(1)

 

كمال الدين و تمام النعمة

 

 

ابي جعفر محمدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق

 

(305 - 381ه)

 

 

 

موضوع الكتاب: غيبة الامام المهدي (عج) و ظهوره.

 

 

 

الجزء الأول

 

مقدمة المؤلف

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين. الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القادر العليم الحكيم تقدس و تعالى عن صفة المخلوقين ذي الجلال و الإكرام و الإفضال و الإنعام و المشيئة النافذة و الإرادة الكاملة ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير. و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق كل شي‏ء و مالك كل شي‏ء و جاعل كل شي‏ء و محدث كل شي‏ء و رب كل شي‏ء و أنه يقضي بالحق و يعدل في الحكم و يحكم بالقسط و يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي و لا يكلف نفسا إلا وسعها و لا يحملها فوق طاقتها و له الحجة البالغة و لو شاء لهدى الناس أجمعين يدعو إلى دار السلام و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. لا يعجل بالعقوبة و لا يعذب إلا بعد إيضاح الحجة و تقديم الآيات و النذارة لم يستعبد عباده بما لم يبينه لهم و لم يأمرهم إطاعة من لم ينصبه لهم و لم يكلهم إلى أنفسهم و اختيارهم و آرائهم بطاعته و اختراعهم في خلافته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و أشهد أن محمدا ص عبده و رسوله و أمينه و أنه بلغ عن ربه و دعا إلى سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة و عمل بالكتاب و أمر باتباعه و أوصى بالتمسك

 

===============

(2)

به و بعترته الأئمة بعده ص و أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه حوضه و أن اعتصام المسلمين بهما على المحجة الواضحة و الطريقة المستقيمة و الحنيفية البيضاء التي ليلها كنهارها و باطنها كظاهرها و لم يدع أمته في شبهة و لا عمى من أمره و لم يدخر عنهم دلالة و لا نصيحة و لا هداية و لم يدع برهانا و لا حجة إلا أوضح سبيلها و أقام لهم دليلها لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حي عن بينة. و أشهد أنه ليس بمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم و أن الله يخلق من يشاء و يختار و أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضاه و يسلموا تسليما و أن من حرم حلالا و من حلل حراما أو غير سنة أو نقص فريضة أو بدل شريعة أو أحدث بدعة يريد أن يتبع عليها و يصرف وجوه الناس إليها فقد أقام نفسه لله شريكا و من أطاعه فقد ادعى مع الله ربا و باء بغضب من الله و مأواه النار و بئس مثوى الظالمين و حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين. قال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي مصنف هذا الكتاب أعانه الله على طاعته إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا ص رجعت إلى نيسابور و أقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إلي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة و دخلت عليهم في أمر القائم ع الشبهة و عدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء و المقاييس فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق و ردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي و الأئمة ص حتى ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل و العلم و النباهة ببلد قم طالما تمنيت لقاءه و

 

===============

(3)

اشتقت إلى مشاهدته لدينه و سديد رأيه و استقامة طريقته و هو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت القمي أدام الله توفيقه و كان أبي يروي عن جده محمد بن أحمد بن علي بن الصلت قدس الله روحه و يصف علمه و عمله و زهده و فضله و عبادته و كان أحمد بن محمد بن عيسى في فضله و جلالته يروي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمي رضي الله عنه و بقي حتى لقيه محمد بن الحسن الصفار و روى عنه فلما أظفرني الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع شكرت الله تعالى ذكره على ما يسر لي من لقائه و أكرمني به من إخائه و حباني به من وده و صفائه فبينا هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة و المنطقيين كلاما في القائم ع قد حيره و شككه في أمره لطول غيبته و انقطاع أخباره فذكرت له فصولا في إثبات كونه ع و رويت له أخبارا في غيبته عن النبي و الأئمة ع سكنت إليها نفسه و زال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشك و الارتياب و الشبهة و تلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع و الطاعة و القبول و التسليم و سألني أن أصنف له في هذا المعنى كتابا فأجبته إلى ملتمسه و وعدته جمع ما أبتغي إذا سهل الله لي العود إلى مستقري و وطني بالري. فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل و ولد و إخوان و نعمة إذ غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام و أنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه و أقبله و أقول أمانتي أديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة فأرى مولانا القائم صاحب الزمان ص واقفا بباب الكعبة فأدنو منه على شغل قلب و تقسم فكر فعلم ع ما في نفسي بتفرسه في وجهي فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال لي لم لا تصنف كتابا في الغيبة حتى تكفى ما قد همك فقلت له يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء فقال ع ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف و لكن صنف الآن كتابا في الغيبة و اذكر فيه غيبات الأنبياء ع.

