ومن تولاني فقد تولى الله. ومن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله. ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل " (1)، وعنه أيضا قال. قال رسول الله (ص): اللهم من آمن بي وصدقني فليتولى علي بن أبي طالب. فإن ولايته ولايتي وولايتي ولاية الله (2) وقيل لسلمان الفارسي: ما أشد حبك لعلي. قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني (3). وقيل لعمار بن ياسر. ما أشد حبك لعلي. فقال: قال رسول الله (ص): يا عمار إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره. فاسلك مع علي ودع الناس (4).
وما روي عن أسرة أبي رافع. فعن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: قال النبي (ص): يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا. حق على الله جهادهم. فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه. ومن لم يستطع بلسانه. فبقلبه ليس وراء ذلك شئ (5)، وعن عمار بن ياسر قال. قال رسول الله (ص): يا علي ستقاتلك الفئة الباغية
____________
= تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح والحديث سمعه يحيى بن معين من أبي الأزهر فصدقه (المستدرك 128 / 3) ورواه ابن كثير (البداية 356 / 7).
(1) رواه الطبراني في الكبير وابن عساكر (كنز العمال 610 / 11).
(2) رواه الطبراني في الكبير (كنز 611 / 11).
(3) رواه الحاكم وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك 130 / 3).
(4) رواه الديلمي (كنز العمال 614 / 11).
(5) رواه الطبراني (كنز العمال 613 / 11) وقال الهيثمي رواه الطبراني وفيه محمد بن عبد الله وثقه ابن حبان. ويحيى بن الحسين لم أعرفه وبقية رجاله ثقات (الزوائد 134 / 9).
وبالجملة: عن أبي سعيد الخدري قال. قال رسول الله (ص): لا يبغضنا أهل البيت أحدا إلا أدخله الله النار (3). وعن أبي هريرة قال: نظر النبي (ص) إلى علي وابنيه وفاطمة وقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لس سالمكم (4).
ولأن النبي (ص) جعل الكتاب والعترة في حبل واحد. وأخبر بالغيب عن ربه بأنهما لن ينفصلا حتى يردا علي الحوض. ولأنه (ص) حث الأمة في أكثر من مكان بأن تمسك بهذا الحبل لأنه واقي لها من الضلال. وقال " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " فإنه أخبر بالغيب عن ربه بأن أهل بيته سيلقون بعده من الأمة قتلا وتشريدا، وكما حذر موسى عليه السلام بني إسرائيل من الاختلاف في الوقت الذي خبر فيه بأنهم سيختلفون وهو يخبر بالغيب عن ربه، كذلك فعل النبي الخاتم (ص)، كان
____________
(1) رواه ابن عساكر (كنز العمال 613 / 11).
(2) رواه البخاري ك الصلاة ب التعاون في بناء المساجد. ورواه أحمد (الفتح الرباني 331 / 22).
(3) رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (المستدرك 150 / 3).
(4) رواه الحاكم وقال حديث صحيح ولم يخرجاه (المستدرك 149 / 3) وأحمد (الفتح الرباني 106 / 22) والترمذي عن زيد بن أرقم (الجامع 699 / 5) وابن ماجة والحاكم عن زيد (كنز 96 / 12) والطبراني وأحمد والحاكم عن أبي هريرة (كنز 97 / 12) وابن أبي شيبة وابن حبان في صحيحه والضياء بسند صحيح عن زيد (كنز 640 / 13).
الجماعة الجماعة (2).
لقد كان الإخبار بالغيب فيما يستقبل الناس من أحداث، لطف من الله ليعلم سبحانه من يخافه بالغيب فلا يأخذوا بالأسباب التي عليها التحذير، ويأخذوا بالأسباب التي فيها لله ولرسوله رضا، والنبي (ص) أمر الأمة بأن تأخذ بطرف الحبل الذي عليه الكتاب والعترة، ثم يخبر بالغيب عن ربه فيقول " إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا " (3)، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن مما عهد إلي رسول الله (ص) أن الأمة ستغدر بك بعدي (4). وكل طريق له أسبابه. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
ولأن الطريق عليه لاختلاف وافتراق وغدر ونفي وقتل وتشريد.
ظهرت النتيجة عند الحوض في إخبار الرسول (ص) بالغيب عن ربه، فعن سهل قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا فرطكم على الحوض. من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا. وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني. ثم يحال بيني وبينهم (5)، وعن عبد الله قال: قال رسول
____________
(1) رواه البخاري (كنز العمال 177 / 1).
(2) رواه أحمد عن أنس وأبي هريرة (كنز 210 / 1) والترمذي وصححه (الجامع 25 / 4).
(3) رواه الحاكم ونعيم ابن حماد (كنز العمال 169 / 11).
(4) رواه البيهقي وقال ابن كثير سنده صحيح (البداية 218 / 6).
(5) رواه البخاري (الصحيح 141 / 4) ومسلم (الصحيح 53 / 15) وأحمد (الفتح
فأقول: يا رب أصحابي أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (1) وفي رواية عن أبي هريرة بزيادة: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (2)، وفي رواية عن ابن عباس:
فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (3)، وفي رواية عن أم سلمة: فناداني مناد من بعدي. فقال: إنهم قد بدلوا من بعدك. فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي (4).
لقد حذر النبي الخاتم (ص) من النتيجة التي لا تستقيم مع المقدمة، ولم تجامل الدعوة الإلهية الخاتمة أحدا بعد أن أقامت حجتها، يقول النبي (ص) " ليردن على الحوض رجال ممن صحبني ورآني... " (5) ولم تغن عنهم الصحبة من الله شيئا، وقال " إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبدا " (6) ومعنى أن تعطي النتيجة قطع صلتهم بالنبي في الآخرة، أنهم قطعوا الصلة يوم أن سارت القافلة تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، قال تعالى:
(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (7).
وإذا كانت الدعوة الإلهية الخاتمة قد حذرت كل من يقترب من
____________
الرباني 195 / 1).
(1) رواه البخاري (الصحيح 141 / 4) ومسلم (الصحيح 29 / 15).
(2) رواه البخاري (الصحيح 142 / 4).
(3) رواه البخاري (الصحيح 160 / 3) مسلم (الصحيح 194 / 17).
(4) رواه أحمد وقال في الفتح سنده جيد (الفتح الرباني 197 / 1).
(5) رواه مسلم (الصحيح 195 / 1).
(6) رواه الحاكم والإمام أحمد (كنز العمال 197 / 11) وابن عساكر (كنز 271 / 11).
(7) سورة العنكبوت آية 3.
بأن الله كلم موسى عليه السلام. وأمره بأن يقدم سبط لاوي أمام هارون ليخدموه ويحفظوا شعائره. ويخدمون خيمة الاجتماع ويحرسون أمتعتها. وقال له " وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم والأجنبي الذي يقترب يقتل " (1).
4 - [ رحيل النبي الخاتم (ص) ]
لقد جاء النبي (ص) بالأدلة المقبولة. والمعجزات التي هي بلسان التواتر منقولة، وقد قال المسيح عليه السلام: من قبل ثمارهم تعرفونهم، وقد علم المخالف والموالف. أن محمدا رسول الله لم تثمر شجرته عبادة غير الله ولم يشرك مع الله غيره، ولا جعل له ندا من خلقه ولا ولدا، ولا قال لأمته اعبدوا إلهين اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا عبد رجلا ولا عجلا ولا كوكبا، بل دعا إلى ملة إبراهيم. إله واحد لا إله إلا هو، وأخلص لله وحده، ونزهة عن النقائض والآفات، وجاء بكتاب من عند الله أمر فيه بطاعة الله، ونهى عن معصيته، وزهد في الدنيا ورغب في الآخرة. وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأمر ببر الوالدين وصلة الرحم وحفظ الجار، وفرض الصدقات، وأمر بالصوم والصلاة، وحث على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ثم كسر الأصنام وعطل الأوثان. وأخمد النيران وأعلن الآذان. فهذه هي ثمار النبي (ص). الذي بعثه الله والناس في ظلمة الجهل والانحراف. فأنار الطريق وأقام الحجة. وبين منهجه للبشرية الطريق الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، لأنه يمد الإنسان بالوقود الذي يميز به بين
____________
(1) سفر العدد 3 / 5 - 10.
وبعد أن أقام النبي (ص) الحجة. حانت الساعة التي يدعى فيها فيجيب، وعلى فراش المرض أخذ النبي (ص) بالأسباب حتى لا تختلف الأمة من بعده. وهو يعلم أن الاختلاف واقع لا محالة، ونظام العالم هو نظام الأسباب والمسببات، والإنسان مطالب بأن يكون اعتماده على الله عند أخذه بالأسباب وفي كل حال، وعلى هذا سار الأنبياء والرسل عليهم السلام، كانوا يخبرون بالغيب عن الله بما يستقبل الناس من فتن وأهوال، ثم يأخذون بالأسباب فيحذرون الناس من مخاطر الطريق.
عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (ص)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (ص): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (ص) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن.
حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (ص) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (ص)، قال النبي (ص): قوموا! " فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية، ما حال بين النبي (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب. من اختلافهم ولغطهم! " (1). وفي رواية:
____________
(1) رواه البخاري ب قول المريض قوموا (الصحيح 7 / 4) ومسلم ب ترك الوصية (الصحيح 76 / 5) وأحمد (الفتح الرباني 191 / 22.
قال رسول الله (ص) " أئتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقالوا؟ إن رسول الله (ص) يهجر (3).
قال ابن الأثير: القائل هو عمر بن الخطاب (4). ومعنى هجر.
قال في لسان العرب: يهجر هجرا. إذا كثر الكلام فيما لا ينبغي. وهجر يهجر هجرا. بالفتح: إذا خلط في كلامه وإذا هذى (5) وقال في المختار الهجر: الهذيان (6) وقال في المعجم. هجر المريض: هذى (7).
لقد اختلفوا وأكثروا اللغط ولا ينبغي عند رسول الله التنازع، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (8). وقال جل شأنه (فليحذر الذين يخالفون من أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (9). وقال (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين
____________
(1) رواه البخاري ك العلم (الصحيح 31 / 1).
(2) رواه أحمد (الفتح الرباني 225 / 22) وابن سعد (الطبقات 243 / 2).
(3) رواه مسلم ب ترك الوصية (الصحيح 76 / 5).
(4) لسان العرب ص 4618.
(5) المصدر السابق 4618.
(6) مختار الصحاح ص 690.
(7) المعجم الوسيط 972 / 2.
(8) سورة الحجرات آية 2.
(9) سورة النور آية 63.
ومن يتدبر في أحداث يوم الصحيفة ويمسك بأطرافها، تجد أن الرسول (ص) أراد أن يكتب لهم كتاب يكون سببا في الأمن من الضلال، وهذا السبب كان كافيا لتنفيذ الأمر، ولكن بعض الذين حضروا قالوا " هجر "، فكانت هذه الكلمة كافية ليمسك الرسول عن كتابة الصحيفة، لأنها ربما تكون مدخلا لتشكيك البعض في كل ما كتب من وصايا وعهود ويترتب على ذلك فتن عديدة، ويشهد بذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال " قالوا: إن نبي الله ليهجر، فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟
قال: أو بعد ماذا! " (2)، وأمر الرسول إليهم بأن يأتوه بصحيفة لتكتب لهم الكتاب، هذا الأمر في حد ذاته كافيا لإقامة الحجة عليهم وإن لم يأتوا إليه بالصحيفة، ومن المعلوم أن النبي (ص) قد أقام الحجة على الأمة بالبلاغ في حجة الوداع وقبلها وبعدها في غدير خم.
وقد احتج البعض أن قولهم " حسبنا كتاب الله " يستند إلى أن الكتاب جامع لكل شئ، وقولهم هذا ينتج إشكالا، لأن الكتاب الجامع لكل شئ أمر بطاعة الرسول، وعلى الرغم من أن الكتاب جامع إلا أنه ليس في استطاعة كل واحد أن يستخرج منه ما يريده على وجه الصواب، لهذا فوض الله رسوله في أن يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، ولأن الناس في حاجة إلى السنة مع كون الكتاب جامعا، جعل النبي (ص) عترته مع الكتاب في حبل واحد ولن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وبالجملة: لما كان الكتاب به آيات متشابهات. وهذه الآيات يتتبعها الذين في قلوبهم زيغ لإثارة الفتن ولتأويل الكتاب، حتى ينتهي
____________
(1) سورة الأنفال آية 25.
(2) ابن سعد (الطبقات الكبرى 242 / 2).
____________
(1) ابن سعد (الطبقات الكبرى 242 / 2).
(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن (الجامع 663 / 5).
الطريق إلى المهدي المنتظر
الطريق إلى المهدي المنتظر
أولا - [ نور الظلام ]
أولا - [ موكب الحجة ]
بعد وفاة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، انطلقت المسيرة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء بعد أن أقيمت عليها الحجة في عهد البعثة، قال تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات ما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (1) ومن فضل الله تعالى على بني الإنسان أنه أحاط القافلة البشرية الخاتمة بالحجة الدائمة، بمعنى أن المعجزات التي كان الله تعالى يؤيد بها رسله قبل البعثة الخاتمة كانت تنتهي بوفاة الرسول، ولكن الله عندما إستخلف الأمة الخاتمة أيدها بمعجزات. منها ما انتهى بوفاة النبي (ص)، ومنها ما إستمر بعد وفاة النبي وسار مع القافلة على امتداد المسيرة، ومن هذا
____________
(1) سورة يونس آية 14.
1 - (القرآن الكريم):
القرآن معجزة باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقد تولى الله حفظه فلا يمكن بحال أن يناله التغيير أو التبديل، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (1)، وجميع المعارف الإلهية.
والحقائق الموجودة في القرآن تستند إلى حقيقة واحدة هي التوحيد، ولقد وصف الله تعالى القرآن بالحكيم. لأنه كتاب لا يوجد فيه نقطة ضعف أو لهو حديث. ولا انحراف فيه في جميع الأحوال. ولا يوجد في القرآن أي اختلاف. وفي هذا دليل على أنه منزل من الله تعالى، لأنه لا تخلو أقوال الناس في المراحل المختلفة من الاختلاف والانحراف ولهو الحديث ونقاط الضعف، وعجز الناس على الإتيان بمثل القرآن.
دليل على إعجاز القرآن، وعجز المشركين عن معارضة القرآن دليل على التوحيد، وخضوع الأعناق للقرآن. يعني أن إسناد القرآن إلى الله تعالى لا يحتاج إلى دليل سوى القرآن نفسه.
وفي عهد البعثة كان القرآن الملجأ الوحيد للنبي (ص) عندما كان
____________
(1) سورة الحجر آية 9.
2 - (الإخبار بالغيب عن الله):
من لطف الله تعالى بعباده. أنه تعالى أخبر على لسان الأنبياء والرسل بالغيب، فأخبر بما ينتظر الإنسان في اليوم الآخر حيث أهوال القيامة ولهيب النار ونعيم الجنة، وأخبر ببرنامج الشيطان وإلقاءاته على امتداد الدنيا، وأخبر بمضلات الفتن مقدماتها ونتائجها، وأخبر بالأمور العظيمة التي ما زالت في بطن النيب، والإخبار بالغيب حجة بذاته، وبه يمتحن الله تعالى عباده، قال تعالى: (ليعلم الله من يخافه بالغيب) (1) وقال: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) (2).
وأي حدث منذ ذرأ ذرية آدم لا بد أن تكون له مقدمة يترتب عليها نتيجة، والناس عند صنعهم لمقدمة الحدث كبيرا كان أو صغيرا.
يعلمون جانب الحلال فيه وجانب الحرام. بما أودعه الله في الفطرة.
ولأن الله تعالى وهو العليم المطلق سبحانه. يعلم مصير هذه المقدمة وما يترتب عليها من نتائج ما زالت في بطن الغيب، يخبر سبحانه على
____________
(1) سورة المائدة آية 94.
(2) سورة الحديد آية 25.
وكل إنسان لم يتدبر في حركة الأحداث من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، باختصار: من أخذ بأسباب الدجال سقط في سلته ثم سقط في نار جهنم يوم القيامة، ومن أخذ بأسباب الهدى شرب من حوض النبي (ص) يوم القيامة.
