الباب الأول

«الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ت.4هـ»

«يشير إلى وجود مقام للإمام المهدي عليه السلام في وادي السلام»

روي عن علي عليه السلام كأنّي بالقائم قد عَبر من وادي السلام، إلى مسيل السهلة(1)، على فرس محجل، له شمراخ يزهر، يدعو ويقول في دعائه:

(لا إله إلاّ أنت حقاً حقاً، لا إله إلا الله إيمانا وصدقاً، لا إله الاّ الله تعبداً ورقا، اللهم معز كل مؤمن وحيد، ومذل كل جبار عنيد، أنت كنفي حين تعييني المذاهب، وتضيق عليَّ الأرض بما رحبت. اللهم خلقتني، وكنت غنيا عن خلقي، ولولا نصرك ايّاي لكنت من المغلوبين، يا منشّر الرحمة من مواضعها، ومخرج البركات من معادنها، ويا من خصَّ نفسه بشموخ الرّافعة، وأولياؤه بعزِّهِ يتعزّزون، يا من وضعت لهُ الملوك نير المذهلة على أعناقها، فهم من سطوته خائفون، اسألك باسمك الذي فطرت به خلقك فكلٌ لك مذعنون، اسألك أن تُصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تنجز لي أمري, وتعجّل لي في الفرج وتكفيني، وتعافيني، وتقضي حوائجي الساعة، الساعة، الليلة، الليلة، إنك على كُل شيء قدير). (2)

أقول: من المعلوم، أن المقام الذي نحن بصدد البحث عن تأريخه، يقع في وادي السلام، فمن المحتمل أن عبور القائم عليه السلام المشار إليه سالفاً، وقراءته الدعاء السالف الذكر إذا ظهر عليه السلام، في وادي السلام، على قول أمير المؤمنين عليه السلام يكون من هذا المقام الشريف، لما سيأتي من أن هذا المقام هو موضع منبره عليه السلام.

 

الباب الثاني

«الإمام الصادق عليه السلام ت 148هـ»­ يشير إلى وجود مقام للإمام المهدي عليه السلام في أرض النجف ويسميه (موضع منبر القائم عليه السلام)».

الحديث الأول: عن أبان بن تغلب قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فمر بظهر الكوفة(3)، فنزل فصلّى ركعتين، ثم سار قليلاً فصلّى ركعتين، ثم سار قليلاً فنزل فصلّى ركعتين، ثم قال: هذا موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام.

قلت: جعلت فداك والموضعان صليت بهما! (4)

قال: موضع رأس الحسين، وموضع منبر القائم.(5) 

الحديث الثاني: عن أبي الفرج السندي، قال: كنت مع أبي عبد الله جعفر بن محمّد حين قدم إلى الحيرة، فقال ليلة: أسرجوا لي البغل، فركب وأنا معه حتى انتهينا إلى الظهر(6)، فنزل فصلّى ركعتين ثم تنحى، فصلّى ركعتين ثم تنحى، فصلّى ركعتين.

فقلتُ: جُعلت فداك إني رأيتك صلّيت في ثلاثة مواضع!.

فقال: اما الأول فموضع أمير المؤمنين عليه السلام.

والثاني موضع رأس الحسين، والثالث موضع منبر القائم. (7)

الحديث الثالث: عن مبارك الخباز قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام«أسرج البغل والحمار» في وقت ما قدم وهو في الحيرة.

قال: فركب وركبت معه حتى دخل الجرف، ثم نزل فصلّى ركعتين، ثم تقدم فصلّى ركعتين، ثم تقدم قليلاً آخر فصلىّ ركعتين، ثم ركب ورجع، قال:

فقلت له: جعلت فداك ما الأوليتان والثالثتان؟ فقال: الركعتان الأوليتان موضع أمير المؤمنين عليه السلام والثانيات موضع رأس الحسين عليه السلام  والركعتان الثالثتان موضع منبر القائم. (8)

الحديث الرابع: ذكر السيد حُسين البراقي في كتابه تاريخ الكوفة عن الكليني وابن طاووس والمجلسي عليه السلام: مجيء الإمام الصادق عليه السلام وأنهُ صلّى ركعتين، ثم سار ونزل وصلّى ركعتين، ثم سار ونزل وصلّى ركعتين، فسأله صفوان عن ذلك فقال: الركعتان الأوليتان موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام والركعتان الثانيتان موضع رأس الحسين عليه السلام والركعتان الثالثتان موضع منبر القائم عليه السلام.(9)

أقول: روى أئمة الحديث والأخبار، حديث موضع منبر القائم عليه السلام، المذكور سابقاً بتفاوت في بعض عباراته، حسب ما تقدم، فيحتمل أن منشأ التفاوت، ناتج من تعدد الرواة للحديث (آبان، أبي الفرج السندي، مبارك، صفوان).

أو من تعدد زيارة الإمام الصادق عليه السلام لجده أمير المؤمنين المتقدمة في الحديث.

أثناء ما قدم من الحيرة أو الكوفة في العصر العباسي.

فلنلاحظ العبارات التي تهمنا في بحثنا هذا.

الحديث الأول (فنزل فصلّى، ثم تقدّم فصلّى، ثم سار قليلاً فصلّى).

الحديث الثاني (فنزل فصلّى، ثم تنحى فصلّى، ثم تنحى فصلّى).

الحديث الثالث (نزل فصلّى، ثم تقدم فصلّى، ثم تقدم فصلّى).

الحديث الرابع (صلّى، ثم سار ونزل وصلّى، ثم سار ونزل وصلّى).

بعد قراءة هذه العبارات يتبين لدينا مايلي:

1ـ أن الإمام الصادق عليه السلام كان يتنقل من موضع لآخر فلا يظن المرء أن المكان كان واحداً.

2ـ أن الإمام الصادق عليه السلام جاء راكباً وتنقل بين المواضع راكباً مرة وراجلاً (ويدل على هذا القول على ما في الحديث من كلمات تدل على ركوبه كسار، ونزل).

فبعد عرض الحديث وعباراته فلنذكر أحوال إثنين من رواة هذا الحديث. (10)

2ـ صفوان الجمّال: هو صفوان بن مهران بن المغيرة الاسدي مولاهم كوفي يكنّى أبا محمد ثقة روى عن ابي عبد الله عليه السلام وله كتاب يرويه جماعة وعرض على الصادق عليه السلام ايمانه واعتقاده بالائمة عليهم السلام فقاله له رحمك الله.

وكان صفوان ممّن حمل الإمام الصادق عليه السلام من المدينة الى العراق اكثر من مرة ولهذا أخذ من علمه ودعائه عليه السلام كثيراً، وكان ممّن تشرّف بزيارة أمير المؤمنين عليه السلام مع أبي عبد الله، وعلمه الصادق عليه السلام الزيارة المعروفة لأمير المؤمنين عليه السلام التي رواها المشايخ في كتبهم المزاريّة، وتعلّم منهُ  عليه السلام الدعاء المعروف بدعاء علقمة، وروي عن صفوان انّه لما اطلع على موضع قبر امير المؤمنين ببركة الصادق عليه السلام قال: فمكثت عشرين سنة أصلّي عنده، وعلّمه الصادق عليه السلام ايضاً كيفية زيارة الحسين عليه السلام في الأربعين، قال لهُ الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام لهُ يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً واراد عليه السلام به إكراءه جِماله من هارون الرّشيد في موسم الحج فباع صفوان جماله كلها بعد ما عاد هارون من الحج من أجل كلمة الإمام أبي الحسن عليه السلام هذه. (11)

وأما عن المواضع الثلاث التي صلّى فيها الإمام الصادق عليه السلام فهي:

مواضع صلّى فيها الإمام الصادق عليه السلام

1ـ موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام: يتّفق الشيعة عن ائمتهم صلوات الله عليهم أنهُ صلوات الله عليه لم يُدفن الاّ في الغري في الموضع المعروف الآن، والأخبار في ذلك متواترة وقد كتب السيد عبد الكريم ابن طاووس قدس سره في ذلك كتاباً سماهُ فرحة الغري ونقل الأخبار والقصص الكثيرة الدّالة على هذا المذهب، قال الدليمي في إرشاد القلوب: وأما الدليل الواضح والبرهان اللايح على أن قبرهُ الشريف صلوات الله عليه موجود بالغري فمن وجوه:

الأول: تواتر الإمامية الأثني عشرية يرويه خلف عن سلف.

الثاني: إجماع الشيعة والإجماع حجّة.