 

===============

(4)

ثم مضى ص فانتبهت فزعا إلى الدعاء و البكاء و البث و الشكوى إلى وقت طلوع الفجر فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلا لأمر ولي الله و حجته مستعينا بالله و متوكلا عليه و مستغفرا من التقصير و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.

الخليفة قبل الخليقة أما بعد فإن الله تبارك و تعالى يقول في محكم كتابه وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية فبدأ عز و جل بالخليفة قبل الخليقة فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة فلذلك ابتدأ به لأنه سبحانه حكيم و الحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم و ذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمد ع حيث يقول

 الحجة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و لو خلق الله عز و جل الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرضهم للتلف و لم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذي توجب حكمته من إقامة الحدود و تقويم المفسد و اللحظة الواحدة لا تسوغ الحكمة ضرب صفح عنها إن الحكمة تعم كما أن الطاعة تعم و من زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة و لو لا أن القرآن نزل بأن محمدا ص خاتم الأنبياء لوجب كون رسول في كل وقت فلما صح ذلك ارتفع معنى كون الرسول بعده و بقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل و ذلك أن الله تقدس ذكره لا يدعو إلى سبب إلا بعد أن يصور في العقول حقائقه و إذا لم يصور ذلك لم تتسق الدعوة و لم تثبت الحجة و ذلك أن الأشياء تألف أشكالها و تنبو عن أضدادها فلو كان في العقل إنكار الرسل لما بعث الله عز و جل نبيا قط. مثال ذلك الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه و لو عالجه بدواء يخالف طباعه أدى ذلك إلى تلفه فثبت أن الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا و له في

 

===============

(5)

العقول صورة ثابتة و بالخليفة يستدل على المستخلف كما جرت به العادة في العامة و الخاصة و في المتعارف متى استخلف ملك ظالما استدل بظلم خليفته على ظلم مستخلفه و إذا كان عادلا استدل بعدله على عدل مستخلفه فثبت أن خلافة الله توجب العصمة و لا يكون الخليفة إلا معصوما وجوب طاعة الخليفة و لما استخلف الله عز و جل آدم في الأرض أوجب على أهل السماوات الطاعة له فكيف الظن بأهل الأرض و لما أوجب الله عز و جل على الخلق الإيمان بملائكة الله و أوجب على الملائكة السجود لخليفة الله ثم لما امتنع ممتنع من الجن عن السجود له أحل الله به الذل و الصغار و الدمار و أخزاه و لعنه إلى يوم القيامة علمنا بذلك رتبة الإمام و فضله و أن الله تبارك و تعالى لما أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة أشهدهم على ذلك لأن العلم شهادة فلزم من ادعى أن الخلق يختار الخليفة أن تشهد ملائكة الله كلهم عن آخرهم عليه و الشهادة العظيمة تدل على الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد فكيف و أنى ينجو صاحب الاختيار من عذاب الله و قد شهدت عليه ملائكة الله أولهم و آخرهم و كيف و أنى يعذب صاحب النص و قد شهدت له ملائكة الله كلهم. و له وجه آخر و هو أن القضية في الخليفة باقية إلى يوم القيامة و من زعم أن الخليفة أراد به النبوة فقد أخطأ من وجه و ذلك أن الله عز و جل وعد أن يستخلف من هذه الأمة الفاضلة خلفاء راشدين كما قال جل و تقدس وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً و لو كانت قضية الخلافة قضية النبوة أوجب حكم الآية أن يبعث الله عز و جل نبيا بعد محمد ص و ما صح قوله وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ فثبت