إن الله تعالى يمتحن الناس بأخذهم الأسباب، والناس تحت مظلة الامتحان والابتلاء يتمتعون بحرية الأخذ بالأسباب، وكل مسيرة على امتداد الزمان يتخللها ماضي وحاضر ومستقبل، والماضي يحمل دائما في أحشائه الزاد. ومهمة الحاضر أن ينضب في هذا الزاد ليؤخذ منه أسباب الهدى وينطلق بها إلى المستقبل، فمن أدركه الموت وهو على سبب الهدى، بعثه الله على نفس السبب، وكل إنسان مهاجر إلى ما هاجر إليه، وأحاديث إخبار الرسول بالغيب تحت أضوائها تظهر المسيرة، ويظهر ما في بطونها من زاد الماضي، وإذا وقف الحاضر أمام هذا الزاد ثم رجع القهقرى بتحليل الحوادث التاريخية، يصل إلى المقدمة في الماضي البعيد، فإذا أمعن النظر فيها وجد أنها تحتوي على أصول القضايا وأعراقها التي يراها في حاضره. فكما تكون المقدمة تكون النتيجة والدعوة الإلهية الخاتمة أمرت باتقاء الفتن وهذا لا يأتي إلا بالبحث في أصول القضايا، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (1)، والنبي (ص) بين أن الحاضر إذا رضي بانحراف في الماضي. شارك
____________
(1) سورة الأنفال آية 24.
والنبي (ص) بين لأمته المقدمات والنتائج حتى قيام الساعة، حتى يكونوا على بينة من أمرهم ويأخذوا بأسباب الأهداف التي لله فيها رضا، فعن أبي زيد قال " صلى بنا رسول الله (ص) الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا " (2)، وعن أنس قال " قال رسول الله (ص): من أحب أن يسأل عن شئ فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شئ إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا " (3)، وعن حذيفة قال " والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، كان رسول الله (ص) يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال (ص) وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري " (4)، وعن حذيفة أنه قال " ما من ثلاثمائة تخرج إلا ولو شئت سميت سائقها وناعقها إلى يوم القيامة " (5)، وقال حذيفة " والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا. يبلغ معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه باسمه واسم
____________
(1) رواه أبو داوود رقم 4345.
(2) رواه مسلم (الصحيح 16 / 18) وأحمد (الفتح الرباني 272 / 21).
(3) رواه أحمد والبخاري ومسلم (كنز العمال 421 / 11).
(4) مسلم (الصحيح 18 / 15).
(5) رواه نعيم وسنده صحيح (كنز العمال 271 / 11).
لقد أقام النبي (ص) الحجة عند المقدمة وهو يخبر بالغيب عن ربه، وعندما انطلقت المسيرة بعد وفاة النبي (ص) تحت سقف الامتحان والابتلاء، تخلو المسيرة من الفتن، بدليل أن حذيفة الذي يعرف الفتن وقادتها قال بعد وفاة النبي (ص) بأقل من ثلاثين عاما: إنما كان النفاق على عهد النبي (ص)، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان (2)، وقال " إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي (ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون " (3) وقال " إن كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله (ص) فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات " (4).
والطريق من توضيح النبي للفتن وهي في بطن الغيب إلى ظهور الفتن في عالم المشاهدة، طريق يخضع للبحث. بهدف اتقاء الفتن المهلكة وحصار وقودها في دائرة الذين ظلموا خاصة، وعدم البحث في هذا الطريق. يفتح أبوابا عديدة، منها مشاركة الذين ظلموا إذا رضى عن فعلهم، لأن الراضي بفعل قوم كالداخل فيهم، وفي الحديث يقول النبي (ص) " المرء مع من أحب " (5)، وكما أن عدم البحث يلقي بالحاضر على الماضي، فكذلك يلقي به على ما يستقبله من فتن مهلكة، عن حذيفة أنه قال " تعرض الفتن على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا. لا تضره فتنة ما
____________
(1) رواه أبو داوود حديث رقم 4222.
(2) رواه البخاري (الصحيح 230 / 4).
(3) رواه البخاري (الصحيح 230 / 4).
(4) رواه أحمد وإسناده جيد (الفتح الرباني 173 / 19).
(5) رواه البخاري (الصحيح 77 / 4).
وبالجملة: أخبر النبي (ص) بالغيب عن ربه جل وعلا، ليأخذ الناس بأسباب الهداية نحو ما يستقبلهم من أحداث ما زالت في بطن الغيب، والأخذ بالأسباب من الوسائل التي يمتحن الله تعالى بها عباده، وإخبار الرسول بالغيب هو في حقيقته دعوة للإيمان بالله، لأنه يأمر بالاستقامة، ويبين أن عدم الاستقامة يؤدي إلى كفران النعمة. ويفتح الطريق أمام الفتن، وكفران النعمة عقوبته سلب نعمة الهداية وعليها يأتي الهلاك، وطريق الفتن يلقي بأتباعه تحت أعلام الدجال، قال النبي (ص) " ما صنعت
____________
(1) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه (كنز العمال 119 / 11).
(2) سورة الأنعام آية 158.
(3) أنظر: تفسير ابن كثير 195 / 2.
3 - (التحذيرات الذهبية)
أولا - التحذير من الاختلاف:
أمر الله تعالى في كتابه الكريم بعدم الاختلاف في الدين في أكثر من آية، منه قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (2)، وقال رسول الله (ص) " لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " (3) وقال جل شأنه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (4) وقال النبي (ص) " إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (5).
وحذر تعالى من عاقبة الاختلاف في الدين في أكثر من آية من كتابه الكريم. منه قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ. إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) (6)، قال المفسرون: أي أن الذين فرقوا دينهم بالاختلافات والانشعابات المذهبية بعد أن جاءهم العلم، ليسوا على طريقتك التي بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، إنما أمرهم في هذا التفريق إلى ربهم فينبئهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون. ويكشف لهم حقيقة أعمالهم، والآية عامة. تعم
____________
(1) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الزوائد 335 / 7).
(2) سورة آل عمران آية 105.
(3) رواه البخاري (كنز العمال 177 / 1).
(4) سورة آل عمران آية 103.
(5) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن. والطبراني. وقال المناوي رجاله موثقون (الفتح الرباني 186 / 1).
(6) سورة الأنعام آية 159.
وفي الوقت الذي أمرت فيه الدعوة الإلهية الخاتمة بعدم الاختلاف، أخبر النبي (ص) بالغيب عن ربه العليم المطلق سبحانه، بأن الأمة ستختلف من بعده وسيتبع بعضها سنن اليهود والنصارى، قال (ص) " إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلك إحدى وسبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعون وتخلص فرقة، قيل: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة " (1)، أما اتباع سنن الأولين ففي قوله تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم، كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) (2)، روى ابن جرير أن رسول الله (ص) قال في هذه الآية " حذركم الله أن تحدثوا في الإسلام حدثا وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة، فقال تعالى:
(فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم... الآية). وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم، وإن الفتنة عائدة كما بدأت " (3)، وروى ابن كثير عن ابن عباس قال: ما أشبه الليلة بالبارحة، " كالذين من قبلكم " هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده ليتبعنهم حتى لو دخل الرجل جحر ضب لدخلتموه " (4)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص) " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا
____________
(1) رواه أحمد (الفتح الرباني 6 / 24) والترمذي وصححه (الجامع 25 / 4).
(2) سورة التوبة آية 69.
(3) تفسير ابن جرير 122 / 10.
(4) تفسير ابن كثير 368 / 2.
لقد حذرت الدعوة الإلهية عند المقدمة من الاختلاف في الدين، وذكرت أن الاختلاف بعد العلم لا يمكن أن يضع أصحابه على طريقة رسول الله (ص)، لأنها طريقة بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، وحذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين أوتوا الكتاب. وبينت برامجهم وأهدافهم، وأخبرت بأنهم يصدون عن سبيل الله. ويعملون من أجل أن تضل الأمة وتتبع طريقتهم في الحياة، ثم أخبر رسول الله (ص) بالغيب عن ربه بما يستقبل الناس، ومنه: أن الأمة ستفترق وسيتبع بعضها طريقة اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمة فيه أن الصراع قائم بين الحق وبين الباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند نهاية الطريق، لا يعني سقوط المسيرة، وإنما يعني سقوط الغثاء والزبد الذي لا قيمة له، وأعلام هؤلاء يحملها المنافقين والمنافقات كما ظهر في صدر الآية الكريمة.
____________
(1) رواه أحمد والبخاري ومسلم (الفتح الرباني 197 / 1).
ثانيا - التحذير من أمراء السوء:
حذرت الدعوة الخاتمة من الميل إلى الذين ظلموا، لأن على أعتابهم يأتي ضعف العقيدة وفقدان القدوة، وبينت أن قيام الذين ظلموا بتوجيه الحياة العقلية والدينية للأمة. ينتج عنه شيوع المشكلات الزائفة التي تشغل الرأي العام، وتجعله داخل دائرة الصفر حيث الجمود والتخلف، وعلى أرضية الجمود تفتح الأبواب لسنن الأولين، ومعها يختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وبهذا يتم التعتيم على نور الفطرة وتغيب الحقيقة تحت أعلام الترقيع والتلجيم التي تلبست بالدين، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (1) قال المفسرون: نهى الله تعالى النبي (ص) وأمته عن الركون إلى من اتسم بسمة الظلم. بأن يميلوا إليهم ويعتمدون على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية، لأن الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا، يخرج الدين أو الحياة الدينية عن الاستقلال في التأثير، ويغيرهما عن الوجهة الخالصة، ولازم ذلك السلوك إلى الحق من طريق الباطل، أو إحياء حق بإحياء باطل، أو إماتة الحق لإحيائه.
والنبي (ص) أخبر بالغيب عن ربه. أن الأمة ستركن إلى هؤلاء، وأمر بأن تأخذ الأمة بالأسباب لأن الله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، فعن ثوبان قال. قال رسول الله (ص) " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " (2)، وعن أبي هريرة قال. قال رسول الله (ص) " يهلك أمتي هذا الحي من قريش " قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال " لو أن
____________
(1) سورة هود آية 113.
(2) رواه أحمد ومسلم والترمذي (الفتح الرباني 31 / 27).
إسمعوا. فقلنا: سمعنا، ثم قال: إسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: إنه سيكون عليكم أمراء فلا تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد علي الحوض (2)، وعن حذيفة قال. قال رسول الله (ص): سيكون عليكم أمراء يظلمون ويكذبون. فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم. فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعينهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض (3)، ومن هذه الأحاديث يستنتج أن الأمراء ضد خط أهل البيت، بدليل أنهم لن يردوا على الحوض، وفي الحديث أن أهل البيت مع القرآن ولن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ويستنتج أيضا أن أهل البيت لن يكونوا في صدر القافلة وأن هناك أحداث ستؤدي إلى إبعادهم عن مركز الصدارة، بدليل وجود الأئمة المضلين وأمراء الظلم، فلو كان أهل البيت في الصدارة، ما اتخذوا هؤلاء بطانة لهم، لأن أهل البيت مع القرآن والقرآن نهى عن ذلك.
وبالجملة: أخبر النبي (ص) بوجود تيار في بطن الغيب سيعمل ضد سياسة أهل البيت، وإن هذا التيار لن يرد على الحوض، لقوله (ص) " لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض " (4)، وقوله لعلي بن أبي طالب " يا علي. معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة
____________
(1) رواه البخاري (الصحيح 280 / 2) ومسلم (الصحيح 41 / 18) وأحمد (الفتح الرباني 39 / 23).
(2) رواه أحمد (الفتح الرباني 30 / 23) وابن حبان في صحيحه وابن أبي عاصم وقال الألباني رجاله ثقات (كتاب السنة 352 / 2).
(3) رواه أحمد والبزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد 248 / 5) وابن أبي عاصم وقال الألباني رجاله ثقات (كتاب السنة 353 / 2).
(4) رواه الطبراني (كنز العمال 104 / 12).
قال (ص) " إن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار، وستكون عليكم أئمة إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله؟
قال: كونوا كأصحاب عيسى. نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير، موت في طاعة. خير من حياة في معصية " (2) وروي عن معاذ قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك. ولا يأخذون بأمرك. فما تأمرني في أمرهم؟ فقال: لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل " (3).
وروي عن ابن مسعود قال. قال رسول الله (ص) " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل. كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد. فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم تلى قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم) إلى قوله: (فاسقون) ثم قال رسول الله (ص) " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا (أي لتردنه إلى الحق)، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم " (4)، وقال (ص) " مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها.
____________
(1) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (135 / 9).
(2) رواه الطبراني عن ابن مسعود (كنز العمال 216 / 1) ورواه عن معاذ (كنز العمال 211 / 1).
(3) رواه عبد الله بن أحمد وإسناده جيد (الفتح الرباني 44 / 23).
(4) رواه أبو داوود حديث 4337، وقال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال
وأصاب بعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها فإننا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وإن تركوهم غرقوا جميعا " (1) كانت هذه بعض تعاليم النبوة لمواجهة الظلم والجور في وقت ما على امتداد المسيرة، أما بعد استفحال الظلم والجور. نتيجة للثقافات التي سهر عليها المنافقون وأهل الكثاب لإيجاد غثاء مهمته النباح تأييدا للجلادين، والتصفيق للزبانية ومصاصي الدماء، يقول النبي (ص) " ما ترون إذا أخرتم إلى زمان. حثالة من الناس. قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا. وكانوا هكذا، (وشبك بين أصابعه) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون. ويقبل أحدكم على خاصة نفسه. ويذر أمر العامة " (2)، وفي رواية: إتق الله عز وجل، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك، وإياك وعوامهم (3).
وبالجملة: بين النبي (ص) أن صنفا من الناس سيحرص على الإمارة من بعده، قال (ص) " إنكم ستحرصون على الإمارة. وستصير حسرة وندامة يوم القيامة. نعمت المرضعة وبئست الفاطمة " (4) نعم المرضعة:
____________
الصحيح (الزوائد 269 / 7).
(1) رواه أحمد والبخاري (الفتح الرباني 177 / 19) والترمذي وصححه (الجامع 470 / 4).
(2) رواه الطبراني وفال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 279 / 7).
(3) رواه أحمد وإسناده صحيح (الفتح الرباني 12 / 23).
(4) رواه أحمد (الفتح الرباني 22 / 23) والبخاري (الصحيح 235 / 4).
فانتظروا الساعة " (2). ويفسر هذا ما روي عن داوود بن أبي صالح. قال؟
أقبل مروان بن الحكم يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على قبر النبي (ص)، فقال: أتدري ما تصنع؟ وأقبل عليه وإذا هو أبو أيوب الأنصاري. فقال:
نعم جئت رسول الله (ص) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله. ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله (3).
وبين النبي (ص) للأمة أسباب الهدى على امتداد المسيرة. تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بين الأسباب في عصر به الصحابة، وبينها في عصر به التابعين، وبينها في عصور جاءت بعد ذلك. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
ثالثا - التحذير من ذهاب العلم:
إن كل موجود يحظى بالعلم بقدر ما يحظى بالوجود. والله تعالى
____________
(1) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الفتح الرباني 23 / 23).
(2) رواه البخاري (الصحيح 128 / 4).
(3) رواه أحمد ورجاله ثقات (الفتح الرباني 132 / 23) (الزوائد 245 / 5) والحاكم وصححه وأقره الذهبي (المستدرك 515 / 4).
وكما أن النبي (ص) أمر أمته بأن يمسكوا بحبل الله ليردوا على الحوض، أخبر كذلك بالغيب عن ربه بأن العلم سيرفع، ورفعه هو نتيجة لذهاب أوعيته، عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي (ص). فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أو أن يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ، فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا. وقد قرأنا القرآن. فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى. فماذا تغني عنهم (2)، وفي رواية عن شداد بن أوس قال " وهل تدري ما رفع العلم؟ ذهاب أوعيته " (3) وفي رواية عن أبي إمامة قال " وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا
____________
(1) سورة المجادلة آية 11.
(2) رواه الترمذي وقال حديث صحيح (تحفة الأحوازي 412 / 7).
(3) رواه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه (النتح الرباني 183 / 1).
وعلى امتداد المسيرة ظهر ما كان في بطن الغيب، ظهر الذين يقرؤون القرآن لا يعدوا تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وظهر الذين قرؤا ثم نقروا ثم اختلفوا ثم ضرب بعضهم رقاب بعض، وظهر الذين قرؤا ثم اعتزلوا ثم خرجوا على جيرانهم بالسيوف ورموهم بالشرك. بينما كانوا هم إلى الشرك أقرب، وظهر الذين لا يقرؤن القرآن إلا في حفلات النفاق التي يشرف عليها اليهود والنصارى في كل مكان، وعلى أكتاف هؤلاء وهؤلاء. انطلق البعض في طريق التقدم إلى الخلف. وارتبط مصيرهم بمصير الذين سبقوهم، قال النبي (ص) " إن بني إسرائيل إنما هلكت حين كثرت قراؤهم " (3) وأخبر النبي (ص) بأن الذين يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين، وقال " لا يزالوا يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع الدجال " (4)، وفي رواية " كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون مع بيضتهم الدجال " (5).
