انتظار الفرج

سماحة الشيخ ابراهيم النصيراوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «وعليكم بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج»(1).

إتماماً لحديث أمس حول الإمام المنقذ المهدي المنتظر عجل الله فرجه(2) يتبادر إلى الذهن سؤالان طالما طرحا من قبل كثير من الاخوة المؤمنين.

السؤال الأول: إن جملة من الروايات الموجودة عندنا تقول: أن الإمام المهدي عليه السلام سوف يأتي بدين(3) جديد، فما هو هذا الدين الجديد الذي سيأتي به الإمام الموعود المنتظر؟

السؤال الثاني: هناك عدد من الروايات _ منها الرواية التي افتتحت بها الحديث _ تؤكد على الانتظار، وأن من أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، وفي بعض الروايات أفضل العبادة انتظار الفرج، لماذا هذا التأكيد على انتظار الفرج؟

 

الإمام والدين الجديد

أما السؤال الأول، وهو الذي يستفسر عن إتيان الإمام المهدي بدين جديد، أي إذا ظهر الإمام المهدي عليه السلام فسيوجد ترابط كبير بينه وبين جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، باعتبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كافح الجهل وكافح الظلم والفساد وأسس الدولة العالمية.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد جهاد طويل وبعد معاناة استطاع أن يؤسس ذلك، ولكن رحل إلى الله تبارك وتعالى وقد عقد الأمل على ولده المنتظر حتى يسود الإسلام جميع وجه الأرض، لأن هذه السيادة لم تتحقق في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي دولة الإمام المهدي المنتظر سيسود العدل جميع الأرض, ويطبق الإسلام على جميع نقاط الأرض.

حينما تقول الروايات أنه عليه السلام سيأتي بدين جديد، نحن نعلم بأن الشريعة ختمت بالنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وشاء الله أن يكون خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يكون خاتم الأوصياء أيضاً محمد المهدي عليه السلام. تزيد بعض الروايات أنه يأتي بكتاب جديد، وبعضها: يأتي بدعاء جديد، بسنّة جديدة.

مع أننا نعلم بأن الشريعة ختمت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ). (4)

إذا درسنا تأريخ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أي فترة صدر الإسلام وما جاءنا من أخبار حول دولة الإمام المنتظر، نجد أن الإمام عليه السلام سيقوم بأمرين مهمين:

الأول: أنه يحكم ويأتي بأحكام واقعية لا أحكام ظاهرية.

فنحن الآن نعمل وفق الأحكام الموجودة عندنا، وأغلبها هي أحكام ظاهرية.

فمثلاً حينما تفتح الرسائل العلمية تجد أن المجتهد يعطيك الحكم ولا يقول لك بأن هذا حكم الله الواقعي، إنما يقول هذا حكم الله الظاهري في زمن الغيبة، وهو الذي يقوم مقام الحكم الواقعي، أما لو كان المعصوم موجوداً فهو يعطيك الحكم الواقعي مائة بالمائة.

أما في زمن الغيبة فالمجتهد يبذل جهده ويفرغ وسعه, وبعد جهد ومعاناة يعطيك الحكم الذي توصل إليه اجتهاده، هذا الحكم هو حكم ظاهري، قد يكون خطأً وقد يكون صواباً، فإذا أخطأ المجتهد فله أجر, وإذا أصاب الواقع فله أجران.(5) هذا في زمن الغيبة.

أما إذا ظهر الإمام المهدي المنتظر فإنه يأتي بالأحكام الواقعية, ولا يوجد حينئذ حكم ظاهري، بل كل الأحكام هي أحكام واقعية. وكل حكم هو حكم الله الواقعي, الذي يريده.

فماذا يتصور الناس؟ حينئذٍ يتصورون بأن المهدي جاء بدين جديد، وهو في الحقيقة ليس بدين جديد، وإنما مرت ظروف جعلتنا نستعمل الأحكام الظاهرية، فالإمام يرجعنا إلى الحكم الواقعي الموجود في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذا في الأحكام الثابتة. وأما الأحكام المتغيرة، أو الأحكام الولائية، فإن الإمام المهدي سيأتينا بجملة من الأحكام الولائية، كما سنبين إن شاء الله.