 

===============

(6)

أن الوعد من الله عز و جل ثابت من غير النبوة و ثبت أن الخلافة تخالف النبوة بوجه و قد يكون الخليفة غير نبي و لا يكون النبي إلا خليفة. و آخر هو أنه عز و جل أراد أن يظهر باستعباده الخلق بالسجود لآدم ع نفاق المنافق و إخلاص المخلص كما كشفت الأيام و الخبر عن قناعيهما أعني ملائكة الله و الشيطان و لو وكل ذلك المعنى من اختيار الإمام إلى من أضمر سوءا لما كشفت الأيام عنه بالتعرض و ذلك أنه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته و السجود له فكيف و أنى يوصل إلى ما في الضمائر من النفاق و الإخلاص و الحسد و الداء الدفين. و وجه آخر و هو أن الكلمة تتفاضل على أقدار المخاطب و المخاطب فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيده و المخاطب كان الله عز و جل و المخاطبون ملائكة الله أولهم و آخرهم و الكلمة العموم لها مصلحة عموم كما أن الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص و المثوبة في العموم أجل من المثوبة في الخصوص كالتوحيد الذي هو عموم على عامة خلق الله يخالف الحج و الزكاة و سائر أبواب الشرع الذي هو خصوص فقوله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً دل على أن فيه معنى من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم و الكلمة إذا جاورت الكلمة في معنى لزمها ما لزم أختها إذا جمعهما معنى واحد و وجه ذلك أن الله سبحانه علم أن من خلقه من يوحده و يأتمر لأمره و أن لهم أعداء يعيبونهم و يستبيحوا حريمهم و لو أنه عز و جل قصر الأيدي عنهم جبرا و قهرا لبطلت الحكمة و ثبت الإجبار رأسا و بطل الثواب و العقاب و العبادات و لما استحال ذلك وجب أن يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به و معه العبادات و المثوبات فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود كالقطع و الصلب و القتل و الحبس و تحصيل الحقوق كما قيل ما يزع السلطان أكثر

 

===============

(7)

مما يزع القرآن و قد نطق بمثله قوله عز و جل لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ فوجب أن ينصب عز و جل خليفة يقصر من أيدي أعدائه عن أوليائه ما تصح به و معه الولاية لأنه لا ولاية مع من أغفل الحقوق و ضيع الواجبات و وجب خلعه في العقول جل الله تعالى عن ذلك و الخليفة اسم مشترك لأنه لو أن رجلا بنى مسجدا و لم يؤذن فيه و نصب فيه مؤذنا كان مؤذنه فأما إذا أذن فيه أياما ثم نصب فيه مؤذنا كان خليفته و كذلك الصورة في العقول و المعارف متى قال البندار هذا خليفتي كان خليفته على البندرة لا على البريد و المظالم فكذلك القول في صاحبي البريد و المظالم فثبت أن الخليفة من الأسماء المشتركة فكان من صفة الله تعالى ذكره الانتصاف لأوليائه من أعدائه فوكل من ذلك معنى إلى خليفته فلهذا الشأن استحق معنى الخليفة دون معنى أن يتخذ شريكا معبودا مع الله سبحانه و لهذا من الشأن قال الله تبارك و تعالى لإبليس يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ ثم قال عز و جل بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ و ذلك أنه يقطع العذر و لا يوهم أنه خليفة شارك الله في وحدته فقال بعد ما عرفت أنه خلق الله ما منعك أن تسجد ثم قال بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ و اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة و قد كان لله عز و جل عليه نعمتان حوتا نعما كقوله عز و جل وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً و هما نعمتان حوتا

 

===============

(8)