____________
(1) رواه أحمد والطبراني بسند صحيح (الزوائد 200 / 1).
(2) تحفة الأحوازي 413 / 7.
(3) رواه الطبراني (كنز العمال 268 / 10) (الزوائد 189 / 1).
(4) رواه أحمد ورجاله ثقات (الزوائد 299 / 6).
(5) رواه الطبراني. وإسناده، حسن (الزوائد 230 / 6).
ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف. يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (1)، وقال في الفتح الرباني: الحواريون هم خلصان الأنبياء وأصفيائهم. والخلصان هم الذين نقوا من كل عيب. وقيل: الخلصان هم الذين يصلحون للخلافة بعد الأنبياء (2).
لقد دافع الإسلام عن العلم، ولم يقاتل يوما من أجل الكرسي، وأمر الإسلام بالجهاد للإبقاء على الذروة التي تفيض بالعلم الإلهي ذروة كل العلوم وأشرف العلوم، لأن هؤلاء وحدهم هم الذين يحملون النور المحمدي، ذلك النور الذي يعتبر برزخا بين الناس وبين النور الإلهي.
الذي تندك له الجبال.
رابعا - العترة بين التحذير والابتلاء:
إن الله تعالى يمتحن الناس بالناس. قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) (3) فدائرة الهدى على امتداد المسيرة البشرية، فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم، فيميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان، والمتبعون للأهواء من طلاب الحق الصابرين في طاعة
____________
(1) رواه مسلم وأحمد (الفتح الرباني 190 / 1) وابن عساكر (كنز العمال 73 / 6).
(2) الفتح الرباني 190 / 1.
(3) سورة الفرقان آية 20.
وأخبر النبي (ص) علي بن أبي طالب. بما سيجري له من بعده، وقال له " إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه (يعني لحيته) ستخضب من هذا (يعني رأسه) (5)، وروي أن النبي (ص) قال له:
ألا أحدثك بأشقى الناس، رجلين، أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه (يعني رأسه) حتى تبتل منه هذه (يعني لحيته) (6).
وأخبر النبي (ص) الحسين بن علي بما سيجري له من بعده، وروى ابن كثير عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: أشهد لقد سمعت عائشة تقول: أنها سمعت رسول الله نهض يقول: يقتل الحسين بأرض
____________
(1) رواه مسلم (الصحيح 123 / 7).
(2) رواه الترمذي وحسنه (الجامع 662 / 5) والنسائي (كنز العمال 172 / 1).
(3) رواه الطبراني (كنز العمال 124 / 11).
(4) رواه الحاكم ونعيم بن حماد (كنز العمال 169 / 11).
(5) رواه أحمد والحاكم وصححه (المستدرك 142 / 3) والدارقطني والخطيب (كنز العمال 617 / 11) والبيهقي (البداية 218 / 6).
(6) قال الهيثمي رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات (الزوائد 136 / 9) و الحاكم والبيهقي بسند صحيح (المستدرك 141 / 3، البداية والنهاية 218 / 6، كنز العمال 136 / 13).
والخلاصة: إن الله يختبر الناس بالناس، وعلى هذا الاختبار يظهر أهل الريب من أهل الإيمان، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)(5)، وقال سبحانه (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا. أليس الله أعلم بالشاكرين) (6)، وقال تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض. ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم) (7)، والدعوة الخاتمة بينت الدرجات. وأمر تعالى بمودة قربى النبي (ص). قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (8) وبينت الدعوة أن الذين لا يصلون ما أمر الله به أن يوصل، والذين لم يأخذوا بما أمرهم تعالى به من طاعة وبما نهاهم به من نهي، فهؤلاء خاسرون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (الذين
____________
(1) البداية والنهاية 177 / 8.
(2) رواه الحاكم وقال السيوطي سنده صحيح (الخصائص / السيوطي 213 / 2).
(3) رواه البغوي وابن السكن والبارودي وابن منده وابن عساكر وأبو نعيم (البداية والنهاية 199 / 8) (كنز العمال 126 / 12) (الخصائص الكبرى 213 / 2) (أسد الغابة 349 / 1) (الإصابة 68 / 1).
(4) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار (الزوائد 188 / 9) والماوردي في أعلام النبوة بسند صحيح ص 83.
(5) سورة الفرقان آية 20.
(6) سورة الأنعام آية 53.
(7) سورة الأنعام آية 165.
(8) سورة الشورى آية 23.
وبينت الدعوة الإلهية الخاتمة. أن عدم مودة الذين أمر الله بمودتهم، يفتح الطريق أمام مودة أعداء الفطرة وقد أمروا بعدم مودتهم، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) (3). فالآية تنهي عن مودة المشركين والكفار وتنهي أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء. وتفتح الطريق أمام عبادة الأهواء والأوثان. قال تعالى حاكيا عن إبراهيم قوله لقومه (قال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) (4) قال المفسرون: وبخهم على سوء صنيعهم في عبادة الأوثان. وقال: إنما اتخذتم هذه ليجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضا وشنآنا، وتتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعين الأتباع.
فالطريق يبدأ بأمر الله ونهيه، وعلى امتداد الطريق يمتحن الله الناس ببعض الناس، فمن سلك فيما أمر الله به نجا، ومن لم يؤخذ بوصايا الله ضل، والله تعالى أمر بصلة الأرحام، وذروة الأرحام عترة
____________
(1) سورة البقرة آية 27.
(2) سورة محمد آية 23.
(3) سورة الممتحنة آية 1.
(4) سورة العنكبوت آية 25.
وأن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أي طالب " (1)، وقال " أن لكل بني أب عصبة ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم " (2)، وقال " نحن خير من أبنائنا، وبنونا خير من أبنائهم، وأبناء بنينا خير من أبناء أبنائهم " (3)، وهكذا فكما أن للعلم درجات، فللأرحام درجات، وميزان هذه الدرجات هو التقوى والعلم بالله، فمن التف حول الذين أمر الله بمودتهم شرب من الماء، ومن أبى فتحت عليه مودة أخرى يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم، ويوم القيامة يعض على يديه، قال تعالى: (يوم يعض الظالم على يديه ويقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. وكان الشيطان للإنسان خذولا، وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) (4).
وعلى امتداد المسيرة الإسلامية. قامت طائفة الحق بالدفاع عن الفطرة، ولم يضرها من عاداها أو من خذلها، وفي عهد الإمام علي.
خرج عليه أصحاب الأهواء، فقاتلهم الإمام على تأويل القرآن، وعنه أنه قال " أمرني رسول الله (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " (5)، فالناكثين: أهل الجمل، والقاسطين: أهل الشام، والمارقين: الخوارج، وانطلقت مسيرة الإمام رضي الله عنه بأعلام الحمية، وروي أن النبي (ص) قال له " أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل في سنتي وتبرئ ذمتي، من مات
____________
(1) رواه الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس (كنز 600 / 11).
(2) رواه الحاكم وابن عساكر (كنز 98 / 12).
(3) رواه الطبراني (كنز 104 / 12).
(4) سورة الفرقان آية 27.
(5) رواه ابن عدي والطبراني وقال ابن كثير روي عن طرق عديدة (البداية والنهاية 334 / 7) (كنز العمال 292 / 11).
وتحت هذا الضوء انطلقت الأمة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون. لاستحقاق الثواب والعقاب يوم القيامة.
____________
(1) رواه أبو يعلى وقال البوصيري رجاله ثقات (كنز العمال 159 / 13).
(2) رواه مسلم (كنز العمال 509 / 3) وأحمد (الفتح الرباني 52 / 23).
ثانيا - [ أضواء على المسيرة ]
أولا - [ أضواء على الساحة بعد وفاة النبي (ص) ]
كان الساحة بعد وفاة النبي (ص) بها جميع الأنماط البشرية، بها المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وبها الذين في قلوبهم مرض أو زيغ، وهؤلاء لا يخلو منهم مجتمع على امتداد المسيرة البشرية.
وكان الذين في قلوبهم مرض يختزنون في ذاكرتهم ببعض ما أخبر به النبي (ص) فيما يستقبل الناس، ومنه تفسيره لقوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) (1) وقوله: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) (2) وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) (3)، وقول النبي القرشي " يا معشر قريش، ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان، فيضرب رقابكم على الدين " فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وقد كان ألقى نعله إلى علي بن أبي طالب يخصفها " (4).
____________
(1) سورة الحج آية 78.
(2) سورة الزخرف آية 41.
(3) سورة إبراهيم آية 28.
(4) رواه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك 138 / 2) وابن جرير والضياء بسند
آخر غزواته، وأسر النبي (ص) بأسمائهم إلى حذيفة، وكان حذيفة وعمار بن ياسر معه (ص) عند محاولة هذه المجموعة اغتياله، وروي أن حذيفة قال: يا رسول الله ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله، فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "، وقال النبي (ص) لحذيفة " فإن هؤلاء فلانا وفلانا (حتى عدهم) منافقون لا تخبرن أحد " (7)، وعدم إفشاء النبي (ص) بأسمائهم يستنتج منه. أن هذه المجموعة لم تكن من رعاع القوم وإنما من أشد الناس فتكا، وقتلهم يؤدي إلى طرح ثقافة يتناقلها
____________
صحيح (كنز 173 / 13) والترمذي وصححه (الجامع 634 / 5).
(1) رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (كنز 480 / 2).
(2) رواه نعيم بن حماد والحاكم (كنز 169 / 11).
(3) رواه نعيم بن حماد وقال ابن كثير رواه البيهقي ورجاله ثقات (كنز العمال 274 / 11) (البداية 268 / 6).
(4) أنظر: مجمع الزوائد 112 / 1، المستدرك 481 / 4، البداية والنهاية 50 / 10، الإصابة 29 / 2.
(5) كنز العمال 82 / 8.
(6) مسلم (الصحيح 135 / 2).
(7) محاولة الاغتيال رواها الإمام أحمد والطبراني وابن سعد وغيرهم (أنظر الزوائد 110 / 11).
فالساحة بعد وفاة النبي (ص) كان بها جميع التيارات، وكان بها مجموعة حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويبدو من قراءة الأحداث أن الساحة كان بها مجموعة من أصحابه أخذت في اعتبارها أن ولاية علي بن أبي طالب قد تؤدي إلى أحداث اعتقدوا أنها يمكن أن تعصف بالدعوة، فاختاروا حلا وسطا ويبتعد به علي بن أبي طالب عن مركز الصدارة، وتظل به الدعوة قائمة، ويشهد بذلك قول أبي بكر رضي الله عنه لرافع بن أبي رافع حين عاتبه على توليه الخلافة " إن رسول الله (ص) قبض والناس حديثو عهد بكفر فخفت أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره " (4) وفي رواية قال " تخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها
____________
(1) رواه مسلم (الصحيح 125 / 7).
(2) رواه مسلم (الصحيح 124 / 7) وأحمد (الفتح الرباني 140 / 23).
(3) رواه البخاري ك لصلاة ب التعاون في بناء المساجد، ورواه أحمد (الفتح الرباني 331 / 22).
(4) رواه ابن خزيمة في صحيحه والبغوي وابن راهويه (كنز العمال 586 / 5).
ويشهد به قول عمر لابن عباس: يا ابن عباس ما منع قومكم منكم؟ قال: لا أدري، قال: لكني أدري يكرهون ولايتكم لهم. يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة (4)، وزاد في رواية: فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت (5).
وروي أن عمر بن الخطاب عندما اختلف بعض الأنصار مع بعض المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، على من الذي يتولى الخلافة ومن يتولى الوزارة، أمر عمر بقتل مرشح الأنصار سعد بن عبادة، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالأيدي، روى الطبري: قال ناس من أصحاب سعد: إتقوا سعد ألا تطؤه، فقال عمر: إقتلوه إقتلوه، ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك (6)، وروى البخاري: قال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله (7)،
____________
(1) رواه أحمد بسند صحيح (الفتح الرباني 61 / 23).
(2) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني 60 / 1) والطبري (تاريخ الأمم والملوك 200 / 3).
(3) لسان العرب مادة فلت ص 3455.
(4) تاريخ الأمم والملوك 30 / 5.
(5) المصدر السابق 31 / 5.
(6) المصدر السابق 210 / 3.
(7) البخاري (الصحيح 291 / 2).
ثانيا - [ أضواء على حركة الاجتهاد والرأي ]
على امتداد عهد البعثة كان النبي (ص) يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (ص) شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (ص) شيئا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم. أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه، وكان بالساحة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لم يكذبوا على الله ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا على وجهه، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ فعملوا به، وحفظوا المنسوخ فجنبوا عنه، عرفوا الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضعوا كل شئ موضعه، وقد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهين، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى به الله سبحانه به، ولا ما عنى رسول الله (ص)، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله في من كان يسأله يستفهمه، حتى إن كانوا يحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه الصلاة
____________
(1) تاريخ الأمم 210 / 3.
ونظر لاتساع الهوة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الإمام علي " ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه، والله تعالى يقول (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (2). وفيه تبيان كل شئ. وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا. وإنه لا اختلاف فيه.
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (3). إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه. ولا تنقضي غرائبه. ولا تكشف الظلمات إلا به " (4).
ويشهد بعدم معرفة جميع الصحابة بما روي عن رسول الله (ص)، واختلافهم في الفتوى، ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال " إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم
____________
(1) أنظر شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ص 591 / 3.
(2) سورة الأنعام آية 38.
(3) سورة النساء آية 82.
(4) شرح النهج / ابن أبي الحديد 233 / 1.
ويشهد بأنهم لم يكونوا على علم بجميع ما روي عن رسول الله، ما روي في حديث صحيح، عن سالم بن عبد الله عن أبيه " أن أبا بكر وعمر وناس، جلسوا بعد وفاة النبي (ص)، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك. ووثبوا إليه شيعا حتى أتوه في داره، فأخبرهم بحديث رسول الله... " (5).
ويشهد باختلافهم في الفتوى، أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم دية الأصابع. فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف
____________
(1) البخاري (الصحيح 214 / 1).
(2) البخاري ك الإعتصام (الصحيح 269 / 4).
(3) البخاري ك الإستئذان (الصحيح 88 / 4).
(4) البخاري ك الإعتصام (269 / 4).
(5) قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح والحاكم وصححه وقال صحيح على شرط مسلم (الترغيب والترهيب 184 / 3).
وبالجملة: اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطأ وللصواب، فعن موسى بن إبراهيم قال " إن أبا بكر حين استخلف، قعد في بيته حزينا، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فأقبل أبو بكر عليه يلومه. وقال: أنت كلفتني هذا الأمر. وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر: أو ما علمت أن رسول الله (ص). قال " إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران. وإن اجتهد فأخطأ فله أجرا واحدا،. فكأنه سهل على أبي بكر " (4).
ثالثا - [ المقدمات العمرية والنتائج الأموية ]
أولا - (الأمر برواية الحديث)
أمرت الدعوة الإلهية الخاتمة بتدوين ما بين الناس حفظا للحقوق، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، إلى قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) (5)، قال الخطيب البغدادي: أدب الله تعالى عباده. بقيد ما بينهم من معاملات في بداية التعامل حفظا للدين وإشفاقا من دخول الريب فيه، فلما أمر الله تعالى بكتابة الدين حفظا له، كان العلم الذي
____________
(1) أخرجه الشافعي في الأم بسند حسن. والنسائي.
(2) رواه البخاري ك الديات (الصحيح 193 / 4).
(3) رواه أحمد (الفتح الرباني 198 / 15) والترمذي (الجامع 419 / 4).
(4) رواه البيهقي وابن راهويه وخثيمة (كنز العمال 630 / 5).
(5) سورة البقرة آية 282.
والنبي (ص) أمر بكتابة العلم وقال " قيدوا العلم بالكتاب " (3) وعن رافع قال " خرج علينا رسول الله (ص) فقال: تحدثوا. وليتبوأ من كذب علي مقعده من النار، قلت: يا رسول الله إنا لنسمع منك أشياء فنكتبها؟
قال: إكتبوا ولا حرج " (4)، وعن أبي هريرة قال: ليس أحد من أصحاب النبي (ص) أكثر مني حديثا عن رسول الله إلا ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب " (5).