إذاً هذا الأمر الأول, أن الإمام سوف يأتي بأحكام واقعية.

الثاني: أن الناس كما ضيعوا الأحكام الشرعية، وتجاهلوا بعض الأحكام وبعض الحدود وبعض القضايا، فإن بعض الأمور ضيعها وتناساها الناس بعد أن مضى عليها الزمان، فمثلا: صلاة الجمعة _ هذه الشعيرة المهمة _ كثير من المسلمين لم يؤدوا صلاة الجمعة.

فإذاً المسلمون كما أنهم جهلوا بعض الأحكام, ضيعوا بعضاً منها، كثير من الأحكام ضيعوها ولم يطبقوها.

فلما يظهر الإمام المهدي عجل الله فرجه فإنه يطبق الأحكام التي تناساها المسلمون أو نسوها, ويشعر البعض بأنه جاء بدين جديد.

إذاً تجديد الدين على يد الإمام المهدي ليس معناه أن الإمام سوف يأتي بدين جديد، هذا لا نقول به أبداً, وإنما يحيي الدين بعد اندراس.

توجد رواية, يرويها المسلمون مؤداها أن على رأس كل قرن مجدداً لله يحيي ما اندرس من دينه. (6)

كأنما كل قرن يأتي مجدد، فمن هو هذا المجدد؟ وماذا يقوم بعمل؟ إنه يعيد ما اندرس من علوم هذا الدين، فليكن الإمام المهدي عليه السلام واحداً من هؤلاء.

إذا قارنّا بين عصر النبي والمعصومين، وعصر الإمام المهدي عليه السلام فما هي الفوارق؟

 

بين عصر النبي والمهدي:

هنالك فوارق أساسية، منها:

أولاً: النبي صلى الله عليه وآله جاء في مجتمع جاهلي، والمجتمع الجاهلي هو الذي ليس عنده سابقة عن الدين الإسلامي, ولم يعرف عن الدين شيئاً، فجاءهم النبي بهذا الدين الجديد، والنبي تحيط به الأعداء من كل الجهات.

الإمام المنتظر عليه السلام حينما يأتي، الناس كلهم يرون بأن لا حل لمشاكلهم إلا الدين الإسلامي، ولا ملاذ إلا الدين الإسلامي، ولا ملجأ ولا خلاص إلا عن طريق الدين الإسلامي.

الآن الصحوة الإسلامية التي تملأ الكرة الأرضية، ماذا تعني هذه الصحوة الإسلامية؟

الصحوة الإسلامية تعني أن الناس استفاقوا إلى أن المنجي الوحيد من كل هذا العذاب الموجود هو الإسلام، فالإسلام هو الذي يضمن السعادة، والإسلام هو الكفيل بتحقيق الآمال.

فالإمام المهدي لما يأتي تلاحظ بأن الناس عندهم شوق إلى إقامة الحكم الإلهي، وإلى إقامة الإسلام، في حين أن النبي واجه الأخطار والأعداء المحيطين بدولته، الإمام المهدي عليه السلام _ كما في الروايات _ بأن الله «يصلح له الأمر في ليلة»(7) ويؤسس دولته العالمية، هذا أولاً.

ثانياً: النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسس دولة في المدينة المنورة، أما في مكة فكان الجهاد متواصلاً بداية، لكن لما انتقل إلى المدينة المنورة _ المدينة كانت تعرف بيثرب _ لما دخلها النبي سميت بالمدينة لأن المدنية دخلتها على يد النبي وصار فيها قانون, وصارت دولة.

النبي لما أسس الدولة الإسلامية. أسسها وهي محدودة، أي أنها لم تنتشر لتسيطر على جميع الأرض، باعتبار أن المشركين قيدوا حركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أما الإمام المهدي، فإن دولته تمتد لتشمل الأرض كلها.

