبراهيم عليه السلام في يوم من الأيام هي البحث عن الميراث من النيل إلى الفرات، وإنما كان عليه السلام إماما للناس، يقتدون به ويتبعونه في أقواله وأفعاله، وهذه الإمامة لا ينالها ظالم من ولده، لأن الله لا يجعل الظالمين أئمة ولا يعطي الإمامة لعدوه. لأن هؤلاء يأتون كنتيجة لأعمال الظالمين من الناس، والله تعالى رؤوف بالعباد، والناس تحت مظلة الاختبار يمتحنون، فمن سلك طريقا على ذروته إمام للرحمة والعدل. وصل إلى غايته، ومن سلك طريقا على ذروته إمام يدعو إلى النار، دخل فيها.

وعلى امتداد عهد البعثة الخاتمة، بين الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن شريعته تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بالمعروف، وتحذر من البغي والاستكبار والاختلاف، وتنادي بالعدل والإحسان والاستقامة، وتدعو إلى العمل الصالح والتفكر والتدبر والإصلاح والإخلاص، وإن منهج الدعوة عموده الفقري هو التوحيد، وشجرته الأخلاق الفاضلة، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي.

وعلم أهل الكتاب وغيرهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. وقال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (1)، ولقد أختبر الله تعالى الفرع الإسرائيلي من الشجرة الإبراهيمية. وبعث فيهم الأنبياء والرسل لينظر سبحانه كيف تعمل القافلة، وعلم أهل الكتاب كيف سارت القافلة. وبماذا حكم الله عليها.

____________

(1) سورة الأعراف آية 128.
الصفحة 225
وهذا الحكم يقرؤه فيما بين أيديهم من التوراة الحاضرة، ومنه قول الرب لهم " ها أنذا أنساكم وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآبائكم إياها. وأجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى " (1)، وقال: " هوذا من أجل آثامكم بعتم. ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم " (2)، وبين هذا الحكم وبين البعثة الخاتمة. قتلوا الأنبياء الذين بعثهم الله لإقامة الحجة على الأجيال المتعاقبة، وعندما جفت المسيرة من الماء. بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ليختبر الله تعالى بمنهجه أمة جديدة في مقدمة عالم جديد.

وببعثة النبي الخاتم. حكمت الدعوة الإلهية حكمها الفصل على قصة الميراث. التي سهر عليها بني إسرائيل ليلا طويلا، وذلك ببسط الدعوة يدها على المسجد الحرام والمسجد الأقصى في رحلة واحدة في ليلة واحدة، قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) (3)، فالميراث بدأت حدوده من موضع سجود. وانتهت إلى موضع سجود، وهو ممتد إلى كل موضع سجود، وليس معنى هذا أن الدعوة الخاتمة تبحث عن الأرض والطين، وإنما معناه أنها ترعى التقوى في أي مكان وتعمل من أجل الاصلاح في كل مكان، ترعى التقوى لأن العاقبة للمتقين، وتعمل من أجل الاصلاح حتى يرث الصالحون، قال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (4).

ولأن الدعوة تقوم على التوحيد، ولأن التوحيد هو الحصن

____________

(1) أرميا 23 / 40.

(2) أرميا 17 / 2 - 4.

(3) سورة الإسراء آية 1.

(4) سورة الأنبياء آية 105.
الصفحة 226
الحصين الذي يحفظ الإنسان من الزلل، قال رسول الله (ص) " والذي نفس محمد بيده. لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به. إلا كان من أصحاب النار " (1)، وروي أنه (ص) ذهب إلى يهود. وقال لهم " يا معشر يهود أسلموا تسلموا " فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال " أسلموا تسلموا " فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال " ذلك أريد " (أي: أريد أن تعرفوا أني بلغت) ثم قال لهم " إعلموا إنما الأرض لله ولرسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله " (2) فالرسول (ص) بلغ بالإسلام، ولكن القوم كانت عيونهم على الأرض والطين، لأنهم من أجل هذا الميراث يعملون، فوقفوا بما يعتقدون أمام القول الفصل وهو " إعلموا أن الأرض لله ورسوله ". ولم يكن الجلاء من جزيرة العرب عقابا وحيدا للذين يصدون عن سبيل الله، وإنما أنذرهم الله بعقاب أليم في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها على أدبارها. أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمرا مفعولا) (3). قال في الميزان: دعاهم الله تعالى إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم، وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه، وطمس الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدهم الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة، وهذا المحو ليس هو المحو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها، بل محو يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها، فإذا كانت الوجوه تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر الله

____________

(1) رواه مسلم (الصحيح 93 / 1).

(2) رواه مسلم (الصحيح 159 / 5).

(3) سورة النساء آية 47.
الصفحة 227
الناس عليها، فإن الوجوه المطموسة لا تقصد إلا ما خلفته وراءها ولا تمشي إليه إلا القهقرى، وهذا الإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه ودنياه لم ينل إلا شرا وفسادا، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر وليس بفالح أبدا، وقوله تعالى: (نطمس وجوها) فيه أنه تعالى أتى بالجمع المنكر، ولو كان المراد الجميع لم ينكر، ولتنكير الوجوه وعدم تعيينها هدف من ورائه حكمة، هي أن المقام لما كان مقام الإبعاد والتهديد وهو إبعاد للجماعة بشر لا يلحق إلا ببعضهم، كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الانذار والتخويف، لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد من القوم، فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب (1).

خامسا - [ العنكبوت والدعوة ]:

حذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين كفروا من أهل الكتاب، لأن الدعوة تقيم وجهها للدين وتتجه بالبشرية إلى الأمام.

وتمدها على امتداد الطريق بالزاد الفطري الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، بينما تتقدم قافلة الذين كفروا إلى الخلف بزاد عذاب الطمس الذي ضربه الله عليهم بما كسبت أيديهم، وعلى امتداد هذا الطريق. كلما بالغ أصحابه في التقدم زادوا في التأخر ولن يحصلوا على السعادة الحقيقية أبدا.

ومن الآيات التي حذر فيها الله من الذين كفروا من أهل الكتاب قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء

____________

(1) الميزان 367 / 4.
الصفحة 228
بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (1). قال في الميزان:

نهى عن مودتهم الموجبة إلى تجاذب الأرواح والنفوس، لأن ذلك يقلب حال المجتمع من السيرة الدينية المبنية على سعادة اتباع الحق. إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان والخروج عن صراط الحياة الفطرية، وقوله تعالى: (بعضهم أولياء بعض) أي لتضارب نفوسهم وتجاذب أرواحهم. المستوجب لاجتماع آرائهم على اتباع الهوى والاستكبار عن الحق وقبوله، واتحادهم على إطفاء نور الله سبحانه، وتناصرهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة وليسوا على وحدة الملية، لكن يبعث القوم على الاتفاق ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين أن الإسلام يدعوهم إلى الحق. ويخالف أعز المقاصد عندهم وهو اتباع الهوى والاسترسال في مشتهيات النفس وملاذ الدنيا، فهذا هو الذي جعل الطائفتين اليهود والنصارى على ما بينهما من الشقاق والعداوة مجتمعا واحدا، يقترب بعضه من بعض ويرتد بعضه إلى بعض، يتولى اليهود النصارى وبالعكس. ويتولى بعض اليهود بعضا وبعض النصارى بعضا، وبالجملة: لا تتخذوهم أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم فيما بينهم يدا واحدة عليكم. لا نفع لكم في الاقتراب منهم بالمودة والمحبة، وربما أمكن أن يستفاد من قوله " بعضهم أولياء بعض " معنى آخر وهو:

أن لا تتخذوهم أولياء لأنكم إنما تتخذونهم أولياء لتنتصروا ببعضهم الذين هم أولياؤكم على البعض الآخر، ولا ينفعكم ذلك. فإن بعضهم أولياء بعض فليسوا ينصرونكم على أنفسهم (2).

ومن آيات التحذير أيضا قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا

____________

(1) سورة المائدة آية 51.