نعما لا تحصى ثم غلظ عليه القول بقوله عز و جل بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ كقول القائل بسيفي تقاتلني و برمحي تطاعنني و هذا أبلغ في القبح و أشنع فقوله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً كانت كلمة متشابهة أحد وجوهها أنه يتصور عند الجاهل أن الله عز و جل يستشير خلقه في معنى التبس عليه و يتصور عند المستدل إذا استدل على الله عز و جل بأفعاله المحكمة و جلالته الجليلة أنه جل عن أن يلتبس عليه معنى أو يستعجم عليه حال فإنه لا يعجزه شي‏ء في السماوات و الأرض و السبيل في هذه الآية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الآيات المتشابهات أنها ترد إلى المحكمات مما يقطع به و معه العذر للمتطرق إلى السفه و الإلحاد. فقوله وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يدل على معنى هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد نافية عن الله عز و جل الخلع و الظلم و تضييع الحقوق و ما تصح به و معه الولاية فتكمل معه الحجة و لا يبقى لأحد عذر في إغفال حق. و أخرى أنه عز و جل إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنى من معاني الطاعات ندبه له حتى تحصل له به عبادة و يستحق معها مثوبة على قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أن يغفل جميع معاني حقوق خلقه أولهم و آخرهم جل الله عن ذلك فللقوام بحقوق الله و حقوق خلقه مثوبة جليلة متى فكر فيها مفكر عرف أجزاءها إذ لا وصول إلى كلها لجلالتها و عظم قدرها و أحد معانيها و هو جزء من أجزائها أنه يسعد بالإمام العادل النملة و البعوضة و الحيوان أولهم و آخرهم بدلالة قوله تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و يدل على صحة ذلك قوله عز و جل في قصة نوح ع فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً الآية ثم من المدرار ما ينتفع به الإنسان و سائر الحيوان و سبب ذلك الدعاة إلى دين الله و الهداة إلى حق الله فمثوبته على أقداره و عقوبته على من عانده بحسابه و لهذا نقول إن

 

===============

(9)

الإمام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه. و قد أخرجت الأخبار التي رويتها في هذا المعنى في هذا الكتاب في باب العلة التي يحتاج من أجلها إلى الإمام

 

ليس لأحد أن يختار الخليفة إلا الله عز و جل

و قول الله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً جاعل منون صفة الله التي وصف بها نفسه و ميزانه قوله إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فنونه و وصف به نفسه فمن ادعى أنه يختار الإمام وجب أن يخلق بشرا من طين فلما بطل هذا المعنى بطل الآخر إذ هما في حيز واحد. و وجه آخر و هو أن الملائكة في فضلهم و عصمتهم لم يصلحوا لاختيار الإمام حتى تولى الله ذلك بنفسه دونهم و احتج به على عامة خلقه أنه لا سبيل لهم إلى اختياره لما لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم و وفائهم و عصمتهم و مدح الله إياهم في آيات كثيرة مثل قوله سبحانه بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ و كقوله عز و جل لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. ثم إن الإنسان بما فيه من السفه و الجهل كيف و أنى يستتب له ذلك فهذا و الأحكام دون الإمامة مثل الصلاة و الزكاة و الحج و غير ذلك لم يكل الله عز و جل شيئا من ذلك إلى خلقه فكيف وكل إليهم الأهم الجامع للأحكام كلها و الحقائق بأسرها.

وجوب وحدة الخليفة في كل عصر و في قوله عز و جل خَلِيفَةً إشارة إلى خليفة واحدة ثبت به و معه إبطال قول

 

===============

(10)

من زعم أنه يجوز أن تكون في وقت واحد أئمة كثيرة و قد اقتصر الله عز و جل على الواحد و لو كانت الحكمة ما قالوه و عبروا عنه لم يقتصر الله عز و جل على الواحد و دعوانا محاذ لدعواهم ثم إن القرآن يرجح قولنا دون قولهم و الكلمتان إذا تقابلتا ثم رجح إحداهما على الأخرى بالقرآن كان الرجحان أولى.