ثالثاً: في عصر المعصومين كان استعمال التقية كثيراً رائجاً «التقية ديني ودين آبائي»(8)، أما في دولة الإمام المنتظر فإنه يندر استعمال التقية.

نأتي الآن إلى هذه النقاط بشيء من التفصيل:

قلنا أولا بأن دولة الإمام المهدي عليه السلام يسودها الحكم الواقعي لا الحكم الظاهري، وأضرب لك ثلاثة شواهد:

 الشاهد الأول: الروايات تقول إن الإمام المنتظر عليه السلام إذا ظهر فإنه يقضي كما كان يقضي داوود عليه السلام (9) كيف؟ داوود كان يقضي بعلمه.

وعندنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في القضاء يقول: «إنما أقضي بينكم بالأيمان والبينات».(10) بمعنى أنّه يأتي المدعي والمدعى عليه فالمدعي لابد عنده بينة أو شهود، فالنبي يقضي على طبق البينة ولا يقضي النبي بعلمه، هو يعلم ولكن لا يقضي بعلمه.

داوود عليه السلام إنما كان يقضي بعلمه، والقصة التي يذكرها القرآن، حينما دخل اثنان على داوود عليه السلام فقال له أحدهم: (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ)(11) قال له: هذا يريد أن يأخذ النعجة الواحدة التي عندي، طبعاً عندما أحد يسمع هكذا مسألة يتفاجأ ويقول له: أنت عندك تسع وتسعين لماذا تأخذ النعجة الواحدة.

داوود قضى بعلمه، فإنه يعلم مسبقاً أن النعجة لصاحبها، لهذا الشخص، فقضى من دون أن يسأل الطرف الثاني (قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ) قضى له من دون تأمل ومن دون أن يسأل الطرف الثاني.

القرآن الكريم نبه داوود بأن هذه المرة مقبولة لكن في المرات الآتية أن تسأل البينة، اسأل الطرف المقابل.

الإمام المهدي عجل الله فرجه من صفات دولته وحكمه أنه يحكم بعلمه ولا يسأل البينة ولا يأخذ الإيمان، إنما يقضي بعلمه.

وعلم الإمام إما عن طريق النبي، وإما عن طريق تحديث الملائكة، وإما عن طريق الإلهام، وهذا ما تكلمنا فيه سابقاً.

الشاهد الثاني: أيضاً في الروايات أن أحد الأئمة سئل لماذا سمي الإمام المهدي بالمهدي؟ قال: لأنه يهدي إلى أمر خفي، فربما يرى الناس إنساناً لا ذنب فيقتله الإمام المهدي عليه السلام.(12)

أي أن الناس _ حسب الظاهر _ يرون أن هذا ليس عنده ذنب فيأتي الإمام فيقتله، لأنّه عليه السلام يقوم بعملية تطهير للمجتمع وقلع لجذور الفساد وخلق مجتمع متكامل، وهؤلاء المجموعة الذين يقتلهم الإمام في ذممهم حقوق، منها حق القتل، فالإمام يقتص منهم لأنّه لا يوجد دليل خارجي يثبت القتل وهو يقضي بعلمه، فيقتلهم والناس يظنون بأنهم لا ذنب لهم، هذا أيضاً موجود.

ثالثاً: الإمام سلام الله عليه من خصائص دولته أنّه عليه السلام حينما يطبق الشريعة الإسلامية، يطبق الشريعة بكاملها، فيتصور كثير من الناس بأن هذه الأحكام جديدة، لأنها هي غير معهودة ولم يكونوا على اطلاع بها ولم يعرفوها من قبل، وهذا وبسبب التعتيم بسبب الجور الذي كان مخيماً عليهم، فيتصورون بأن هذه القضايا التي جاء بها الإمام سلام الله عليه هي أمور غريبة عليهم تماماً، هذا بالنسبة إلى الأحكام الثابتة.