الثالث: ما حصل عندهُ من الأسرار والآيات وظهور المعجزات كقيام الزّمن, وردّ بصر الأعمى وغيرها. (12)

وقال الشيخ محمد السماوي في أرجوزته:

وكيف يخفى قبرهُ وقد طوى

 

صحايف الأنوار من وادي طوى

وكيف يخفى وهو في كُل حلك

 

وضحوة يزوره ألفا ملك

وكيف يخفى والنسيم ينبري

 

منهُ بطيب فوق طيب العنبر

وكيف يخفى وبكل عصر

 

يبدي معاجزاً بغير حصر

أم كيف يخفى وبه الوصي

 

أخو النبي المصطفى علي

ما شك في القبر سوى من حُرما

 

عن ذلك الفوز الذي قد عظما

وما تناكر الذي قد جحدا

 

الا من الحقد الذي توقد(13)

2ـ موضع رأس الحسين عليه السلام: يكون هذا الموضع في مسجد الحنانة، المعروف بالقائم المائل، حسب ما وجد بخط الجباعي نقلاً عن خط الشهيد قدس سره ويبعد عن قبر أمير المؤمنين بحوالي 1000م، ويقع هذا المسجد شمال غربي الكوفة على يمين الذاهب إلى النجف وهو من المساجد المعظمة، كبير الشأن، يتبرك به ويقصدهُ المجاورون والزائرون وهو أحد الأماكن الثلاث التي صلّى فيها الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.(14)

فعن المفضل بن عمرو قال: جاز مولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بالمائل طريق الغري فصلّى عندهُ ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة؟

قال هذا موضع رأس جدي الحسين عليه السلام وضعوه هاهنا.

وفي أمالي الشيخ الطوسي قدس سره يضيف كلمة: عندما أتوا به من كربلاء ثم ذهبوا به الى عبد الله بن زياد(لع). (15)

وقال محمد بن المشهدي في كتاب المزار الكبير: زيارة للحسين عليه السلام مختصرة، يزار بها في كل يوم وفي كل شهر، ويزار بها عند قائم الغري (أي مسجد الحنانة).

فقد جاء في الأثر أن رأس الحسين عليه السلام هناك، وان الصادق عليه السلام جعفر بن محمد عليه السلام زارهُ هناك بهذه الزيارة وصلى عنده أربع ركعات، والزيارة هي هذه (السلام عليك يابن رسول الله، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين، السلام عليك يابن الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين ... إلى آخره). (16)

وزيارة الإمام الحسين عليه السلام هي من مهمات أعمال هذا المسجد كما ورد في كتب الأدعية والزيارات، واحتمل البعض أن مدفن رأس الحسين عليه السلام في هذا المسجد موضع منبر القائم عليه السلام وهو من المواضع الثلاثة التي صلّى فيها الإمام الصادق عليه السلام وهي موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام وموضع رأس الإمام الحسين عليه السلام ـ في الحنّانة ـ وهذا الموضع.

إن هذا الموضع هو عين المقام الذي نحن بصدد البحث عن تأريخه. وأمّا ما يدلّ على قولنا هذا فعدّة وجوه سنذكرها تباعاً:

الوجه الأوّل: ـ صلاة الإمام الصادق عليه السلام في هذا المكان، وسوف نثبتها فيما بعد، ويدل عليها وجود مقام منسوب للإمام الصادق عليه السلام، في نفس تلك البقعة في وادي السلام وهذا أدل دليل على موضع منبر القائم عليه السلام، إذ أن هذا الموضع نشأ بقول الإمام الصادق عليه السلام، أثناء صلاتهِ في أرض النجف.

الوجه الثاني: ـ أن موضع منبر القائم عليه السلام الذي صلّى فيه الإمام الصادق عليه السلام هو غير مقامه عليه السلام في مسجد السهلة، ولقد أشتبه في هذا الأمر الشيخ يونس الجبعي العاملي في مزاره. (17) إذ أن الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام في فضل الصلاة في مسجد السهلة وإتيانه أنه قال: (يا أبا محمد يشير إلى أبي بصير الراوي للحديث) كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله قلت: يكون منزله؟ قال: نعم. (18)

وفي رواية أنهُ بيت ماله ومنه يُقسم فيء المسلمين إذا ظهر عليه السلام وبعد البحث في الأحاديث التي تخص الإمام المهدي عليه السلام، لم يرد حديث واحد ينص على أن موضع منبر القائم عليه السلام في مسجد السهلة، وخصوصاً إذا ما عرفنا أن مقام الإمام المهدي عليه السلام في وادي السلام هو أقدم بكثير من مقامه عليه السلام الواقع في مسجد السهلة الذي تأسس على يد السيد محمد مهدي بحر العلوم (1155 ـ 1212 هـ.) إذ قبل السيد بحر العلوم لم يُعهد مقام للإمام المهدي عليه السلام في مسجد السهلة، ومن الأمور التي لابُد أن تُعرف أيضاً قرب هذا المقام من موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام إذ يقرب عنهُ بحوالي 600 متر أو أكثر بقليل، ومسجد السهلة يبعد عن قبر أمير المؤمنين بحوالي 9كم والإمام الصادق عليه السلام في الرواية سار قليلاً وصلّى في مكان قريب من قبر أمير المؤمنين عليه السلام.

الوجه الثالث: أننا لا نعرف مقاماً مشهوراً للإمام المهدي عليه السلام في بلدتنا النجف الأشرف سوى هذا المقام المنيف القديم المعتبر الذي يتوافد عليه أساطين علمائنا ومن كل حدبٍ وصوب دون منكرٍ له، والمقام قد ذكر أيضاً في كتب علمائنا الإمامية دون مكذبٍ لنسبة هذا المقام للإمام المهدي عليه السلام أو الإمام الصادق عليه السلام.

الوجه الرابع: إعتماد العلامة الحجة المتتبع الخبير السيد محمد مهدي بحر العلوم قدس سره فإنّه شاد في المحل نفسه عمارة فخمة وأقام عليها قبة من الجص والحجارة.

الوجه الخامس: قال السيد محمد مهدي القزويني ت 1300 هـ في كتابه فلك النجاة أن منبر الصاحب في وادي السلام. (19)

وأخيراً إذا ثبت لدينا من خلال الوجوه الخمس السابقة الذكر أن هذا المقام هو موضع منبر القائم عليه السلام ثبت لدينا صحة نسبة هذا المقام للإمام الصادق عليه السلام بإعتبار أن مقام الإمام المهدي عليه السلام نشأ من صلاة جدهِ الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام في هذا الموضع.

أقول: ورُبَّ قائلٍ يقول أن لا معنى من وجود منبر لهُ عليه السلام بين القبور؟

أقول: أنه رُوي عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: إذا دخل المهدي عليه السلام الكوفة قال الناس يا ابن رسول الله إن الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله وهذا المسجد لا يسعنا، فيخرج إلى الغري، فيخطّ مسجداً له ألف باب يسع الناس..). (20)

فيحتمل أن يكون موضع منبره عليه السلام الواقع في وادي السلام كما أثبتناه يكون ضمن هذا المسجد الذي يبنيه في أرض الغري (النجف) إذا ظهر صلوات الله عليه وعلى آبائه أجمعين.

الوجه السادس: ماذكرهُ الشيخ كاظم الحلفي في كتابه أضواء على تاريخ النجف (132 ـ 760ه).

قال: وفي عام (137 هـ) جاء الإمام الصادق عليه السلام إلى الحيرة، حيث طلبهُ المنصور، فسكن النجف في وادي السلام، (وقال بهامش كتابه هذا: ولا يزال الموضع الذي سكنهُ معلوماً حتى الآن يُزار ويتبرك به) وطلب من الشيعة الهجرة إلى جوار مشهد جده أمير المؤمنين عليه السلام فلم تمضِ الاّ سنوات قليلة، حتى أصبحت حولهُ قرية يشار إليها بالبنان، كما جاء في تاريخ الطبري في حوادث (144ه)، كما شاهدها عبد الله بن الحسن ومن معهُ، عندما جيء بهم إلى سجن المنصور في الهاشميات عام145 هـ. وقد طلب عبد الله من أهلها نصرته وتخليصه من المنصور كما نص على ذلك الطبري وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين. (21)

الوجه السابع: عمارة المقام المتماثلة الآن، وهي من سنة 1308 هـ إلى عامنا هذا باقية (هذا التاريخ على ما وجدناه مكتوب على القبة)، أحتوت هذهِ العمارة على مقامين، مقام للإمام الصادق عليه السلام وبجواره، وبنفس البقعة، مقام الإمام المهدي عليه السلام. وبالتأكيد أن طريقة بنائهما على هذا النحو (أعني مقامين في بقعة واحدة) على ما وجد في العمارة السابقة، وهي عمارة السيد بحر العلوم1، والسيد بحر العلوم بنى عمارته لهذا المقام على نحو ما وجدهُ في العمارة السابقة لعمارته، والتي وصفها العلامة المجلسي في بحاره (بأن للمقام بيت ـ ومحراب ـ وصحن) وهكذا وصلت إلينا عمارة المقام بنحو مقامين في بقعة واحدة، يداً عن يد، وصاغرٍ عن كابر.