لزوم وجود الخليفة و لقوله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الآية في الخطاب الذي خاطب الله عز و جل به نبيه ص لما قال رَبُّكَ من أصح الدليل على أنه سبحانه يستعمل هذا المعنى في أمته إلى يوم القيامة فإن الأرض لا تخلو من حجة له عليهم و لو لا ذلك لما كان لقوله رَبُّكَ حكمة و كان يجب أن يقول ربهم و حكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مر الأيام و كر الأعوام و ذلك أنه عز و جل عدل حكيم لا يجمعه و أحد من خلقه نسب جل الله عن ذلك.

وجوب عصمة الإمام و لقوله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية معنى و هو أنه عز و جل لا يستخلف إلا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة لأنه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه لأنه لو أن دلالا قدم حمالا خائنا إلى تاجر فحمل له حملا فخان فيه كان الدلال خائنا فكيف تجوز الخيانة على الله عز و جل و هو يقول و قوله الحق أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ و أدب محمدا ص بقوله عز و جل وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً فكيف و أنى يجوز أن يأتي ما ينهى عنه و قد عير اليهود بسمة النفاق و قال أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ.

 

===============

(11)

و في قول الله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً حجة قوية في غيبة الإمام ع و ذلك أنه عز و جل لما قال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أوجب بهذا اللفظ معنى و هو أن يعتقدوا طاعته فاعتقد عدو الله إبليس بهذه الكلمة نفاقا و أضمره حتى صار به منافقا و ذلك أنه أضمر أنه يخالفه متى استعبد بالطاعة له فكان نفاقه أنكر النفاق لأنه نفاق بظهر الغيب و لهذا من الشأن صار أخزى المنافقين كلهم و لما عرف الله عز و جل ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له و اشتاقوا إليه فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحق عدو الله من الخزي و الخسار فالطاعة و الموالاة بظهر الغيب أبلغ في الثواب و المدح لأنه أبعد من الشبهة و المغالطة و لهذا روي عن النبي ص أنه قال

 من دعا لأخيه بظهر الغيب ناداه ملك من السماء و لك مثلاه

و أن الله تبارك و تعالى أكد دينه بالإيمان بالغيب فقال هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ الآية فالإيمان بالغيب أعظم مثوبة لصاحبه لأنه خلو من كل عيب و ريب لأن بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهم على المبايع أنه إنما يطيع رغبة في خير أو مال أو رهبة من قتل أو غير ذلك مما هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم و إيمان الغيب مأمون من ذلك كله و محروس من معايبه بأصله يدل على ذلك قول الله عز و جل فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا و لما حصل للمتعبد ما حصل من الإيمان بالغيب لم يحرم الله عز و جل ذلك ملائكته فقد جاء في الخبر أن الله سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام و كان يحصل في هذه المدة الطاعة لملائكة الله على قدرها و لو أنكر منكر هذا الخبر و الوقت و الأعوام لم يجد بدا من القول بالغيبة و لو ساعة واحدة و الساعة الواحدة لا تتعرى من حكمة ما و ما حصل من الحكمة في الساعة حصل في الساعتين حكمتان و في الساعات حكم و ما زاد في الوقت إلا زاد في

 

===============

(12)