وأما بالنسبة إلى الأحكام المتغيرة، قلنا بأن دولة الإمام المهدي سوف نرى فيها إن شاء الله إذا كنا من الأحياء عند الظهور، نرى فيها كثيراً من الأحكام الولائية.

ما هي الأحكام الولائية؟! الحكم الولائي هو الذي يظهر عند الاقتضاء، وللتوضيح أضرب لكم بعض الأمثلة، مثلاً التسعيرة، أي تحديد أسعار المواد، ففي الشريعة الإسلامية ليس عندنا تسعيرة، أي أحد يسعر البضاعة التي عنده كيفما يشاء، لكن ولي الأمر من أجل حفظ النظام يضع تسعيرة معينة لكل مادة من المواد، فهذه التسعيرة تكون حينئذ ملزمة.

فالحكم الثابت هو عدم التسعيرة، والحكم الولائي المتغير التسعيرة التي يضعها الإمام التي يضعها ولي الأمر.

في زمان الإمام المهدي عجل الله فرجه تظهر جملة من الأمور الولائية مثلاً _ حسب الروايات الواردة _ أن الإمام سلام الله عليه إذا ظهر فإنه يحكم كما حكم سليمان بن داوود في الأمر الولائي، فالقرآن يذكر بأن داوود وسليمان عرضت عليهما مسألة من المسائل في زمانهم، المسألة هي هكذا: بأن إنساناً عنده مزرعة وجاءت غنم لشخص، هذه الغنم دخلت إلى المزرعة وأكلت منها فأفسدت الزرع، الحكم المترتب على هذه المسألة أن الغنم إذا دخلت إلى مزرعة ليلاً فيكون الضمان على صاحب الغنم، أما إذا كان الدخول بالنهار _ يعني الغنم دخلت نهاراً _ فحينئذ لا يجب الضمان لأن صاحب الغنم عليه أن يحفظ غنمه ليلاً، فإذا وقع الإفساد نهاراً فلاضمان، فكان الحكم في هذه الواقعة أنه يجب الضمان، لكن داوود وسليمان ما هو الضمان، فهذا أمر متغير، داوود عليه السلام قال: بأنه يرى أن الغنم تعطى إلى صاحب المزرعة، لأن زرعه فسد، فبمقدار زرعه نعطيه من الغنم، أي بقدر قيمة الزرع نعطي إلى صاحب المزرعة، أمّا سليمان عليه السلام فحكم بأنّه لا يأخذ الغنم وإنما يأخذ نتاج الغنم، يعني يعطوه من الحليب أو من الأولاد أما نفس الغنم فلا تعطى إليه.(13)

فإذن صار الحكم مختلفاً لأنه حكم ولائي حسب ما يراه من المصلحة.

فالإمام عليه السلام في دولته يضع أحكاماً ولائية كثيرة من هذه الأحكام _ مثلاً _ أن الإمام عليه السلام يضع نظاماً للمرور.

وقد ورد هذا في الروايات _ حتى تعرف النظرة إلى دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه _ ففي بعض الروايات ورد أن الإمام يضع نظاماً للمرور(14)، وهذا من الأمور الولائية.

فمثلاً يقال لتنظيم المرور: أيها الركاب أو معاشر الركاب أو معشر الركاب سيروا في وسط الطريق، يعني الطريق للراكب, ومعشر الراجلين كونوا على جانب الطريق، وأيما إنسان راجل مشى في وسط الطريق وتضرر فلا دية له أبداً، هكذا الإمام يضع حكماً للمرور وينظم العملية، وهذا يكون حكماً ولائياً.

الإنسان عندما يرى هكذا أحكام بعد فترة طويلة أو بعد غيبة طويلة ماذا يتصور! يتصور بأن هذا الدين هو دين جديد لم يكن معتاداً عليه سابقاً.

وليس بالضرورة أن هذه الروايات كلها نحكم بصحتها، لكن بالجملة توجد عندنا هكذا روايات.