(2) تفسير الميزان 373 / 5.
الصفحة 229
نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) (1) قال في الميزان: أي أنك ترى اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. أي حظا منه لا جميعه كما يدعون لأنفسهم، يشترون الضلالة وتختارونها على الهدى ويريدون أن تضلوا السبيل، فإنهم وإن لقوكم ببشر الوجه. وظهروا لكم في زي الصلاح. واتصلوا بكم اتصال الأولياء الناصرين. فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم واستصوبته قلوبكم، لكنهم ما يريدون إلا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة، والله أعلم منكم بأعدائكم.

وهم أعداؤكم، فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم، فإياكم أن تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة وإلقاءاتهم المزخرفة وأنتم تقدرون أنهم أولياءكم وأنصاركم، فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة ونصرتهم المرجوة، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، فأي حاجة مع ولايته ونصرته إلى ولايتهم ونصرتهم (2).

ومنها قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك عن الله من ولي ولا نصير) (3)، قال في الميزان:

أي. إن هؤلاء ليسوا براضين عنك حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم، ثم أمر الله رسوله بالرد عليهم بقوله " قل إن هدى الله هو الهدى " أي إن الاتباع إنما هو لفرض الهدى ولا هدى إلا هدى الله، أما غيره وهو ملتكم ليس بالهدى، فهي أهوائكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها باسم الملة (4)، وقال ابن كثير: وقوله تعالى:

____________

(1) سورة النساء آية 45.

(2) الميزان 363 / 4.

(3) سورة البقرة آية 120.

(4) الميزان 265 / 1.
الصفحة 230
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم... الآية) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طريق اليهود والنصارى، بعد ما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول والأمر لأمته، وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله " حتى تتبع ملتهم " حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة (1).

وبالجملة: حذر الله تعالى الأمة من تنظيمات أهل الكتاب.

التي لها أهداف قريبة وأهداف بعيدة، والتي يحمل أعلامها الفرق المختلفة والطوائف المختلفة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) (2) قال المفسرون: يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا فريقا من أهل الكتاب. الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما قال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) (3)، وهكذا قال ههنا (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) وفي آية أخرى قال تعالى:

(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) (4).

وباختصار: فالقاعدة العريضة منهم ودوا لو يردون الذين آمنوا من بعد إيمانكم كفارا، وهناك فرق حملت أعلام هذه القاعدة وانطلقت رجاء تنفيذ هذا الهدف، وهناك طائفة من أهل الكتاب مهمتها إطفاء الأنوار رغبة منها في أن تضل قافلة الذين آمنوا عن الطريق، والمعنى:

أن الطائفة في خدمة الفريق والفريق في خدمة القاعدة. وليس معنى

____________

(1) ابن كثير في التفسير 163 / 1.

(2) سورة آل عمران آية 100.

(3) سورة البقرة آية 109.

(4) سورة آل عمران آية 69.
الصفحة 231
هذا إن قاعدة أهل الكتاب خالية من العلماء الذين يبحثون عن الحقيقة.

فهؤلاء أثر أقدامهم على الطريق. والإسلام لم يغلق أبوابه أمام الذين يريدون الاستبصار منهم في الدين، وقد أمر الله تعالى بمجادلتهم بالتي هي أحسن. فقال تعالى في آية محكمة (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظالموا منهم) (1) وقوله: (إلا الذين ظلموا منهم) يعني أهل الحرب، وذكر تعالى في كتابه. إن الذين قالوا أنهم من أتباع عيسى عليه السلام وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله، وما ذاك إلا لما في قلوبهم من الرقة والرحمة، ويوجد فيهم قسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم ورهبانا، من صفتهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع والانقياد للحق واتباعه والإنصاف، وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول الخاتم (ص). ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، قال تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق. يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) (2)، فهذا الصنف من النصارى كان أول ظهوره بالحبشة في النجاشي وأصحابه، وهم المذكورين في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله) (3)، وهم الذين قال الله فيهم (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (4)، ومنذ أيام النجاشي

____________

(1) سورة العنكبوت آية 46.

(2) سورة المائدة آية 82.

(3) سورة آل عمران آية 199.

(4) سورة القصص آية 52.
الصفحة 232
وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، لم تغلق الدعوة أبوابها في وجوه الذين يريدون الاستبصار في الدين، لأن الله تعالى أمر رسوله الخاتم (ص). أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة. والموعظة الحسنة ليحذروا بأس الله تعالى، وأمره تعالى أن من احتاج من الناس إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.

فمن هذه النصوص ومن غيرها نعلم أن الدعوة الإلهية الخاتمة حذرت من اتباع أي مشروع تقدمه الطوائف أو الفرق التي تهدف من وراء برامجها الصد عن سبيل الله، وفي نفس الوقت فتحت الدعوة أبوابها للباحثين عن الحقيقة من أهل الكتاب لتقيم الحجة عليهم وعلى غيرهم في كل مكان وزمان..

الصفحة 233

ثانيا - [ من وصايا الدعوة الخاتمة ]

1 - [ ظل المنزلة الممدود ]

على امتداد المسيرة الإسرائيلية كان لشجرة الأنبياء فيها علامات وبصمات، وفي التوراة الحاضرة يمكن للباحث أن يتبين نبوة هارون ومنزلته هو وبنيه من موسى عليه السلام، فالتوراة تنص على وحي الله تعالى لهارون. وهنا تكون النبوة، ولما كان موسى عليه السلام هو رسول الله إلى بني إسرائيل وعليه أنزلت التوراة، فإن نبوة هارون. أو.

وحي الله تعالى لهارون. كان يتعلق بتفسير الشريعة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، بمعنى: أن التوراة أنزلها الله تعالى على موسى، وأن تفسير الشريعة أوحى الله تعالى بها إلى هارون عليه السلام، فكان هارون مشاركا لموسى عليه السلام في تفسير الشريعة، وموسى عليه السلام منفردا على هارون بتلقي التوراة من الله سبحانه وتعالى، وهو قول الله تعالى في القرآن حاكيا عن موسى قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) (1)، فالنص القرآني يقول أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، وأن يكون هذا الوزير هارون أخاه، وسأله أن يشركه في أمره، والوزير في

____________

(1) سورة طه آية 29 - 32.

الصفحة 234
لغة العرب: الذي يحمل ثقل الملك، وقيل: هو الذي يلتجئ إليه الملك في آرائه وأحكامه، وقيل: هو الذي يعين الملك ويقويه (1)، وفي التوراة الحاضرة. كان هارون الكاهن الأكبر الذي يفسر الشريعة، والكاهن في لسان العرب: هو من يقوم بأمر الرجل ويسعى في حاجته.

وقال: والعرب تسمى كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا (2).

وسؤال موسى عليه السلام ربه جل وعلا أن يشرك هارون في أمره، أي في أمر يخص موسى. وهو تبليغ ما بلغه من ربه، فهذا هو الأمر الذي يخصه، وسأل ربه أن لا يشاركه فيه أحد سوى هارون، وقال ابن كثير في تفسيره. في قوله تعالى: (واجعل، لي وزيرا من أهلي... الآية) وهذا أيضا سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له، وقوله " أشدد به أزري " أي ظهري وقوله " وأشركه في أمري " أي في مشاورتي (3).

هذا ما يتعلق بوزارة هارون ومساعدته موسى في تبليغ الدين أو شئ من أجزائه، وموسى عليه السلام سأل ربه ذلك. لأن الأمر كثير الجوانب متباعد الأطراف، فهو كان يخاف التكذيب مع ما جمعه من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان، وكان على علم بفرعون وقومه وما هم عليه من الشوكة والقوة، وكان على علم بالانحطاط الفكري وجهل وضعف بني إسرائيل، لهذا سأل ربه بعض الأمور التي كان يحتاجها في رسالته لا في نبوته، ومنها طلب الوزير، أما فيما يتعلق بخلافة هارون لموسى عليه السلام في قومه. فجاء في قوله تعالى:

(وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل

____________

(1) أنظر: لسان العرب مادة وزر ص 4824.

(2) أنظر: لسان العرب مادة كهن ص 3950.