المثوبة و ما زاد في المثوبة إلا كشف عن الرحمة و دل على الجلالة فصح الخبر أن فيه تأييد الحكمة و تبليغ الحجة. و في قول الله عز و جل وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً حجة في غيبة الإمام ع من أوجه كثيرة أحدها أن الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلها و ذلك أن الملائكة ما شهدوا قبل ذلك خليفة قط و أما نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن و تواترت به الأخبار حتى صارت كالمشاهدة و الملائكة لم يشهدوا واحدا منهم فكانت تلك الغيبة أبلغ و آخر أنها كانت غيبة من الله عز و جل و هذه الغيبة التي للإمام ع هي من قبل أعداء الله تعالى فإذا كان في الغيبة التي هي من الله عز و جل عبادة لملائكته فما الظن بالغيبة التي هي من أعداء الله و في غيبة الإمام ع عبادة مخلصة لم تكن في تلك الغيبة و ذلك أن الإمام الغائب ع مقموع مقهور مزاحم في حقه قد غلب قهرا و جرى على شيعته قسرا من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء و نهب الأموال و إبطال الأحكام و الجور على الأيتام و تبديل الصدقات و غير ذلك مما لا خفاء به و من اعتقد موالاته شاركه في أجره و جهاده و تبرأ من أعدائه و كان له في براءة مواليه من أعدائه أجر و في ولاية أوليائه أجر يربو على أجر ملائكة الله عز و جل على الإيمان بالإمام المغيب في العدم و إنما قص الله عز و جل نبأه قبل وجوده توقيرا و تعظيما له ليستعبد له الملائكة و يتشمروا لطاعته و إنما مثال ذلك تقديم الملك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلى أوليائه أنه قادم عليهم حتى يتهيئوا لاستقباله و ارتياد الهدايا له ما يقطع به و معه عذرهم في تقصير إن قصروا في خدمته كذلك بدأ الله عز و جل بذكر نبئه إبانة عن جلالته و رتبته و كذلك قضيته في السلف و الخلف فما قبض خليفة إلا عرف خلقه الخليفة الذي يتلوه و تصديق

 

===============

(13)

ذلك قوله عز و جل أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ الآية و الذي على بينة من ربه محمد ص و الشاهد الذي يتلوه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ع دلالته قوله عز و جل وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً و الكلمة من كتاب موسى المحاذية لهذا المعنى حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة قوله وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ.

 

السر في أمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم ع

و استعبد الله عز و جل الملائكة بالسجود لآدم تعظيما له لما غيبه عن أبصارهم و ذلك أنه عز و جل إنما أمرهم بالسجود لآدم لما أودع صلبه من أرواح حجج الله تعالى ذكره فكان ذلك السجود لله عز و جل عبودية و لآدم طاعة و لما في صلبه تعظيما فأبى إبليس أن يسجد لآدم حسدا له إذ جعل صلبه مستودع أرواح حجج الله دون صلبه فكفر بحسده و تأبيه و فسق عن أمر ربه و طرد عن جواره و لعن و سمي رجيما لأجل إنكاره للغيبة لأنه احتج في امتناعه من السجود لآدم بأن قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فجحد ما غيب عن بصره و لم يوقع التصديق به و احتج بالظاهر الذي شاهده و هو جسد آدم ع و أنكر أن يكون يعلم لما في صلبه وجودا و لم يؤمن بأن آدم إنما جعل قبلة للملائكة و أمروا بالسجود له لتعظيم ما في صلبه فمثل من آمن بالقائم ع في غيبته مثل الملائكة الذين أطاعوا الله عز و جل في السجود لآدم و مثل من أنكر القائم ع في غيبته مثل إبليس في امتناعه من السجود لآدم كذلك روي عن الصادق جعفر بن محمد ع.

 حدثنا بذلك محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن جعفر بن عبد الله الكوفي عن

 

===============

(14)

الحسن بن سعيد عن محمد بن زياد عن أيمن بن محرز عن الصادق جعفر بن محمد ع أن الله تبارك و تعالى علم آدم ع أسماء حجج الله كلها ثم عرضهم و هم أرواح على الملائكة فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقديسكم من آدم ع قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال الله تبارك و تعالى يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه و حججه على بريته ثم غيبهم عن أبصارهم و استعبدهم بولايتهم و محبتهم و قال لهم أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ حدثنا بذلك أحمد بن الحسن القطان قال حدثنا الحسين بن علي السكري قال حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد ع و هذا استعباد الله عز و جل للملائكة بالغيبة و الآية أولها في قصة الخليفة و إذا كان آخرها مثلها كان للكلام نظم و في النظم حجة و منه يؤخذ وجه الإجماع لأمة محمد ص أولهم و آخرهم و ذلك أنه سبحانه و تعالى إذا علم آدم الأسماء كلها على ما قاله المخالفون فلا محالة أن أسماء الأئمة ع داخلة في تلك الجملة فصار ما قلناه في ذلك بإجماع الأمة و من أصح الدليل عليه أنه لا محالة لما دل الملائكة على السجود لآدم فإنه حصل لهم عبادة فلما حصل لهم عبادة أوجب باب الحكمة أن يحصل لهم ما هو في حيزه سواء كان في وقت أو في غير وقت فإن الأوقات ما تغير الحكمة و لا تبدل الحجة أولها كآخرها و آخرها كأولها لا يجوز في حكمة الله أن يحرمهم معنى من معاني المثوبة و لا أن يبخل بفضل من فضائل الأئمة لأنهم كلهم شرع واحد دليل ذلك أن الرسل متى آمن مؤمن بواحد منهم أو بجماعة و أنكر واحدا منهم لم يقبل منه إيمانه كذلك القضية في الأئمة ع أولهم و آخرهم واحد  و قد قال الصادق ع المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا  و قال ع من أنكر واحدا من