الوجه الثامن: شدة إعتناء الإمام المهدي عليه السلام بهذا المقام، إذ شوهد أكثر من مرة فيه، وهو يصلّي ويدعو ويتضرع في هذا الموضع على ما رواه المجلسي قدس سره، ومرة ثانية في عصر السيد أبو الحسن الإصفهاني قدس سره إذ تشرف هذا السيد بخدمته في هذا المقام على ما سنذكرهُ في محله.

الوجه التاسع: وجود هذا المقام، جاء من إحترام رواة الشيعة وثقاتهم (الذين رافقوا إمامهم الصادق عليه السلام) لهذا المكان وخصوصاً بعد ماعرفوا صلاة إمامهم الصادق عليه السلام ركعتين فيه، وبأنهُ موضع منبر القائم، ووصل إلينا بالتلقي المتسالم عليه يداً عن يد إلى علمائنا أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، إذ تردد على هذا الموضع الإمام الصادق عليه السلام، فكان في كل مرة يصطحب من عُلية أصحابه، فأخذ عنهم رضوان الله عليهم، فتبعهم الشيعة الإمامية سلفا عن خلف، فهل يُعقل أن ذكر المقام يضيع، وبالخصوص مع إشارة الإمام عليه السلام لهم بمنزلة هذا المكان وعلوّه، فظهر واشتهر كما اشتهر موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام في النجف، وموضع رأس الحسين عليه السلام في مسجد الحنانة فبعد هذه الوجوه العشرة السابقة الذكر لم يبق لدينا أدنى شك بصحة إنتساب هذا المقام للإمام الصادق عليه السلام في وادي السلام وهو موضع منبر القائم عليه السلام كما أشار إليه الإمام عليه السلام أثناء تواجده فيه.

 

الباب الثالث

المقام ونشوؤه في القرن الثاني الهجري

قدمنا ذكر أن الإمام الصادق عليه السلام جاء إلى الحيرة سنة137 هـ.

وسكن سنتين أو أكثر حول مشهد أمير المؤمنين عليه السلام.

واختلف إلى قبر جدهِ مرات عديدة، وصلّى قريباً من مشهد جدهِ ركعتين, وقال عن سببهما بأن الموضع هو موضع منبر القائم عليه السلام.

ومرة كان معه أبان بن تغلب, فكرر الإمام فعله الذي كان يفعله في تعظيم المواضع, وأشار لأبان بن تغلب بموضع منبر القائم  عليه السلام ومات أبان سنة141هـ.

وأستشهد الإمام الصادق عليه السلام 148هـ.

فنشأ المقام بين سنتي (137 ـ 141ه).

فهذا أول تأريخ إستخرجناه للبحث عن تأريخ مقام الإمام المهدي عليه السلام في وادي السلام.

لكن وللأسف الشديد خفي علينا تأريخ المقام بعد هذا التأريخ بثمانية قرون فلا نعرف تأريخاً للمقام في الثمانية قرون التي بعد القرن الثاني الهجري.

ولا نعرف من بناه؟ ومن أشاده؟ ومن زاره؟ وما الذي طرأ عليه من حوادث؟ ومن تشرف فيه بلقاء صاحب الأمر عليه السلام؟

ولكن ومن خلال وجود المقام إلى الآن، نعرف تعاهد الشيعة له بمواصلة زيارتهم لهذا المقام القديم.

 

الباب الرابع

تاريخ المقام في القرن الحادي عشر الهجري

1ـ التأريخ الأول للمقام في هذا القرن: (سنة 1026ه).

في سنة 1026 هـ توفي السيد مبارك الملقب بالأزرق عينية بن مطلب المشعشعي ودفن في النجف في وادي السلام بقرب مقام الإمام المهدي عليه السلام.(22)

أقول: أن هذا التأريخ القديم يدل على وجود للمقام في سنة 1026هـ وعبارة (دفن في النجف في وادي السلام قرب مقام الإمام المهدي عليه السلام تدل على وجود عمارة للمقام في تلك السنة وما قبلها ولكن للإسف خفي علينا من الذي أشادها، ومما يدل على وجود تلك العمارة في هذا القرن ما ذكرة العلامة المجلسي قدس سره في بحاره، وقال فيما نقله: (أن للمقام بيت ومحراب وصحن) والحكاية التي نقلها العلامة المجلسي قدس سره قريبة من هذهِ السنة أي سنة (1026ه).

2ـ التأريخ الثاني للمقام في هذا القرن: (عصر العلامة المجلسي+ مجدد القرن الحادي عشر)

قال العلامة المجلسي1 (1137 ـ 1111ه) في كتاب بحار الأنوار:

وفي (باب نادر في ذكر من رآه عليه السلام في الغيبة الكبرى قريباً من زمانن)

وذكر حكاية (الجزيرة الخضراء) وقال بعد إيرادها: ولنلحق بتلك الحكاية:

بعض الحكايات التي سمعتها عمّن قرب من زماننا، ثمَّ سرد حكايتين (يعني فيمن رآه) قال:

ومنها ما أخبرني به جماعة من أهل الغريِّ، على مشرفه السلام أنَّ رجلا من أهل قاشان أتى إلى الغريِّ، متوجهاً إلى بيت الله الحرام، فأعتلَّ علّة شديدة، حتى يبست رجلاه، ولم يقدر على المشي، فخلفهُ رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصُلحاء كان يسكن في بعض حُجرات المدرسة المحيطة بالرّوضة المقدسة، وذهبوا إلى الحج، فكان هذا الرجل يغلق عليه الباب كل يوم، ويذهب إلى الصحاري للتنزه ولطلب الدّراري(23) التي تؤخذ منها، فقال له في بعض الأيام، إني قد ضاق صدري وأستوحشت من هذا المكان، فأذهب بي اليوم واطرحني في مكان، واذهب حيث شئت، قال: فأجابني إلى ذلك، وحملني وذهب بي إلى مقام القائم صلوات الله عليه خارج النجف، فأجلسني هناك وغسل قميصهُ في الحوض وطرحها على شجرة كانت هناك، وذهب إلى الصحراء، وبقيت مغموماً، أُفكر فيما يؤول إليه أمري فإذا أنا بشاب صبيح الوجه، أسمر اللون دخل الصحن وسلّم عليَّ وذهب إلى بيت المقام، وصلّى عند المحراب ركعات بخضوع وخشوع لم أرَ مثله قط، فلمّا فرغ من الصّلاة، خرج وأتاني وسألني عن حالي، فقلت له: أُبتليت ببلية ضقت بها لا يشفيني الله فأسلم منها، ولا يذهب بي فأستريح، فقال: لا تحزن سيعطيك الله كليهما، وذهب فلمّا خرج رأيت القميص وقع على الأرض، فقمت وأخذت القميص وغسّلته وطرحته على الشجرة، فتفكرت في أمري وقلت: أنا كنت لا أقدر على القيام والحركة، فكيف صرت هكذا؟ فنظرت في نفسي فلم أجد شيئاً مما كان بي، فعلمت أنهُ القائم صلوات الله عليه، فخرجت في الصحراء فلم أرَ أحداً، فندمت ندامة شديدة، فلمّا أتاني صاحب الحجرة سألني عن حالي وتحيّر في أمري فأخبرتهُ بما جرى، فتحسر على ما فات منهُ ومني، ومشيت إلى الحجرة، قالوا: فكان هكذا سليماً، حتى أتى الحاجُّ ورُفقاؤه فلما رآهم، وكان معهم قليلاً فمرض ومات، ودفن في الصحن، فظهر صحة ما أخبرهُ عليه السلام من وقوع الأمرين معاً، وهذه القصة من المشهورات عند أهل المشهد، وأخبرني به ثقاتهم وصلحاؤهم. (24)

أقول: أقول روى العلامة المجلسي هذه الحكاية الواقعة في القرن الحادي عشر الهجري عن جماعة مع أهل الغريِّ، وأشار على أنها وقعت قريبة من زمانه، وسمعها ممن قرب من زمانه، ووصف الرواة للحكاية بأن مقام القائم عليه السلام خارج النجف، وخروج الرجل صاحب الحجرة بالرجل المريض الى هذا المقام يدل على شهرة المقام في ذلك العصر، فالجماعة الثقات الصلحاء الذين رووا الحكاية كلهم يعرفون مقام القائم خارج النجف (أي خارج سورها في وادي السلام) وقال القاشاني واصفاً دخول القائم عليه السلام (فإذا أنا بشاب صبيح الوجه، اسمر اللّون) دخل الصحن وسلّم عليَّ وذهب إلى بيت المقام وصلّى عند المحراب، فانّ هذا الوصف لعمارة المقام (صحن، وبيت للمقام، وحوض) في ذلك العصر (أي بداية القرن الحادي عشر الهجري تشبه إلى حد كبير إلى عمارة المقام في عصرنا الحاضر هذا، فلو وصفنا العمارة الآن لما زدنا عن ذلك الوصف.