(3) تفسير ابن كثير 147 / 3.
الصفحة 235
المفسدين) (1) قال ابن كثير: إستخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون. ووصاه بالإصلاح وعدم الافساد، وهذا تنبيه وتذكير وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله له وجاهه وجلاله صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء (2)، والاستخلاف لا يكون إلا في غيبة، وكانت غيبة موسى عن بني إسرائيل حين كان يفارقهم للميقات، وقوله لأخيه " ولا تتبع سبيل المفسدين ". فيه أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور، ويتربصون به الدوائر، فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر. ويكيدوا ويمكروا به. فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم. بعد تلك المحن التي كابد هارون في إحياء كلمة الاتحاد بينهم.

وبالجملة: كان هارون عليه السلام وزيرا لموسى عليه السلام.

وكان يساعده في تبليغ الدين أو شئ من أجزائه، وكان يخلف موسى عليه السلام في غيبته. ويحافظ على سبيل موسى عليه السلام من الذين يتربصون به، ليكون السبيل حجة على بني إسرائيل وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، ويكون شاهدا على المفسدين على امتداد المسيرة كي يتبين الباحث عن الحقيقة خطأهم، وسبيل الأنبياء فقد ذرأ الله ذرية آدم. لا يضره من خالفه أو من خذله أو من عاداه.

أما فيما يتعلق بأبناء هارون عليه السلام، فلقد ذكرت التوراة الحاضرة، أن الله تعالى اصطفى أبناء هارون من بعده ليفسروا الشريعة لبني إسرائيل، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية بعث منهم الأنبياء والربانيين، وآخر الأنبياء الذين بعثوا من ذرية هارون. كان المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، ولقد بينا ذلك فيما سبق، ولقد قلب بنو

____________

(1) سورة الأعراف آية 142.

(2) تفسير ابن كثير 243 / 2.
الصفحة 236
إسرائيل الأمر على أنبيائهم. وقتلوا بعضهم وكذبوا البعض الآخر، عندما جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم.

والدعوة الإلهية الخاتمة على نبيها الصلاة والسلام، امتد ظلها من حيث انتهت ظلال أنبياء بني إسرائيل، بمعنى: في بداية الدعوة جعل الله قياس النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام، وجعل قياس أمة النبي (ص) إلى فرعون وقومه، قال تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا) (1)، فبتدبر الآية. نجد أن دائرة النبي (ص) يقابلها دائرة موسى عليه السلام، ودائرة الأمة يقابلها دائرة فرعون، والقرآن عبر عن موسى بالرسول، وفي هذا إشارة إلى أن السبب الموجب لأخذ فرعون مخالفته أمر رسالة موسى لا نفس موسى بما أنه موسى، وإذا كان السبب هو مخالفة الرسالة، فيقابله تحذير الأمة من مخالفة رسالة محمد (ص)، لأن المخالفة تؤدي إلى عذاب الأخذ الوبيل. قال ابن كثير في تفسيره إحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر (2).

كما جعل الله تعالى قياس أذى النبي (ص) إلى أذى موسى عليه السلام، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) (3)، قال ابن كثير: وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي (ص). أو يوصلوا إليه أذى، وقال تعالى مخبرا عن رسوله موسى عليه السلام أنه قال لقومه (لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم

____________

(1) سورة المزمل آية 15.

(2) تفسير ابن كثير 438 / 4.

(3) سورة الأحزاب آية 69.
الصفحة 237
الفاسقين) (1)، ولما كانت عقوبة الذين أذوا موسى عليه السلام وعدلوا عن الحق مع علمهم به. أن الله أزاغ قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، فإن الله تعالى توعد الذين يؤذون النبي (ص). باللعن في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (2). قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشئ. ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.

ولما كان الناس يختبرون على امتداد المسيرة البشرية لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، فإننا نجد موسى عليه السلام يبين معالم هذا الاختبار لبني إسرائيل فيما أخبر الله تعالى أنه قال لقومه (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) (3)، وهذه المعالم بينها الله تعالى لرسوله الخاتم في قوله (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات. وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (4).

فالدعوة الإلهية ظلالها ممتدة ودوائر الهدى فيها تشبه بعضها بعضا، والعذاب الذي توعد الله به الظالمين هناك من جنس العذاب الذي ينتظر الظالمين هنا، وعلى امتداد الدعوة الإلهية. أمر الله عباده بأن لا يزكوا أنفسهم لأنه سبحانه أعلم بمن اتقى وله سبحانه أنه يزكي من يشاء، وتحت سقف التزكية يختبر العباد، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم

____________

(1) سورة الصف آية 5.

(2) سورة الأحزاب آية 57.

(3) سورة الأعراف آية 129.

(4) سورة يونس آية 14.
الصفحة 238
لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) (1) قال في الميزان: أي إنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها، فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم، فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان. والمتبعون للأهواء من طلاب الحق، وقوله تعالى: (وكان ربك بصيرا) أي عالما بالصواب في الأمور، فيضع كل أمر في الموضع المناسب له ويجري بذلك أتم النظام، فهدف النظام الإنساني كمال كل فرد بقطعه السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له ويستحقه، ولازم ذلك بسط نظام الامتحان بينهم، ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم (2)، وقال ابن كثير في تفسيره في معنى الآية: أي اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال (أتصبرون وكان ربك بصيرا) أي بمن يستحق أن يوحى إليه. كما قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته). ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك. وقال ابن إسحاق في قوله " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " أي لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم (3).

ولما كان الناس يختبرون بالأنبياء والرسل. فإنهم يختبرون أيضا بتلاميذ وحواري وأوصياء الأنبياء والرسل. ولقد تم اختبارهم بأبناء هارون وبتلاميذ المسيح عليه السلام. ويشهد بذلك كتب التراجم والتواريخ والسير والأمة الخاتمة لم تستثنى من ذلك، ولقد قابلت دائرة هارون وبنوه في الشريعة الموسوية. دائرة علي بن أبي طالب وبنوه في الشريعة المحمدية، ففي الحديث الصحيح روي أن النبي (ص) قال لعلي بن أبي طالب " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي

____________

(1) سورة الفرقان آية 20.

(2) الميزان 194 / 15.

(3) ابن كثير في التفسير 313 / 3.
الصفحة 239
بعدي " (1). وفي رواية " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنك لست نبيا. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي " (2)، وروي أنه قيل لسفيان الثوري: حدثني بأحسن فضيلة عندك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فقال: " حدثني سلمة بن كهيل عن حجية عن علي بن أبي طالب أن رسول الله (ص) قال له " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " (3)، وعن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله (ص) لعلي " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". قال سعيد بن المسيب. ف أحببت أن أشافه بها سعد بن أبي وقاص. فلقيت سعدا. فحدثته بما حدثني عامر بن سعد. فقال سعد: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاسكتا (أي صمتا) (4)، وعن موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة بنت علي. فقال لها رفيقي أبو سهل: كم لك؟

قالت: ست وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئا؟ قالت:

حدثتني أسماء بنت عميس أن رسول الله (ص) قال لعلي " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي " (5).

وحديث المنزلة حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والحاكم وأحمد والطبراني وغيرهم، وقال ابن كثير: تقصى

____________

(1) البخاري (الصحيح 300 / 2) مسلم (الصحيح 174 / 15) الترمذي (الجامع الصحيح 640 / 5).

(2) ابن أبي عاصم وتال الألباني، إسناده حسن ورجاله ثقات (كتاب السنة 565 / 2) وأحمد والحاكم (كنز العمال 606 / 11) (مستدرك الحاكم 133 / 3) (الفتح الرباني شرح مسند الإمام أحمد 204 / 21).

(3) ابن البخار (كنز العمال 151 / 13).

(4) مسلم (الصحيح 174 / 15).

(5) أخرجه الإمام أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير فاطمة بنت علي وهي ثقة (الفتح الرباني 129 / 23).
الصفحة 240
الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ترجمة علي بن أبي طالب في تاريخه فأجاد وأفاد وبرز على النظراء والأشباه والأنداد (1) وقال الحافظ الكتاني:

وحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى. حديث متواتر. جاء عن نيف وعشرين صحابيا (2). وروى الحديث كل من: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ومالك بن الحويرث، وسعد بن أبي وقاص، وقيس بن جنادة، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس. وغيرهم (3).