الخلاصة: أن الإمام لما يأتي بهذه الأحكام الواقعية والأمور الولائية يتصور الكثير من الناس بأن الإمام جاء بدين جديد غير الذي جاء به النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

انتظار الفرج

نأتي إلى السؤال الثاني: عندنا جملة من الروايات انتظار الفرج أفضل أعمال أمتي، ومن العبادة(15).. إلى أخره.

روايات عديدة تشير إلى انتظار الفرج، فهل إن الإسلام يريد منا أن نجلس مكتوفي الأيدي خانعين خاملين ننتظر الفرج لأن الانتظار هو من أفضل أعمال أمتي! هل إن المطلوب هو هذا؟! وهل نفهم من الروايات أن الإنسان يجلس في داره ويسكت ولا يتدخل بشيء لا من قريب ولا من بعيد، ينتظر الفرج لأن الفرج  أفضل أعمال أمتي، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

الجواب: لا، فإن النظرة الإسلامية أبعد من هذا، لأن انتظار الفرج له أثار كثيرة، هذه الآثار إذا لم تتحقق فإن الإمام لم يظهر عليه السلام.

أولاً: الاندماج

من آثار الانتظار خلق حالة اندماج نفسي مع المنتظر.

يعني الإنسان المؤمن حينما ينتظر الإمام المهدي عجل الله فرجه سوف يتحمل معاناة. هذه المعاناة ماذا تخلق عنده؟ تخلق عنده حالة من الاندماج مع الإمام المهدي أرواحنا له الفداء، وتشده إليه أكثر كلما زادت.

ثانياً: التهيؤ

الإنسان المنتظر للإمام _ و كلنا من المنتظرين _ عليه في زمن الانتظار أن يهيئ نفسه, وأن يقضي على الفساد الموجود لديه، وعلى المنكر الموجود عنده.

فإذا قضى على الفساد والمنكر الموجود عنده, يكون حينئذ منتظراً صادقاً، وإلا فإنه لا يكون من المنتظرين أبداً.

الإنسان المنتظر للإمام عليه أن يعمل وأن يهيئ نفسه، فيجب أن يبتعد عن الفاحشة ويبتعد عن المنكر، فإذا كان هو يعمل المنكر فلا يكون حينئذ من المنتظرين.

فالإنسان في زمن الانتظار عليه أن يصنع من نفسه إنساناً كاملاً, إنساناً منتظراً للإمام عليه السلام، حتى يكون صادقاً في انتظاره، ولتوضيح ذلك نقول _ من باب المثال _: إذا كان عندك ضيف عزيز, بعد أسبوع يأتيك هذا الضيف وهو مهم جداً, شخصية بارزة وتوجد علاقة تربطك معه, وقال لك: سوف آتيك بعد أسبوع, فأنت خلال هذا الأسبوع تتهيأ له لاستقباله، وتهيئ نفسك وبيتك وأثاثك..إلى أخره, أي أنك تهيئ كافة مستلزمات الضيافة، فإذا هيأتها فأنت من المنتظرين له، أما إذا لم تهيئها أبداً فلا يقال بأنك منتظر له.

الإمام عليه السلام يجب أن تنخلق له قاعدة جماهيرية يقال لهم: الممهدون للإمام المهدي سلام الله عليه، فلابد من مجموعة كبيرة ممهدة للإمام المهدي عجل الله فرجه.

فإذا كانت هناك مجموعة ممهدة، فكيف نتصور ما تقوله الرواية: «تملأ الأرض ظلماً وجوراً»(16) أو: بعدما تملأ ظلماً وجوراً، فكيف توجد لدينا قاعدة ممهدة، وكيف تملأ الأرض ظلماً وجوراً في نفس الوقت؟ كيف نجمع بين هذين؟

الجواب: إن الرواية التي تقول: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يظهر فيه ولدي, يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(17) ليس المراد بالظلم والجور الذي يملأ الدنيا قبل المهدي يعني كل الدنيا فرداً فرداً، ولا المراد أن كل فرد من الأفراد يكون فاسداً ويكون مرتكباً للرذيلة.