 

===============

(15)

الأحياء فقد أنكر الأموات

و سأخرج ذلك في هذا الكتاب مسندا في موضعه إن شاء الله فصح أن قوله عز و جل وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أراد به أسماء الأئمة ع و للأسماء معان كثيرة و ليس أحد معانيها بأولى من الآخر و للأسماء أوصاف و ليس أحد الأوصاف بأولى من الآخر فمعنى الأسماء أنه سبحانه علم آدم ع أوصاف الأئمة كلها أولها و آخرها و من أوصافهم العلم و الحلم و التقوى و الشجاعة و العصمة و السخاء و الوفاء و قد نطق بمثله كتاب الله عز و جل في أسماء الأنبياء ع كقوله عز و جل وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا و كقوله عز و جل وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا فوصف الرسل ع و حمدهم بما كان فيهم من الشيم المرضية و الأخلاق الزكية و كان ذلك أوصافهم و أسماءهم كذلك علم الله عز و جل آدم الأسماء كلها. و الحكمة في ذلك أيضا أنه لا وصول إلى الأسماء و وجوه الاستعبادات إلا من طريق السماع و العقل غير متوجه إلى ذلك لأنه لو أبصر عاقل شخصا من بعيد أو قريب لما توصل إلى استخراج اسمه و لا سبيل إليه إلا من طريق السماع فجعل الله عز و جل العمدة في باب الخليفة السماع و لما كان كذلك أبطل به باب الاختيار إذ الاختيار من طريق الآراء و قضية الخليفة موضوعة على الأسماء و الأسماء موضوعة على السماع فصح به و معه مذهبنا في الإمام أنه يصح بالنص و الإشارة فأما باب الإشارة فمضمر في قوله عز و جل ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فباب العرض مبني على الشخص و الإشارة و باب الاسم مبني على السمع فصح معنى الإشارة و النص جميعا.

 

===============

(16)

و للعرض الذي قال الله عز و جل ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ معنيان أحدهما عرض أشخاصهم و هيئاتهم كما رويناه في باب أخبار أخذ الميثاق و الذر و الوجه الآخر أن يكون عز و جل عرضهم على الملائكة من طريق الصفة و النسبة كما يقوله قوم من مخالفينا فمن كلا المعنيين يحصل استعباد الله عز و جل الملائكة بالإيمان بالغيبة. و في قوله عز و جل أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ حكم كثيرة أحدها أن الله عز و جل أهل آدم ع لتعليم الملائكة أسماء الأئمة عن الله تعالى ذكره و أهل الملائكة لتعلم أسمائهم عن آدم ع فالله عز و جل علم آدم و آدم علم الملائكة فكان آدم في حيز المعلم و كانوا في حيز المتعلمين هذا ما نص عليه القرآن و قول الملائكة سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فيه أصح دليل و أبين حجة لنا أنه لا يجوز لأحد أن يقول في أسماء الأئمة و أوصافهم ع إلا عن تعليم الله جل جلاله و لو جاز لأحد ذلك كان للملائكة أجوز و لما سبحوا الله دل تسبيحهم على أن الشرع فيه مما ينافي التوحيد و ذلك أن التسبيح تنزيه الله عز و جل و باب التنزيه لا يوجد في القرآن إلا عند قول جاحد أو ملحد أو متعرض لإبطال التوحيد و القدح فيه فلم يستنكفوا إذ لم يعلموا أن يقولوا لا عِلْمَ لَنا فمن تكلف علم ما لا يعلم احتج الله عليه بملائكته و كانوا شهداء الله عليه في الدنيا و الآخرة و إنما أهل الله الملائكة لإعلامهم على لسان آدم عند اعترافهم بالعجز و أنهم لا يعلمون فقال عز و جل يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ و لقد كلمني رجل بمدينة السلام فقال لي إن الغيبة قد طالت و الحيرة قد اشتدت و قد رجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد فكيف هذا فقلت له إن سنة الأولين في هذه الأمة جارية حذو النعل بالنعل كما روي عن رسول الله ص في غير خبر و إن موسى ع ذهب إلى ميقات ربه على أن يرجع إلى قومه بعد ثلاثين ليلة فأتمها الله عز و جل بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة و