ولما كانت الدعوة الإلهية لبني إسرائيل جعلت هارون وبنيه مع التوراة على خط واحد. فإن الدعوة الإلهية الخاتمة جعلت أهل البيت مع القرآن على خط واحد، فعن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر. ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس. فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال " وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي " (4).

وعن زيد بن ثابت قال. قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم خليفتين. كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لا يتفرقا حتى يردوا على الحوض (5)، وعن أبي سعيد قال:

____________

(1) البداية والنهاية / ابن كثير 342 / 7.

(2) نظم المتناثر في الحديث المتواتر / الكتاني ص 195.

(3) المصدر السابق ص 195.

(4) مسلم (الصحيح 179 / 15) وأحمد والحاكم (الفتح الرباني 104 / 22).

(5) رواه أحمد وقال الهيثمي إسناده جيد (الزوائد 9 / 193) (الفتح الرباني
الصفحة 241
قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر.

كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1)، وعن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا: قال رسول الله (ص) " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض. وعترتي أهل بيتي. ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (2).

والعترة كما جاء في لسان العرب هي: ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه. وعترة النبي (ص). ولد فاطمة البتول عليها السلام (3) وفي قوله " إني تارك فيكم الثقلين " قال النووي: سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما وقيل: لثقل العمل بهما (4).

وحديث الثقلين حديث صحيح. رواه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت، والطبراني وأبو نعيم عن حذيفة بن أسيد، وابن أبي عاصم وأحمد والطبراني وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، والترمذي والنسائي والحاكم عن زيد بن أرقم، وابن أبي شيبة والترمذي والنسائي والخطيب عن جابر. ومسلم عن زيد بن أرقم (5).

____________

105 / 22) والطبراني (كنز العمال 186 / 1).

(1) رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن والطبراني وقال المناوي رجاله موثقون (الفتح الرباني 186 / 1) (كتاب السنة 644 / 2).

(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (الجامع 663 / 5) وقال في تحفة الأحوازي رواه مسلم من وجه آخر (التحفة 290 / 10).

(3) لسان العرب ص 2796.

(4) مسلم شرح النووي 179 / 15.

(5) أنظر: كنز العمال ص 172، 173، 186، 187 / 1، 435 / 4، 290 / 5 وكتاب السنة ص 351، 644 / 2 والبداية والنهاية 209 / 5.
الصفحة 242
فمنذ ذرأ الله ذرية آدم وهو سبحانه يزكي من يشاء، ويجعل سبحانه بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية امتحن الله تعالى بني إسرائيل امتحانات شتى. ومنها امتحانهم بهارون وبنيه. ولم يكن لموسى عليه السلام ولد من صلبه.

وشاء الله أن يجعل امتداده في أخيه هارون وبنيه من بعده. وكان هارون وبنوه ذروة سبط لاوي الذي منه موسى وهارون عليهما السلام. وبهم!

امتحن الله تعالى بقية الأسباط. وعلى امتداد المسيرة سفكت الدماء الزكية عندما جاء الهداة لبني إسرائيل بما لا تهوى أنفسهم.

وعندما بعث النبي (ص). امتحن الله أمته بامتحانات شتى بعد أن أقام عليهم الحجة، ومن هذه الامتحان بعترة النبي (ص)، وشاء الله أن يجعل امتداد النبي في ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب، ولما كانت منزلة علي من النبي (ص) بمنزلة هارون من موسى عدا النبوة، فإن الدعوة الخاتمة أقامت الحجة في أكثر من موضع على مكانة علي بن أبي طالب من الرسول (ص)، لتعليم القافلة دوائر التحذير فلا تقترب منها على امتداد المسيرة.

ومن الأحاديث التي تبين مكانة علي بن أبي طالب من الرسول (ص)، أن الله تعالى جعل النبي (ص) خير الناس نفسا، وجعل علي ابن أبي طالب كنفس النبي (ص)، قال النبي (ص) " إن الله خلق الخلق.

فجعلني في خيرهم فرقة. ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة.

ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة. ثم جعلهم بيوتا. فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا " (1)، وعن جابر بن عبد الله قال في قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم. فقل تعالوا ندع

____________

(1) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (الجامع 584 / 5) ورواه أحمد (الفتح الرباني 266 / 21).
الصفحة 243
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم. ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (1). قال: قدم على النبي (ص). العاقب والطيب.

فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة. فغدا رسول الله (ص) فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما. فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، فقال رسول الله (ص): والذي بعثني بالحق.

لو قالوا لا لأمطر عليهم الوادي نارا، قال جابر وفيهم نزل قوله تعالى:

(فقل تعالوا ندع أبناءنا... الآية) قال جابر: " أنفسنا وأنفسكم.. رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب " وأبناءنا " الحسن والحسين، " ونساءنا " فاطمة، قال ابن كثير: رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواه أبو داوود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة (2).

وجعل النبي (ص) علي بن أبي طالب على ذروة العشيرة الأقربين. كما وضع موسى هارون على ذروة الأسباط، روي عن علي ابن أبي طالب أنه قال: " لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (3) جمع النبي (ص) من أهل بيته فاجتمع ثلاثون. فأكلوا وشربوا. فقال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي، قال رجل: يا رسول الله أنت كنت بحرا من يقوم بهذا، ثم قال الآخر، فعرض النبي (ص) هذا على أهل بيته واحدا واحدا، فقال علي: أنا " (4)، وفي رواية: قال النبي (ص) " فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه أحد، قال علي: فقمت إليه وكنت من أصغر القوم. فقال: إجلس. ثم قال مرة

____________

(1) سورة آل عمران آية 61.

(2) تفسير ابن كثير 370 / 1.

(3) سورة الشعراء آية 214.

(4) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الفتح الرباني 122 / 23) ورواه ابن جرير وصححه والطحاوي والضياء بسند صحيح (كنز العمال 129 / 13).
الصفحة 244
أخرى، كل ذلك أقوم إليه. فيقول لي: إجلس. حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي) (1)، وفي رواية: قال النبي (ص): إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا، فقال علي: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي.

وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا " (2).

وجعل النبي (ص) علي بن أبي طالب على ذروة المهاجرين والأنصار، عن عمر بن عبد الله عن أبيه عن جده. أن النبي (ص)، آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا، فقال: يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني، قال: ولم تراني تركتك؟ تركتك لنفسي.

أنت أخي وأنا أخوك. فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب (3)، وروي أن النبي (ص) قال لعلي " أنت أخي في الدنيا والآخرة " (4). قال ابن كثير: كان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام (5).

وجعل النبي (ص) بيت علي بن أبي طالب ذروة البيوت. فعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد. فقال النبي يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي. فتكلم في ذلك الناس. فقام رسول الله (ص)، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد. فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي، وقد قال فيه قائلكم،

____________

(1) رواه أحمد وابن جرير والضياء بسند صحيح (كنز العمال 175 / 13).

(2) رواه ابن إسحاق وابن جرير وابن بي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي (كنز العمال 133 / 13).

(3) رواه أحمد وأبو يعلى (كنز العمال 140 / 13) (تحفة الأحوازي 222 / 10).

(4) رواه الترمذي والحاكم وصححه (كنز العمال 598 / 11).

(5) البداية والنهاية 336 / 7.
الصفحة 245
وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن الله أمر بشئ فاتبعته " (1)، وفي رواية: قال (ص) " ما أخرجتكم من قبل نفسي، ولا أنا تركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي " (2).

وهذا الحديث رواه جمع من الصحابة منهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وعلي بن أبي طالب. وقال السيوطي: ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة بل المتواترة، أنه (ص) منع فتح باب شارع في المسجد ولم يأذن لأحد ولا لعمه العباس ولا لأبي بكر، إلا لعلي، وقال الحافظ الكتاني: وقد أورد ابن الجوزي في الموضوعات حديث سد الأبواب مختصرا على بعض طرقه، وفي هذا قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ ابن الجوزي في ذلك خطأ شنيعا لرده الأحاديث الصحيحة (3).