إنما الرواية تعني أحد احتمالين، والله العالم:

إما أن يراد بملء الأرض ظلماً وفساداً، أن أولياء الأمور يفسدون، وإذا فسد الأولياء حينئذ يفسد الآخرون _ هذا أولاً _ إذن ليس كل الأرض تملأ فساداً.

الثاني: أن يكون المراد بملء الأرض فساداً وظلماً يعني الجو العام الذي يملأ الدنيا هو جو فساد وهرج ومرج وظلم، لا أنه كل فرد فرد.

بل بالعكس عندنا روايات: «إذا رأيتم راياتهم _ يعني رايات الممهدين لدولة الإمام المنتظر _ إذا رأيتم راياتهم فاتبعوهم، إنه من أشراط وعلامات المهدي المنتظر عجل الله فرجه».(18)

إذاً من فوائد الانتظار أنه يصنع الإنسان المؤمن, ويتكامل فيه الإنسان، وينتظر دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه.

ثالثاً: الإيمان بالغيب:

من آثار الانتظار أن الإنسان يؤمن بالغيب من خلال الانتظار، فنحن نعلم أن المؤمنين المتقين أول صفة من صفاتهم الإيمان بالغيب.

(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ  * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ)(19) إلى أخر الآية المباركة.

أول شيء الإيمان بالغيب، لأن ديننا قائم على الإيمان بالغيب، نحن آمنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم نرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وآمنا بالقيامة ولم نرَ القيامة، وآمنا بالمهدي ولم نرَ الإمام المهدي ولا من أخبرنا عن المهدي، إنما هي أخبار صادقة تحدثنا عن غيب, وآمنا به.

فالإنسان المنتظر حقاً مؤمن بالغيب، والإيمان بالغيب درجة عالية, لذا النبي صلى الله عليه وآله في يوم من الأيام وهو جالس مع أصحابه قال: واشوقاه إلى اخواني رحم الله اخواني، الجالسون عنده قالوا: يا رسول الله ومن هم اخوانك، ألسنا اخوتك؟! قال صلى الله عليه وآله وسلم: أنتم أصحابي، وأما اخواني فإنهم قوم يأتون في آخر الزمان يؤمنون بي ولم يروني، هؤلاء هم اخواني.

أنتم أصحابي أنتم رأيتموني وشاهدتموني وآمنتم أما في أخر الزمان ، الزمان الذي يأتي بعد المعصوم الظاهر فإنه يأتي أقوام لم يروني ويؤمنون بي.

ثم يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا وإن المؤمن منهم له من الأجر كخمسين مؤمناً منكم.(20)

الواحد منا له من الأجر في العبادة كأجر خمسين، لأننا نتحمل معاناة، لأن الإنسان في دولة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يؤدي شعائره بكامل الاطمئنان والراحة، وأما الإنسان بعد النبي, في الأزمان المتأخرة يؤدي شعائره مع الشدة, ومع الورطة, ومع العذاب وأحياناً مطاردة, وأحياناً تعذيب وأحياناً سجن، فـ (القابض على دينه كالقابض على جمرة)(21)، فيكون حينئذ أجره أكثر.

دينهم عندهم كخرط القتاد، كيف الإنسان عندما يخرط القتاد تتجرح يده، كذلك الإنسان المحافظ على دينه.

