المحاضرة الرابعة

دلائل وجود الإمام المهدي عليه السلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم يا سالكي خط الولاية، السلام على العاشقين لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.

الحديث عن الإمام المهدي عليه السلام حديث شيّق ومهم ومشرق، ولماذا لا يكون لذيذاً وشيّقاً ونحن نقرأ عن النبي صلى الله عليه وآله أن الإمام المهدي حين يظهر يقسّم المال صحاحاً, قيل يا رسول الله: وما صحاحاً؟ قال: أن يقسّم المال بالسوية، فيقول للناس: هلموا وخذوا.. فلا يأتي أحد، ثم يأتي شخص فيقول له الإمام: اذهب إلى السادن _ أي أمين الصندوق _ فيحثو له المال حيثا، فيأخذ ويخرج ثم يندم ويقول: كنت أجشع أمة محمد صلى الله عليه وآله، فيرجّع المال فيقولون له: نحن لا نرجّع الأموال التي نعطيها.(1)

هكذا مستقبل تمتلئ الأرض فيه قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً:

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».(2)

لا شك أن الحديث عن مثل هذا المستقبل والغد المشرق للبشرية حديث لذيذ وشيّق، أما أنه حديث مهم لأنه يرتبط بمسألة الإمامة الإلهية وبخط الإمامة الربّانية في الحياة.

لا أحب أن أطيل في موضوعي وبحثي، وإنما أركّز بشكل سريع على مسألتين فقط من دون الدخول في التفاصيل:

 

المسألة الأولى: أصل فكرة الإمام المهدي عليه السلام:

من أين أتت الفكرة؟

هل إنها فكرة شيعيّة محضة؟ أم انّ بقيّة المسلمين يشاركون الشيعة فيها؟

قد يتصوّر بعض الناس أن الفكرة قد اختلقها الشيعة وليست فكرة إسلامية، ولكننا حين نرجع إلى كتب الأحاديث والتأريخ نرى أن من ألّف في المهدي من علماء السنة أكثر من علماء الشيعة، وقد نصّ علماء المسلمين, بل أكّدوا على تواتر أحاديث الإمام المهدي عجل الله فرجه.

أقرأ لكم كلمات بعض العلماء الناصّة على التواتر:

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة:

«قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدنيا والتكليف لا ينقضي إلاّ عليه»(3) يعني على المهدي..

وقال بعضهم في حاشيته على صحيح الترمذي:

«قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: قد تظاهرت الأحاديث البالغة حدّ التواتر في كون المهدي من أهل البيت من أولاد فاطمة».(4)

وقال الصبان في إسعاف الراغبين:

«وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله بخروج المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملأ الأرض عدلاً».(5)

وقال الشبلنجي في نور الأبصار:

«تواتر الإخبار عن النبي أن المهدي من أهل بيته وأنه يملأ الأرض عدلاً».(6)

وقال ابن حجر في الصواعق:

«قال أبو الحسن الابري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض، وأنه يخرج مع عيسى فيساعده على قتل الدجّال بباب لدّ بأرض فلسطين، وأنه يؤمّ هذه الأمة فيصلّي عيسى خلفه».(7)

وقال السيد أحمد بن دحلان مفتي الشافعية في الفتوحات الإسلامية:

«والأحاديث التي جاء فيها ذكر المهدي كثيرة متواترة. فيها ما هو الصحيح، وفيها ما هو حسن، وفيها ما هو ضعيف، وهو الأكثر لكنها لكثرتها وكثرة مخرجيها يقوّي بعضها بعضاً حتى صارت تفيد القطع، لكنّ المقطوع به أنه لا بد من ظهوره، وأنه من ولد فاطمة، وأنه يملأ الأرض عدلاً، نبّه على ذلك العلامة السيد محمد بن رسول البرزنجي في آخر الإشاعة، وأما تحديد ظهوره بسنة معينة فلا يصح لأنّ ذلك غيب لا يعلمه إلاّ الله, ولم يرد نص من الشارع بالتحديد».(8)

 

المهدي في الصحاح:

وهناك كلمات أخرى موجودة أعرض عنها الآن وأقرأ لكم بعض أحاديث صحيح الترمذي في باب (ما جاء في المهدي):

حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، حدثنا أبيّ، حدثنا سفيان الثوري عن عاصم بن...؟ عن زر عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي».