ثم قال العلامة المجلسي قدس سره: هذهِ القصّة من المشهورات عند أهل المشهد(25)، وأخبرني بها ثقاتهم وصلحاؤهم. وهذا مما يدل على صدق الحكاية، فكفاها صدقاً ناقلها وتواترها ورواتها الثقات الصلحاء بوصف العلامة المجلسي قدس سره لهم، ووصفهم لموقع المقام وعمارته من صحن وبيت ومحراب لدليل على صدق الحكاية أيضاً.

فبعد عرض الحكاية علمنا أن المقام في بداية القرن الحادي عشر الهجري، كان مشهور ومعروف على مستوى جماعة أهل المشهد، وزائري مشهد أمير المؤمنين عليه السلام.

 

الباب الخامس

تأريخ المقام في القرن الثاني عشر الهجري (1100 ـ 1200ه)

كتب السيد نصر الله الحائري ضمن ديوانه الشعري بيتين ذكر أنه كتبهما على مقام الحجة عليه السلام في النجف الأشرف هما:

أيا صاحب العصر إن العدى

 

أرونا الكواكب بالظلم ظهرا

فأطلع لنا فجر سيف به

 

تجلى ظلام العنا المكفهر(26)

 

الباب السادس

تاريخ المقام في القرن الثالث عشر الهجري (1200 ـ 1300ه)

التأريخ الأول: شاد في المحل نفسه السيد العلامة محمد مهدي بحر العلوم (1115 ـ1212ه) عمارة فخمة وأقام عليها قبة من الجص والحجارة، ولم تزل تلك العمارة قائمة إلى سنة (1308ه) (27)، وأُنشئت هذهِ العمارة في أوائل هذا القرن، ويدل على هذا القول ما سنذكرهُ في التأريخ الثاني من هذا القرن.

وقد نص على بناء السيد بحر العلوم قدس سره لهذا المقام كثير، ولكن بعض الذاكرين أشتبه عليه الأمر بقولهم أن السيد بحر العلوم قدس سره هو أول من أنشأ هذا المقام، لكن هذا القول، ينافي ما أسلفناه من تواريخ عديدة للمقام تدل على وجوده قبل السيد بكثير وربما يصل الأمر إلى قرون. فمن التواريخ السابقة الذكر.

1ـ منشأ المقام في عصر الإمام الصادق عليه السلام (136ـ148ه).

2ـ وجود المقام في سنة 1026 هـ كما قدمناه.

3ـ وجود المقام في عصر العلامة المجلسي قدس سره.

4ـ وجود المقام في سنة السيد نصر الله الحائري شيخ مشائخ السيد بحر العلوم.

علماً أن سبب هذهِ الشبهة جاءت من كلمتي (أشاد وعيّن) مقام الإمام المهدي عليه السلام في وادي السلام (أي السيد بحر العلوم قدس سره)

فإن أشاد تعني: أمر ببنائه.

وعيّن تعني: أنهُ كان موجوداً في الجملة وحدد موقعه.

فلا تعنيان أنهُ أول من أسس هذا المقام.

فمن الذاهبين إلى هذا القول (أي أن السيد أول من بنى المقام).

1ـ جعفر مرتضى العاملي في كتاب (دراسات وبحوث في التأريخ الإسلامي) ج2 ص 133 ط بيروت.

2ـ الجلالي في كتاب (مزارات أهل البيت وتأريخه) ص 141 ط بيروت.

3ـ السيد ياسين الموسوي في كتاب (حياة العلامة السيد بحر العلوم) ط بيروت.

4ـ السيدان محمد صادق والحسين آل بحر العلوم في (مقدمة الفوائد الرجالية) ط قم.

5ـ نزار الحسن في كتاب جامع الزيارات ط قم المقدسة.

ومن المشهور أن السيد بحر العلوم قدس سره كان كثيراً ما يلتقي بصاحب العصر والزمان، حتى شبههُ أحد العلماء بالسيد ابن طاووس، لكثرة لقائه به عليه السلام.

فيحتمل أن السيد التقاة في هذا المقام، أو غيره من المشاهد المقدسة.

وأمره عليه السلام ببناء هذا المقام، كما أسس هذا السيد مقاماً للإمام المهدي عليه السلام في مسجد السهلة.

التأريخ الثاني: سنة (1200 ه)

ويوجد في المكان نفسه (أي المقام) حجر منقوش عليه زيارة الإمام الحجة عليه السلام سنة1200هـ وفيه ما نصه...

حررهُ الآثم الجاني قاسم بن المرحوم أحمد الفحام الحسيني في 9 شهر شعبان سنة 1200 هـ. (28)

أقول: أن هذهِ الزيارة لا أثرلها الآن في المقام ولقد رآها الشيخ جعفر محبوبة (ت1377 ه).

كما أن من الأرجح أن تكون هذه السنة أي (1200ه) هي سنة عمارة السيد بحر العلوم قدس سره، فيكون عمر السيد بحر العلوم قدس سره حينئذ 45 عام علماً أن عمرهُ الشريف 57 عاماً.

3ـ التأريخ الثالث: بين سنة (1214ه) وسنة (1225ه).

ويقال أنهُ في القديم كان خدمته ينزلون حوله ولهم دور بأزائه ولما كثرت الغارات على النجف من الوهابيين هجروا دورهم وأقاموا في البلدة. (29)

أقول: ويؤيد هذا القول، من أن الناس إتخدو المكان سكناً لهم ما ذكرهُ العلامة محمد حرز الدين (ت 1365 ه) في كتابه معارف الرجال، قال:

في أحوال الشيخ يونس الأمير:

الشيخ يونس بن حمود الأمير النجفي، كان فاضلاً فقيهاً من المهاجرين إلى النجف ودعاة الإسلام نزل مدة بعياله في وادي السلام وأقام في المقام المعروف بمقام الإمام المهدي عليه السلام يوم كانت القبور حوالية قليلة جداً ثم إنتقل بعياله...)51. (30)

 

الباب السابع

تاريخ المقام في القرن الرابع عشر الهجري (1300 ـ 1400ه)

1ـ التأريخ الأول من هذا القرن: سنة (1300ه).

في سنة 1300 هـ توفي السيد علي بن السيد محمد الحسيني والشهير بالحكيم الذي ولد سنة 1200 هـ وعمّر مائة عام، ودفن في النجف في وادي السلام جوار مقام الإمام المهدي عليه السلام.(31)

2ـ التأريخ الثاني: سنة (1308ه).

قبل هذهِ السنة كانت عمارة السيد بحر العلوم قدس سره للمقام قائمة، إذ استمرت حوالي قرن وعدة سنوات قليلة، ثم أن الراجة محمود آباد، وهو أحد ملوك مقاطعة من مقاطعات الهند، وبمساعي سادن الحرم العلوي، السيد علي كمونة، تم هدم العمارة السابقة الذكر، وشيد المقام بعمارة مازالت قائمة إلى الآن، كان هذا سنة 1308هـ وأثناء زيارة راجة محمود آباد الخان الى الحرم العلوي.

هذا ما وجدناه مكتوبا على قبة المقام، وقد صورنا تلك الكتابة بصور فوتغرافية خدمة للتأريخ وإثباتاً لقولنا هذا.

وهذا القول يخالف قول الشيخ جعفر محبوبة في كتابه ماضي النجف وحاضرها،ص95.

قال: ولم تزل تلك العمارة قائمة (أي عمارة السيد بحر العلوم قدس سره) إلى 1310 هـ ثم أن السيد محمد خان هدم تلك البنية وبناها على شكلها الحاضر وبنى القبة بالحجر القاشي الأزرق.