وروي أن النبي (ص) قال " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (6)، وكان يقول " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه " (7)، وقال " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم " (8).
____________
(1) تقييد العلم / الخطيب البغدادي ص 34.
(2) سورة الصافات آية 157.
(3) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد 152 / 1) وابن عبد البر (جامع العلم 86 / 11).
(4) رواه الطبراني (الزوائد 151 / 1) والخطيب وسمويه (كنز العمال 232 / 10).
(5) رواه الترمذي وصححه (الجامع 40 / 5).
(6) رواه أحمد (الفتح الرباني 191 / 1) والحاكم (المستدرك 109 / 1).
(7) رواه أحمد (كنز العمال 220 / 10) والترمذي وابن حبان في صحيحه (كنز 221 / 10).
(8) رواه أحمد وأبو داوود والحاكم (كنز 223 / 10).
الكتابة (2)، وروي عنه أنه قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (ص) أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله (ص)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله (ص)، فقال: أكتب والذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق - وأشار إلى فيه (3)، وما حدث مع عبد الله، حدث مع ابن شعيب، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قلت يا رسول الله - أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا (4).
وبينما كان النبي (ص) يحث على الرواية والكتابة على امتداد عهد البعثة، كان يخبر بالغيب عن ربه بأنه يوشك أن يكذبه أحدهم، وأن الرواية سيتم تعطيلها إلى أن يشاء الله، فعن معد يكرب قال " قال رسول الله (ص)، يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته.
يحدث بحديث من حديثي فيقول. بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه
____________
(1) رواه أبو داوود حديث رقم 4243.
(2) رواه الطبراني (الزوائد 152 / 1).
(3) رواه أحمد (الفتح الرباني 173 / 1) والحاكم وأقره الذهبي (المستدرك 106 / 1) وأبو داوود (حديث رقم 3646) والدرامي في سننه 125 / 1.
(4) رواه ابن عبد البر (جامع العلم 85 / 1) والخطيب (تقييد العلم ص 74).
(إجتهادات الصحابة في رواية الحديث وتدوينه):
إجتهد أبو بكر رضي الله عنه في رواية الحديث وتدوينه، روى الحافظ عماد الدين بن كثير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله (ص)، فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمتني، فقلت: تتقلب بشكوى أو بشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئت لها، فدعا بنار فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك. فيكون فيها أحاديث عن رجل إئتمنه ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك " (3)، وذكر الذهبي في تذكرته. عن أبي بكر أنه قال " إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا، بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " (4).
____________
(1) رواه أحمد (الفتح الرباني 191 / 1) والحاكم وصححه (المستدرك 109 / 1) والترمذي وصححه (الجامع 38 / 5).
(2) رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة والحاكم وصححه (كنز 174 / 1) والترمذي وصححه (الجامع 37 / 5).
(3) رواه ابن كثير (كنز العمال 285، 286 / 10).
(4) تذكرة الحفاظ 2، 3 / 1.
وعن سعد بن إبراهيم عن أبيه. أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي ذر ولأبي الدرداء، ما هذا الحديث عن رسول الله (ص)، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب (5)، وعن السائب بن يزيد قال:
سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله (ص). أو لألحقنك بأرض دوس (6)، وعن الزهري عن أبي سلمة قال:
سمعت أبو هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول. قال رسول الله (ص).
حتى قبض عمر بن الخطاب (7).
____________
(1) رواه ابن عبد البر (كنز 292 / 10) وابن سعد (كنز 293 / 10) والخطيب (تقييد العلم ص 49).
(2) رواه ابن عبد البر (كنز 292 / 10).
(3) رواه خيثمة وابن عبد البر (كنز 292 / 10) والخطيب (تقييد العلم 53).
(4) رواه الخطيب (تقييد العلم 52).
(5) رواه ابن عبد البر (كنز العمال 292 / 10) وابن سعد (كنز 293 / 0 1) والخطيب (العلم 49).
(6) رواه ابن عساكر (291 / 10).
(7) رواه ابن كثير (البداية والنهاية 107 / 8).
وعندما جاء عهد الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن السواد الأعظم من الأمة يعرفون عنه إلا القليل، وذلك لأن عهده جاء بعد وفاة النبي في بربع قرن تقريبا، عتم فيها عدم الرواية على منزلته ومناقبه، وفي عهد علي بن أبي طالب بدأ الصحابة يروون الأحاديث عن رسول الله (ص)، وكان علي يقول " خرج علينا رسول الله (ص) فقال: اللهم إرحم خلفائي، اللهم إرحم خلفائي، اللهم إرحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها للناس " (3)، وعن الحسن بن علي قال " قال رسول الله (ص)، رحمة الله على خلفائي، قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله يا رسول الله؟ قال:
الذين يحيون سنتي ويعلمونها للناس " (4)، وعن سعيد بن المسيب قال " ما كان أحد من الناس يقول سلوني، غير علي بن أبي طالب "، وكان علي يحض الناس على السؤال ويقول " ألا رجل يسأل فينتفع. وينتفع
____________
(1) رواه ابن سعد (الطبقات 336 / 2) وابن عساكر (كنز 295 / 10).
(2) رواه ابن عساكر (كنز 291 / 10).
(3) رواه الطبراني والرامهرمزي والخطيب والديلمي وابن النجار والدينوري والقشيري ونصر (كنز العمال 294 / 10).
(4) رواه ابن عساكر وأبو نصر السجزي (كنز 229 / 10).
(5) رواه ابن عبد البر (جامع العلم 137 / 1).
وبالجملة: بينت الدعوة الإلهية الخاتمة، أن الحديث عن النبي الخاتم (ص)، لا غنى للمسيرة عنه، لأنه مكمل للتشريع ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما أن الحديث تكفل بكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، وأخبر فيه النبي (ص) بالغيب عن ربه جل وعلا، فبين للناس ما يستقبلهم من أحداث ليأخذوا بأسباب النجاة من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبي الخاتم (ص) أجتهد بعض الصحابة في أمر الرواية والتدوين، ولقد تواترت الأخبار في منع عمر بن الخطاب الصحابة وهم الثقات العدول، وردعهم عن رواية العلم وتدوينه، وفي هذا يقول ابن كثير: هذا معروف عن عمر (4)، ثم سار على سنة عمر خلفاء وملوك بني أمية، ولم ترو الأحاديث الجامعة للعلم والمبينة للناس ما يستقبلهم من أحداث، إلا في عهد الإمام علي بن أبي طالب (5).
(من آثار عدم الرواية والتدوين):
كانت أهم آثار عدم الرواية، ظهور القص في المساجد، ومن خلال القص دخلت الأحاديث الإسرائيلية، ورفع القص من شأنه أفراد وقبائل ذمهم الله على لسان رسوله، وفي نفس الوقت عتم القص على
____________
(1) المصدر السابق 137 / 1.
(2) رواه الخطيب (كنز العمال 304 / 10).
(3) رواه عبد الله بن أحمد والخطيب (كنز 304 / 10).
(4) البداية والنهاية 107 / 8.
(5) أنظر / معالم الفتن / سعيد أيوب ط دار الكرام بيروت.
1 - أضواء على القص:
قال رسول الله (ص) " إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا " (1). وقال " سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم " (2)، وأول من أمر بالقص، عمر بن الخطاب، روى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد قال: " إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله (ص) ولا أبي بكر. كان أول من قص تميم الداري. إستأذن عمر أن يقص على الناس قائما فأذن له " (3).
واستلم بني أمية أعلام القص بعد ذلك، روي أن عبد الملك بن مروان قال: إنا جمعنا الناس على أمرين. رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر " (4)، ولبس القص الزي الديني في عهد بني أمية، وذلك أن النبي (ص) كان يبدأ بالصلاة في العيدين ثم يخطب بعد ذلك، ففعل بني أمية العكس. وبدؤوا بالخطبة لينشروا بذلك مذهبهم السياسي بين الناس، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري.
____________
(1) رواه الطبراني ورجاله موثقون وفيه الأجلح الكندي والأكثر على توثيقه (الزوائد 189 / 1).
(2) رواه ابن فضالة في أماليه (كنز العمال 282 / 10).
(3) رواه أحمد والطبراني (الزوائد 190 / 1) والعسكري عن بشر بن عاصم (كنز 281 / 10) والمروزي عن أبي نضرة (كنز 281 / 10).
(4) رواه أحمد والبزار وقال ابن حجر إسناده جيد (الفتح الرباني 194 / 1).
فإذا صلى صلاته وسلم. قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم. فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس. أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها (1).
أما التغيير ففي ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري " أن مروان خطب قبل الصلاة. فقال له أبو سعيد: غيرتم والله. قال مروان: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، قال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة " وقد اختلف في أول من سن هذه السنة، قال في تحفة الأحوازي: اختلف في أول من غير ذلك، فرواية الإمام مسلم صريحة في أن مروان أول من بدأ الخطبة قبل الصلاة، وقيل. سبقه إلى ذلك عثمان بن عفان، روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، وروى أن مروان فعل ذلك تبعا لمعاوية، ومعاوية عندما قدم المدينة قدم الخطبة (2)..
وكان الإمام علي يتصدى للقصاصين وينهاهم عن القص، فعن أبي البحتري قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس. ولكنه يقول أنا فلان بن فلان. اعرفوني، فأرسل إليه فقال:
أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال: أخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه (3).
____________
(1) رواه مسلم (الصحيح 20 / 3).
(2) تحفة الأحوازي 74 / 3.
(3) رواه العسكري والمرزوي (كنز العمال 281 / 10) وانظر: كنز العمال 282 / 10.
ووضع القصاصون أحاديث تحمل بصمة أهل الكتاب، والصق بالتفسير روايات وقصص لا يتصورها عقل ولا يجوز أن يفسر بها كتاب الله، ووضعوا في هذه الأحاديث. أن الله يشغل حيزا من المكان، ويضحك وينتقل من مكان إلى آخر، وأنه يتألف من أعضاء، وهو عبارة عن هيكل مادي، وعين ويد وأصابع وساق وقدم.
وبالجملة: كان القص وراء تغييب العقل ووطئه بالأقدام، وتحت سقفه إختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وعلى موائده لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقيمية إلا بعد عناء شديد، وكان القص وراء إهمال الواجبات والتسامح في المحرمات والتهاون بالسنن والمستحبات، وكان البذرة الأولى لظهور المبادئ والمنظمات الباطلة التي وضعت القوانين على طبق أهوائهم وآرائهم، وعلى هذه المبادئ انقسمت الأمة إلى قوافل. وكل قافلة تتولى حزبا وتحبه. لأنها
____________
(1) المجروحين / ابن حبان ص، 88 / 1.
2 - الخفوت والظهور:
وكان من آثار عدم الرواية. التعتيم على أهل البيت، وذلك لأن الأمر بحرق الكتب. أطاح بالعديد من الأحاديث التي تبين منزلة أهل البيت ومناقبهم، ويشهد ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن.
صحيفة فيها أحاديث في أهل بيت النبي (ص)، فاستأذنا على عبد الله، فدخلنا عليه فدفعنا إليه الصحيفة، فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن انظر فيها. فإن فيها أحاديث حسانا، فجعل يميثها في الماء، ويقول (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن. ولا تشغلوها بما سواه (1).
ويشهد بذلك أن عليا عندما تولى الخلافة لم يكن السواد الأعظم يعلم عن منزلته ومناقبه شيئا، حتى أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع النبي (ص) يقول " من كنت مولاه فعلي مولاه " أن يقوم. وكان قد جمعهم في الرحبة. ولم يعرف العوام مناقبه إلا من خلال ما رواه الصحابة بعد ذلك وكان العديد من الصحابة يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن مناقبه، ولكن هذا الحديث لم يكن يخرج إلى الساحات العامة، وفي مقابل هذا التعتيم، كان لعدم الرواية الأثر الكبير في ظهور الذين حذر منهم النبي (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه، ويشهد بذلك ما روي عن حذيفة أنه قال: " والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك
____________
(1) تقييد العلم / الخطيب ص 54.
وروي عن حذيفة أنه قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي (ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون (2)، وقال: إنما كان النفاق على عهد النبي (ص)، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان (3)، وحذيفة مات بعد مقتل عثمان بأقل من شهر، وكان مريضا، وعندما علم بأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب، بايع وهو على فراش المرض، وحث الناس على الالتفاف حول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وأمر ولداه بالقتال مع علي، فقاتلا تحت أعلام الإمام علي، حتى قتلا (4).
وبعد ظهور النفاق في ظل سياسة اللارواية، خاف الصحابة فلم يحدثوا بالأحاديث الكاشفة، ويشهد بذلك، ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله (ص) وعاءين. فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم، (5)، وعنه أنه قال: قال رسول الله (ص) " هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش " إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان (6) وعنه أنه قال: إني لأحدث أحاديث. لو تكلمت بها في زمان عمر، أو عند عمر، لشج رأسي (7).
____________
(1) رواه أبو داوود 4243.
(2) رواه البخاري (الصحيح 230 / 4).
(3) رواه البخاري (الصحيح 230 / 4).
(4) أنظر: معالم الفتن / سعيد أيوب.
(5) البخاري (الصحيح 34 / 1).
(6) البخاري (الصحيح 280 / 2).
(7) رواه ابن عبد البر (جامع العلم 148 / 1) وابن كثير (البداية والنهاية 107 / 8).
حدثني عن أبغض الناس إلى رسول الله (ص)، فقال: تكتم علي حتى أموت؟ قلت: نعم، قال: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة (1). ومن الثابت والمعروف أن بني أمية شقوا طريقهم نحو السلطة بعد وفاة النبي (ص).
بتأمير أبي بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان على الشام (2). وبعد وفاة يزيد. قام عمر بتأمير معاوية (3). وروي أن عمر كان يقول للناس:
أتذكرون كسرى وعندكم معاوية (4)، وقال لهم عندما ذكروا معاوية: دعوا فتى قريش وابن سيدها. إنه لمن يضحك في الغضب. ولا ينال منه إلا على الرضا " (5).
وأحاديث النبي (ص) التي يحذر فيها من بني أمية، أحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي ذر أنه قال. قال رسول الله (ص) " إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا، اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا " (6). ومعنى (مال الله دولا) أي يكون لقوم دون قوم (وعباد الله خولا) أي خدما وعبيدا (ودين الله دغلا) أي يدخلوا في الدين أمور لم ترد بها السنة.
والحديث روي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي ذر، ورواه الإمام أحمد والحاكم وأبو يعلى والطبراني والبيهقي، وروي بلفظ " إذا بلغ بنو أبي العاص " وبلفظ " إذا بلغ بنو فلان "، وقال الحاكم بعد
____________
(1) نعيم بن حماد (كنز العمال 274 / 11).
(2) تاريخ الأمم والملوك 28 / 4.
(3) ابن سعد (كنز العمال 606 / 13) البداية والنهاية 118 / 8، تاريخ الأمم 69 / 5، الإستيعاب 596 / 3.
(4) تاريخ الأمم 184 / 6، الإستيعاب 596 / 3.
(5) الديلمي (كنز 587 / 13) البداية والنهاية 125 / 8، الإستيعاب 597 / 3.
(6) الحاكم وصححه (المستدرك 479 / 3).
والخلاصة: كان لسياسة اللارواية والتدوين آثار جانبية، منها: اكتفاء الناس بتلاوة القرآن دون الوقوف على معانيه وأهدافه، وأدى ذلك إلى ظهور الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي عهد الإمام علي ظهرت حقيقتهم أمام الناس، وحاربهم الإمام في موقعة النهروان، وما زالت بقيتهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء لأن منهجهم وثقافتهم لن تموت حتى يخرج الدجال، ومنها: ظهور الذين لعنهم الله على لسان نبيه بعد أن ضاع التحذير منهم في عالم اللارواية، ومنها التعتيم على الهداة. واقتصر ذكرهم في المجالس الخاصة، ومنها ظهور القص وعلى مائدته صنعت مناقب وتواريخ لقوافل لا تحمل من العلم إلا قشوره، وعلى القص ظهرت ثقافات التحمت مع ثقافة أهل الكتاب، وتشهد بذلك عقيدة الجبرية يقول الشيخ محمد أبو زهرة: أول من دعا إلى هذه النحلة من المسلمين " الجعد بن درهم "، وقد تلقى ذلك عن يهودي بالشام، لأن اليهود أول من فعل ذلك وعلموه بعض المسلمين وهؤلاء أخذوا ينشرونه (2)، ولقد استغل بنو أمية هذه العقيدة في إخضاع المسلمين، بحجة أن قيادتهم مفروضة عليهم بقضاء الله وقدره، وأن أي تمرد عليهم هو تمرد على قضاء الله، ولقد قامت هذه العقيدة على أحاديث وضعها القصاص، كان الهدف من ورائها تزييف النشاط الإنساني منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة والتطوع بالوحي كله، وتحت أعلام عقيدة الجبر انطلقت جحافل بني أمية إلى ديار المسلمين،
____________
(1) المستدرك 482 / 4.