وجعل النبي (ص) علي بن أبي طالب على ذروة الجنود. عن أبي هريرة قال. إن النبي (ص) قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله " - وفي رواية عن مسلم: رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله - يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب. ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. فدعا رسول الله (ص) علي بن أبي طالب. فأعطاه إياها.. وقال: إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على

____________

(1) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 114 / 9) (الفتح الرباني 118 / 23) والحاكم والضياء بسند صحيح (كنز 598 / 11) (2) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 115 / 9) والطبراني (كنز العمال 600 / 11).

(3) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص 195.
الصفحة 246
ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (1).

ومن أحاديث الذروة أيضا ما روي عن جابر بن عبد الله قال: دعا رسول الله (ص) عليا يوم الطائف فانتجاه فقال الناس. لقد طال نجواه مع ابن عمه. فقال رسول الله (ص): ما انتجيته ولكن الله انتجاه (2) وفي رواية: قال أبو بكر: يا رسول الله قد طالت مناجاتك عليا. فقال: ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه (3) قال في تحفة الأحوازي: أي أني بلغت عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه. فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته. وقال الطيبي:

كان ذلك أسرار إلهية وأمور غيبية جعله من خزانها (4).

ومن أحاديث الذروة. ما روي عن جابر. قال. لما سأل أهل قباء النبي (ص). أن يبني لهم مسجدا قال رسول الله (ص): ليقم بعضكم فيركب الناقة. فقام أبو بكر فركبها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام عمر فركبها فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام علي. فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به، فقال رسول الله (ص): يا علي ارخ زمامها. وابنوا على مدارها فإنها مأمورة (5).

وعلى ضوء ما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة. تشرق منزلة

____________

(1) رواه مسلم (الصحيح 176 / 15) وأحمد (الفتح الرباني 132 / 23) والبخاري عن سلمة بن الأكوع (الصحيح 166 / 2) والحاكم عن جابر (المستدرك 38 / 3).

(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن (الجامع 639 / 5) وابن كثير (البداية والنهاية 357 / 7).

(3) رواه الطبراني عن جنوب بن ناجية (كنز العمال 139 / 13).

(4) تحفة الأحوازي 231 / 10.

(5) رواه الطبراني في الكبير (كنز العمال 139 / 13).
الصفحة 247
علي بن أبي طالب من رسول الله داخل أحياء قريش، فهو بين العشيرة الأقربين. أخو النبي ووصيه وخليفته، وهو بين المهاجرين والأنصار.

عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب، وبابه بين الأبواب.

هو الباب المفتوح. وعلم الجميع أن الله أخرجهم وتركه. وأن النبي في هذا مأمور. ما أمر به فعله إن يتبع إلا ما يوحى إليه، وفي ميادين القتال علم الخاص والعام. أن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وعلموا أن الله انتجاه، ويوم بناء المسجد علموا أن الناقة مأمورة.

وعلموا أن الكتاب والعترة لا يفترقا حتى يردا علي الحوض. وأن العترة في صلب علي وفاطمة عليهما السلام. لقول النبي (ص) ".. علي أصلي.. " (1).

وبين إشراق منزلة علي من النبي (ص). وبين منزلة هارون من موسى عليهما السلام، يمتد ظلال الدعوة الإلهية، وتحت هذا الظلال تسير الأمة الخاتمة بمنهجها المهيمن على جميع المناهج، وقد حذرهم الله تعالى من السلوك في طريق الفراعنة. بعد أن جعل قياس النبي (ص) إلى موسى. وقياس الأمة إلى فرعون وقومه (2). وبعد أن حذرهم من أن يكونوا كالذين أذوا موسى (3). وبعد أن علموا أن الله يزكي من يشاء.

ويجعل بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها.

وعلى طريق المنزلة رويت أحاديث صحيحة. يرى فيها موقع الذروة الذي يستقيم مع موقع المنزلة. وسنذكر بعض هذه الأحاديث في موضعها.

____________

(1) رواه الطبراني والضياء بسند صحيح (602 / 13 كنز).

(2) سورة المزمل آية 15.

(3) سورة الأحزاب آية 69.
الصفحة 248

2 - [ أضواء على المنزلة العالية ]

قامت الدعوة الإلهية على امتداد المسيرة البشرية، بمخاطبة الإنسان الذي يسلك طريقها. وإرشاده إلى ما فيه سعادته، وحذرت من التقادر الذي يتلبس بالدين، لأن مهمة النفاق في ديار الذين آمنوا. لا تنفصل عن مهمة الشيطان الذي اعتمد في برنامجه القعود على الصراط المستقيم (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم) (1)، وتيار الصد عن سبيل الله اعتمد على المنافقين في حفر الحفر العديدة على امتداد مسيرة الذين آمنوا، ومن خلال هذا الحفر رفعت الأعلام العديدة.

التي تقوم برامجها بالتعتيم على الفطرة، والقافلة الإسرائيلية لم تسقط في مستنقع عبادة العجول نتيجة لغزوها من الخارج، وإنما سقطت أولا من الداخل. على أيدي الذين يجلسون تحت خيامها ويتلبسون بالدين.

والدعوة الإلهية الخاتمة. بينت أن المنافقين ينقون الناس بالإيمان الكاذبة والحلفان الآثمة. ليصدقوا فيما يقولون. فيغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم. ويقتدي بهم فيما يفعلون ويصدقهم فيما يقولون، فيحصل بهذا ضرر كبير، وبينت الدعوة أن منهم أصحاب أشكال حسنة والسنة ذو فصاحة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، ولهذا قال تعالى: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) (2). وقال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا)(3).

ولقد وصفهم القرآن بأوصاف منها أنهم رجس، قال تعالى:

(إنهم رجس ومأواهم جهنم بما كانوا يكسبون) (4) فهم في دائرة الخبث

____________

(1) سورة الأعراف آية 16.

(2) سورة المنافقين آية 4.

(3) سورة النساء آية 145.

(4) سورة التوبة آية 95.
الصفحة 249
والتنجس نتيجة لما تحتويه بواطنهم واعتقاداتهم، والذين في قلوبهم مرض ويتلبسون بالدين الخاتم ورثوا قلوب وعقول الذين سبقوهم من بني إسرائيل، فإذا كان الذين كفروا من بني إسرائيل لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم. فإن المنافقين إذا سمعوا آية من كتاب الله زادتهم رجسا إلى رجسهم، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) (1). قال المفسرون: " زادتهم رجسا إلى رجسهم " أي زادتهم شكا إلى شكهم وريبا إلى ريبهم. وهذا من جملة شقائهم. أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سئ المزاج لو غذى بما غذى به لا يزيده إلا خبالا ونقصا.

ولأن تيار النفاق لا يزداد إلا رجسا، ولأنهم أصحاب السنة وإذا سمعهم السامع أصغى إلى قولهم لبلاغتهم، ولأن برنامج الصد عن سبيل الله إذا تلبس بالدين كان أشد خطرا على الدعوة، فإن الدعوة الخاتمة قامت بعزل هذا التيار عن ساحتها. وأقامت حجتها بطائفة الحق. وتحت سقف الامتحان والابتلاء تسير القافلة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.

وطائفة الحق من خصائصها أن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبهذه الصفة كانوا مع كتاب الله ولن ينفصلا حتى يردا على حوض النبي (ص)، ومعنى أنهم مع كتاب الله أنهم أعلم الناس بكتاب الله، وهم أمان للأمة من الوقوع في دائرة التأويل الخاطئ لكتاب الله.

وخاصة الآيات المتشابهة، وذلك لأن تيار الذين في قلوبهم زيغ يتخذ من المتشابه حقلا له إبتغاء الفتنة، قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك

____________

(1) سورة التوبة آية 125.
الصفحة 250
الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتناء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) (1) قال المفسرون: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل " فيتبعون ما تشابه منه " أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة.

وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه. لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: (إبتغاء الفتنة) أي الاضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم القرآن. وهو حجة عليهم لا لهم، وقوله تعالى " وابتغاء تأويله " أي تحريفه على ما يريدون.

لأن تيار الذين في قلوبهم زيغ والذين في قلوبهم مرض يتلبس بالدين ويجلس في خيام القافلة، أقام الله الحجة بالكتاب وبالعترة التي لا يضرها من عاداها أو من خذلها أو من خالفها لأنها شعاع يهدي والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، وتطهير أهل البيت والشهادة لهم بالعلم والعمل، والتحذير من مخالفتهم. وغير ذلك. وردت فيه أحاديث صحيحة، سنقدمها ونقابلها بما في منزلة هارون من موسى عليهما السلام.