قال الترمذي: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح.(9)

وفي صحيح الترمذي أيضاً:

حدثنا محمد بن بشّار محمد بن جعفر شعبة، قال: سمعت زيداً العمى قال: سمعت أبا الصديق الناجي يحدّث عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألنا نبي الله قال: فقال: إن في أمتي المهدي، يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً. زيداً الشاك ـ يعني ليس النبي شاكاً في مدة حكم المهدي، وإنما الراوي شاك ربما لم يسمع جيداً ـ قال: قلنا: وماذا ذلك؟ قال: سنين، قال: فيجيء إليه الرجل: فيقول: يا مهدي اعطني اعطني، قال: فيعطى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.

قال: هذا حديث حسن، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد..إلى آخره.(10)

صحيح أبي داوود:

حدّثنا أحمد بن إبراهيم عبد الله بن جعفر الرقّي أبو المليح الحسن بن عمر عن زياد بن بيان عن علي بن مثيل عن سعيد بن مسيب عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».(11)

ورواه ابن ماجة في سننه في الجزء الثاني في باب خروج المهدي من أبواب الفتن.. إلى آخره.

صحيح البخاري:

بعضهم يقول: حديث المهدي ليس وارداً في صحيح البخاري، ولكن تعلمون يا أخوة الأحاديث يفسّر بعضها بعضاً، انظروا البخاري ماذا يقول في كتاب (بدء الخلق _ الجزء الثاني _ في باب ظهور عيسى بن مريم):

حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم».

الروايات المتقدمة وكلمات العلماء التي قرأتها عليكم تقول: إن المهدي يؤمّ هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه، فحديث البخاري يفسر تلك الأحاديث أو تفسّره تلك الأحاديث، كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم، يعني عيسى يصلّي خلف المهدي.

إلى هنا نعرف أن الفكرة ليست شيعية وإنما إسلامية، فكرة المهدي عليه السلام في الإسلام مثل فكرة الصلاة والصوم، إذا تمكّن أحد أن ينكر الصلاة والحج في الإسلام فله أن ينكر المهدي.

وليس الأحاديث فقط، القرآن فسّر بالإمام المهدي عليه السلام أيضاً, قال تعالى: 

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).

تريد الآية أن تقول: إن الله بعث خاتم الأنبياء محمداً صلى الله عليه وآله بدين الإسلام كي ينتصر على الأديان والمذاهب كافة.

هل حدث ذلك في التأريخ؟

كلا, لأن النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده لم يستطع أن يحقق نصراً على كل المذاهب والأديان، لا النبي ولا من بعده.

إذن لا بدّ أن يتحقق هذا اليوم في حياة البشرية. تأتي الروايات المتواترة والقطعية عن النبي تؤكّد أن انتصار الإسلام سيكون انتصاراً غيبياً، وسوف لن يتحقق إلاّ على يد ولد علي وفاطمة وولد رسول الله محمد المهدي الإمام الثاني عشر عليه السلام.

 

المسألة الثانية: ولادته عليه السلام:

صحيح أن الأمة الإسلامية متفقة على فكرة الإمام المهدي عليه السلام، لكن هناك اختلاف بين السنة والشيعة في تفاصيلها، فالسنّة يقولون: أن المهدي غير مولود وغير موجود وسوف يوجد في المستقبل، سوف يولد في يوم من الأيام ويظهره الله تعالى.

أما الشيعة فيقولون: المهدي هو الإمام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام المولود ليلة 15 شعبان سنة 255 هـ في مدينة سامراء.