وقال في مكانٌ آخر من كتابه في ج1 ص 227:

وممن زار المرقد العلوي أيضاً محمد خان أحد سلاطين الهند وذلك سنة 1310 هـ وفيها عمّر مقام المهدي عليه السلام كما عن تحفة العالم للسيد جعفر آل بحر العلوم.

وهذا يخالف ما كتب على القبة بالتأريخ وباسم المُشيد للمقام. (32)

فإذا أردنا أن نثبت صحة قول الشيخ جعفر محبوبة وقول السيد جعفر آل بحر العلوم بإعتبارهم قريبي عهد من تلك السنة نقول:

1ـ أن البناء أول ما شرعوا به سنة 1308 هـ وتم في سنة 1310 هـ، إذ عادةً وكما رأينا ويرى الجميع أن بناء المشاهد المقدسة يستغرق وقتاً طويلاً.

2ـ أن إسم محمد خان خطأ جاء من غفلة النساخ وأصلهُ محمود خان فبين محمود ومحمد حرف واحد وهو الواو، كثيراً ما يحدث هذا الخطأ وخصوصاً في علم الرجال.

3ـ عَلِمَ الله أني كم عانيت في هذا الآمر لأسباب منها:

أـ لصعوبة قراءة ما كُتب على القبة والصورة تظهر ذلك.

ب ـ أن الإسم المدون في الكتب هو غير المدون على القبة.

فوجدت حل المعضلة بسؤالي من آل كمونة بإعتبار أن جدهم هو الساعي للبناء وأهل الدار أدرى بما في الدار. فأرشدوني متفضلين على أن البازل له راجة محمود آباد والساعي له السيد علي كمونة وهو كما مدون القبة.

وللسيد علي كمونة مآثر عظيمة تذكر، ومنها بناء خان الوقف بجانب مسجد الكوفة، قال الأستاذ كامل الجبوري في كتابه مساجد الكوفة:

تصدى السيد علي كمونة سادن الحرم العلوي آنذاك، في عام (1325ه) فشيد خاناً حديثاً كبيراً لنزول زوار الكوفة وقاصدوها في المواسم الدينية بجنب المسجد من الجهة الغربية، وهو على طوله، ويتألف من بناء مربع يتوسطه مدخل مقبي طوله 10×6م على جانبيه مربط للخيل فيه عدة معالف ويؤدي المجاز إلى فناء مكشوف تطل عليه جملة غرف على غرار مسجد الكوفة بوضعهِ الحالي، ويعد هذا الخان نموذجاً حياً لتطور بناء الخانات في العراق.

وقد ساعدهُ على بذل الأموال، سيد شهم من أهالي البحرين، وقد تم بناؤه عام 1327هـ إلا أنه من المؤسف أن هذا الخان قد هدَّ وأزيل عام 1963م وشيدت بمحله عمارة تحتوي على دكاكين وفندق وكازينو. (33)

3ـ التأريخ الثالث: سنة (1312ه).

في سنة 1312هـ وفي الثاني من شهر رمضان، توفي الميرزا محمد تقي بن المولى محمد المامقاني التبريزي المعروف بحجة الإسلام صاحب كتاب صحيفة الأبرار ودفن بوادِ السلام بين سور النجف ومقام المهدي عليه السلام وكتب على لوح قبره رباعية من أنشائه. (34)

4ـ التأريخ الرابع: سنة (1317ه):

في سنة 1317 توفي السيد المرندي في تبريز، ونقل إلى النجف ودفن في وادي السلام قرب مقام المهدي عليه السلام.(35)

5ـ التأريخ الخامس: (حكاية المرأة التي كُشف بصرها في مقام الإمام المهدي عليه السلام)

قال العلامة النوري قدس سره (ت1320ه) في كتابه كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار:

(إلا أنه قد ظهر في هذهِ الأيام كرامة باهرة من المهدي عليه السلام في متعلقات الدولة العلية العثمانية المقيمين في المشهد الشريف الغروي وصارت في الظهور والشيوع كالشمس في رابعة النهار ونحن نتبرك بذكرها بالسند الصحيح العالي، حدث جناب الفاضل الرشيد السيد محمد سعيد أفندي الخطيب فيما كتبه بخطه:

كرامة لآل الرسول عليه وعليهم الصلاة والسلام ينبغي بيانها، لإخواننا أهل الإسلام، وهي أن إمرأة إسمها ملكة بنت عبد الرحمن زوجة ملا أمين المعاون لنا في المكتب الحميدي الكائن في النجف الأشرف، ففي تلك الليلة الثانية من شهر ربيع الأول من هذهِ السنة أي سنة 1317هـ ليلة الثلاثاء صار معها صداع شديد، فلما أصبح الصباح فقدت ضياء عينيها فلم ترَ شيئاً قط فأخبروني بذلك، فقلت لزوجها المذكور: إذهب بها ليلاً إلى روضة حضرة المرتضى عليه من الله تعالى الرضا، لتستشفع به وتجعلهُ واسطة بينها وبين الله لعل الله سبحانه وتعالى أن يشفيها، فلم تذهب في تلك الليلة، يعني ليلة الأربعاء لإنزعاجها مما هي فيه فنامت بعض تلك الليلة، فرأت في منامها أن زوجها المذكور وامرأة إسمها زينب كأنهما مضيا معها لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام فكأنهم رأوا في طريقهم مسجداً عظيماً مشحوناً من الجماعة فدخلوا فيه لينظروه فسمعت المصابة رجلاً يقول من بين الجماعة: لا تخافي أيتها المرأة التي فقدت عينيها إن شاء الله تشفيان فقالت: من أنت بارك الله فيك فأجابها أنا المهدي فاستيقظت فرحانة فلما صار الصباح يعني يوم الأربعاء ذهبت ومعها نساء كثيرات إلى مقام سيدنا المهدي خارج البلد فدخلت وحدها وأخذت بالبكاء والعويل والتضرع فغشي عليها من ذلك فرأت في غشيتها رجُلين جليلين، الأكبر منهما متقدم والآخر الشاب خلفه فخاطبها الأكبر بأن لا تخافي، فقالت لهُ من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب وهذا الذي خلفي، ولدي المهدي رضي الله تعالى عنهما ثم أمر الأكبر المشار إليه امرأة هناك وقال: قومي يا خديجة وامسحي على عيني هذهِ المسكينة، فجاءت ومسحت عليهما، فانتبهتُ وأنا أرى وأنظر أحسن من الأول والنساء يهلهلن فوق رأسي، فجاءت النساء بها بالصلوات والفرح وذهبن بها إلى زيارة حضرت المرتضى كرم الله تعالى وجهه، وعيناها الآن ولله الحمد أحسن من الأول، وما ذكرناه لمن أشرنا إليهما قليل، اذ يقع أكبر منهُ لخدامهما من الصالحين بإذن المولى الجليل فكيف بأعيان آل سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام إلى يوم الدين، أماتنا الله على حبهم، آمين، آمين.

هذا ما أطلع عليه الحقير الخطيب والمدرس في النجف الأشرف السيد محمد سعيد1.(36)

قال النوري قدس سره بعد هذه الحكاية: هذا المقام واقع في خارج سور البلد في غربي المقبرة المعروفة بوادي السلام، ولهُ صحن وقبة فيها محراب، يُنسب إلى المهدي عليه السلام، ولا يعلم سببه أنهُ رآه عليه السلام فيه أحد أو ظهر منهُ كرامة فيه إلا أنه قديم.

وقد ذكر بعض علماء القرن الحادي عشر في جامعه الكبير، قصة رجل كاشاني مريض قد أيس من مرضه فذهب اليه فرآه من غير أن يعرفه فشفاه، ويعلم منها أنهُ كان في ذلك الزمان معروفاً بالنسبة اليه. (37)

وقال قدس سره في كتابه النجم الثاقب: وليس خفياً أن من جملة الأماكن المختصة المعروفة بمقامه قدس سره، مثل وادي السلام ومسجد السهلة، والحلة، وخارج قم وغيرها. (38)

6ـ التأريخ السادس: سنة (1333ه)

في 18 ذي الحجة من سنة 1333 هـ أعلن السيد محمد كاظم اليزدي (ت1337ه) صاحب كتاب العروة الوثقى رأيهُ بوضوح وجرأة ضد الإستعمار وجيوش الإنكليز، ففي يوم الغدير من تلك السنة صعد السيد على منبر وُضع لهُ في مقام المهدي عليه السلام بوادي السلام، وكانت العشائر قد أحتشدت في النجف بسبب زيارة يوم الغدير، وكان بجانب السيد اليزدي قدس سره السيد محمد علي هبة  الدين الشهرستاني. (39)

7ـ التأريخ السابع: سنة (1359ه)

ذكر الشيخ محمد السماوي قدس سره (ت 1370ه) في أرجوزته عنوان الشرف في وشي النجف، التي كتبها في سنة (1359ه) هذا المقام، قال قدس سره:

(وعند بابي كربلا والكوفة

 

مقام رب الغيبة المعروفة)

8ـ التأريخ الثامن حكاية لقاء السيد أبو الحسن الإصفهاني (ت1365ه) بالإمام المهدي عليه السلام في هذا المقام:

قال السيد حسن الأبطحي في كتاب (اللقاء مع صاحب الزمان عليه السلام): يعتبر المرحوم آية الله العظمى السيد أبو الحسن الإصفهاني من المراجع العليا في زماننا.