(2) تاريخ المذاهب الإسلامية / أبو زهرة 102 / 2.
ولم تكن عقيدة المرجئة بعيدة عن نسيج القصاص. لأن الأحاديث الموضوعة هي التي غذتها، وعلى ذروة عقيدة المرجئة يجلس يوحنا الدمشقي، وهو آخر كبار علماء النصرانية على مذهب الكنيسة الإغريقية، وكان أبوه صاحب عبد الملك بن مروان، وصنف يوحنا كتاب في فضائل النصرانية على منهج محادثة بين مسلم ونصراني (1) وقال الشيخ أبو زهرة " كان يوحنا يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكك المسلمين في دينهم، وظهرت آراء يوحنا بالشام "، بعد أن وجدت لها حصنا صنعه القص والأحاديث الموضوعة، ومن خلال هذا الالتقاء. تطرق البحث حول مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن أم غير مؤمن؟ وهل يضر مع الإيمان ذنب؟ وعلى مائدة البحث خرجت العقيدة التي تعتذر عن بني أمية فيما ارتكبوه من جرائم، بمعنى: لقد ضربوا بعقيدة الجبرية. واعتذروا بعقيدة المرجئة، التي تقول بأنه لا ينبغي المفاضلة بين المسلمين ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى، فالمسلم يكفي أن يكون مسلما، وبهذه العقيدة تم الافتراء على الله ورسوله بتغيير الأحكام الشرعية. وإظهار البدع والباطل، وقولهم أن الأمة مرحومة والله رفع العذاب عنها، وإنهم في أمن من عذاب الله وإن انهمكوا في كل إثم وخطيئة وهتكوا كل حجاب، والأمة مغفور لها محسنهم ومسيئهم. وإن لهم الكرامة في الدنيا. ولهم أن يفعلوا ما شاؤا بعد أن استظلوا بمظلة حجاب الأمن. ولهم في الآخرة
____________
(1) تاريخ الأدب العربي / بروكلمان 256 / 1.
ثانيا - (الأمر النبوي في الأموال):
قال النبي (ص) " إن لكل أمة فتنة. وفتنة أمتي المال " (1)، ولما كان فتنة الأمة في المال، بينت الشريعة الخاتمة موضع الرحاب الآمن، وشاء الله أن يكون الأمن في فعل الرسول، بمعنى أن النجاة لن تكون في منع الرواية عن الرسول، لأن الله تعالى بين موضع كل مال. وقسمه بين عباده تقسيما حقا بوضع قوانين عادلة تعدل الملك تعديلا حقا يقطع منابت الفساد، وهذه القسمة وهذه القوانين نفذها النبي (ص) وهو يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وفي الوقت الذي كان النبي (ص) يقيم الحجة. كان يخبر بالغيب عن ربه ويقول " إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من قبلكم وهما مهلكاكم " (2)، وأمر النبي (ص) بأوامر تدفع هذا الهلاك، ومنها التقدم بالصدقة، لأن من خاصتها أنها تنمي المال. لأنها تنشر الرحمة وتورث المحبة. وتآلف القلوب وتبسط الأمن. وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس والفساد والسرقة. وتدعو إلى الاتحاد والمساعدة والمعونة. وبذلك يفسد أغلب طرق الفساد، وحذر عليه الصلاة والسلام من التعامل بالربا، لأن الربا من خاصته أنه يمحور المال ويفنيه تدريجيا، من حيث أنه ينشر القسوة والخسارة ويورث البغض والعداوة وسوء الظن، ويفسد الأمن والحفظ. ويهيج النفوس على الانتقام بأي وسيلة أمكنت، ويدعو إلى التفرق والاختلاف، وبذلك يفتح
____________
(1) رواه الترمذي وصححه (الجامع 569 / 4).
(2) رواه أبو داوود عن أبي موسى (كنز 191 / 3) والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود (كنز 191 / 3).
ولأن المجتمع في نظر الشريعة ذو شخصية واحدة، له كل المال الذي أقام به صلبه وجعله له معاشا، فإن الشريعة الزمت المجتمع بأن يدير المال ويصلحه ويعرضه معرض النماء، ويرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا. ويحفظه من الضيعة والفساد، ومن مجملات القرآن التي تتعلق بالأموال وبينها رسول الله (ص) ليستقيم حال المجتمع، قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال. قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (1)، والمعنى:
يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنائم التي غنمتها. فقل: هي لله والرسول. يحكم فيها الله بحكمه ويقسمها الرسول. وروي أن النبي (ص) قال " إنما أنا قاسم وخازن. والله يعطي " (2)، وقال " ما أعطيكم ولا أمنعكم أنا قاسم أضع حيث أمرت " (3)، وبين النبي (ص) حكم الله في الغنيمة، وقال تعالى: (واعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله...) (4)، وبين الرسول حكم الخمس وحكم الأربعة أخماس، وعلموا حق الذين حرمت عليهم الصدقة من ذي القربى، وحق الجنود.
وقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وفي سبيل الله. فريضة من الله والله عليم حكيم) (5)، قال المفسرون: بين الله تعالى أنه هو الذي قسم الصدقات وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، فقوله
____________
(1) سورة الأنفال آية 1.
(2) رواه البخاري (الصحيح 190 / 2).
(3) رواه البخاري (الصحيح 192 / 2).
(4) سورة الأنفال آية 41.
(5) سورة التوبة آية 60.
(والله عليم حكيم) إشارة إلى أن فريضة الزكاة مشرعة على العلم والحكمة، لا تقبل تغيير المغير.
وروى أبو داوود عن زياد بن الحارث قال " أتيت النبي (ص) فبايعته. فأتاه رجل. فقال: اعطني من الصدقة، فقال له النبي (ص): إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها. فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك ".
وأقامت الشريعة الخاتمة الحجة على المسيرة، فأخبر النبي الخاتم (ص). إن فتنة أمته في المال، وبين كيف تدخل الأمة في حجاب الأمن. وفي الوقت الذي بين فيه النبي (ص) حكم الغنيمة أخبر بالغيب عن ربه، بأن فتنة المال ستصيب البعض، وقال " كأني براكب قد أتاكم فنزل. فقال. الأرض أرضنا والفيئ فيئنا وإنما أنتم عبيدنا. فحال بين الأرامل واليتامى وما أفاء الله عليهم " (1)، أخبر النبي بهذا حتى يأخذوا بالأسباب وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء. لأن الله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
(إجتهاد الصحابة في الأموال)
ذكرنا أن الساحة بعد رسول الله كان بها صحابة سمعوا من النبي شيئا ولم يحفظوه على وجهه. وكان بها من سمع منه شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم. فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، وأدى هذا في نهاية المطاف إلى تضارب القرارات ثم ضياع مال الله في عهد بني أمية. بعد أن بسطوا أيديهم على بيوت المال، وبالجملة نقدم هنا
____________
(1) رواه ابن النجار (كنز 195 / 11).
روى البخاري ومسلم. عن عائشة أن فاطمة بنت رسول الله (ص).
سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (ص)، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله (ص) قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر، فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر ذلك.. " (1).
وروى الإمام أحمد " لما قبض رسول الله (ص) أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: فقال: أأنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ فقال:
بل أهله. قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. إني سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الله عز وجل إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين " (2).
ولقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أبا بكر أبى أن يعطي فاطمة رضي الله عنها ما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، وذلك لما عنده من حديث لم يرويه غيره. وفي عهد عمر روى البخاري ومسلم. أن صدقة رسول الله (ص) بالمدينة. دفعها عمر إلى علي بن أبي طالب والعباس. وأمسك خيبر وفدك (3)، وذلك أيضا لما عنده من حديث، وروي أن أهل البيت ردوا إلى عمر ما دفعه إليهم لأنهم وجدوه دون حقهم الذي بينه رسول الله لهم، فعن يزيد بن هرمز. أن نجدة الحروري أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى. ويقول لمن
____________
(1) رواه البخاري (الصحيح 186 / 2) وأحمد ومسلم والبيهقي (كنز 242 / 7).
(2) رواه أحمد بإسناد صحيح (الفتح الرباني 63 / 23).
(3) رواه البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي (كنز 242 / 7).
وكان لقرار منع ميراث الرسول وصدقته آثار جانبية منها:
التعتيم على أهل البيت، لأن خروجهم من تحت سقف ما كتبه الله لهم وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، يجعلهم كغيرهم من الناس، ولم يفعل النبي (ص) هذا في حياته. وإنما كان يضع الناس في مواضعهم التي حددها الله تعالى، فعن جبير بن مطعم قال " مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله (ص). فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شئ واحد " (2) وفي رواية " إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام. وإنما نحن وهم شئ واحد. وشبك بين أصابعه " (3).
أما فيما يختص بحقوق الجنود. فقد بينه النبي (ص) حين سئل:
ما تقول في الغنيمة؟ قال: لله خمس. وأربعة أخماس للجيش " (4). لكن عمر بن الخطاب اجتهد في هذا، وأمر بوضع جميع الغنائم في بيت المال ثم قام بتقسيم هذه الغنائم وفقا لما يراه، ودون على ذلك الدواوين، وعدم قسمة عمر للغنائم يشهد به ما روي عن إبراهيم إنه قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر: إقسمها بيننا فإنا فتحنا، فأبى عمر وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين " (5) وقال عمر " لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله
____________
(1) رواه مسلم وأحمد وأبو داوود والنسائي (الفتح الرباني 77 / 14).
(2) رواه البخاري (الصحيح 196 / 2).
(3) رواه أحمد (الفتح الرباني 76 / 14) وأبو داوود حديث 2980.
(4) رواه البغوي (كنز العمال 375 / 4).
(5) رواه أبو عبيد وابن زنجويه (كنز 574 / 4).
ويشهد التاريخ أن هذه الخزانة أضرت أكثر مما نفعت، فبعد أن بسطت بنو أمية أيديهم على بيوت المال التي تركها عمر بن الخطاب، اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا، واستمرت بيوت المال على امتداد المسيرة يشترى بها الحكام الذمم ويسفكون بها الدم الحرام.
وكان هناك العديد من الصحابة الذين عارضوا سياسة عدم قسمة الغنائم على سنة رسول الله (ص)، منهم الزبير بن العوام، فعن سفيان بن وهب قال: لما فتحنا مصر بغير عهد، قام الزبير فقال: إقسمها يا عمرو بن العاص فقال: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله خيبر، فقال: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب عمر إليه: أقرها حتى تغزوا منها حبل الحبلة (3)، قال المفسرون في رد عمر،. يريد حتى يغزو أولاد الأولاد ويكون عاما في الناس.
وقيل: أو يكون أراد المنع من القسمة حيث علقه على أمر مجهول.
ويشهد التاريخ أن عمرو بن العاص بسط يده على مصر كلها وكان خراجها له طيلة حياته في عهد معاوية بن أبي سفيان، وذلك عندما تكاتف عمرو مع معاوية على علي بن أبي طالب، فكافأه معاوية بأن تكون مصر له طعمة، ومن الذين اعترضوا على قرار عمر. بلال بن
____________
(1) رواه أحمد والبخاري وابن خزيمة في صحيحه وابن الجارود والطحاوي وأبو يعلى وابن أبي شيبه وأبو عبيد (كنز 555 / 4).
(2) رواه البخاري وأبو داوود (كنز 514 / 4).
(3) رواه الشيخان وابن عساكر وابن زنجويه وأبو عبيد (كنز 557 / 4).
وكان بلال كثير الاعتراض على سياسة عمر. عن ابن أبي حازم قال: جاء بلال إلى عمر حين قدم الشام. وعنده أمراء الأجناد. فقال. يا عمر. يا عمر. إنك بين هؤلاء وبين الله، وليس بينك وبين الله أحد، فأنظر من بين يديك ومن عن يمينك ومن شمالك، فإن هؤلاء الذين جاؤوك (أي أتباع بلال) والله لم يأكلوا إلا لحوم الطير (أي لم يصل إليهم من الأمراء شيئا)، فقال عمر للأمراء: لا أقوم من مجلسي هذا حتى تكفلوا لي لكل رجل من المسلمين بمديت (2) بر وحظهما من الخل والزيت، قالوا: تكفلنا لك يا أمير المؤمنين (3).
أما قسمة عمر بن الخطاب بين الناس، فلقد فضل عمر المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضل العرب على العجم، وروي أنه قال " من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما، ألا وإني بادئ بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي فمعطيهم، ثم بادئ بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان فمعطيهم، ثم بادئ بأزواج النبي (ص) فمعطيهن، - وفي رواية " ففرق لأزواج النبي (ص) إلا جويرية وصفية وميمونة. فقالت عائشة: إن رسول الله (ص) كان يعدل بيننا. فعدل
____________
(1) المغني / لابن قدامة 716 / 2.
(2) مكيال معروف بالشام.
(3) رواه أبو عبيد (كنز العمال 575 / 4).
وبالجملة: قال رسول الله (ص) أيما قرية افتتحها الله ورسوله فهى لله ورسوله، وأيما قرية افتتحها المسلمون عنوة، فخمسها لله ولرسوله وبقيتها لمن قاتل عليها " (3)، وكان (ص) يسوي بين الجنود في القسمة، ولم يخص أحدا بشئ دون الآخر (4)، ولقد أخبر بالغيب عن ربه بما سيحدث من بعده، وقال لأبي ذر " كيف أنت وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيئ. إصبر حتى تلقاني، (5)، وقال " خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا كان إنما هو رشا فاتركوه، ولا أراكم تفعلون، يحملكم على ذلك الفقر والحاجة، ألا وإن رحى بني مرج قد دارت، وإن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار.. " (6).
وإذا كان الاجتهاد قد أخرج أهل البيت والجنود الذين شاركوا في المعارك من تحت سقف قسمة رسول الله (ص). فإن الاجتهاد. قد أخرج المؤلفة قلوبهم من تحت سقف القسمة التي قسمها الله تعالى.
ولقد ذكرنا من قبل أن الله تعالى هو الذي قسم الصدقات، وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره،
____________
(1) رواه البيهقي (كنز العمال 578 / 4).
(2) رواه أبو عبيد وابن أبي شيبة والبيهقي وابن عساكر (كنز 556 / 4).
(3) رواه البخاري ومسلم (كنز العمال 378 / 4).
(4) أنظر: الفتح الرباني 72 / 13، كنز العمال 375 / 4.
(5) رواه أحمد وأبو داوود وابن سعد (كنز العمال 373، 374 / 4).
(6) رواه الطبراني عن معاذ. وابن عساكر عن ابن مسعود وأبو داوود عن أبي مطير باختصار (كنز 216 / 1) أبو داوود حديث 2958.
وكان أبو سفيان (2) وابنه معاوية (3) من الذين أعطاهم النبي من سهم المؤلفة قلوبهم، وروي أن عمرو بن العاص حين جزع عن موته فقيل له: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدينك ويستعملك.
فقال: أما والله ما أدرى أحبا كان ذلك أم تألفا يتألفني " (4)، وعلى الرغم من أن النبي (ص) كان يعطي أبا سفيان من سهم المؤلفة، إلا أن الصحابة كانوا يختلفون في تحديد موقعه، روي أن أبي سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، فأتى النبي (ص) فأخبره، فقال النبي (ص): يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر. فقال: يا إخوتاه أغضبتكم، قالوا: يغفر الله لك يا أخي (5)، قال النووي: هذه فضيلة
____________
(1) سورة التوبة آية 60.
(2) أنظر: صحيح مسلم 156 / 7. البداية والنهاية 359 / 4، كنز العمال 176 / 9.
(3) أنظر: البداية والنهاية 359 / 4.
(4) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني 310 / 22) الزوائد 353 / 9) وابن سعد (الطبقات 263 / 1).
(5) رواه مسلم (الصحيح 16 / 16).
أجل يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم " إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني فرطكم على الحوض " (2).