الإمام جعفر الصادق عليه السلام ينقل عنه أن عبادة العابد في زمن الانتظار, أفضل من عبادة العابد في زمن الظهور، يقول الراوي: قلت سيدي هذا عجيب!! كيف أن الإنسان المؤمن في زمن الانتظار عبادته أفضل من عبادة العابد في زمن الإمام؟ قال: بلى لأن هذا الإنسان المنتظر يؤدي عبادته مع الخوف, ومع المطاردة, ومع التعذيب، وأحيانا تصل الحالة إلى القتل، وأما في زمن الظهور فإن الإنسان يؤدي شعائره آمناً مطمئناً وبكل ارتياح.(22)

فإذن الانتظار له آثار كثيرة، وقد ذكرت باختصار من الآثار: الانشداد النفسي مع الإمام، فهذا يجب أن يكون عندنا، لا نقول فقط نحن من المنتظرين للإمام وبيننا وبين الإمام مسافة بعيدة، الإمام لا ينظر إلينا في مثل هذه الحالة ولسنا من أتباعه، ولسنا من المنتظرين له، فلابد أن تتحقق هذه الأمور عندنا، أي الاندماج النفسي مع الإمام والتأثير على روحية الإنسان المنتظر, وعلى سلوكه، يعني يغير سلوكه من سيئ إلى حسن.

ثم ذكرنا الإيمان الكامل بالإمام المهدي المنتظر، يعني الأيمان بالغيب.

وأما أخيراً فعندنا أيضاً في الروايات، وهذه تكملة للنقطة الثانية: (انتظار الفرج أعظم من الفرج)(23)، ما المقصود؟ نحن الآن ننتظر الفرج. كيف يكون الانتظار أعظم من الفرج نفسه؟ ولماذا؟

أولاً: لأن الإنسان في أيام الانتظار يكون عاقداً الأمل على أن الله سينتصر على يد الإمام المهدي المنتظر، لأن هناك حالتين: مرة ييأس الإنسان من أخذ الثأر, فهذا يفقد الأمل. ومرة لم ييأس من أخذه فإنه يعيش الأمل, ويبقى على إيمان كامل بأن الله سبحانه وتعالى سينتصر لدينه.

ثانياً: الإنسان المنتظر يزداد شوقه وحبه للإمام المهدي الذي ننتظره، ويمكن توضيح ذلك بمثال من عالمنا من حياتنا: إذا يوجد إنسان يريد أن يأتي من بعيد يتصل بك ويقول: أنا أحمل لك بشارة عظيمة وهذه البشارة تغير حياتك بكاملها، أنا أحملها وسوف آتي إليك، وأنت تنتظره عشرة أيام مثلاً، هذه الأيام العشرة التي تنتظره بها, تشدك به شداً كاملاً، فتصبح في غاية الشوق إلى رؤياه, وإلى الحضور والالتقاء به وأخذ البشارة منه، أما إذا جاء ووصل إليك وأعطاك البشارة _ مادية كانت أو معنوية _ فإن ذلك شيء سينتهي، وبعده أبداً لا تنتظره.

وربما خطر ببالك نحن الآن في زمن الانتظار، المعاناة التي نعانيها تشدنا ونزداد اشتياقاً للإمام المهدي المنتظر، هذا غير ما إذا ظهر، فإنه إذا ظهر ربما تخف الحالة عندنا.

بل في بعض الروايات أن بعضاً من الناس وبعضهم من الخواص يعني من المؤمنين، إذا رأوا الإمام المهدي وحكمه العادل يخاطبونه: يابن رسول الله ارجع من حيث أتيت فلا حاجة لنا بك(24)، وبعضهم يقول _ وهم مسلمون_: إن هذا ليس بابن رسول الله أبداً، والعياذ بالله، لأن هؤلاء ليس عندهم ذلك التهيؤ، ولم يخلق عندهم الانتظار حالة من الشوق لاستقبال الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه.

فإنه الإمام الذي يأخذ الثأر، وهو صاحب الثأر، وأن الإمام له ثارات كثيرة يأخذ بها من الظالمين، ولذا الأئمة عليهم السلام يعلموننا، فيقول له في اليوم العاشر من المحرم _ مثلاً _ قل إذا رأيت صاحبك: عظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب سيدنا أبي عبد الله الحسين وجعلنا من الطالبين بثأره على يد الإمام الموعود المهدي المنتظر من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.(25)

يعني هو الذي يأخذ بالثأر.