أولا - " مقام التطهير ":

قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2) قال ابن عباس: " يذهب عنكم الرجس " أي عمل

____________

(1) سورة آل عمران آية 7.

(2) سورة الأحزاب آية 33.
الصفحة 251
الشيطان وما ليس لله فيه رضا، وقال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من كل عمل، وقال ابن حجر: والمعنى. التطهير من الأرجاس والأدناس ونجاسة الآثام (1).

وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: " خرج النبي (ص) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2)، وروي عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: لما نزلت هذه الآية (إنما يريد الله...) دعا رسول الله (ص) فاطمة وحسنا وحسينا، فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة رضي الله عنها: وأنا معهم يا نبي الله. قال: أنت على مكانك وأنت على خير " (3)، وعن شداد بن عمار قال. دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا رضي الله عنه فشتموه، فشتمته معهم، فلما قاموا.

قال لي شتمت هذا الرجل؟، قلت: قد شتموه فشتمته معهم، قال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله (ص)؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله عنها أسألها عن علي رضي الله عنه، فقالت: توجه إلى رسول الله (ص)، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله (ص) ومعه علي وحسن وحسين رضي الله عنهم. آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة رضي الله عنهما وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم كساءه، ثم تلى (ص) هذه الآية

____________

(1) أنظر: الفتح الرباني 238 / 18.

(2) رواه مسلم (الصحيح 194 / 15) والحاكم (المستدرك 147 / 3).

(3) رواه الترمذي (الجامع 351 / 5) وابن جرير والطبراني وابن مردويه (تحفة الأحوازي 97 / 9) وابن كثير في التفسير (485 / 3).
الصفحة 252
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحور (1)، وعن أبي الحمراء قال:

رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله (ص). رأيت رسول الله (ص) إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما. فقال:

" الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2)، وعن أنس بن مالك قال: أن رسول الله (ص) كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول " الصلاة يا أهل البيت. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (3).

وحديث الكساء وردت فيه روايات جمة تزيد على سبعين حديثا رواها: أم سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وواثلة، وأبي الحمراء، وابن عباس، وثوبان، وعبد الله بن جعفر، وعلي، والحسين بن علي.

والمتدبر في حديث الكساء يجد أن أحداثه وقعت في أكثر من مكان، وقعت في بيت أم سلمة وفي بيت عائشة وفي بيت فاطمة وأمام أكثر من واحد، ويجد أيضا أن النبي (ص) كان ينادي عند بيت فاطمة وقت صلاة الفجر لمدة ستة أشهر وفي رواية سبعة أشهر، وتكرار المشهد واستمرار النداء طيلة هذه المدة. يعطي أن النبي (ص) كان يقيم بهذا الحجة على كل من سمع ورأى وصلى في مسجده. بأن هؤلاء هم أهل البيت، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يثبت أمرا من الأمور في ذاكرة من حوله، يكرر هذا الأمر من ثلاثة إلى عشر مرات، ووضح

____________

(1) قال ابن كثير رواه الإمام أحمد وابن جرير (التفسير 483 / 3).

(2) قال ابن كثير رواه ابن جرير (التفسير 483 / 3).

(3) قال ابن كثير رواه الإمام أحمد (التفسير 483 / 3).
الصفحة 253
ذلك في روايات عديدة حملت تحذيرات مما يستقبل الناس من أحداث.

ينتج عنها ما ليس لله فيه رضا.

وإذا كانت دعاء الرسول لمن تحت الكساء وتلاوته (ص) لآية التطهير، يعطي للناس مفهوم إذهاب الرجس والتطهير لمن تحت الكساء عليهم السلام، فإن الدعوة الإلهية لبني إسرائيل أعطت لبني إسرائيل نفس المفهوم. ولكن بطريقة تستقيم مع الشريعة في هذا الوقت، جاء في العهد القديم " قال الرب لموسى: وتقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع. وتغسلهم بماء. وتلبس هارون الثياب المقدسة. وتمسحه وتقدسه ليكهن لي. وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة. وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي " (1).

ثانيا - " حكام العلم ":

إن العلم بالله هو ذروة كل العلوم وهو أشرف العلوم. لأن الله هو أشرف معلوم على الاطلاق، ولأن العلم بالله من أشق العلوم وأبعدها منالا، لطف الله بعباده وباح سبحانه بالعلم الشريف لأنبيائه ورسله ومن ارتضاه من عباده، ليسوقوا الناس إلى صراط الله العزيز الحميد، ويقيموا الحجة على كل سمع وكل بصر وكل فؤاد، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

روي عن الإمام علي أنه قال " إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به " ثم تلى قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) (2)، وروي عن مكحول قال لما نزل على رسول الله (ص) قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) قال رسول

____________

(1) سفر الخروج 4 / 11 - 16.

(2) رواه اللالكائي (كنز العمال 379 / 1).
الصفحة 254
الله (ص) " سألت ربي أن يجعلها أذن علي " فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله (ص) شيئا قط فنسيته (1)، وعن ابن مرة الأسلمي قال. قال رسول الله (ص) لعلي " إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق لك أن تعي " فنزلت هذه الآية (وتعبها أذن واعية) (2) وعن أبي الطفيل قال. قال علي: سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل " (3)، وعن سليمان الأحمس قال. قال علي: إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا (4).

وفي قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه. ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به. ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده. فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن كثر الناس لا يؤمنون. ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) (5).

روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: قال رسول الله (ص) " أفمن كان على بينة من ربه. أنا. ويتلوه شاهد منه. علي " (6). وعن علي أنه قال: ما من رجل من قريش إلا نزلت فيه طائفة من القرآن. فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) رسول الله (ص) على بينة من ربه. وأنا شاهد

____________

(1) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (تفسير ابن كثير 413 / 4) ورواه الضياء بسند صحيح وابن مردويه وأبو نعيم (كنز العمال 177 / 13.

(2) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (تفسير ابن كثير 413 / 4).

(3) رواه ابن سعد (الطبقات الكبرى 338 / 2).

(4) رواه ابن سعد (الطبقات الكبرى 338 / 2).

(5) سورة هود آية 17، 18.

(6) رواه ابن مردويه بإسنادين (كنز العمال 439 / 2.
الصفحة 255
منه (1)، وقال صاحب الميزان: والظاهر. أن المراد بهذا الشاهد بعض من أيقن بحقية القرآن وكان على بصيرة إلهية من أمره. فآمن به عن بصيرة وشهد بأنه حق منزل من عند الله تعالى. كما يشهد بالتوحيد والرسالة. فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش وريب التفرد، فإن الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرد فيه. ربما أوحش التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به. أما إذا قال به غيره من الناس وأيد نظره في ذلك. زالت عنه الوحشة وقوى قلبه وارتبط جأشه.

وقد احتج تعالى بما يماثل هذا المعنى في قوله (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) (2). وعلى هذا فقوله (يتلوه) من التلو لا من التلاوة.

والضمير فيه راجع إلى " من " أو إلى " بينة " باعتبار أنه نور أو دليل.

ومآل الوجهين واحد. فإن الشاهد الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه. والضمير في قوله " منه " راجع إلى " من " دون قوله " ربه " وعدم رجوعه إلى البينة ظاهر. ومحصل المعنى: من كان على بصيرة إلهية من أمر. ولحق به من هو من نفسه. فشهد على صحة أمره واستقامته.

وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد في الروايات أن المراد بالشاهد.

علي بن أبي طالب، إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد لا بمعنى الإرادة الاستعمالية. وقوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) راجع. إلى الموصول أو إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير " يتلوه " والجملة حال بعد حال، أي أفمن كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق منزل من عند الله، والحال أن معه شاهد

____________

(1) رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو نعيم (كنز العمال 439 / 2).

سورة الأحقاف آية 10.
الصفحة 256
منه يشهد بذلك عن بصيرة، والحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه كتاب موسى إماما ورحمة. فليس ما عنده من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل ونظير، بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدي إليه كتاب موسى، وقد ذكر الله تعالى كتاب موسى بالإمام والرحمة في موضع آخر. وهو قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين) (1).