لقد كان في سهم المؤلفة امتحان وابتلاء. ولكن الصحابة بعد رسول الله (ص) اجتهدوا فيه..
روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصين وكانا من المؤلفة قلوبهم، جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر، فكتب بذلك خطأ، فمزقه عمر بن الخطاب، وقال: هذا شئ كان يعطيكموه رسول الله (ص) تأليفا لكم، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر. فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال أبو بكر: هو إن شاء الله.
ووافق عمر " (3).
وعن الشعبي أنه قال: كانت المؤلفة على عهد رسول الله (ص)، فلما ولي أبو بكر انقطعت (4)، واعترض ابن قدامة على انقطاع سهم
____________
(1) مسلم شرح النووي 16 / 16.
(2) رواه البخاري ومسلم وأحمد (الفتح الرباني 89 / 14).
(3) الفتح الرباني 62 / 9، الدر المنثور 252 / 2، تفسير المنار 496 / 10، فقه السنة / سيد سابق 425 / 1.
(4) رواه ابن أبي شيبة والطبراني (تحفة الأحوازي 335 / 3).
والخلاصة: ختم الله تعالى آية الأنفال بقوله (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (2)، وفي هذا تحذير من الاختلاف، وإخبار بأن طاعة الرسول طاعة لله، وختم سبحانه آية الخمس بقوله (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) (3)، قال ابن كثير: أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزلنا على الرسول في القسمة (4) وختم سبحانه آية الزكاة بقوله (فريضة من الله والله عليم حكيم) (5) قال ابن كثير: أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه، فهو تعالى عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به (6).
____________
(1) المغني / ابن قدامة 666 / 2.
(2) سورة الأنفال آية 1.
(3) سورة الأنفال آية 41.
(4) تفسير ابن كثير 313 / 2.
(5) سورة التوبة آية 60.
(6) تفسير ابن كثير 366 / 2.
رابعا - [ من معالم المسيرة ]
في عهد النبي (ص)، كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة، ثم لم تزل بعد ارتحاله (ص) تنقص وتسقط حكما فحكما يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية، وعلى امتداد
____________
(1) تاريخ اليعقوبي 106 / 2.
(2) ابن أبي الحديد 111 / 8.
وحركة الدعوة الخاتمة في اتجاه الشعوب هي حركة المنقذ للفطرة من الانحراف والضلال، ولقد أعطى النبي (ص) الفكرة الصحيحة الداعية للفتح الإسلامي، وبين أن الفتح ليس للقتل أو الانتقام وإنما هو رحمة وشفقة على البلاد المفتوحة وتخليصها من نير العبودية وتطبيق النظام الإسلامي الفطري عليها، ولم تكن الغنائم هي غاية الفتح، فالغنائم ليس لها أهمية تذكر بجانب هدف الفتح الأسمى، فرفع الظلم عن البلد المفتوح هو المقصد سواء غنم الجيش أو لم يغنم، والإسلام ينظر إلى الغنيمة على أساس أنها من قبيل جوائز التشجيع للقتال في سبيل الله، لأن المقصود بالحرب الظفر على الأعداء، فإن غلبوا فقد حصل المطلوب وتكون الأموال التي غنمها المقاتلون زيادة على أصل الغرض، ولما كانت الغنيمة على طريق القتال في سبيل الله، وبما أن الله تعالى وضع أحكاما خاصة بالقتال في سبيله، فإنه تعالى قسم الغنيمة على الجيش المنتصر لرفع معنوياته وترغيبا له على التكرار. وبالجملة:
الغنيمة زيادة على أصل الغرض الذي من أجله يقاتل الجيش. وهي ملك لله ورسوله وتوضع حيثما أراد الله ورسوله.
واجتهد الصحابة في غنائم الحرب، فصب هذا الاجتهاد في نهاية المطاف في دوائر التنافس والتحاسد وغير ذلك، ويشهد ذلك
تتنافسون. ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون. أو نحو ذلك.
ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض " (1).
فالفتح أنتج ثقافة لم تكن في يوم من أهداف الفتح، وأيقظ الفتح غريزة العرب الجاهلية من الغرور والنخوة بعدما كانت في سكن بالتربية النبوية، والطريق الذي انتهى بالتباغض كما مر في الحديث السابق، امتد لينتهي بالبغي في حديث آخر يخبر فيه النبي (ص) بالغيب عن ربه ويقول " سيصيب أمتي داء الأمم. الأشر والبطر. والتكاثر. والتشاحن.
والتباغض. والتحاسد، حتى يكون البغي " (2).
والطريق إلى البغي كان عليه أمراء لا يمتازون إلا بالسواعد القوية، وروي أن حذيفة قال لعمر بن الخطاب: إنك تستعين بالرجل الفاجر، فقال له عمر: إني لأستعمله لأستعين بقوته. ثم أكون على قفائه " (3)، وقال في فتح الباري: والذي يظهر من سيرة عمر في أمراؤه الذين كان يؤمرهم في البلاد. أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه الذي عنده مزيد من المعرفة بالسياسة، فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم (4).
____________
(1) رواه مسلم (الصحيح 97 / 18).
(2) رواه الحاكم وصححه (كنز العمال 526 / 3).
(3) رواه أبو عبيد (كنز العمال 771 / 5).
(4) فتح الباري 116 / 1.
وكان قد ادعى النبوة (2) وروي أن ابن عدي الكلبي قال لعمر: أنا امرؤ نصراني، فقال عمر: فما تريد؟، قال: أريد الإسلام، فعرضه عمر عليه، ثم دعا له برمح، فعقد له على من أسلم، وقال عوف بن خارجة:
ما رأيت رجلا لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله (3).
وإذا كان طريق البغي من علاماته التنافس والتحاسد والتدابر والتباغض، فإنه يختزن في أحشائه معالم الضلال، عن عبد الله قال:
قال رسول الله (ص) " لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا، حتى نشأ فيهم المولدون. وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " (4)، فأبناء الأمم إذ لم يجدوا الرعاية والتربية الصحيحة، يصبحوا من العوامل التي تساعد على الهدم، وهؤلاء في المسيرة الإسلامية ترعرعوا تحت سقف الدولة الأموية، ثم امتدوا بامتداد المسيرة، وذكر الطبري: إن أول سبي قدم المدينة من العجم كان في عهد أبي بكر (5)، وذكر البلاذري: أن معاوية حاصر قيسارية حتى فتحها فوجد من المرتزقة سبعمائة ألف. ومن السامرة ثلاثين ألفا. ومن اليهود مائتي ألف (6). فبعث إلى عمر عشرين ألفا من السبي (7).
____________
(1) الإصابة 120 / 1.
(2) البداية والنهاية 130 / 7.
(3) الإصابة 116 / 1.
(4) رواه الطبراني (كنز العمال 181 / 1).
(5) تاريخ الأمم 27 / 4.
(6) فتوح البلدان ص 147.
(7) البداية والنهاية 54 / 7.
وروي أن الوليد بن عقبة - وكان أخو عثمان لأمه - حين كان واليا لعثمان بن عفان على الكوفة أخر الصلاة، فقام عبد الله بن مسعود فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد وقال له: ما حملك على ما صنعت أجاءك من أمير المؤمنين أمرا أم ابتدعت؟ فقال: لم يأتني من أمير المؤمنين أمرا ولم أبتدع. ولكن أبى الله عز وجل علينا ورسوله (ص) أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك (4).
وبينما كان الأمراء يميتون الصلاة، كانت الصلاة تؤدى بروحها خلف علي بن أبي طالب، روى مسلم عن مطرف قال " صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما انصرفنا من الصلاة.
أخذ عمران بيدي ثم قال: قال صلى بنا هذا صلاة محمد (ص)، وفي
____________
(1) البداية والنهاية 54 / 7.
(2) رواه مسلم والترمذي وصححه (تحفة الأحوازي 524 / 1).
(3) تحفة الأحوازي 524 / 1.
(4) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 324 / 1).
ولما كان حذيفة قد صلى سرا، ولما كان ابن مسعود قد شهد تأخير الصلاة، فإن أبي الدرداء قد شهد شيئا آخر، فعن أم الدرداء قالت. دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: من أغضبك؟ قال:
والله لا أعرف فيهم من أمر محمد (ص) شيئا إلا أنهم يصلون جميعا (3)، ومات أبو الدرداء في خلافة عثمان.
ثم جاء عام ستين، وهو العام الذي حمل الصبيان أعلامه، وفيه قال النبي (ص) " تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان " (4)، وقال " ويل للعرب من شر قد اقترب. على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحكم بالهوى " (5)، فرأس الستين تطوير للعربة التي تنطلق بوقود الرأي، ورأس الستين هو الوعاء الذي يصب فيه إماتة الصلاة من العهود التي سبقته، وينطلق منها وقود إضاعة الصلاة وقراءة القرآن بلا تدبر، قال النبي (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه. " يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن. ومنافق. وفاجر " (6) وعن أبي سعيد قال:
____________
(1) رواه مسلم ب قراءة الفاتحة (الصحيح 8 / 2).
(2) الإصابة 26 / 5.
(3) رواه أحمد وإسناده جيد (الفتح الرباني 200 / 1).
(4) رواه أحمد وأبو يعلى (كنز العمال 119 / 11).
(5) رواه الحاكم وصححه (المستدرك 483 / 4).
(6) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 231 / 6) وقال ابن كثير رواه أحمد وإسناده على شرط السنن (البداية 228 / 6، التفسير 128 / 3) ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه والبيهقي (كنز 195 / 11) (المستدرك 507 / 4).
ومن الدليل على أن جيل الستين أخذ وقوده مما سبقوه، أن النبي (ص) أخبر في حديث آخر بأن كثرة المال هي الخلفية الأساسية التي عليها يتم تفريخ هؤلاء، قال (ص) " مما أتخوف على أمتي أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيقتلون عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يفتح لهم القرآن. حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق " (2).
فالمال أنتج التنافس. والتحاسد والتدابر والتباغض. والبغي، وفتح القرآن أمام العامة مع عدم وجود العالم به، أدى إلى ترتيله في زحام الأسواق، حيث لا مستمع ولا منصت، ومن الأصاغر أخذ العلم الذي أدى إلى ضياع الصلاة، ولقد سئل النبي (ص) عن أشراط الساعة، فقال " أن من أشراطها أن يلتمس العلم عند الأصاغر " قال ابن المبارك:
الأصاغر الذين يقولون برأيهم (3)، وعن ابن مسعود قال: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإن أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا (4)، وعن أنس قال. قيل: يا رسول الله متى ندع الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم. والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم (5).
وإذا كان أبو الدرداء قد شهد وفاته أنه لا يعرف في الناس من أمر محمد (ص) شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، فإن أنس بن مالك شهد عام
____________
(1) رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي (المستدرك 507 / 4).
(2) رواه الحاكم وصححه (كنز 200 / 10).
(3) رواه ابن عبد البر (جامع العلم 190 / 1).
(4) رواه ابن عبد البر (جامع العلم 192 / 1).
(5) قالع البوصيري: رواه ابن ماجة وإسناده صحيح. ورواه أحمد (الفتح الرباني 177 / 19).
ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت " (1)، ومات أنس سنة ثلاث وتسعين، وكان يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري (2).
وفي الخلف الذين يضيعون الصلاة بعد أنبياء الله، يقول تعالى:
(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذربة آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل. وممن هدينا واجتبينا. إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (3). قال المفسرون: ذكر الله حزب السعداء. وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره المؤدين فرائض الله، ثم ذكر سبحانه الخلف: أي البدل السئ. وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم) أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم.
وكانت طريقتهم الخضوع والخشوع لله بالتقدم إليه بالعبادة، قوم سوء أضاعوا الصلاة، وضياع الشئ: فساده أو افتقاده، ومعنى أنهم أضاعوا الصلاة: أي أفسدوها بالتهاون فيها والاستهانة بها، حتى تنتهي إلى أمثال اللعب بها والتغيير فيها والترك لها، فإذا كانوا قد فعلوا هذا بالصلاة فإنهم لما سواها من الواجبات أضيع. لأنها عماد الدين وقوامه، ثم أخبر سبحانه. بأن القوم السوء الذين أضاعوا الصلاة وهي الركن الأصيل في العبودية. واتبعوا الشهوات، هؤلاء سيلقون غيا: أي خسارة، وهذه العقوبة سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، يعاقب الله بها كل خلف طالح، وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية، أن
____________
(1) رواه البخاري (الفتح الرباني 200 / 1).
(2) الإصابة 171 / 1.
(3) سورة مريم آية 59.
والخسارة التي توعد الله بها الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يحمل أسبابها أمراء السوء وسبايا السوء الذين تربوا على القصص وتسربت إليهم روح الأمم المستعلية الجبارة، فهؤلاء وغيرهم فتحوا أبواب القتال من أجل الملك، وعند نهاية القتال، وفي نهاية المسيرة كانت الخسارة عنوانا رئيسيا لكل شئ في عالم الاستدراج.
أما القتال على الملك. فيشهد به أبو برزة الأسلمي. روى البخاري عن أبي المنهال قال " لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي. فقال أبي: يا أبا برزة. ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد (ص)، حتى بلغ ما ترون، وهذه الدنيا أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا " (2).
ونتيجة القتال على الملك، لم تستطع الدولة البقاء تحت حكم إدارة مركزية واحدة، فعند بداية المسيرة. اتسعت الدولة من شواطئ المحيط الأطلسي في المغرب إلى نهر السند في الشرق، ومن بحر مازندران في الشمال إلى منابع النيل في الجنوب، وكما توسعت الدولة بسرعة. تجزأت بسرعة أيضا، فإذا نظرنا على امتداد المسيرة لنرصد
____________
(1) تفسير ابن كثير 128 / 3.
(2) رواه البخاري (الصحيح 230 / 4).
أما في المشرق، فتم تأسيس الدولة الطاهرية. بخراسان عام 204 ه، وتتابع ظهور الدويلات الصغيرة بعد ذلك شرق إيران، كالصغاريين والسامانين والغزنويين، ثم قامت الدولة البويهية في الجزء المتبقي لهم في إيران، ثم جاء المغول عام 334 ه ونزل الستار على الدولة العباسية، وكان للدولة فرع يحكم رمزيا في مصر، قضى عليه سليم الأول من سلاطين آل عثمان. بعد استيلائه على مصر عام 922 ه.
وعلى امتداد المسيرة كانت الأصابع اليهودية تعمل في الخفاء، كان تثقب في الجدار بواسطة أبناء الأمة، وتحطم الأقفال بواسطة الحروب الصليبية المتعددة الإشكال، حتى جاء اليوم الذي طبقت فيه اتفاقية سايكس بيكو على الشام، وفرض الانتداب الفرنسي على شمال هذه البلاد وقسم إلى كيانين هما: سوريا ولبنان، وفرض الانتداب البريطاني على جنوبها وقسم إلى كيانين هما: الأردن وفلسطين، وفي عام 1917 ميلادية صدر وعد بلفور، الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي عام 1967 ميلادية. بسط اليهود أيديهم على ما حلموا به طيلة حياتهم، بسطوا أيديهم على الأرض الواسعة. التي يحيط بها غثاء من كل مكان.
لقد أخبر النبي في أن فتنة أمته في المال. وأن الدرهم والدينار سيهلكهم كما أهلك الذين من قبلهم، وبين النبي (ص) موضع كل مال في الإسلام، وأمر الأمة بأن تتمسك بالكتاب والعترة، وأن تأخذ بأسباب الحياة التي تحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولكن القافلة تركت الأمراء الصبيان يعبثون بكل شئ عند المقدمة، خوفا من الجوع والفقر، وفي نهاية المطاف وقف الحاضر أمام الماضي على رقعة واحدة، يدوي فيها صوت النبي الأعظم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، النبي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول " منعت
____________
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد (الفتح الرباني 36 / 23).
(2) رواه أحمد بسند جيد (الفتح الرباني 32 / 24) وأبو داوود.
(3) عون المعبود 405 / 11.
____________
(1) رواه مسلم (الصحيح 20 / 18) وأحمد (الفتح الرباني 37 / 24).
ثالثا - [ فجر الضمير ]
أولا: [ الظلم والجور ]
الظلم هو: وضع الشئ في غير موضعه، وقال في لسان العرب.
ومن أمثال العرب في الشبه: من استرعى الذئب فقد ظلم، وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد، ومنه حديث الوضوء " فمن زاد أو نقص. فقد أساء وظلم ": أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب من ترداد المرات في الوضوء، وفي التنزيل (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن) (1) قال ابن عباس: أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك، والظلم: الميل عن القصد. والعرب تقول.