وكان (رضوان الله تعالى عليه) كثيراً ما يصل لخدمة صاحب الزمان عليه السلام، والحكاية التالية هي إحدى تلك اللقاءات التي تشرف بها السيد أبو الحسن الإصفهاني مع الوجود المقدس لصاحب الأمر والزمان عليه السلام.

ونقل هذه الحكاية المتتبع الحاج السيد ميرجهاني في كتاب (كنز العارفين) فقال:

كان أحد علماء اليمن واسمهُ بحر العلوم يراسل العديد من علمائنا في النجف طالباً منهم إثبات الوجود المقدس لبقية الله في أرضه عليه السلام.

وكان السيد بحر العلوم زيديا غير مصدق بوجود الحجة عليه السلام فكتب لهُ العلماء الأعلام رسائل عديدة وشرحوا لهُ إثبات وجوده ولكنهُ لم يقتنع حتى كتب رسالة إلى المرجع الأعلى للشيعة آنذاك السيد أبو الحسن الإصفهاني (رضوان الله تعالى عليه) يطلب منهُ إثبات ذلك.

وفي جوابه، قال السيد أبو الحسن الإصفهاني للسيد بحر العلوم، إذا أردت إثبات ذلك والتأكد من الوجود المقدس لصاحب العصر فعليك المجيء إلى النجف الأشرف لأثبت لك ذلك حضورياً، وبعد عشرة أشهر، وصل بحر العلوم وابنه وعدد من أتباعه إلى النجف الأشرف وزاروا السيد أبو الحسن وطلب منه أن يثبت له ذلك بعد أن حضر شخصياً إلى النجف مع ابنه.

فقال لهُ المرحوم السيد أبو الحسن الإصفهاني:

تعال غداً أنت وابنك إلى داري حتى أعطيك جواب سؤالك.

ثم جاء بحر العلوم وابنه وبعض اتباعه وبعد تناول العشاء والأحاديث الدينية وإنصراف الضيوف وإنتصاف الليل، قال السيد أبو الحسن إلى خادمه مشهدي حسين، هات المصباح معك ووجه كلامه للسيد بحر العلوم وابنه وقال لهما: إتبعاني.

ثم أضاف السيد ميرجهاني: كنت أحد الذين بقوا بعد انصراف الضيوف فأردت أن أذهب مع السيد أبو الحسن لكنهُ قال لي: يجب أن تبقى هنا ويأتي معي فقط بحر العلوم وابنه.

ثم ذهب الثلاثة في تلك الليلة المظلمة ولم نعرف وجهة سيرهم ولا إلى أين ذهبوا.

ولكن وفي الصباح وعندما التقيت مع بحر العلوم وابنه وسألتهُ عن أحداث الليلة الماضية قال: الحمد لله لقد تشرفنا ليلة أمس بخدمة ولي العصر عليه السلام وأصبحت من المعتقدين بوجوده المقدس. فسألتهُ وكيف ذلك؟

فقال بحر العلوم: عندما تركنا الدار لم ندر إلى أين وجهتنا حتى وصلنا إلى وادي السلام وفي وسط الوادي دخلنا مكانا قال إنهُ مقام صاحب الزمان عليه السلام.

وعندما وصل السيد أبو الحسن إلى باب المقام، أخذ المصباح من خادمه مشهدي حسين ودخل منفرداً إلى المقام ثم أشار إليّ أن أدخل وحدي معه ثم توضأ وبدأ بالصلاة وصلى اربع ركعات ثم قال شيئاً لم نفهمه ولكن شاهدت فجأة أنواراً خاطفة وقد غمر المكان نور ساطع.

وهنا يكمل الحكاية ولده فيقول:

كنت في هذه اللحظات خارج المقام ولكنني بعد دقائق سمعت صيحة عظيمة من قبل والدي ثم أُغمي عليه فتقدمت قليلاً فوجدت السيد أبو الحسن الإصفهاني يُمَسِد كتفيه حتى استفاق من غيبوبته فقال مباشرة: لقد رأيت ولي العصر والزمان عليه السلام وأصبحتُ من شيعته الإثنى عشرية، ولكنهُ لم يزد شيئاً على هذا الكلام ولم يوضح لقاءه بالحجة عليه السلام ثم عدنا إلى اليمن بعد عدة أيام، وتشيع أكثر من أربعة آلاف من أتباعه. (40)

9ـ التأريخ التاسع: ذكر المقام في كتاب ماضي والنجف وحاضرها للشيخ جعفر محبوبة1 ت1377هـ:

إن الشيخ جعفر محبوبة قدس سره كتب عن المقام في كتابه الوارد أعلاه في ص 95 ـ 96 على ما نقلناه في بحثنا هذا وقال في الهامش (حدثني بعض الثقاة المتتبعين للآثار والأخبار أنه وجد في بعض الكتب المؤلفة في غيبة الإمام عليه السلام مقاماً في النعمانية وفي الحلة وفي مسجد السهلة وفي النجف).

أقول: ولقد أجاد هذا الشيخ فيما أفاد، وقد نفعنا كثيراً بكتابه (ماضي النجف وحاضره) الذي طالما خدم به تأريخ مدينة النجف وذلك بتسجيله الشوارد والموارد عن تأريخها.

10ـ التأريخ العاشر: في زيارة الشيخ فرج الله آل عمران للمقام:

أن العالم فرج الله آل عمران القطيفي تشرف في زيارة هذا المقام مرات عديدة في أُخريات هذا القرن. (41)

 

وفي خاتمة هذا الباب فلنذكر حكايتين تتعلقان بذكر المقام:

الحكاية الأولى: في (فضيلة زيارة عاشوراء).

قال آية الله محمد تقي بهجت (حاكياً عن فضيلة هذه الزيارة): قال أحد العظماء ذهبت في أحد الأيام إلى وادي السلام، وإلى مقام الإمام المهدي عليه السلام، فرأيت هناك عجوزاً ذا وجه نوراني مشغولاً بقراءة زيارة عاشوراء، وكان يبدو من ملامحه أنهُ كان زائراً، وعندما تقربت منه، تراءت أمامي صورة ـ وكأنهُ رفع الغطاء عني ـ فرأيت حرم الإمام الحسين عليه السلام والزائرين مشغولين في العبادة والزيارة، تعجبت ممّا رأيت، فرجعت قليلاً إلى الوراء فعدت إلى حالتي الطبيعية، ثم تقربت منهُ ثانية، فشاهدت الحالة الأولى، وتكررّت هذهِ الحالة عدّة مرات، في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى المكان الذي ينزل فيه الزائرون لزيارته والإستفادة من محضره، فسألت عن حاله ومحلّه، فقالوا جاء ذلك الشخص للزيارة واليوم جمع أثاثهُ ووسائله وذهب.

لم أيأس من زيارته، فذهبت إلى وادي السلام، لعلّي أعثر عليه، إلتقيت هناك بشخص (كان يذكر لي أموراً غيبية غريبة ويوضّح بعض المسائل) بدون أن أوجه له أيّ سؤال، قال لي الزائر الذي تبحه عنهُ ذهب!. (42)

الحكاية الثانية: في (ثمرة حُب علي عليه السلام)

قال السيد شهيد المحراب عبد الحسين دستغيب: نقل الفاضل المحقق العلامة ميرزا محمود مجتهد الشيرازي نزيل سامراءS عن المرحوم حاج سيد محمد علي رشتي الذي قضى أغلب حياته في الجهاد ضد النفس والرياضة الشرعية أنه قال:

كنت أدرس العلوم الدينية في مدرسة الحاج قوام في النجف الأشرف, وكانت هناك قصة يتداولها الطلاب حول رقّاع في منطقة باب الطوسي حيث يمكنهُ الإنتقال من مكان إلى آخر بصورة غير عادية وعلى جناح السرعة, وكان يصلي المغرب لليلة الجمعة في مقام المهدي عليه السلام في وادي السلام في النجف الأشرف وصلاة العشاء للّيلة نفسها في حرم سيد الشهداء عليه السلام في حين يعرف الجميع أن المسافة بين النجف وكربلاء (13) فرسخاً يسيرها الماشي على الاقدام لمدة يومين.