وإذا كان صدر الآية وهو قوله تعالى: (ويتلوه شاهد منه) قد ورد في تفسيره أن المراد بالشاهد علي بن أبي طالب. فإن قوله تعالى:

(ومن قبله كتاب موسى إماما) يرى في ظلاله منزلة هارون من موسى عليه السلام. لأن موسى سأل ربه جل وعلا أن يؤيده بهارون ليشهد له شهادة الموقن البصير على أن الذي جاء به هو من عند الله. وهو قوله تعالى حاكيا عن موسى قوله (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي رداءا يصدقني أني أخاف أن يكذبون) (2) قال ابن كثير: سأل ربه أن يرسل معه هارون وزيرا ومعينا ومقويا لأمره. يصدقه فيما يقول ويخبر به عن الله تعالى. لأن خبر الاثنين أنجح في النفوس من خبر الواحد " (3). ويمكن القول أن الآية الكريمة يرى في ظلالها المنزلتين.

منزلة علي بن أبي طالب وهو من الرسول (ص). ومنزلة هارون وهو من موسى عليهما السلام.

ومن الآيات التي تلقى بظلالها على منزلة علي من رسول الله.

قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (4) روي عن علي أنه قال:

____________

(1) سورة الأحقاف آية 12.

(2) سورة القصص آية 34.

(3) تفسير ابن كثير 388 / 3.

(4) سورة الرعد 7.
الصفحة 257
رسول الله (ص) المنذر. وأنا الهادي (1) وفي لفظ: والهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه، وروي لما نزلت الآية. وضع رسول الله (ص) يده على صدر علي وقال: أنا المنذر. وأومأ بيده إلى منكب علي وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي " (2). وروي عن الجنيد أنه قال: الهادي هو علي بن أبي طالب (3).

وبالجملة: روي في حديث صحيح أن النبي (ص) قال لفاطمة رضي الله عنها " إني زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما " (4). وروي عن ابن عباس أنه قال " أقضانا علي " (5) وعن ابن مسعود أنه قال " كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي " (6).

بعد وضوح منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله (ص) على امتداد عهد البعثة، بدأ النبي (ص) يمهد الساحة لإعلان ولاية علي بن أبي طالب، ومن ذلك قوله لعلي " أنت ولي في كل مؤمن بعدي " (7) وقوله لبريدة الأسلمي عندما جاءه يشكو عليا " فإنه مني وأنا منه. وهو وليكم

____________

(1) رواه ابن أبي حاتم (كنز العمال 441 / 2).

(2) الفتح الرباني 185 / 18.

(3) الفتح الرباني 185 / 18، تفسير ابن كثير 501 / 2.

(4) رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 101 / 9) (الفتح الرباني 133 / 23) وابن جرير وصححه عن علي (كنز العمال 114 / 13) والخطيب عن بريدة) (كنز العمال 135 / 13) والطبراني عن معقل بن يسار (كنز العمال 605 / 11).

(5) رواه البغوي في شرح السنة. والبخاري في التفسير وأبو نعيم (كشف الخفاء 184 / 1).

(6) رواه الحاكم وصححه (كشف الخفاء 184 / 1).

(7) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج وهو ثقة وفيه لين (الفتح الرباني 116 / 23) وقال ابن كثير رواه أبو داوود الطيالسي (البداية 346 / 7) وصححه الألباني (الصحيحة 263 / 5).
الصفحة 258
بعدي. وإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي " (1)، وراوي هذا الحديث هو ابن بريدة قال في الفتح الرباني: أقسم ابن بريدة أنه تلقى هذا الحديث من والده بريدة مباشرة ليس بينه وبينه واسطة، وهو يفيد أن والده تلقاه من النبي (ص) مباشرة بغير واسطة، يشير بذلك إلى علو السند (2).

وعندما جاء العام العاشر الهجري. خرج النبي (ص) إلى حجة الوداع. روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي " (3)، وروي عن يحيى بن آدم. وكان قد شهد حجة الوداع، أن رسول الله (ص) قال: علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " (4).

وبعد أن أدى رسول الله (ص) المناسك، وعند عودته إلى المدينة، وقف في غدير خم، وهو مكان يقع على الطريق بين مكة والمدينة. على بعد ثلاثة أميال من الجحفة، وروي عن زيد بن أرقم أنه قال: لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع، فنزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قام فقال: كأني قد دعيت فأجيب، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن

____________

(1) رواه أحمد وقال في الفتح رواه الترمذي باختصار والبزار باختصار وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (الفتح الرباني 214 / 21).

(2) الفتح الرباني 214 / 21.

(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن (الجامع 662 / 5) والنسائي (كنز العمال 172 / 1).

(4) رواه أحمد (الفتح الرباني 121 / 23) والترمذي وقال حديث حسن (الجامع 636 / 5) وصححه الألباني (الصحيحة 632 / 5).
الصفحة 259
يتفرقا حتى يردا على الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قيل لزيد بن أرقم: أأنت سمعته من رسول الله (ص)؟

فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينه وسمعه بأذنه (1).

وعن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (ص) وأخذ بيد علي فخطب ثم قال: أيها الناس إني وليكم. قالوا:

صدقت، فرفع يد علي فقال: هذا وليي والمؤدي عني وإن الله مولى من والاه ومعادي من عاداه " (2).

وعندما نوزع علي بن أبي طالب أيام خلافته، ذكر الناس بهذا الحديث، فعن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس في الرحبة ثم قال:

أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام إليه ناس كثير، فشهدوا حين أخذ النبي (ص) بيده فقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى يا رسول الله (ص)، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (3)، وزاد في رواية: وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله " (4).

____________

(1) رواه ابن جرير من زيد بن أرقم وعن أبي سعيد الخدري (كنز العمال 104 / 13) والنسائي (البداية 209 / 5).

(2) قال ابن كثير: رواه ابن جرير وقال الذهبي هذا حديث حسن. وقال وجدت ذلك في نسخة مكتوبة عن ابن جرير (البداية 213 / 5).

(3) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة (الزوائد 104 / 9).

(4) رواه البزار وابن جرير وقال الهيثمي رجاله ثقات (كنز العمال 158 / 13) وصححه الألباني (الصحيحة 343 / 5).
الصفحة 260
وقال في الفتح الرباني. قال السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة: حديث من كنت مولاه، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، والإمام أحمد عن علي وأبو أيوب الأنصاري، والبزار عن عمرو ذي مر. وأبي هريرة. وطلحة. وعمار وابن عباس. وبريدة، والطبراني عن ابن عمر. ومالك بن الحويرث. وحبشي بن جنادة.

وجرير. وسعد بن أبي وقاص. وأبي سعيد الخدري، وأبو نعيم عن جندع الأنصاري، وقد خصص له الهيثمي سبع صفحات (1).

وقال الحافظ الكتاني: حديث من كنت مولاه في رواية لأحمد أنه سمعه من النبي (ص) ثلاثون صحابيا، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته، وصرح المناوي بتواتره، وقال ابن حجر: حديث من كنت مولاه أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق. وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلف مفرد، وأكثر أسانيدها صحيح أو حسن (2).

وقال ابن كثير: حديث من كنت مولاه رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم. وقد رواه عن زيد بن أرقم جماعة، ورواه معروف بن جرموز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، ورواه ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد. ورواه عن عدي بن ثابت بن البراء.

وعن أبي إسحاق عن البراء. ورواه عن سعد وطلحة بن عبد الله وجابر بن عبد الله. وله طرق عنه (3).

وقال الألباني: حديث من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، حديث صحيح جاء من طرق جماعة من

____________

(1) النتح الرباني 128 / 23).

(2) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص 195.

(3) البداية والنهاية 350 / 5.
الصفحة 261
الصحابة، خرجت أحاديث سبعة منهم، ولبعضهم أكثر من طريق واحد، وقد خرجتها كلها وتكلمت على أسانيدها في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1).