إلزم هذا الصوب ولا تظلم عنه. أي لا تجر عنه، وقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) (2) يعني أن الله تعالى هو المحي المميت. الرازق المنعم وحده لا شريك له. فإذا أشرك به غيره. فذلك أعظم الظلم.
لأنه جعل النعمة لغير ربها (3).
____________
(1) سورة الأنعام آية 82.
(2) سورة لقمان آية 13.
(3) لسان العرب مادة ظلم ص 2757.
وبالنظر إلى المسيرة البشرية، تجد أن الظلم في نهاية المطاف، تدثر بأكثر من دثار من حرير وزخرف، وأصبح له عقائد وثقافات وقوانين، يشرف عليها حكومات وهيئات وجمعيات، والخارج عن هذه العقائد والقوانين هو في نظر هذه الدول والمؤسسات، خارج عن الحق، يستحق التأديب بواسطة الأساطيل أو السجون. أو بالتجويع تارة وبالتخويف تارة أخرى.
وبالنظر إلى مسيرة الشعوب في عصرنا هذا. نجد للوثنية أعلاما، وهذه الوثنية استترت وراء التقدم العلمي والاختراعات الحديثة، وقد يكون التقدم مفيدا في عالم المادة، ولكن إذا كان للدنيا عمل. فلا بد أن يستقيم هذا العمل مع الزاد الفطري، ولقد ذم القرآن الكريم الذين لا يذعنون بيوم الحساب ويعملون للدنيا بسلوكهم الطريق الذي يغذي التمتع بالدنيا المادية فحسب، قال تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون) (2).
فالآية فسرت من هم الظالمين، وبينت أنهم الذين يصدون عن الدين الحق ولا يتبعون ملة الفطرة. وبالآخرة هم كافرون وهذه الوثنية لها جماعاتها ومؤسساتها وبنوكها التي تمول مخططاتها.
____________
(1) سورة إبراهيم آية 13.
(2) سورة هود آية 19.
وبالنظر إلى المسيرة الخاتمة. نجد أن الظالمين فيها قد أخذوا بذيول الذين من قبلهم واتبعوهم شبرا بشبر، وذراع بذراع، ومن إتبع أحد يصل معه إلى حيث يصل، وما الله بظلام للعبيد.
وفيما يلي نلقي ضوءا على جذور وفروع بعض الحركات التي عليها بصمة الظلم والجور. لتظهر جذورها الفكرية والعقائدية. ومواقع انتشارها ونفوذها. ويرى الحاضر كيف يتقدم الظلم إلى الخلف من أجل تنفيذ أهداف ما أنزل الله بها من سلطان.
1 - (مسيرات وثنية)
[ البوذية ]
أسسها " سدهار تاجوتاما " الملقب " ببوذا " (560 - 480 ق. م)
____________
(1) سورة الأنعام آية 93.
وهؤلاء معتقداتهم أقل غلوا في بوذا، وكتبهم منسوبة إلى بوذا أو حكايات لأفعاله سجلها بعض أتباعه (1).
[ الهندوسية ]
الهندوسية ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، لا يوجد لها مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون، فقد تم تشكيل الديانة وكذلك الكتب عبر مراحل طويلة من الزمن، وقيل: أن الآريون الغزاة الذين قدموا إلى الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد هم المؤسسون الأوائل للديانة الهندوسية، وللديانة عدة آلهة. ولكل منطقة إله، ولكل عمل أو ظاهرة إله، ولا يوجد عندهم توحيد بالمعنى الدقيق، لكنهم إذا أقبلوا على إله من الآلهة أقبلوا عليه بكل جوارحهم
____________
(1) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة / الندوة العالمية للشباب ط الرياض ص 110.
وكانت الديانة الهندوسية تحكم شبه القارة الهندية، ولكن المسافة الشاسعة بين المسلمين والهندوس. في نظريتهما إلى الكون والحياة وإلى البقرة التي يعبدها الهندوس ويذبحها المسلمون ويأكلون لحمها، كان ذلك سببا في حدوث التقسيم، حيث أعلن عن قيام دولة الباكستان بجزأيها الشرقي والغربي والذي معظمه من المسلمين، وبقاء دولة هندية معظم سكانها هندوس، والمسلمون فيها أقلية كبيرة (1).
[ السيخية ]
السيخ مجموعة دينية من الهنود الذين ظهروا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي داعين إلى دين جديد، فيه شئ من الديانتين الإسلامية والهندوسية، تحت شعار (لا هندوس ولا مسلمون) ولقد عادوا المسلمين خلال تاريخهم بشكل عنيف، كما عادوا الهندوس بهدف الحصول على وطن خاص بهم، وذلك مع الاحتفاظ بالولاء الشديد للبريطانيين خلال فترة استعمار الهند.
ومؤسس السيخية الأول (ناناك) ولد سنة 1469 م في قرية بالقرب من لاهور، وكان محبا للإسلام من ناحية مشدودا إلى تربيته وجذوره
____________
(1) المصدر السابق 537.
للسيخ بلد مقدس يعقدون فيه اجتماعاتهم المهمة. وهي مدينة (أمرتيسار) من أعمال البنجاب وقد دخلت عند التقسيم في أرض الهند وأكثرية السيخ تقطن البنجاب إذ يعيش فيها 85 / منهم. ولهم لجنة تجتمع كل عام منذ سنة 1908 م تنشئ المدارس وتعمل على إنشاء كراسي في الجامعات لتدريس ديانة السيخ ونشر تاريخها. ويقدر عدد السيخ حاليا بحوالي 15 مليون نسمة داخل الهند وخارجها (1).
[ الكونفوشيوسية ]
الكونفوشيوسية ديانة أهل الصين، يعتبر (الكونفوشيوس) (551 ق. م) المؤسس الحقيقي لهذه العقيدة، ويعتقدون بالإله الأعظم، أو إله السماء ويتوجهون إليه بالعبادة، وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك أو بأمراء المقاطعات، ويعتقدون أن للأرض إله ويعبده عامة الصينيين، ويعتقدون أن للشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال. لكل منها إله، وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء، كما أنهم يقدسون الملائكة ويقدمون إليها القرابين، ويقدسون أرواح أجدادهم
____________
(1) المصدر السابق 289.
2 - مسيرات عنكبوتية:
خلفت المسيرة الإسرائيلية من ورائها، أبشع بيوت الظلم والجور، وهذه البيوت خرج منها الوقود الذي أشعل وغذى معظم الصراعات التي دارت على امتداد عصرنا الحديث، وتذكر من هذه البيوت:
[ الماسونية ]:
والماسونية لغة معناها. البناؤون الأحرار، وهي في الاصطلاح.
منظمة يهودية سرية إرهابية غامضة، محكمة التنظيم، تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعو إلى الالحاد والإباحية والفساد، جل أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، يوثقهم عهد بحفظ الأسرار، ويقومون بما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام (2).
____________
(1) المصدر السابق 425.
(2) المصدر السابق 449.
والماسونية لها محافل في كل العالم تقريبا، وبيدها أكثر موارد الاقتصاد ووسائل الانتاج في العالم، ولهم عصابات إرهابية لتنفيذ العمليات الإجرامية للتخلص من كل من يقف في طريقهم عن قصد أو عن غير قصد (2) ويتبع الماسونية مجموعة نوادي ذات طابع خيري
____________
(1) المصدر السابق 451.
(2) المصدر السابق 452.
الدعوة إلى الإخاء والحرية والمساواة، وتنمية روح الصداقة بين الأفراد بعيدا عن الروابط العقيدية، ودعم المشروعات الخيرية. ودعم مشروعات الأمم المتحدة، وتقديم الخدمات إلى البيئة المحلية، والاهتمام بالرفاهية الاجتماعية، ونشر المعارف بكل الوسائل الممكنة، ولا يستطيع أي شخص أن يقدم طلب انتساب إليهم. وإنما هم الذين يرشحونه ويعرضون عليه ذلك (1).
ومن ذلك أيضا " نادي الروتاري " وهو منظمة ماسونية تسيطر عليه اليهودية العالمية، ومن أفكار الروتاري ومعتقداته: عدم اعتبار الدين مسألة ذات قيمة لا في اختيار العضو ولا في العلاقة بين الأعضاء، ولا يوجد أي اعتبار لمسألة الوطن، وإسقاط الدين يوفر الحماية لليهود ويسهل تغلغلهم في الأنشطة الحياتية كافة، وهذا يتضح من ضرورة وجود يهودي واحد أو اثنين على الأقل في كل ناد، وباب العضوية غير مفتوح لكل الناس، ولكن على الشخص أن ينتظر دعوة النادي للانضمام إليه على حسب مبدأ الاختيار، والعمال محرومون من عضوية النادي، ولا يختار إلا من يكون ذا مكانة عالية، وبدأت أندية الروتاري في أمريكا سنة 1955 م، وانتقلت بعدها إلى بريطانيا وإلى عدد من الدول الأوربية، ومن ثم صار لها فروع في معظم دول العالم، ولها نواد في عدد من الدول العربية كمصر والأردن وتونس والجزائر وليبيا والمغرب
____________
(1) المصدر السابق 431.
[ الصهيونية ]
الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة، ترمي إلى إقامة دولة اليهود التي تحكم من خلالها العالم كله. وتكون عاصمتها أورشاليم، وارتبطت الحركة الصهيونية باليهودي النمساوي (هرتزل)، الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم، وتعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية، ويعتقدون أن اليهود هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود وكل الشعوب الأخرى خدم لهم، ويقولون: لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا من طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم وحاضنات ونساء ملاهي، ويرون: أن السياسة نقيض للأخلاق. ولا بد فيها من المكر والرياء أما الفضائل والصدق فهي رذائل في عرف السياسة، ويقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد. ما دامت تحقق مآربنا. ويقولون: ننادي بشعارات (الحرية. والمساواة والإخاء) لينخدع بها الناس ويهتفوا بها وينساقوا وراء ما نريد لهم، ويقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا
____________
(1) المصدر السابق 242.
(2) المصدر السابق 243.
ومن المنظمات التي خرجت من عباءة الصهيونية: (منظمة شهود يهوه) وهي منظمة تقوم على سرية التنظيم وعلنية الفكرة دينية وسياسية، ظهرت في أمريكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي تدعى أنها مسيحية، والواقع أنها واقعة تحت سيطرة اليهود وتعمل لحسابهم، وهي تعرف باسم (جمعية العالم الجديد) إلى جانب (شهود يهوه) الذي عرفت به ابتداء من سنة 1931 م. وتؤمن هذه المنظمة بعيسى رئيسا لمملكة الله، ويعملون من أجل إقامة دولة دينية دنيوية للسيطرة على العالم، ويقتطفون من الكتاب المقدس الأجزاء التي تحبب في إسرائيل واليهود ويقومون بنشرها، ويعادون النظم الوضعية ويدعون إلى التمرد، ويعادون الأديان إلا اليهودية. وجميع رؤسائهم يهود، ويعترفون بقداسة الكتب التي يعترف بها اليهود ويقدسونها، ولهذه المنظمة علاقة مع المنظمات التبشيرية، والمنظمات الشيوعية والاشتراكية الدولية، ولهم علاقة كبيرة مع أهل النفوذ من اليونانيين والأرمن (2). وخرجت من تحت
____________
(1) للمزيد. أنظر المصدر السابق ص 332.
(2) المصدر السابق 294.
(العلمانية): وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعني في جانبها السياسي، بالذات اللادينية في الحكم. وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم. والمذهب العلمي، ومن أفكار ومعتقدات هذا التيار، أن بعضهم ينكر وجود الله أصلا، والبعض الآخر يؤمن بوجود الله، لكنهم يعتقدون بعدم وجود أي علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، ويعتقدون: أن الحياة تقوم على أساس العلم المطلق. وتحت سلطان العقل والتجريب، ويقولون: بفصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي، وينادون: بتطبيق مبدأ النفعية على كل شئ في الحياة. واعتماد مبدأ (الميكيافيلية) في الفلسفة والحكم والسياسة والأخلاق، ولقد رشح هذا التيار على العالم الإسلامي. وانتشر بفضل الاستعمار والتبشير، وقام دعاته في العالم العربي والإسلامي. بالطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة، وزعموا بأن الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية، وزعموا بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف (1).
(التغريب): وخرج دعاته من تحت العباءة اليهودية، والتغريب تيار كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، ويرمي إلى صبغ حياة الأمم والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية، ولقد استطاعت حركة التغريب أن تتغلغل إلى كل بلاد العالم الإسلامي، وإلى كل البلاد المشرقية على أمل بسط بصمات الحضارة الغربية المادية الحديثة على هذه البلاد وربطها بالعجلة
____________
(1) المصدر السابق 365.
ويضاف إلى ذلك (الفرويدية) وهي مدرسة في التحليل النفسي.
أسسها اليهودي (سيجموند فرويد) وهي تفسر السلوك الإنساني تفسيرا جنسيا، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شئ، كما أنها تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف أمام الاشباع الجنسي. مما يورث الإنسان عقدا وأمراضا نفسية، ولم ترد في كتب وتحليلات فرويد أية دعوى صريحة للانحلال كما يتبادر إلى الذهن، وإنما كانت هناك إيماءات تحليلية كثيرة تتخلل المفاهيم الفرويدية. تدعو إلى ذلك، وقد استفاد الإعلام الصهيوني من هذه المفاهيم لتقديمها على نحو يغري الناس بالتحلل من القيم وييسر لهم سبله بعيدا عن تعذيب الضمير (3).
واستغل اليهود المذهب (الرأسمالي) والرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية. يقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعا في مفهوم الحرية، ولقد ذاق العلم بسببه
____________
(1) المصدر السابق 154.
(2) المصدر السابق 544.
(3) المصدر السابق 381.
ووضع اليهود بصماتهم على المذهب (الشيوعي) وهو مذهب فكري يقوم على الالحاد. وأن المادة هي أساس كل شئ، ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي، وظهر المذهب على يد (ماركس) اليهودي الألماني (1818 - 1883 م) وتجسد في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة 1917 م بتخطيط من اليهود، وتوسعت الثورة على حساب غيرها بالحديد والنار، وقد تضرر المسلمون منها كثيرا، وأفكار ومعتقدات هذا المذهب تقوم على: إنكار وجود الله وكل الغيبيات، وقالوا: بأن المادة هي أساس كل شئ، وفسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، وقالوا أن
____________
(1) المصدر السابق 237.
أ - يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.
ب - الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين (1)
وهكذا وضع اليهود المسيرة البشرية بين مذهبين اقتصاديين، يعارض كل منهما الآخر، ليشتد الصراع على امتداد المسيرة، مع احتفاظ اليهود بثمرات كل مذهب، وثمرات الصراع القائم بينهما.
[ التبشير ]
وأدلى النصارى بدلوهم على المسيرة البشرية. وخرجت قوافل التبشير المختلفة الأسماء المتحدة الهدف، ومن أفكار ومعتقدات هذه القوافل: محاربة الوحدة الإسلامية، وتشويه التعاليم الإسلامية، ونشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامة وبين المسلمين بخاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب، وتتلقى قوافل التنصير الدعم الدولي الهائل من أوروبا وأمريكا. ومن مختلف الكنائس والهيئات والجامعات والمؤسسات العالمية، وألقى التنصير بثقله حول العالم الإسلامي. ويتمركز في أندونسيا وماليزيا وبنجلاديش والباكستان وفي إفريقيا بعامة، من التيارات التبشيرية التي يتبناها اليهود، طائفة (المورمون) وتلبس لباس الدعوة إلى دين المسيح، وتنادي بالعودة إلى الأصل. أي إلى كتاب اليهود، ويعتقدون بأن الله أعطى وعده
____________
(1) للمزيد: أنظر المرجع السابق 310 وما بعدها.
والخلاصة:
يجب أن نعترف بأن المسيرة البشرية حملت ضمن أحمالها البصمة الوثنية. التي زين الشيطان برنامجها وأغوى به قطاع عريض على امتداد المسيرة، ونحن في عصرنا نرى أعلام هذا القطيع ويجب أن نعترف أن الماسونية شجرة عتيقة فروعها هي الصهيونية وملحقاتها، وهذه الشجرة في بستان يملكه اليهود، والخدم في هذا البستان هم علماء التغريب
____________
(1) المصدر السابق 486.
(2) المصدر السابق 487.