ولهذا أردت التحقق شخصياً من هذه القصة فتقربت من الشيخ  الرقّاع واخذت أتردد عليه حتى توطدت عُرى الصداقة بيننا وبعد أن تأكدت من صداقته الحميمة، أرسلت أحد طلابي إلى مدينة كربلاء في يوم الأربعاء وقلت له كن عند ضريح سيد الشهداء ليلة الجمعة، وأنظر اذا كان الرقاع قد جاء تلك الليلة.

وفي يوم الخميس ذهبت لصديقي الرقاع ساعة المغرب وأظهرت له نوعاً من التأثر والتألم فسألني ما بك يا صديقي؟

فقلت لهُ أن هناك أمراً مهماً يخص أحد أصدقائي من طلاب العلم وعلى أن اخبره الآن ولكن مع الأسف هو في كربلاء وأنا في النجف ولا يمكنني الوصول إليه فقال لي:

قل ما هي حاجتك وأن الله قادر على كل شيء قدير, ويمكنهُ أن يوصل الأمر هذه الليلة الى صاحبك؟ فأخرجت رسالة من جيبي وأعطيتها للرجل الصالح وقلت لهُ إنني كتبت فيها الموضوع فأخذها وتوجه صوب وادي السلام ولم أره حتى نهار السبت حيث جاء صاحبي وأعطاني الرسالة التي بعثتها وقال ان الرجل الصالح قد رآني ليلة الجمعة عند صلاة العشاء في حرم الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء وأعطاني الرسالة ـ وعندما رأيت الرسالة تيقنت أن صاحبنا الرقاع من أصحاب القدرة على طي الأرض باذن الله وبسرعة لا توصف, ولهذا طلبت منه أن ينعم علي سبحانه تعالى بهذه النعمة وأتمكن من التنقل بسرعة أينما أشاء، وفي اليوم التالي ذهبت الى حانوت الرقاع الصالح ودعوته للعشاء في بيتي فقبل الدعوة شاكراً، وجاء عند المساء ولما كان الوقت صيفاً والجو حاراً عدنا إلى السطح لتناول الطعام وكنا نشاهد قبة أمير المؤمنين والمئذنتين من ذلك السطح.

وبعد تناول الطعام ومداولة الأحاديث قلت له: أن الهدف من هذهِ الدعوة هو أنني تيقنت بالبرهان بأنك من الذين أنعم الله عليهم بمعجزة الإنتقال السريع, وأريد منك أن ترشدني حتى أنال هذهِ النعمة الربانية العظيمة، ولما علم بأنني كشفت سره واطلعت على مكنون قلبه وفعاله، نظر نظرة غريبة ثم صاح صيحة عظيمة وسقط كعرد يابس على الأرض، إلى درجة أنني أصبت بالهلع والخوف وتصورت أنهُ مات.

وبعد برهة رجع إلى وضعه الطبيعي ثم جلس وقال:

اسمع يا سيد: كل ما عندي وما شاهدته هو من ذلك السيد واشار إلى قبة أمير المؤمنين المطهرة وأضاف: وأي شيء تريد، اطلبه من ذلك السيد، ثم قام وذهب لسبيل حاله, ولم أره منذ تلك الحادثة لا في النجف ولا في غيرها من المدن، ولم يره أحد أيضاً.

قال السيد دستغيب قدس سره: لقد سمعت هذه القصة من عدد من العلماء الأعلام الآخرين الذين نقلوها عن السيد رشتي أيضاً. قدس سره (43)

أقول:

فالذي أريد أن أقوله بعد ذكر زيارة العلماء والعارفين لهذا المقام كالسيد اليزدي والإصفهاني والشهرستاني وآله عمران وأحد العظماء ... الخ. وإشادة السيد بحر العلوم+ للمقام، لدليل يعتمد عليه في صحة نسبة هذا المقام للإمامين الصادق والمهدي صلوات الله عليهما.

 

الباب الثامن

تأريخ المقام في القرن الخامس عشر الهجري (1400ه)

وذكر موقعه ووصفه

موقع المقام: يقع في جانب الغربي من بلدة النجف وفي وادي السلام وتتوسط عمارته القبور، ويبعد عن حرم أمير المؤمنين عليه السلام بحوالي سبعمائة متر، وقبتهُ ظاهرة للعيان للشاخص إليه من أول الوادي.

 وصف المقام

1ـ الباب الخارجية: للمقام باب واحدة، وهي على جهة القبلة، وهي من الحديد، حجمها كبير وكانت قبل ذلك أصغر بكثير وجددت في عصرنا الحاضر.

2ـ مدخل المقام: ويقع بعد الباب وهو مرتفع بحيث لو أردت الدخول إلى صحن المقام لابد أن تنزل حوالي ثلاث دكات وطولهُ حوالي 37.

3ـ صحن المقام: صحنه كبير وعلى جهتهِ الشمالية تشاهد ألواح للقبور كتب عليها أسماء الموتى، وقل لي السادن أن هذه الألواح دخلت في الصحن حينما وسع قديماً والألواح مبنية على جدار صحن المقام الشمالي، وفي الجهة الغربية للصحن تشاهد ساحة لإستراحة الزائرين وهي مرتفعة بعض الشيء وتتخللها أعمدة وهي مسقفة لتظلل الزائرين وقد فرشت بالحصران والفرش. وعلى يسار مدخل المقام يوجد مكان للمغاسل والوضوء استحدث في عصرنا الحالي. وفي الصحن توجد شجرة من السدر. وعلى يمين مدخل المقام أي الجهة القبلية توجد حجرة مرتفة وفيها بئر عميق وفيه ماء وعلى البئر وسيلة لرفع الماء من البئر (حبل ودلو) ويأخذ الزائرين من من ماء هذا البئر للتبرك، ويرمى في البئر رُقاع الحوائج التي سوف نورد كيف كتابتها وما ذُكر في تجربتها، وهذا البئر وسع في زماننا هذا أيضاً، وأنصح إخواني المؤمنين من الخدمة ممن يقف على البئر أن لا يقول للزائرين بأن هذا بئر الغيبة أو مكان الغيبة، فهذا مما يعود رزؤهُ علينا ولم يثبت ذلك، والبئر قد حُفرت قديماً لخدمة زائري المقام. فإن الماء كان قديماً في المقام ويدل على وجوده الحكاية التي رواها المجلسي قدس سره وكتب على جدران هذهِ الحجرة بعض الأدعية، وبجوار هذهِ الحجرة يوجد باب لسطح المقام.

مقام الإمام المهدي عليه السلام: يقع في الجهة الشرقية لصح المقام، وقبل دخولك له تقرأ زيارة كتبت على جدرانه الخارجية ودعاء (اللهم كن لوليك...) ثم تنزل دكتين وللمقام باب من حديد ثم تدخل بيت المقام وتراه قد زين إلى منتصفه بالقاشي الأزرق وفيه محراب على يسار الداخل للمقام وهو مزين الآخر الأزرق، وكُتب أعلاه تأريخ هذا التزيين 1352 هـ وعبارة يا صاحب الزمان عليه السلام ولون اللوحة التي كُتب عليها التأريخ أصفر.

يعلو هذا المقام قبة شامخة لونها الأزرق فاتح أثر بها طول المدة وأشعة الشمس, وكتب حولها سورة الأنفطار وهي ناقصة عدة كلمات, ثم بعد السورة كُتب سنة تشييد المقام وإسم المشيد والساعي له وكتبت هذهِ الكتابة بخط الثلث لكن قراءته جداً صعبة بحيث اني عرضتهُ على الخطاطين فلم يقرأوا الكتابة كُلها وسوف أذكر ما حاولنا قراءته أثناء صعودي للقبة في 12 ربيع الأول من سنة 1425هـ.