 

===============

(17)

لتأخره عنهم فضل عشرة أيام على ما واعدهم استطالوا المدة القصيرة و قست قلوبهم و فسقوا عن أمر ربهم عز و جل و عن أمر موسى ع و عصوا خليفته هارون و استضعفوه و كادوا يقتلونه و عبدوا عجلا جسدا له خوار من دون الله عز و جل و قال السامري لهم هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى و هارون يعظهم و ينهاهم عن عبادة العجل و يقول يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ و القصة في ذلك مشهورة فليس بعجيب أن يستطيل الجهال من هذه الأمة مدة غيبة صاحب زماننا ع و يرجع كثير منهم عما كانوا دخلوا فيه بغير أصل و بصيرة ثم لا يعتبرون بقول الله تعالى ذكره حيث يقول أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ. فقال و ما أنزل الله عز و جل في كتابه في هذا المعنى قلت قوله عز و جل الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يعني بالقائم ع و غيبته.

 حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال حدثنا محمد بن يحيى العطار قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى عن عمر بن عبد العزيز عن غير واحد عن داود بن كثير الرقي عن أبي عبد الله ع في قول الله عز و جل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال من أقر بقيام القائم ع أنه حق  حدثنا علي بن أحمد بن موسى رحمه الله قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال حدثنا موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد عن علي بن أبي حمزة

 

===============

(18)

عن يحيى بن أبي القاسم قال سألت الصادق جعفر بن محمد ع عن قول الله عز و جل الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فقال المتقون شيعة علي ع و الغيب فهو الحجة الغائب و شاهد ذلك قول الله عز و جل وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فأخبر عز و جل أن الآية هي الغيب و الغيب هو الحجة و تصديق ذلك قول الله عز و جل وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً يعني حجة.

 حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا سعد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي عبد الله ع أنه قال في قول الله عز و جل يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ فقال الآيات هم الأئمة و الآية المنتظرة هو القائم ع فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف و إن آمنت بمن تقدمه من آبائه ع و قد سمى الله عز و جل يوسف ع غيبا حين قص قصته على نبيه محمد ص فقال عز و جل ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ فسمى يوسف ع غيبا لأن الأنباء التي قصها كانت أنباء يوسف فيما أخبر به من قصته و حاله و ما آلت إليه أموره. و لقد كلمني بعض المخالفين في هذه الآية فقال معنى قوله عز و جل الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي بالبعث و النشور و أحوال القيامة فقلت له لقد جهلت في تأويلك و ضللت في قولك فإن اليهود و النصارى و كثيرا من فرق المشركين و المخالفين لدين الإسلام يؤمنون بالبعث و النشور و الحساب و الثواب و العقاب فلم يكن الله تبارك و تعالى ليمدح المؤمنين بمدحة قد شركهم فيها فرق الكفر و الجحود بل وصفهم الله عز و جل و مدحهم بما هو لهم خاصة لم يشركهم فيه أحد غيرهم.