في الفترة الأخيرة أخذوا يحاربوننا ويحاربون التشيع بكل شيء وسبيل، ولم يكفهم ذلك فأتوا من الداخل وخلقوا عملاء لهم من الشيعة كي يحاربوا التشيع.

مثلاً هذا أحمد الكاتب وهو صعلوك ليست لم يدرس ولا ثقافة لديه وتاريخه معلوم لا يناقش بشكل علمي وإنما بشكل استفزازي، وواضح العمالة في مواقفه وكلماته فيقول:

الشيعة يعتقدون بالإمام المهدي عجل الله فرجه ودليلهم على ذلك النوّاب الأربعة، وليس معلوماً أنهم صادقون، وفكرة الإمام المهدي ليست متفقاً عليها، فلان اختلقها..وما شابه من هذه الكلمات.

نتساءل ونقول: عقيدتنا بالإمام المهدي هي انه مولود ليلة 15 شعبان، والآن هو يعيش الساحة، يعيش آمالنا وآلامنا، لكن نحن محرومون من الوصول إلى خدمته، والقيادة والإمامة الحقيقية هي للمهدي حدّدتها الآية الكريمة:

(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ).(12)

والأمر هم محمد وآل محمد. نحن مجبورون في زمن الغيبة _ حيث لا مرجع ولا ملجأ وقد حرمنا الظالمون من بركات المهدي _ على اللجوء إلى العلماء.

 

أدلّة الولادة:

ما هي أدلتنا على ولادة الإمام المهدي؟

أشير إلى بعض الأدلة بشكل سريع:

أولاً: الرواية المتواترة بين المسلمين _ وعندي مصادرها _ أن النبي صلى الله عليه وآله قال:

«من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».(13)

من هو هذا الإمام الذي إذا لم نعرفه فإننا نموت ميتة جاهلية!

هل الناس يختارون هذا الإمام؟ هل هو حسني مبارك، أم صدّام؟

إنه الإمام الذي وصل إلى درجة القمة من النظافة واللياقة والتقوى والكمال الإنساني والنقاء والشموخ والصعود في رحاب الله والطهارة والعرفان لله بحيث إذا لم تعرفه تموت ميتة جاهلية.

هذا الإنسان الذي يكون بهذا المستوى هل الناس يختارونه أم الله يعيّنه؟ لا يمكن للناس أن يختاروه، بل الله يجب أن يعيّنه.

إذن ثبت أنّ لكل زمان إماماً معيّناً من قبل الله، وثبت أنّ لكل زمان إماماً معصوماً.

أنتم الذين تنكرون المهدي، من هو البديل الذي تضعونه؟!

نحن الشيعة: نقول: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وإمام زماننا هو محمد بن الحسن العسكري عليه السلام، أنتم من هو إمامكم؟ 

ثانياً: حديث الثقلين المتواتر القطعي بين المسلمين.

ان حديث الثقلين أكثر الأحاديث بركة، ولا يستطيع أحد أن ينكره من المسلمين، ولا شكّ في صدوره عن لسان الوحي:

«إني مخلّف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً».(14)

هذا الحديث  يدل على أن العترة معصومة لأن النبي قرن العترة بالقرآن، والقرآن معصوم.

لا أريد أن أفصّل أكثر من هذا، فالأمر يحتاج إلى عدّة محاضرات حول حديث الثقلين، لكن اسمع التكملة لقول النبي صلى الله عليه وآله قال: «وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» فماذا يعني؟

يعني أنّهما لا يفترقان إلى يوم القيامة، يعني إذا كان القرآن موجودا في يوم القيامة فالعترة موجودة أيضاً.

ولكن أي عترة هي المقصودة هنا؟ هل كل سيد نستطيع أن نسمّيه العترة الباقية؟ كلا.

إنّ العترة الموجودة مع القرآن إلى يوم القيامة هي العترة المعصومة، لأنّ حديث الثقلين يؤكد على عصمة أهل البيت عليهم السلام.