قتلة الإمام الحسين سبقوا عصر الإمام الحجة، ولكن يأخذ الثأر ممن كان على خطهم ومن كان يحمل نفس الحقد على الدين وحماته الحقيقيين, ومن كان على منهاج أولئك، فإن هؤلاء شركاء لأولئك بالجريمة.

وكم ثأر للإمام المهدي على هذه النظرية؟ يعني إذا كان القوم على منهاج أولئك كم ثأر للإمام المهدي؟ الذين اعتدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصيبة رسول الله، أم الذين اعتدوا على أمير المؤمنين ومولى الموحدين ومصيبة أمير المؤمنين عليه السلام، أم الذين اعتدوا على فاطمة الزهراء سلام الله عليها، المصائب كثيرة نسأله تعالى أن يعجل فرج إمامنا، وأن يجعلنا من أنصاره في أخذ الثأر.

والحمد لله رب العالمين


الهوامش:


(1) مناقب آل أبى طالب لابن شهر أشوب 3: 527.

(2) راجع: محاضرات حول المهدي: الجزء الأول: ص 171.

(3) راجع الكافي للكليني ج1: 536, والإرشاد للمفيد ص 364, الغيبة للشيخ الطوسي: 382, وفيها كلها ما لفظه: (...عن أبي عبد الله عليه السلام : إذا قام القائم عليه السلام  جاء بأمر جديد كما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدء الإسلام إلى أمر جديد ...وفي لفظ آخر : جاء بأمر غير الذي كان).

(4) المائدة (5): 3.

(5) لاحظ: عوالي الآلي: 4 / 63 الحديث 17.

(6) راجع كتاب سنن أبي داوود ج2: 311، المستدرك للحاكم ج4 522, عون المعبود للعظيم آبادي ج11: 260-365.

(7) كمال الدين للصدوق ج1: 151.

(8) عوالي اللآلي لابن أبى جمهور ج2: 104, البحار للمجلسي ج2: 74...

(9) راجع شرح الأخبار للقاضي النعمان ج3 : 561 ، كتاب الغيبة للنعماني: 315...

(10) الكافي للكليني ج7: 414، دعائم الإسلام للقاضي النعمان ج2: 518.

(11) ص (38): 23.

(12) بحار الأنوار: 52/ 390 الحديث 212، ولفظه: «إنّما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي، حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنباً فيقتله».

(13) راجع: الكافي: 5 / 301 الحديث 2.

(14) لاحظ: الإرشاد للشيخ المفيد: 2 / 385.

(15) الإمامة والتبصرة: 163، من لا يحضره الفقيه: 4 / 383، إكمال الدين وإتمام النعمة: 287 الحديث 6، بحار الأنوار: 52 / 128 الحديث 21.

(16) مسند احمد ج3: 28, سنن أبى داود ج2: 309....

(17) إكمال الدين وإتمام النعمة: 280 الحديث 28، الإرشاد للشيخ المفيد: 2 / 340، العمدة لابن البطريق: 433 الحديث 908، مسند أحمد: 1 / 99، سنن ابن ماجة: 2 / 929 الحديث 2779، سنن الترمذي: 3 / 343 الحديث 2332، كنز العمال: 14 / 267 الحديث 38675، ...

(18) مسند احمد ج5: 277, المستدرك للحاكم ج4: 502, كنز العمال للهندي ج11: 283...

(19) البقرة 2: 2.

(20) فيض القدير للمناوي: 5 / 449 الحديث 7559، تفسير القرطبي: 4 / 172.

(21) سنن الترمذي ج3: 359, مسند أحمد ج2: 390, الأمالي للشيخ الطوسي: 485...

(22) راجع: إكمال الدين وإتمام النعمة: 646، ولفظ الحديث: «عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل...».

(23) الاحتجاج للطبرسي ج2: 50.

(24) راجع: الإرشاد للمفيد ج2: 384, روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 265..

(25) لاحظ: مستدرك الوسائل: 10 / 316 الحديث 12080.