جهة اليمين من الأعلى:

الباذل لهذا الخير أميرهُ وبدّله الملك السعيد

جهة اليسار من الأعلى:

لخير الائمة قد تم بنيان مقام صاحب الزمان على يد الراجّي

جهة اليمين من الأسفل:

راجة .... الخان حسن محمود آباد الهندي لا زال موفقا

جهة اليسار من الأسفل:

من جدّه الأجر والمعونة السيد علي كمونة 1308هـ

مقام الإمام الصادق عليه السلام: وللمقام هذا، بابان تدخل إليه من مقام الإمام المهدي عليه السلام وباب على جهة خلف القبلة تطل على صحن المقام وهذا المقام ملاصق لمقام الإمام المهدي عليه السلام ومساحتهُ اكبر منه، ومحرابه على جهة القبلة ومزين بالقاشي وعليه لوحة كتبه عليها مقام الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

ولقد أجري الماء والكهرباء للمقام أوائل هذا القرن.

خدمة المقام:

1ـ (ولمقام الحجة عليه السلام هذا خدمة يتعاهدونه بالكنس والضياء, ولهُ محصصات من الأوقاف وتصرف في الضياء فقط, ويقال أنهُ في القديم كان خدمته ينزلون حوله ولهم دور بازائه, ولما كثرت الغارات على النجف من الوهابيين هجروا دورهم وأقاموا في البلدة وهو اليوم بأيدي الطائفة النجفية (آل أبو صيبع))...

قالهُ الشيخ جعفر محبوبة (1377ه) في كتابه ماضي النجف وحاضرها ص95 ج1.

2ـ (وأما خدمتهُ الآن هم من ذرية المرحوم عبد الله أبو دراغ وهو من خيرة أبناء النجف)... قالهُ الشيخ حيدر المرجاني (توفي في أوائل القرن الخامس عشر الهجري) في كتاب النجف بين الماضي والحاضر.

3ـ وأما اليوم فالمسؤول عن خدمة المقام الآن الوجيه صلاح جياد محسن الجنابي، وذريته الطيبين (ويظهر في الصور أحدهم وأسمهُ علي)، ولقد رايتُ والدهُ المرحوم جياد يوم كان يتولى خدمة المقام وكان كثيراً ما يحث على قدسية المكان وصاحبه عليه السلام ويحث على نظافة المقام، ويوصي أولاده بتعاهد خدمته، وأتذكر مرة سألته عن كرامة رآها فقص لي بعض الكرامات التي لم أدونها فما كان بالحسبان أن أوفق وأكتب عن تأريخ هذا المقام، وأتذكر أنهُ قال لي، مضمونه:

أن بعض الزوار جلب حصيراً ليفرش في المقام هدية، وبعد سؤالي عن سببها، قال الزائر بعد ما ذهبت إلى أهلي (وكان من سكنة محافظات العراق) شاهدت في عالم الرؤيا الإمام المهدي عليه السلام وكان معاتباً لي بقوله عليه السلام لما ذا تزورون موتاكم قبل زيارة مقامي، فصار هذا الزائر يزور المقام ثم يزور قبور موتاه في وادي السلام.

في توافد الزائرين عليه: وأن للمقام اليوم وكل يوم من الزائرين بكثرة بحيث أن الزائرين الغرباء نادراً ما يتركون زيارة هذا المقام الشريف على شهرته وأن أهالي النجف يتوافدون عليه، وبالخصوص يوم الثلاثاء وليلة الأربعاء لقول السيد ابن طاووس في مصباح الزائر ما نصه: (إذا أردت أن تمضي إلى السهلة فاجعل ذلك بين المغرب والعشاء الآخرة من ليلة الأربعاء، وهو أفضل من غيره من الأوقات)... (44)

فلمجرد هذا القول إشتهر عن الناس أن زيارة مقامات الحجة عليه السلام عامةً يوم الثلاثاء وليلة الأربعاء. ونحن من قلمنا هذا ندعو جميع العلماء والخيرين والمؤسسات وأهل تعظيم الشعائر، أن لا تفوتهم فرصة بناء وترميم هذا المقام المنيف وبالخصوص بعد ماعرفنا تأريخهُ الغابر، عبر هذه القرون، فهو يستحق الذكر، أسوة بالمشاهد المعظمة الأخرى.

فنختم الكتاب بثلاث فوائد لابد منها:

 

 

 

 

الهوامش


(1) السهلة: في أرض الكوفة معروفة وسميت بالسهلة لإنبساط أرضها والأراضي المجاورة لها.

(2) الصحيفة المهدية ـ ص334 محمد باقر الأبطحي.

(3) ظهر الكوفة: إسم من أسماء النجف.

(4) في رواية أخرى (اللذين صليت فيهم).

(5) عن فرحة الغري ص86 وللإختصار تركت سند الحديث.

وكذلك أنظر الكافي 4: 571 الوسائل 14: 401 كامل الزيارات: 34 بحار الأنوار 100/241/20.

(6) أي ظهر الكوفة والنجف.

(7) فرحة الغري ـ إبن طاووس ص86.

إنظر بحار الأنوار 100، 246/34  أعيان الشيعة 1: 535.

(8) فرحة الغري ص87.

أنظر: وسائل الشيعة 14: 398 التهذيب 6: 34/ 71 بحار الأنوار 100، 247/ 35.

(9) تاريخ الكوفة ص90 أنظر الكافي 4/ 571 ـ 57 ج 2 مزته الغري 81 بحار الأنوار: 97/247.

(10) ذكرت هنا أحوال إثنين من رواة الحديث. دون أربع طلباً الإختصار وخوف الإطالة.

(11) سفينة البحار ـ الشيخ عباس القمي ج2 ص37.

(12) ارشاد القلوب ـ الديلمي ـ نقلاً عن مزار البحار.

(13) عنوان الشرف في وشي النجف ـ السماويy.

(14) مساجد الكوفة ـ كامل سلمان الجبوري نقلاً عن إرشاد القلوب.

(15) وسائل الشيعة ـ الحر العاملي 2/ 444.

(16) المزار الكبير ـ المشهدي ـ ص 517.

(17) ذكرهُ عنه السيد عباس الكاشاني في معراج الأحبة.

(18) تاريخ الكوفة ـ البراقي ص82.

(19) فلك النجاة ـ القزويني ـ ص 340ـ 341. (بتصرف).

(20) ماضي النجف وحاضرها ج1 ـ عن مزار البحار للمجلسي قدس سره.

(21) أضواء على تاريخ النجف ـ كاظم الحلفي عن تاريخ الطبري 9/197 ـ مقاتل الطالبيين ص156.

(22) أعيان الشيعة ـ محسن الأمين ج9 ص 77 (بتصرف).

(23) الدراري: أي در النجف (حجر معروف).

(24) أنظر بحار الأنوار ج52 ص 176/ النجم الثاقب/ جنة المأوى/ ألزام الناصب.

(25) أي مشهد أمير المؤمنين عليه السلام.

(26) ماضي النجف وحاضرها ـ الشيخ جعفر محبوبة ـ ص 95.

(27) عن كتاب ماضي النجف وحاضرها (بتصرف) لكن الشيخ جعفر محبوبة أكد أن العمارة التي بعد السيد تأريخها سنة 1310هـ، لكن التأريخ المكتوب على القبة الآن على مارأيناه هو سنة 1308 هـ. وهذا يخالف قوله.

(28) ماضي النجف وحاضرها ـ جعفر محبوبة ج1 ص95.

(29) ماضي النجف وحاضرها ـ جعفر محبوبة ج1 ص95.

(30) معارف الرجال ـ حرز الدين ج3 ص308.

(31) أعيان الشيعة ج8 ص318 (بتصرف).

(32) ماضي النجف وحاضرها ج1 ـ ص95، ص227.

(33) مساجد الكوفة ـ الجبوري.

(34) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ـ أغا بزرك ـ ج1 / ص5 (بتصرف).

(35) أعيان الشيعة ـ محسن الأمين ـ ج3/ 432.

(36) كشف الأستار ـ الميرزا النوري1 ـ ص205.

(37) كشف الأستار ـ النوري1 ـ ص206.

(38) النجم الثاقب ـ النوري1 ـ ج/ ص139.

(39) شعراء الغري ـ الخاقاني ج10 ص69 (بتصرف).

(40) اللقاء مع صاحب الزمان عليه السلام عليه السلام عليه السلام ـ السيد حسن الأبطحي ـ ص 128ـ 130.

(41) الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية ـ الشيخ فرج آل عمران ـ ج10 ص224.

(42) زيارة عاشوراء وآثارها العجيبة ـ الأبطحي ـ ص68.

(43) القصص العجيبة ـ السيد دستغيب1 ـ ص14 ـ 15.

(44) مصباح الزائر ـ ابن طاووس ـ ص 54.