فالشعب اليهودي داخل دائرته. ظل على امتداد تاريخه بعد السبي يؤمن بضرورة العمل من أجل إحياء مملكة داوود. التي يكون لها المجد على شعوب الأرض. ويسبح معها الجبال والطير. وظل أتباع هذا الاعتقاد على امتداد تاريخهم وفي أحلك الأوقات يقيمون حياتهم على أساس هذا الدين الذي يحقق هذه النتيجة، وعندما عاشوا في بقاع الأرض المختلفة متباعدين. كانوا في نفس الوقت متقاربين نتيجة لوحدة الفكر والأمل، ولم يذوبوا في المجتمعات وإنما اجتمعوا في أحياء خاصة بهم داخل المجتمعات الكبيرة، وعملوا من أجل أن تكون المجتمعات الكبيرة في قبضتهم. وذلك عن طريق سيطرتهم على الاقتصاد ورجال الحكم.
وبعد عودة اليهود إلى فلسطين. وبعد انتصارهم عام 1967، يخطئ من يظن أن الحرب بين الفطرة وبين اليهود قد انتهت، ومخدوع كل من يظن أن كل ما هو معلق بين المسلمين وبين اليهود قد تحله العقود أو المواثيق أو اتفاقيات الصلح والاعتراف المتبادل، لأن المهمة الإسرائيلية لن تنتهي إلا بظهور أمير السلام الذي ينتظره اليهود، وقد يأخذ السلام بين العرب وبين اليهود أشكالا متعددة، ولكن تبقى الحقيقة الأكيدة: أن هذا السلام في نظر اليهود سيكون ورقة تكتيكية من أوراق الحرب المستمرة، حتى يأتي أمير السلام (الدجال) فينصب فسطاطه في المنطقة. ويتبعه جميع الذين تعاموا عن هذه الحقيقة.
ويجب أن نعترف أن قطاع عريض داخل المسيرة الإسلامية لا
ويجب أن نعترف بأن الفطرة يحيط بها الظلم من كل مكان، وأين الوسائل المحيطة بها يمسك بزمامها الجبان، وكلمة الجبان لا تعني الرجل الخائف الرعديد فقط، وإنما تعني ذلك الرجل الذي إذا تمكن من عدوه كان أكثر جبنا، بمعنى أنه لا يعرف في التعامل معه معنى من معاني النبالة أو الكرم أو الشهامة، إنما يستعمل معه أدنأ الوسائل وأدناها إلى الحطة، والفطرة الإنسانية تحيط بها أكثر الناس جبنا، بمعنى أكثر الناس ميلا للانتقام..
وإذا كان البحث العلمي قد قدم للمسيرة البشرية مجهودات عظيمة، من عصر الطاقة اليدوية إلى عصر الفحم. إلى عصر البخار..
إلى عصر البترول. إلى عصر الكهرباء، ومن عصر الذرة إلى عصر الإلكترونيات. إلى عصر الكومبيوتر إلى عصر الفضاء إلى عصر الهندسة الوراثية، فيجب أن نعترف أن الأعظم من هذا المجهود الضخم استعمل في كل عصر من أجل خدمة مخططات الأهواء وأهداف المادية، وعن طريقة استطاع أصحابه أن يتغلغلوا داخل النفس لإغوائها لتكون عضوا على طريق أهدافهم.
إن العلوم المفيدة تكون في متناول الإنسان عندما تصلح أخلاقه، أما إذا وقف الجبان على أبواب المجهودات العلمية، فسيكون للظلم والجور وللفساد أعلاما متعددة الألوان والأشكال، وفي عصرنا نرى المخطط اليهودي والوثني تحميه الترسنات النووية والكيمائية
بعد أن فسد كل شئ. ولوثت البحار والأنهار بالنفط والمبيدات ومخلفات المصانع وسموم المعادن الثقيلة، ولوث الجو بغازات الكبريت والأزون والكربون والرصاص، واتخذ الجبان من قلب الأرض والبحر مخازن للموت النووي والرعب الذري يدفن فيه النفايات القاتلة لصناعاته المهلكة، ونجد الفطرة محاصرة بقوافل خرقت الشرائع وطلبت اللذة من وجوهها الشاذة باللواط والسحاق، ولقد رأينا كيف خرجت قوافل الشواذ تطالب بشرعية الفسق وتقنين زواج الرجال بالرجال وزواج النساء بالنساء، وتسير في مظاهرات علنية تطالب بحقوقها الشاذة، ولم يقتصر الأمر على خروج قبائل العهر والفسق في مظاهرات، وإنما تفننت قبائل أخرى في جعل الحرية الجنسية شريعة لمملكتها، وأقامت للزنا نواد ومؤسسات وأقمار فضائية تنشره، وأبدعت هذه القبائل في إخراج العهر والفجور والفسق والشذوذ. بجميع أوضاعه في أبهة من الألوان ومواكب من الزينة والزخرف. واستأجرت لهذا الفتيات الساقطات من كل جنس لعرضهن عرايا. ثم ثبت هذا العهر ليستقبله كل من وجه هوائي استقبال إلى الفضاء.
لقد ملأت الأرض ظلما. والتطور ينطلق كل دقيقة بل كل ثانية.
وما كان يحدث من إنجاز علمي في ألوف السنين. أصبح يحدث الآن في سنوات قليلة، ومعنى هذا أن المستقبل سيشهد تطورا مضغوطا في حيز تاريخي قصير، فإذا كان الجبان ساهرا ومشرفا على هذا التطور، فإن معنى هذا أننا نهرول بالفعل إلى النهاية. وقبل هذا اليوم يجب أن نعرف من نحن؟ ومن هو عدونا؟ وما هي أهدافنا وما هي أهداف
2 - (مستقر المسيرات الانحرافية)
يبعث الله تعالى الأنبياء والرسل ليذكروا الناس بالمخزون الفطري الذي وضعه الله في النفس البشرية عند بدأ الخلق، وهذا المخزون هو توحيده تعالى، ويقوم الأنبياء والرسل على امتداد عهد البعثة بسوق الناس إلى طريق الهدى ببيانهم للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وبعد أن يقيم رسل الله الحجة على الناس. ينسى بعض الناس ما ذكروا به، ويقومون بأعمال تعارض الفطرة ووصايا الله، وأخبرت الدعوة الخاتمة أن الله تعالى يستدرج هذه المسيرات الانحرافية على امتداد المسيرة البشرية، وعلى امتداد الاستدراج ينال الذين ظلموا عذاب الخزي في الحياة الدنيا، قال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (1).
وعذاب الاستدراج في الحياة الدنيا أبوابه مفتوحة، يدخل فيها الحاضر إذا أخذ بأسباب الانحراف من الماضي، وإذا انطلق الحاضر إلى المستقبل ولم تحدثه نفسه بتوبة، انتهت أقدامه إلى المسيح الدجال، وفي دائرة الدجال تنال جميع رايات الانحراف والشذوذ عذاب الخزي
____________
(1) سورة الأنعام آية 44.
ومن ذلك قوله " وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال " (2).
وطريق الدجال يبدأ بانحراف دقيق عند المقدمة. ثم يتسع شيئا فشيئا على امتداد المسيرة. وفي مناطق الاتساع ترفع للشذوذ رايات بعد أن ألفه الناس. وهذه الرايات بينها النبي الخاتم (ص) وهو يخبر بأشراط الساعة، ومن ذلك قوله " من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا " (3). وقال " إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج والهرج القتل " (4)، فهذه العلامات تظهر على طريق الفتن والانحراف. وبينها النبي الخاتم ليراجع الناس أنفسهم على امتداد المسيرة، ويشهدوا له بالنبوة بعد أن رأوا أحداثا أخبر بها يوم أن كانت غيبا، فالأحداث في عالم المشاهدة المنظور دعوة للتوبة وتحذيرا من العقاب الذي يحمله طريق الاستدراج.
وآخر الزمان يقف تحت أعلام الدجال جميع المسيرات التي انحرفت عن ميثاق الفطرة وأشركت بالله، ويقف تحتها صناع الفتن وأصحاب الأهواء وتجار الشذوذ وجلادي الشعوب، وجميع الذين ظلموا وصدوا عن سبيل الله العزيز الحكيم، فهؤلاء وغيرهم سينتظمون وراء قيادة الدجال آخر الزمان ويطيعون أوامره، وسيدخلون معه لقتال
____________
(1) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني 69 / 24).
(2) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني 69 / 24).
(3) رواه مسلم (الصحيح 58 / 8).
(4) رواه مسلم (الصحيح 58 / 8.
ثانيا - [ القسط والعدل ]
كما أن لطريق الشذوذ علامات، فإن لطائفة الحق علامات. وكما أن الله تعالى حذر من شر مخبوء في بطن الغيب. ومنه الدجال، فإنه تعالى بشر بخير مخبوء في بطن الغيب ومنه المهدي المنتظر ونزول عيسى بن مريم آخر الزمان.
1 - (أقوال العلماء في ظهور المهدي ونزول عيسى آخر الزمان)
قال الشوكاني: إن الأحاديث الواردة في المهدي متواترة.
والأحاديث الواردة في الدجال متواترة. والأحاديث الواردة في نزول عيسى متواترة (2). وقال صاحب عون المعبود شرح سنن أبو داوود:
إعلم أن المشهود بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار. أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت. يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال بعده وإن عيسى عليه السلام ينزل بعد المهدي أو ينزل معه فيساعده على قتل الدجال، ويأتم بالمهدي في صلاته، وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داوود والترمذي وابن ماجة والبراز والحاكم والطبراني وأبو يعلى، وإسناد أحاديث هؤلاء بين الصحيح والحسن والضعيف. وقد بالغ المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها. فلم
____________
(1) سورة يوسف آية 21.
(2) عون المعبود ص 458 / 11.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: لا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس ليس هو المهدي الذي وردت الأحاديث المستفيضة بذكره. وإنه يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرد له أبو داوود كتابا في سننه (3).
وقال الحافظ الكتاني: الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر، وهي عند الإمام أحمد والترمذي وأبي داوود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم.
من دواوين الإسلام من السفن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، وبعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، والأحاديث تشد بعضها بعضا، وأمر المهدي مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويسمى بالمهدي (4) وقال الكتاني: وفي شرح عقيدة السفاريني الحنبلي
____________
(1) عون المعبود ص 362 / 11.
(2) التاج الجامع للأصول ص 341 / 5.
(3) البداية والنهاية 281 / 6.
(4) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص 226.
2 - (فجر الضمير)
قال النبي (ص) بعد أن أقام الحجة على المسيرة " وأيم الله. لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها " (2) وزاد في رواية: لا يزيغ عنها إلا هالك " (3) فالطريق واضح وضوح النهار، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، وأخبر النبي (ص) بأن المسيرة ستشهد أنماطا بشرية يترتب على حركتها غربة الدين، وهذه النتيجة ترى في قوله (ص) " إن الإسلام بدأ غريبا. وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " (4) قال النووي: ظاهر الحديث، أن الإسلام بدأ في أحاد من الناس وقلة. ثم انتشر وظهر. ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ " (5). وغربة الدين ترى في قول النبي (ص) " الإسلام والسلطان أخوان توأمان. لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه. فالإسلام أسس (أي: أصل البناء) والسلطان حارث، وما لا حارث له يهدم. وما لا حارث له ضائع " (6)، ولذلك كان النبي (ص) يقول " إن رحى الإسلام دائرة. وإن
____________
(1) نظم المتناثر ص 226.
(2) رواه ابن ماجة (كنز العمال 370 / 11).
(3) رواه ابن أبي عاصم (كتاب السنة 27 / 1).
(4) رواه مسلم (الصحيح 177 / 2).
(5) مسلم شرح النووي 177 / 2).
(6) رواه الديلمي (كنز العمال 10 / 6).
والنجاة في عالم الغربة بين النبي (ص) دائرتها، عن أبي هريرة قال. قالوا: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: أنا ومن معي، قالوا: ثم من؟ قال: الذي على الأثر، قالوا: ثم من؟، فرفضهم رسول الله (2).
وطائفة الحق على امتداد المسيرة لها أعلامها، ولا يضرها من خذلها أو عاداها، لأنها حجة بمنهجها وحركتها على الناس، وأخبر النبي (ص). بأن هذه الطائفة تستقر أعلامها آخر الزمان. تحت قيادة المهدي المنتظر وعيسى بن مريم عليهما السلام، يقول النبي (ص) " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (3)، وقال " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله. لا يضرهم من خذلهم. أو خالفهم. حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " (4) وقال " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال " (5). وقال " لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي " (6)، وفي رواية " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم حتى يأتي أمر الله. وينزل عيسى عليه السلام " (7).
فمن هذه الأحاديث نرى أن طائفة الحق على امتداد المسيرة.
____________
(1) رواه الطبراني وابن عساكر (كنز العمال 216 / 1).
(2) رواه أحمد وقال في الفتح رواه مسلم (الفتح الرباني 219 / 23).
(3) رواه مسلم (الصحيح 65 / 13).
(4) رواه مسلم (الصحيح 97 / 13).
(5) رواه الحاكم وصححه (المستدرك 450 / 4).
(6) رواه أبو عمر الداني (عقد الدرر ص 220).
(7) رواه أحمد والحاكم وصححه وأبو داوود (الفتح الرباني 210 / 23).
لا يضرها من عاداها أو من خذلها. حتى تستقر نهاية المطاف أمام فسطاط المهدي المنتظر.
والمهدي من أهل البيت. من أولاد علي وفاطمة رضي الله عنهما، قال النبي (ص) " المهدي منا أهل البيت " (1)، وقال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " (2) واسمه يواطئ اسم النبي (ص) (3).
والمهدي يخوض معارك آخر الزمان، وسيفتح الصين (4) والهند (5) وجبل الديلم (6) وسيقصم ظهر الروم ويفتح القسطنطينية (7) ويقاتل اليهود وأميرهم الدجال حتى ينتهي أمرهم بالاستئصال، وقال النبي (ص) " يظهر على كل جبار وابن جبار ويظهر العدل " (8).
وفي منهج المهدي يقول النبي (ص) " هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي " (9)، وقال " يعمل بسنتي " (10) وقال (ص)
____________
(1) رواه أبو نعيم والحاكم وصححه (عقد الدرر ص 21) (المستدرك 557 / 4 (عون المعبود 375 / 11).
(2) رواه أبو داوود (السنن 422 / 2) والحاكم وابن ماجة (المستدرك 557 / 4) (التاج الجامع للأصول 343 / 5) (كنز العمال 264 / 14) (الحاوي للسيوطي 224 / 2).
(3) رواه أحمد والترمذي وأبو داوود والحاكم (الفتح الرباني 49 / 24) (جامع الترمذي 505 / 4).
(4) أنظر: عقد الدرر ص 224.
(5) أنظر: التاج الجامع للأصول 325 / 5، عقد الدرر 219.
(6) أنظر: عقد الدرر ص 224.
(7) أنظر: عقد الدرر ص 211.
(8) رواه الطبراني (الزوائد 315 / 7) (الحاوي 218 / 2).
(9) رواه نعيم بن حماد (الحاوي 233 / 2) (عقد الدرر ص 17).
(10) رواه أبو نعيم (عقد الدرر 156).
قال النبي (ص): ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة، يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزا، فصم كل جبار وهو القادر على ما يشاء. أن يصلح أمة بعد فسادها، ثم قال رسول الله (ص): يا حذيفة. لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام. لا يخلف الله وعده وهو سريع الحساب (3).
وعن ابن مسعود قال. قال رسول الله (ص): إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءا وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملؤوها جورا، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج (4).
وآخر الزمان يلتقي ابن علي بن أبي طالب. مع ابن مريم أخت هارون، يلتقي آخر أهل البيت في المسيرة الإسلامية، مع المسيح عيسى بن مريم آخر نبي في المسيرة الإسرائيلية، وكلاهما ظلمته مسيرة قومه،
____________
(1) قال الهيثمي رواه الترمذي وغيره وأحمد وأبو يعلى ورجالهما ثقات (الزوائد 314 / 7) (الفتح الرباني 50 / 24).
(2) رواه أحمد وأبو داوود (الفتح الرباني 49 / 24) (عون المعبود 373 / 11).
(3) رواه نعيم بن حماد وأبو نعيم (عقد الدرر ص 63) (الحاوي 221 / 2).
(4) رواه ابن ماجة حديث 4082، والحاكم (المستدرك 464 / 4) (كنز العمال 268 / 14).
صدق الله العظيم
____________
(1) سورة يوسف آية 21.
(2) سورة السجدة آية 28.