وهذا عين ما نعتقده من أنّ محمد المهدي عليه السلام موجود إلى أن يظهر قبل يوم القيامة، وهذا المعنى ليس أنا الذي أقوله, بل قاله ابن حجر في الصواعق المحرقة، حيث قال:

ان حديث الثقلين «وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» يدل على أن القرآن والسنة وواحد من أهل البيت العلماء بالقرآن والسنة موجودون إلى يوم القيامة.(15)

طبعاً نحن نقول العلماء بالقرآن والسنة ليس كل عالم وإنما العالم المعصوم من العترة.

ثالثاً: قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ و كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).(16)

انتبهوا يا شباب جيداً:

إنّ الآية لم تقل: وكونوا من الصادقين، بل قالت: وكونوا مع الصادقين، وهذا يعني أنّ الصادقين فئة خاصة معيّنة وجماعة محددة اتبعوها وكونوا معها.

هنا مسألتان:

المسألة الأولى: الآية تدل على عصمة الصادقين. لماذا؟

انها أمرتنا أن نكون معهم وأن نتبعهم تبعية مطلقة، وكيف يأمر الله تعالى بتبعية إنسان غير معصوم؟ لا يمكن حاشا لله.

المسألة الثانية: هل جاء القرآن مؤقتاً أم خالداً؟ جاء خالداً.

وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ و كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) هل هو مخصوص في زمان النبي أم شامل لكل الأزمان؟

شامل طبعاً، هذا المعنى الذي أقوله ليس أنا الذي أقوله، حتى الرازي إمام المشككين في السنّة يعترف بهاتين الحقيقتين، يقول: الأمر بتبعية الصادقين تبعية مطلقة تدل على عصمة الصادقين، وأوامر القرآن أوامر خالدة ودائمة.(17)

النتيجة لا بدّ من وجود صادق في كل زمان، والصادق من هو؟

انه المعصوم، فلا بدّ من وجود معصوم في كل زمان، ويتمثّل في زماننا في الإمام الثاني عشر محمد المهدي عجل الله فرجه.

المعروف في الروايات أنّ الإمام المهدي يأتي بالإسلام الواقعي, حتى الناس يقولون: جاء بدين جديد، لماذا؟

السبب أننا انفصلنا عن النبي والأئمة، والعلماء عندهم اجتهادات مختلفة في أحكام الشريعة، ولا تمثّل اجتهاداتهم صميم الإسلام بل الأحكام الظاهرية.

من هو الذي يحمل الحكم الواقعي؟

الإمام المعصوم هو الذي يعلم بالحكم الواقعي. كيف؟

الإمام المهدي عليه السلام يأتي بالحكم الواقعي في الإسلام مدعوم من الغيب والسماء، بحيث يحقق انتصاراً ساحقاً على كل الفئات والمذاهب.

وهنا لابدّ لنا من سؤال:

الإمام المهدي عليه السلام إذا لم يكن ابن الحسن العسكري عليه السلام ولم يكن من سلسلة الاثني عشر الذين ورثوا العلم عن رسول الله، وتقولون: يوجد في المستقبل فمن أين يأتي بالإسلام الواقعي؟ يرتبط بمن؟

نحن نعتقد بأنّه مرتبط بالغيب وبالله، لأنه ابن الحسن العسكري عليه السلام ورث العلم عن أبيه، و ورث أبوه العلم عن آبائه، عن علي أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال:

«علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب من العلم».(18)

والذي قال بحقه رسول الله صلى الله عليه وآله:

«أنا مدينة العلم وعلي بابها».(19)

هذا العلم من النبي، العلم الواقعي للإسلام وصل إلى صدر المهدي سلام الله عليه.

فإذا تقولون أنّ المهدي لم يولد وسوف يولد في المستقبل فمن أين يأتي بالإسلام الواقعي، اذ انه ليس بنبي، فمن أين يأتي به؟

إذا قلنا بأن الإمام المهدي مدعوم من الغيب ويأتي بالإسلام الواقعي فلابد أن نقول منطقياً بولادة الإمام المهدي، وأنه ابن الحسن العسكري عليه السلام وأنه الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم.