ولما كنا قد قابلنا بعض الأحداث التي جرت في عهد البعثة الخاتمة. بمثيلاتها على عهد أنبياء بني إسرائيل. ونحن نرصد منزلة هارون من موسى. فإننا نجد في مقام التطهير والعلم " وكلم الرب هارون قائلا: خمر ومسكر لا تشرب أنت وبنوك معك.. فرضا دهريا في أجيالكم. وللتمييز بين المقدس والمحلل. وبين النجس والطاهر.

ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها بيد موسى " (2).

ولقد علمنا أن النبي (ص) بعد أن أدى المناسك. أعلن ولاية علي بن أبي طالب. وفي مقابل هذا الحدث، نجد العهد القديم يذكر أنه في اليوم الثامن من الشهر الذي تؤدي فيه المناسك، أمر موسى هارون أن يأخذ له عجلا ليذبحه في اليوم الذي يفيض الله برحمته على العباد، وفعل هارون ما أمر به موسى. " ثم رفع هارون يده نحو الشعب وباركهم.. ودخل موسى وهارون خيمة الاجتماع ثم خرجا وباركا الشعب " (3).

إن الدعوة الإلهية للناس دعوة واحدة. والتوحيد هو عماد هذه الدعوة. والإخلاص في العبادة يجعل شجرة التوحيد داخل النفس الإنسانية شجرة مورقة، لهذا كان الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية ومن أوجب الواجبات الشرعية، ولكي يتحقق الإخلاص. فلا بد من حفظ الصلة بالله عز وجل، والمدخل إلى حفظ الصلة بالله. هو

____________

(1) كتاب السنة / ابن أبي عاصم. تحقيق نصر الدين الألباني ص 566 / 2.

(2) اللاويين 10 / 8 - 11.

(3) المصدر السابق 9 / 22 - 24.
الصفحة 262
حفظ الصلة بالرسول، لأن النور المحمدي هو البرزخ الذي بين الناس وبين النور الإلهي الذي تندك له الجبال، وحفظ الصلة بالرسول له قواعد وله علامات وقديما قالت العرب:.

إذ لم يكن صدر المجالس سيدا * فلا خير فيمن صدرته المجالس

3 - [ الترغيب والترهيب ]

إن حفظ الصلة بالرسول (ص) حثت عليه الدعوة الخاتمة في أكثر من آية، منه قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (1)، والمعنى: إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب والتي ترفع أعلام الإخلاص والإسلام. وتسير بأتباعها نحو صراط الله المستقيم فإن اتبعتموني في سبيلي أحبكم الله. ومنه قوله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) (2). والآية تشير إلى سبيل رسول الله (ص)، وفيها يأمره تعالى أن يخبر الناس أن هذه سبيله. أي طريقته ومسلكه وسنته، وأن هذا السبيل هو الذي يصل بمن يسلكه إلى سعادة الدارين، لأن النبي يدعو إلى الله على بصيرة ويقين وبرهان، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه النبي (ص)، ومنه قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) (3). في هذه الآية جعل الله تعالى أجر رسالة النبي المودة في القربى، فأي قربى؟

إن مودة الأقرباء على الاطلاق ليست مما يندب إليه في الإسلام قال

____________

(1) سورة آل عمران آية 31.

(2) سورة يوسف آية 108.

(3) سورة الشورى آية 23.
الصفحة 263
تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) (1)، والذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله، وبما أن لكل شئ ذروة، فإن الحب في الله ذروته حب النبي (ص)، ولهذا قيل أن المراد بالمودة في القربى. هو مودة قرابة النبي (ص)، وهم عترته من أهل بيته، ومن يتأمل في الروايات المتواترة عن النبي (ص). كحديث الثقلين وغيره، يجد أن النبي (ص) دفع الناس في اتجاه أهل البيت لفهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه، وهذا لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجرا للرسالة. إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إلى أهل البيت. على إعتبار أن لهم المرجعية العلمية.

وروي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها (2)، وعن أبي الديلم قال: لما جيئ بعلي بن الحسين أسيرا فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم قال:

أما قرأت " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى "؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (3).

ومما يثبت أن المقصود بذي القربى: علي وفاطمة وولداها.

____________

(1) سورة المجادلة آية 22.

(2) رواه الطبراني وقال الهيثمي فيه جماعة ضعفاء وقد وثقوا (الزوائد 168 / 9) وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(3) أخرجه ابن جرير. والبغوي (تفسير البغوي 364 / 7) والمقريزي (فضائل أهل البيت ص 72).
الصفحة 264
تحذير النبي (ص) من الاقتراب منهم بأذى. لأن من يؤذيهم يكون في الحقيقة قد آذى رسول الله (ص)، ويقع تحت عقوبة لا يدفعها دافع، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (1) ومن المعلوم أنه لا يوجد مخلوق يمكن أن يتقدم بأذى لله تعالى، ولكن الآية تتوعد كل من آذى النبي بشئ، لأن من آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.

وتحذيرات النبي (ص) من الاقتراب بأي أذى لعترته، وردت في أحاديث كثيرة، منه ما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: كنت جالسا في المسجد أنا ورجلين معي فنلنا من علي، فأقبل رسول الله (ص) غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: ما لكم وما لي من آذى عليا فقد آذاني " (2)، ومنه ما روي عن عمرو بن شاس الأسلمي. قال. خرجت مع علي إلى اليمن. فجفاني في سفري ذلك. حتى وجدت في نفسي عليه. فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد. حتى بلغ رسول الله (ص). فلما رآني أبدى عينيه (أي حدد إلي النظر) حتى إذا جلست قال: يا عمرو والله لقد آذيتني.

قلت أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله. قال: بلى من آذى عليا فقد آذاني (3) ومنه ما روي عن المسور بن مخرمة قال. قال النبي (ص):

____________

(1) سورة الأحزاب آية 57.

(2) أخرجه الإمام أحمد وقال الهيثمي رجال أحمد ثقات (الزوائد 129 / 9) (الفتح الرباني 120 / 23) ورواه الحاكم وصححه (المستدرك 122 / 3) ورواه البزار (كشف الأستار 200 / 3) ورواه ابن حبان في صحيحه (الزوائد 129 / 9) ورواه ابن أبي شيبة وابن سعد والبخاري في تاريخه والطبراني (كنز العمال 142 / 131) وابن كثير (البداية 347 / 7).

(3) رواه أبو يعلى وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 129 / 9) وابن كثير (البداية 347 / 7).
الصفحة 265
إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها (1).

وبالجملة إن الدعوة الإلهية الخاتمة بينت أن الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية ومن أوجب الواجبات الشرعية. وبينت إن حفظ الصلة بالرسول هو صراط حفظ الصلة بالله. فمن آذى الرسول فقد آذى الله ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله.

ولأن المنافقين في كل عصر يعملون من أجل تدمير الدعوة من داخلها، فإن الدعوة الإلهية الخاتمة فتحت بين حركة النفاق وبين حركة الإيمان، لتصحيح الساحة بعد هذا الفتح من طرفين، لكل طرف أعلامه ومذاقه، لتسير القافلة وهي على بينة من أمرها، لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، وهذا الفتح يرى بوضوح إذا تدبر الباحث في الأحاديث المروية عن رسول الله (ص)، ومنها ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " والذي خلق الحبة وبرأ النسمة. إنه لعهد النبي (ص) إلي. أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " (2)، وما روي عن أبي ذر أنه قال. قال رسول الله (ص) لعلي: يا علي من فارقني فارق الله. ومن فارقك يا علي فارقني " (3)، وما روي عن عبيد الله بن عباس قال: نظر النبي (ص) إلى علي فقال: يا علي أنت سيد في الدنيا. سيد في الآخرة. حبيبك حبيبي. وحبيبي حبيب الله. وعدوك عدوي. وعدوي عدو الله. الويل لمن أبغضك بعدي " (4).

____________

(1) رواه مسلم (الصحيح 3 / 16) والبخاري بلفظ: فمن أغضبها أغضبني (الصحيح 2 / 302).

(2) رواه مسلم (الصحيح 64 / 2) والترمذي (الجامع 643 / 5) وأحمد (الفتح الرباني 122 / 23).

(3) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله ثقات (كشف الأستار 3 / 201) (الزوائد 135 / 9) والحاكم وصححه (المستدرك 121 / 3).

(4) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة وإذا =