رابعاً: اتفاق الشيعة الإمامية قائم مع لفيف من علماء السنة على ولادة الإمام المهدي.

المرحوم السيد محسن الأمين العاملي يذكر في كتابه (المجالس السنية) اثني عشر عالماً من علماء السنّة يعترفون بولادة المهدي ليلة 15 شعبان.

وسماحة آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي في كتابه (منتخب الأثر) يذكر (65) عالماً عبر القرون: الشبلنجي، ابن حجر، ابن صباغ المالكي،... يوافقون الشيعة على ولادة الإمام المهدي ليلة (15) شعبان، بعد ذلك ماذا تقولون: لماذا التشكيك؟

كتبة في كل مكان: ان الأمة الإسلامية متفقة اليوم على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله، فلو أتى شخص مسيحي أو يهودي يقول: أنتم المسلمون تكذبون فإن محمداً ليس له وجود، نقول له اذهب وصحّح أفكارك وعقلك أنت مجنون، لأنّ الأمة الإسلامية بكافة أجيالها متفقة على وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله.

الآن هؤلاء الذين يشككون بان المهدي ليس موجوداً الآن، نقول لهم: الشيعة بأجيالها وعلماؤها كافة متفقون على ولادة المهدي مع لفيف من علماء السنة، فما هو الفرق لو كان الإجماع إجماع الأمة أو إجماع الشيعة، إجماع الشيعة وهذا المذهب والكيان كله على هذه الحقيقة ليس فقط هذا الكيان، بل مع عشرات من علماء السنة يقرّون بهذه الحقيقة: بأن الإمام المهدي مولود سلام الله عليه, فهذا التشكيك إذن تشكيك مقابل بديهة وحقيقة مادية، وحقيقة وجدانيّة، وحقيقة تأريخية.

يعني أنت لم تناقش في حديث ولا في سند, ولا في حقيقة عقلية، بل  في وجود إنسان.

أقول لك: إن علماء المذهب مع لفيف من علماء السنة يعترفون بولادة هذا الإنسان، فمن لم يعترف لعل له مصالح.

على أية حال عندنا روايات تقول: أن الإمام المهدي سوف لن يظهر حتى يرتد أكثر الناس، ويشكّك أكثر الناس فيه. في الرواية: «سوف تميّزون وتمحّصون وتغربلون» تطول غيبته حتى أن أكثر الناس يشكك بهذه الحقيقة.

 

قصّة الولادة:

أما كيفية ولادة الإمام كما نقلها التأريخ والمؤرخون، ففي مثل هذه الليلة، تقول حكيمة عمّة الإمام الحسن العسكري: كنت عند أبي محمد ليلة النصف من شعبان، فقال: يا عمّة باتي هذه الليلة عندنا، قلت له: لماذا؟ قال: في هذه الليلة سيرزقني الله ولداً، قلت: يا ابن أخي ممّن؟ قال: من نرجس أو صيقل الجارية أو مليكة، تقول حكيمة: جئت فقلبتها ظهراً لبطن، فلم أجد بها أثراً للحمل ، قلت: يا سيدي ليس فيها أثر للحمل، قال: يا عمّة إنّ مَثلها مثل أم موسى لم يظهر أثر الحمل بها إلاّ عند الولادة.

تقول: بتُّ تلك الليلة في بيت الإمام الحسن العسكري إلى أن انتصف الليل شكّكت في الأمر، وإذا بصوت الإمام الحسن العسكري من حجرته: يا عمّة لا تعجلي، تقول: حتى إذا قرب الفجر وإذا بنرجس أم الإمام المهدي ترتعد فرائصها، تقول: جئت إليها وأنا أقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص وسورة الحمد وإذا بي أسمع صوت الجنين يردّد معي آيات القرآن، بينا ان كذلك إذ أضاء البيت بنور الإمام المهدي وسقط إلى الأرض ساجداً وهو يقول: الحمد لله ربّ العالمين، فنادى الإمام الحسن العسكري: يا عمّة ائتيني بولدي, جئته بولده، فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال: تكلّم يا بني بإذن الله، وإذا بالإمام المهدي ينطق:

بسم الله الرحم الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).(20)

تقول: ورأيت مكتوباً في ذراعه الأيسر:

(قل جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوق).(21)

ثم قال يا عمّة ردّيه إلى أمّه كي تقرّ به عينها.(22)

يا سيدي يا أبا صالح! لقد ضاقت صدورنا متى الفرج؟

إننا نعتقد بك عقيدة تزول الجبال ولا نزول عنها، لأن أدلتنا وبراهيننا كالشمس في رابعة النهار، العقل يحكم لابدّ للحياة من وجود إنسان كامل، الشريعة تحكم لا بدّ من وجود إمام للزمان.

ولكن يا سيدي يا أبا صالح! لقد ضاقت صدورنا، ومللنا الحياة، صحيح إننا بعينك تعيش آمالنا وآلامنا. ولكننا لا نمتلك الطاقة الإيمانية وطاقة الصبر التي تملكها أنت، ونحن نعلم قطعاً أنّ نهضتك محدّدة ومعيّنة وموقوتة بأمر من الله تعالى. ولكن مع ذلك نشكو إليك ما نعيشه من آلام ومصائب في هذه الحياة.

وفي الوقت نفسه نعتذر إليك يا أبا صالح, لأننا في الحياة مجّدنا وخدمنا زيداً وعمرواً، وكان الجدير أن يكون المدح والخدمة لك وحدك يا إمام الزمان.

فيا سيدي, يا أبا صالح! نسألك أن تبعث لنا ببركاتك ودعواتك الطاهرة، ونسألك أن تمنحنا البركة في هذه الليلة للثبات على العقيدة، ولحل المشاكل ، ولكي نكون جنوداً أوفياء تحت لوائك المقدس.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


 

 

الهوامش


(1)- لاحظ: كنز العمّال: 14/ 262، الدر المنثور: 6/ 57، بحار الأنوار: 51/ 92، معجم أحاديث الإمام المهدي: 1/ 92.

(2)- الكافي ج1: 338.

(3)- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج10: 96.

(4)- حاشيه صحيح الترمذي، ج2: 46.

(5)- إسعاف الراغبين للصبان، ج2: 140.

(6)- نور الأبصار للشبلنجي: 170 _ 189.

(7)- الصواعق المحرقة لابن حجر، ج2: 480.

(8)- الفتوحات الإسلامية، لزيني دحلان ج2: 338.

(9)- شرح اصول الكافي ج 6 ص 256، الترمذي ج 3: 343.

(10)- شرح أصول الكافي ج6: 256، مسند أحمد ج3 ص22.

(11)- شرح اصول الكافي ج6: 258، سنن ابن ماجة ج2 / 1368.

(12)- سورة النساء (4): الآية 59.

(13)- إكمال الدين وإتمام النعمة / 409، كفاية الأثر / 296، وسائل الشيعة / 16/ 246/ الحديث 21475، العمدة لابن بطريق / 471 / الحديث 991.

(14)- تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج1: 29، شرح أصول الكافي ج6 ص422، صحيح الترمذي: 5/ 327 والحديث 3874، السنن الكبرى للنسائي: 5/45 الحديث 8148.

(15)- الصواعق المحرقة لابن حجر، ج2: 438.

(16)-

(17)- راجع التفسير الكبير للفخر الرازي، ج3: 632 _ 636.

(18)- الخصال للشيخ الصدوق: 647، الاختصاص / للشيخ المفيد: 283.

(19)- الاحتجاج ج1: 102.

(20)- سورة القصص (28): الآية 5.

(21)- سورة الإسراء (17): الآية 81.

(22)- كمال الدين للصدوق: 424 ح1، الغيبة للشيخ الطوسي: 234: 204.